إقرأ أيضا:


عباس بيضون
(لبنان)

عباس بيضونيجد القارئ في شعر نزار قباني نزهة كونية: باريس ومدريد بمسراتهما ورفاههما. لم يكن نمط العيش الغربي بالنسبة له سوى رديف للحرية والجمال فعابد الجمال الذي كانه نزار قباني يتبعه أينما كان ولا يسأل عن هويته أو مصدره. نجد طبعا في شعر قباني توبيخا مستمرا للذات العربية ولكن هذا التوبيخ هو الوجه المعكوس للفروسية. انه تحريض بطريقة أخرى لكنه ليس شكوكا ولا حيرة ولا سؤالا مسدودا. كان نزار قباني يقول تقريبا ما يقوله ابن الشارع الذي يتساءل لماذا لا نتقدم كغيرنا من الناس، ولقد ألقى كابن الشارع بالتبعة على قومه وعلى نفسه. لكن قباني لا يشك في أصله ولا حقيقته فسؤاله ليس هنا ثم انه لا يملك تجاه الغرب إحساس المستلب أو المغتصب ولا يفكر أنه محتل من الآخر أو موبوء به ولا يتساءل إذا كان هو نفسه أم أنه موصوم بذات أخرى أو منقسم الى ذاتين. فالأرجح أن هذه كانت بعيدة عن فكر قباني ومخيلته بعدها عن عمر أبو ريشة والجواهري من قبله وكلاهما كان يزأر في مناسبة الزئير ويحرض بتوبيخ وتأنيب وينعم ويرق في المغاني الأوروبية ولا يجد في ذلك تناقضا، فالواضح أن المرء يبقى هو نفسه بالنسبة للثلاثة ولا يغدو متعددا أو متناقضاً إذا هو ثار مع جمهور غاضب وامتدح رئيسا أو ملكا متسلطا وتنعم ببار وامرأة أوروبية. كان الثلاثة يعلمون أن الأصول ثابتة مهما كان الأمر. الشعراء يهيمون في كل واد لكن مرجوعهم واحد، وإذا سئلوا فعن أحوالهم لا أصولهم. كان الشعراء الثلاثة لا يشكون في أن الغرب مستعمر وإسرائيل عدوة وأنهم لم يعدوا لهما ما ينبغي من قوة. كان الأمر بسيطا هكذا، لا لوم على المستعمر ولا العدو ما دام أنهما هكذا واللوم على النفس التي لم تستعد. الشاعر يحرض سلبا وإيجابا ما دامت هذه حربا وما دام على الشعر أن يحرض. لم يتعد الأمر هذا ولم يدخل في ميتافيزيق الذات والآخر. لم يكن السؤال هو التباس الذات بالآخر ولا تلبسها له. لم يكن السؤال هو انتقال الآخر الى الداخل وغزوه الأرجح ان الشعراء الثلاثة الآنفي الذكر لم يفهموا أن الحرب قد اختلف ميدانها وأن الذات هي الآن ميدانها الأول.

لن يختلف الأمر إذا أضفنا بدوي الجبل وسعيد عقل فنحن في كل الأحوال أمام ضرب من الحماسة أو التحريض. إنها حرب ككل حرب، هي تقريبا حروب أبي تمام والمتنبي وأبي فراس وحتى الأخطل الكبير. الشاعر يحرض بسكرة انتصار مسبقة أو بنعي متأخر.

ردي يا خيول الله نهلك العذبا
ويا شرق عد للغرب واقتحم الغربا

لم تكن العصبية الوطنية والدينية تبعد عن هذا لكن القصيدة الجديدة إذا شئنا أن نبحث عن محرك شامل نشأت حوالي سقوط فلسطين والانقلابات العسكرية الأولى في المنطقة وإذا ضربنا صفحا عن نظرية الانعكاس جاز لنا أن نقول إنها بنت مرحلة التأزم القومي. الأرجح أن الشعر تدرج الى أن يكون معادلا فنيا لهذه المرحلة، بدر شاكر السياب الفرح باستلهاماته الأجنبية المعلنة، ابتكر في عدد من قصائده عراقا شخصيا أو معادلا أسطوريا للعراق. كتب السياب كثيرا من الشعر السياسي الصريح لكن الشكل الأسطوري لم يكن بالنسبة إليه استعارة إيديولوجية أو سياسية. كان الشكل يوافق مزاج السياب الرثائي وحنينه الفولكلوري ومخيلته العراقية المتصلة بالملاحم القديمة والفن الأشوري والسومري.

لكن السياب لم يملك الطموح النبوي ليجرد من شعره معادلا لمرحلة، لم يكن دانتي معلمه ولا زارادشت، ولم يسع الى أن يجعل من الشعر تجريدا متعاليا ولا كتابا للمستقبل، وبكلمة أخرى كان علينا أن ننظر قبل أن يدخل في وهم الشعر والشعر توهم أنه تأسيس للذات، ناع لجرح اغتصابها وانقسامها وانبتارها، ومستشرف لغدها، متماه مع ماهيتها المتناقضة. وليس الآخر خارج هذه العملية بل في صميمها. كان علينا أن ننتظر قبل أن يرتفع وعي الشعر لنفسه الى حد مماهاة اللغة والتاريخ والهوية أو اعتبار أن ذلك كله ماثل فيه وأنه حاضنته السحرية ومصنعه وأنه موضوعه الضمني الدائم مما يحيله، أي الشعر، الى ضرب من الأنطولوجيا القومية أو الميتافيزيق القومي. كان ذلك يتطلب غناء آخر، غناء يتطلب درجة عالية من التجريد والحلولية، حلولية الثقافة كلها. والاستبدالية، استبدال الشعر للثقافة والتاريخ واللغة. والجدلية (دراما الموت/ الحياة أو الثبات/ التحول أو الأنا/ الآخر). والرؤيوية (قراءة رؤيوية للماضي والمستقبل وللتاريخ ذاته). والملحمية (أي التوحيد التاريخي واللغوي). في ذلك كله ينبري الشعر ليتعالى على نفسه، والغناء ليتحول الى نشيد رؤيوي جدلي، وفي ذلك يتعالى الجرح القومي الى حد أنطولوجي وميتافيزيقي. إنها عملية تأسيس مستمرة بلا نهاية، والآخر في صميمها. انه الذات السلبية، أو الذات الثانية أو السرطان الذاتي، المحتل والمغتصب والمستلب لكنه أيضا المثال والمرجع وفي هذا ينطوي على التباس جدلي بالذات لا تستطيع معه أن تستعيد وحدتها، أو أن تجد نفسها. مثل هذه الرؤيا لن نجدها عند السياب. لكننا نراها بعد قليل في صورتين متفاوتتين عند خليل حاوي وأدونيس، الشاعرين اللذين وبتأثير زارادشتي رفعا الشعر الى نوع من قرآن ثان أو إنجيل خامس.

من هنا أود كعمل شبه تطبيقي أن أقرأ قصيدة لأدونيس. وسيكون أسهل أن أختار قصيدة تشير بالحرف الى الآخر أو تتضمنه في عنوانها وهي (قبر من أجل نيويورك) وفي العنوان نفسه فجوة، والفجوة هي (من أجل) التي تبعد ما بين القبر ونيويورك فلا تشتمل نيويورك على القبر وإنما تدخل معه في معادلة ثنائية. تبدأ القصيدة من محل هجومي فينيويورك (حضارة بأربعة أرجل، كل جهة قتل وطريق الى القتل) لكننا نخدع أنفسنا إذ نفترض أن مصدر هذا الهجوم هو شرقية أو عربية الشاعر. هذا الهجوم في الواقع ذو مرجع غربي، إنه نوع من تماه سلبي بالغرب إذ لا يبعد عن الذهن انه من قبيل نقد الغرب لذاته، بل هو يستعيد بعض عناوين هذا النقد الذاتي، كذلك هو الأمر حين نقرأ إشارة الشاعر لتمثال الحرية (يد ترفع خرقة يسميها الحرية) أو حين نقرأ ما يشبه السرد التاريخي لقيام أميركا (السجناء، العبيد، اليائسون، اللصوص، المرضى) إنه أيضا نوع من استعادة دارجة لتأسيس الغرب والشاعر هنا يبدأ من منصة عالمية، فهو حتى حين يقول في صورة نفاذه (كسل يشبه العمل أو عمل يشبه الكسل) أو حين يتكلم عن بشر (يحيون كالنباتات في الحدائق الزجاجية) لا يبعد عن أن يقول في أميركا ما يقول مثله شعراؤها، أنها ذات عالمية هي التي تتكلم. الأمر لا يبقى نفسه حين يجنح الشاعر الى ذاته الخاصة. ذاته الشخصية أو العربية، إذ ذاك لن يبقى الآخر واحدا، بل لن يبقى آخر صافيا. سيستقصي بالتدريج التباس الأنا بالآخر وجدلية هذا الالتباس. (لا يراني إلا زنجي) سيتماهى الشاعر الآن مع الزنجي وسينقله هذا التماهي الى رؤية ستاتيكية متدهورة للذات (الزمن يتهدل كالخرج نحو القبر، نحو الظل الأكثر عتمة، أو نحو نار تنطفئ) ومقابل عنوان القتل الأميركي هناك عنوان الاستبداد الشرقي (الفضاء يقاس بالقفص.. الزمن يقاس بالحبل).

لقد استحضر الآخر الأنا كما هو الجدل الحقيقي، الآخر هو الأصل وهو على نحو ما المثال والمعيار والذات لا تتعرف إلا عبر المثول له أو من داخل المعادلة التي تجمعهما معا.
سأتوقف قليلا عن قراءة قبر من أجل نيويورك لأبرر اختيارها. القصيدة على حده في شعر أدونيس المكتوب يومها، هي ليست فقط أقل تجريدا أو تعاليا من بقية شعره آنذاك، لكنها فضلا عن تمحورها حول موضوعها والتزامها به تعالجه بلغة قابلة أحيانا كثيرة للتحديد كاشفة أحيانا كثيرة عن أرضها الفكرية. هكذا لا يبدو الخطاب الأيديولوجي للقصيدة مشوشا كثيرا أو مموها كثيرا بل يمكن دون اعتداء على الشعر استشفافه أحيانا. يزيد على ذلك ان درجة أكيدة من التقصد الفكري قائمة هنا الى حد يمكننا ان نلحظ فيه منطقا للقصيدة، بل يمكننا معه ان نفترض ان القصيدة مفكر بها على نحو ليس دائما غير واع.

إذا عدنا للقصيدة فإن الآخر يلتبس بالأنا كلما استعاد الشعر أناه الخاصة (لنيويورك، كل ما في بلدي. الرواق والسرير، وكل شيء للبيع حجر مكة وماء دجلة) ستكون هذه العبارات التي لا يحتاج مقابلها السياسي الى بحث كبير من المفاتيح المتروكة قصدا في القصيدة لحاجتها المعلنة الى توضيح رسالتها. غالبا. كل شيء مباع للآخر حجر مكة وماء دجلة.
هذا مستوى من الكلام لا تتوقف عنده قصيدة ذات مستويات أخرى وتحديدات أخرى، ثمة قوس تتحرك عليه الأنا وقوس يتحرك عليه الآخر أو قوس للعلاقة التي تجمعهما. ثمة أسماء قريبة حرة تحلق بعيدا عن الاستلاب والارتهان لكنها كما تقول القصيدة (كوكب مشرد لا أسلاف له وفي خطواته جذوره) هنا الولادة من الذات والولادة من المستقبل وهما ركنان في زرادشية أدونيس لا يمنعان من رؤية انفراد هذه الأسماء وانفصالها عن الواقع السائد. انه استدراك لكنه استدراك صغير وثانوي أما الاستدراك المفاجئ والأكبر فيشق على نحو مبكر سياق القصيدة ويتفجر تقريبا خارجها حاملا منذ عام 1971 نذرا تشبه انفجارات 11 أيلول (تفتتي يا تماثيل الحرية) (الريح تهب ثانية من الشرق، تقتلع الخيام وناطحات السحاب وثمة جناحان يكتبان أبجدية ثانية تطلع في تضاريس الغرب، والشمس ابنة شجرة في بستان القدس) تبدو هذه العبارات انفجارا خارج منطق القصيدة. على الأقل لأول وهلة لكن يخطئ من يظن ان العلاقة الاستلابية راكدة أو متصلة إنها خطرة وانفجارية الى حد لا يمكن استباقه، أو تحمل في داخلها هذه اللحظة الانفجارية التي تبدو وكأنها حلم لا يمكن تجاهله لكن القصيدة تصحو من هذا الحلم القهري الذي كاد يدمر سياقها الى استدراك آخر. نيويورك ليست فقط الآخر المستلب إنها أيضا الآخر المثال (أجساد تحب ان تغير النظر السمع الشم) (ترتجل الجنس الشعر الأخلاق وتنفي الأقفال) هذه الأقفال هي ذاتها التي يدعو الشاعر بيروت، التي هي في مقابل نيويورك كناية الأنا، الى تدميرها (واحترق يا تاريخ الأقفال) هذا التماهي الذي يقال بحذر يتطلب تحذيرا.
(اكتبوا، أقول اكتبوا ولا أقول مومئوا ولا أقول انسخوا).

من الواضح هنا أننا ندخل في استدراك تعليمي واضح. من الواضح أيضا أننا لن ننجو من الاستدراكات ما دمنا بصدد علاقة التباس واستلاب لا تتجمد في ثنائية بل تتعاقب فيها لحظات متنافية متفاوتة. مع ذلك فإن نيويورك تستدعي بيروت وبينهما غالبا معادلة الاستلاب بل الاغتصاب المتوترة. إشارات (الفانتوم لدايان والنفط يجري الى مستقره) (في وول ستريت حيث تصب انهار الذهب من كل لون) واضحة وضوحا شبه صحفي. ثم هناك هذه المعركة بين العشب والأدمغة الالكترونية وهناك (رمل من بشر يتكاتف بروجا بروجا) (انه الكابوس التكنولوجي وكابوس الإنسان المعمم والمدينة العالمية الحديثة) لا اعرف إذا كان الشرق العربي في نص أدونيس من جهة العشب، إذا كان أدونيس يتخذ صف المجتمع الزراعي ضد المدينة الصناعية. لا استشف هذا من القصيدة وأفضل ان أرى في هذا استعادة لدعوى عالمية تتعالى لحظة، قبل ان تنخرط القصيدة من جديد في الصراع (نفكر بشعراء أميركيين) الصراع الذي يحول بين القصيدة وبين النفس العالمي الذي تجاري به ويتمان ولوركا، فمن الواضح ان الشاعر الأكثر ليبرالية ومقتربا عالميا من شعره لا يستطيع ان يخرج بحرية عن حد الصراع. نيويورك الغرب الاستعماري والمدينة العالمية المرعبة والكابوس التكنولوجي تحظى على مستويات متعددة بكراهية مقيمة. التماهي الخجول في الحرية لا يصمد فالوحل والجريمة والقتل والهلع أمور لا تترك للحرية حقيقة مع ذلك فان التماهي يتم مع هارلم الأسود والزنجي هارلم الحقود أيضا، مع وولت ويتمان ومع الهندي الأحمر ومع لنكولن لا نيكسون، فنيويورك ليست واحدة. الانشقاق أكيد والمصالحة الأدونيسية المعروفة قائمة أخيرا فهي في النهاية بين المنشقين من هنا وهناك، إنها بين لنكولن وصاحب الزنج والنفري وغزوة بن الورد بل هي أيضا مع هوشي منه وغيفارا.
سيقول أدونيس ان المعرة تتنكر للمعرى فالانشقاق أيضا في بيروت ودمشق، هذه هي المعادلة الجديدة التي لا تؤسس للمصالحة فحسب بل تتيح للشاعر ان يستعيد دون حرج هويته العالمية. انه مقيم في الشعر وكشاعر يمكنه ان ينقذ بيروت ونيويورك على حد سواء. سيكون قادرا في هذه اللحظة ان يقول لنيويورك (أكتبك وأمحوك) (أتقدمك وأعلمك السير ورائي) غير أن في هذه النرجسية الشعرية محذور ان تؤدي الى نرجسية قومية وان تسقط في التحريض الفروسي القديم ذاته لذا يفاجئنا أدونيس باستدراك صاعق (مع ذلك ليست نيويورك لغواً بل كلمة، لكن حين اكتب: دمشق لا أكتب كلمة بل أقلد لغوا... ما تزال صوتا.. خرجت من الحبر ولم تعد.. كذلك بيروت القاهرة بغداد لغو شامل كهباء الشمس) أي تفسير لهذا الكلام اعتداء عليه، لا تفسير إذن. ما قاله أدونيس كاف بذاته، معادلة الاستلاب هذه بين الجريمة واللغو، بين الصورة المرعبة ومن لا صورة له. لكن هذه أيضا لحظة غير ختامية، يعود الصراع الى دورة ثانية، تحيا المعادلة من جديد، يسترجع الكلام مستوى عالميا، وكمطلق شاعر من (البت) الأميركي يقترح أدونيس إخراج نيويورك من نيويورك. مخاطبا كشاعر من (البت) الجد ويتمان. مستعيدا تفاصيل الحرب الفيتنامية مقحما يوميات وأقوالا لنيكسون وماكنمارا قبل ان يجمع في لحظة ختامية كل المستويات فتداخل بيروت ونيويورك ويتداخل المستوى العالمي بالمستوى الصراعي ويظهر كولاج من تفاصيل نيويوركية وبيروتية. لا نعرف إذا كان هذا إيعازاً بمصالحة أو على الأقل مونتاجا نهائيا للقصيدة. هذه الخلاصة إذا جاز القول لا تغلق الكلام أنها تفتحه لدورات أخرى من صراع معلق. انه صراع ذو لحظات متنافية واستدراكات ومحطات انفجارية. كالعادة يحرك أدونيس ورشة واسعة من المقتربات والمداخل، لكن القصيدة استثنائية في شعره وسنجد لذلك ان الغناء الأدونيسي الصرف غناء الطوبى الشعرية والرؤيا الزارادشتية يحضر بقله ويتراجع أمام معالجة فكرية وأيديولوجية لا تموه كثيرا نفسها. إنها معالجة حذرة ملأى بالاستدراكات وترجع غالبا على ذاتها، لكن المهم ان نيويورك تستدعي بيروت وكأنها ذاتها الكبيرة المفقودة أو كأنها أصلها الموبؤ، يواجه أدونيس نيويورك كمحتج عالمي ضد الكابوس التكنولوجي والمدينة العالمية وكمزارع وفي للطبيعة وكفيتنامي وكثوري لاتيني (غيفارا) وكزنجي وكعربي رغم ان العربي بلا صفة وهو الحلقة الأضعف في الصراع. يستدعي كل هؤلاء في مشروع مصالحة بين المنشقين في نيويورك وسواها وادعاء نرجسي بإنتاج نيويورك خاصة وذاتية.

نيويورك طبعاً هي أميركا والعام 71 عام عز الصين والحرب الفيتنامية، لكنه غير بعيد عن 67 حيث يتمايز العرب بهزيمتهم لا عن عدوهم ولكن أيضاً عن أصدقائهم. نيويورك لا ترى إلا ضمن معادلة الاستلاب التي تجمعها ببيروت. إنها معادلة متوترة، يعلو هجاء نيويورك ومحكمتها لكن بيروت ودمشق والقاهرة تسفل كلما طالت المحاكمة. في النهاية ستكون نيويورك حقيقة مرعبة. لكن بيروت ستكون لغواً، صفرا، اسما بلا مسمى.
إنها معادلة خانقة ذات حراك جامد محتقن ولا مخرج منها إلا بمحطة انفجارية أو طوبى شعرية أو طوبى عالمية أو نيويورك ذاتية وفي كل الأحوال تخبط بحدين: مقت الآخر المستكبر واحتقار الذات.

(*) ورقة لندوة حول (الآخر في القصيدة العربية المعاصرة) ضمن مهرجان جرش في عمان2004.