الشاعر المغربي صلاح بوسريف يناقش أطروحة دكتوراه

صلاح بوسريفناقش الشاعر صلاح بوسريف أطروحة الدكتوراه بكلية الآداب والعلوم الإنسانية ظهر المهراز بفاس، أمام لجنة علمية تتكون من الدكاترة، العربي الحمداوي (مُقدرا) ومحمد السرغيني (رئيسا) وعلال الحجام وعبد الرحمن طنكول (عضوين). وبعد مناقشات دامت أكثر من أربع ساعات منعت اللجنة صلاح بوسريف شهادة الدكتوراه بميزة مشرف جدا مع تنويه خاص من لجنة المناقشة.

موضوع الأطروحة واشكاليتها:

تناولت الأطروحة موضوع المناقشة إشكالية الكتابة في الشعر العربي المعاصر. وقد اتجهت الإشكالية كما يسميها الباحث نحو إعادة النظر في مجموعة من المفاهيم الشعرية السائدة، التي أصبحت في التداول العام تعتبر امرأ بديهيا، رغم ما يظهر في كتابات شتي من اقتراب من بعض هذه المفاهيم وإعادة بنائها.
ولعل أهم ما ذهبت الأطروحة إلي تقويضه أو تفكيكه، مفهوم القصيدة وما صاحبه من مفاهيم تابعة.
ويري الشاعر صلاح بوسريف، إن هذا المفهوم، هو مقترح من بين جملة من المقترحات التي أقدم عليها الشعر العربي القديم. وأن القصيدة لم تكن وحدها تختزل مفهوم الشعر. فالشعر تعدد وكثرة وليس مفهوما معزولا أو حصريا. وإلا بماذا نبرر وجود مفهوم القصيدة ذاته الذي يشتف من التقصيد وليس من الشعر.
فالنقد العربي القديم، أو الأصولية النقدية كما يسميها الباحث هي التي عملت علي اختزال الشعر، في كثرته وتعدده، إلى نمط واحد. أو مفهوم واحد هو القصيدة التي ستصبح هي النموذج، فيما يستمر تهميش غيرها من المقترحات بالصمت عنها أو تناسيها لأجل تكريس هذا المفهوم الذي ستمثل له بنماذج شعرية حصرية يستمر هي النموذج والإطار النصي والنظري للشعر العربي.

حداثة القصيدة ومأزق المفهوم:

سيجر هذا المفهوم خلفه جملة من المعايير المحددة للشعر، مثل مفهوم البيت الشعري، وما يتميز به من استقلال، وكذلك القافية والتوازي الذي يضمن للقصيدة توزيعا يقوم في جوهره على البعد الشفاهي الذي كان احد الأسس البانية للقصيدة في شكلها وأسس بنائها فالشفاهي، باعتباره البنية الكبرى، المتحكمة في توجه القصيدة، وفي خواصها البنيوية، هو ما ظل يحكم الممارسة الشعرية الجديدة الشعر الحر تحديدا، رغم ما تميزت به هذه الممارسة من جرأة كبيرة في كسر النسق والخروج علي مفهوم البيت، ووحدة القافية. وسيقترح الباحث انطلاقا من هذا الاعتبار مفهوم حداثة القصيدة لتسمية هذه الممارسة الشعرية وذلك لكونها جمعت بين لحظتين تمثلان زمنين متباعدين، فيما هي ممارسة، كانت تسعي لقلب أوضاع النص والخروج به من لحظة إلى أخرى. فانهيار التقابل في حداثة القصيدة، كان يعني انهيار احد أهم أسس البنية الشفاهية الكبرى في القصيدة، وهو ما كان سيسمح، لاحقا، ربما، بانهيار توابع أخرى، لم يقدم الشعر الحر علي خلخلتها، وظلت بما هي نظام سابق قائمة في هذا المقترح. وهذا كما يقول الباحث، ما دفعنا إلى اعتبارها قصيدة لأنها كما يسميها احد شعراء الستينات في العراق، كانت نوعا من المساومة. فالقصيدة إذن، ستظل حاضرة، وستلقي بانتسابها علي نص، جاء كمقترح خروج.

كتابات خارج السياق

قاسم حداد عملت الأطروحة، قبل الوصول إلى هذه اللحظة، علي اختبار بعض المقترحات في الكتابة الشعرية، التي لم تكن تنتسب للقصيدة وظلت بما هي مقترح خروج خارج سياق القصيدة، أو منسية بالأحرى. ما يعني إن مفهوم القصيدة والقصيدة ذاتها عملت على إخفاء غيرها وحجبه. ويذهب صلاح بوسريف إلى التجربة الصوفية، ويعتبرها تجربة شعرية خارج السياق . لأنها اقترحت تصورا في الشعر، هو غير التصور السائد. ويقدم نموذج النفري الذي تعمل الأطروحة علي كشف شعريته، بما أن الأطروحة منهجا تتبني مفهوما في التحليل يقوم علي ما تسميه بـ الشعرية الدينامية المفتوحة مستعينة في ذلك بسلالات نظرية تبدأ من الشكلانيين الروس وصولا إلى الشعرية المعاصرة كما عند هنري ميشونيك في كتابه نقد الإيقاع . ومفهوم الدينامية، يعود به الباحث إلى أصله، أي إلى يوري تينيانوف.

وتتبدي شعرية بعض الكتابات الصوفية، في كونها أسست لمفهوم المتقطع بدل الموصول، وأنها ذهبت بالشعر إلى أقصى تخومه. فهي لم تحدد جغرافيات لغوية معينة ولم يعين حدودا لغوية، أو تحديدا اغراضيا أو اجناسيا لتجربتها، بل عملت علي تفجير الشعري من خلال تذويب المسافة بين ما نسميه عادة بالتعارض بين الشعر والنثر، كما أنها هجست بالمفهوم الأوسع للإيقاع بدل الوزن الذي كان الدال الأكبر في القصيدة.
ويذهب صلاح بوسريف، إلى اعتبار تصورات الفلاسفة المسلمين، في لقائهم بثقافة الآخر، مكنتهم من بلورة مفاهيم شعرية، هي الأخرى، نظريا لم يتم الالتفات إليها. فهم هجسوا بالخيال باعتباره احد الدوال البانية لمفهوم الشعر، ولم يعودوا ينظرون إلى الشعر أي القصيدة من زاوية دال واحد مخنوق هو الوزن. الكتابة الصوفية ستفتح هذا الأفق علي ما هو أوسع لكنها ستظل منسية ولا تستمد منها التصورات أو المفاهيم التي ستبقي مؤجلة إلى حين.
ويعتبر الشاعر صلاح بوسريف إن التجربة الصوفية هي احدي انتسابات الكتابات في لحظات تبديها الأولى.
وهو الأمر نفسه الذي ينسحب علي كتابات جبران الذي كان نواة الكتابة . فجبران كتب نصوصا لم يسمها، ولم يجنسها، باستثناء نماذج محدودة كانت تنتمي إلى القصيدة في بعض تمظهراتها.
فمع جبران، الذي سينتسب في مفاصل أساسية من تجربته، للنص الصوفي، سيحدث انتقال فعلي، جمع فيه بين الممارستين، النصية والنظرية. وبالعودة إلى كتابات جبران سيبدو بوضوح، سعي جبران لكتابة شكل مفتوح، ولوضع المفاهيم المرتبطة بالقصيدة والمصاحبة لها جانبا. وهو ما سيظهر علانية، في بعض كتابات جبران النظرية حين تحدث عن ذلك الشكل اللامحدود الذي اعتبره أساس الفن وروحه.

فجبران لم يجنس كتابته، ولم يحدد لها جغرافية انتماء أجناسي. بل ترك النص مفتوحا، وغير محدد وسعي نصيا إلى وضع النص في سياق داليه الكبريين، الإيقاع والخيال.

البيانات الشعرية المعاصرة
تشوش المفهومات

كما يذهب البحث في احد فصوله إلى تفكيك وقراءات البيانات الشعرية، باعتبارها ممارسة نظرية محايثة للنص الشعري ومصاحبة له. وإذا كانت الباحث عاد إلى البيانات الأولى بدءا من بيان خليل مطران (1908) فانه ووفق استراتيجية البحث، قام بتفكيك البيانات المعاصرة، أو التي قدمت نفسها كمقترح خروج عن القصيدة وعن القيم الشعرية المصاحبة لها. أي البيانات التي حاولت أن تنظر للحداثة والكتابة معا. والبيانات التي قاربتها الأطروحة هي البيان الشعري العراقي (1969) و تأسيس كتابة جديدة و بيان الحداثة لأدونيس وبيان الكتابة لمحمد بنيس ثم موت الكورس لأمين صالح وقاسم حداد، إضافة إلى ميتاجماليات اللغة للشاعر العراقي خزعل الماجدي. وبعد قراءة هذه البيانات وتأملها يخلص الباحث إلى أن اكبر مأزق سقطت فيه وهي تسعي لتجاوز مفاهيم وممارسات سابقة، باستثناء البيان العراقي هو بقاؤها أسيرة المفهومات السابقة. ولذلك فهي ظلت مطبوعة بالتشوش والارتباك الاصطلاحي والمفهومي كذلك ويظهر ذلك في عدم قدرتها تجاوز مفهوم القصيدة أو إعادة تأمله وتقويمه رغم أن هذه البيانات كانت تحرص علي إعادة التقويم. وادونيس نفسه يرى أن إعادة تقويم الثقافة العربية في احد أوجهه مرتبط بإعادة تقويم المفهومات والنظريات التي تولد عنها هذا النتاج وهذا يقول صلاح بوسريف، ما لم تقدم عليه هذه البيانات التي ظلت في أساسها تسير نظريا في طريق القصيدة.

أساسيات الكتابة شعرية المختلف

في الجانب النصي أو التطبيقي تذهب الأطروحة إلى التأكيد علي أساسيات الكتابة .
فالتجارب أو النصوص التي عملت الأطروحة علي مقاربتها، تنتمي إلى الكتابة وهي بذلك تنتسب بامتياز إلى الحداثة الشعرية، كونها ابتعدت عن هيمنة الشفاهي، ورفعت النص في مواجهة الصفحة. إضافة إلى وضعها الإيقاع كذاك مواز ومحايث للخيال، ولم تعد تعطي للوزن مفهوم الدال الأكبر بل ذهبت إلى اعتبار الإيقاع دالا أوسع وليس اكبر، لان الأطروحة في جوهرها رفضت التعامل مع مفاهيم الأوحد و الأكبر . لتذهب إلى المتعدد و المتكثر .
وهذا ما حدا بالباحث إلى استعمال مفاهيم مثل التوالج أثناء حديثة عن الوضع الاجناسي في ما سماه بـ حداثة الكتابة .

والنماذج التي اختارتها الأطروحة هي: كتاب الجمهرات لسليم بركات، و أخبار مجنون ليلى و قبر قاسم.. لقاسم حداد و ورقة البهاء لمحمد بنيس و غريب علي العائلة و بعيدا عن الكائنات لعبد المنعم رمضان. وقد خلصت المقاربة الى أن نصوص الكتابة هذه هي كتب، وليست نصوصا متفرقة. بمعنى أنها تمثل امتدادا نصيا واحدا يستغرق الكتاب كاملا.
وفي هذه التجارب ستتخذ الصفحة وضعا جديدا، يعطي للمكتوب graphique حضوره، في مقابل الشفاهي الذي كان مستبدا أو مهيمنا فيما قبل. فالبياضات والفراغات، وأشكال الخطوط، والاستثمار الأفقي والعمودي للصفحة وكذلك الاستثمار المزدوج للصفحة والنقط والفواصل كلها أصبحت في هذه التجارب باعتبارها نماذج فقط احدي العناصر البانية لشعرية النص ولكتابيته. أو كما يقول ميشونيك العلاقة بين الكلام والصمت والعلاقة بين الكتابة والبياض هي الوسيلة الأساسية للشعر وقد أصبح وفق هذا المنظور مفروضا علي الشعرية المعاصرة، إن تأخذ هذا الوضع البصري في اعتبارها . ما يعني أن الكتابة نقلت النص من وضع القصيدة كمقترح شعري الى وضع الشعر، بالنظر إليه كنمط جامع للأنواع.

ففرضية الشعرية الدينامية المفتوحة، وفق هذا المنظور تعمل علي التنبيه لأوضاعها كممارسة لا تشرط نفسها بشكل مغلق أو بدال مهيمن واكبر لأنها تقوم في أساسها علي جدلية الإثبات والمحو، وهذا، كما يقول صلاح بوسريف سر ديناميتها، باعتبارها تصيرا وترحلا دائمين.

فالكتابة بهذا المعني ستعمل على اجتراح شعرية المختلف، وهو ما سيتبدي في بلبلة الشكل الخطي للكتابة، التي لم يعد ممكنا الفصل بين الموزون والنثري فيها. بمجرد النظر في شكل كتابة النص. كما أن مفهوم البيت سيتلاشي وسيصبح المكان هو بلاغة الكتابة وليس الزمان الذي هجست به بعض البيانات التي وقعت في مأزق ما كانت تسعي لتجاوزه.

الكتابة والوضع الاجناسي

وبناء علي النتائج السابقة، فان الأطروحة ذهبت الى مقاربة الوضع الاجناسي في الكتابة، منطلقة من فرضية محو الحدود بين الأجناس أو الأنواع في الكتابة. وهي الفرضية التي عملت الأطروحة علي اختبارها في نصوص الكتابة ذاتها.

فالكتابة وضعت التصنيف الاجناسي موضع شك والتباس وهو ما سيقوض مفهوم القصيدة كذلك، في بعض أسسها التي كانت تحميها من التلاشي والانفراط.
ولعل في هذا ما يجعل الأطروحة، كما يظهر من خلال مفاصلها الأساسية، واشكاليتها كاملة، إنها تتجاوز ليس مفهوم القصيدة، بل مفهوم قصيدة النثر ذاته الذي سيصبح مفهوم الكتابة أو حداثة الكتابة كما يقترحه البحث، أكثر رحابة في استيعاب المفهوم الجامع للشهر. وبالتالي تبدو قصيدة النثر قاصرة عن تجاوز مأزقها كونها ستظل أسيرة وضع محدد، وتخضع هي الأخرى لمفاهيم الواحد و الأكبر أو الأفضل بالأحرى.

من المعني الى الدلالة

وفي مفهوم الأطروحة للدلالة والمعني. فأنها ذهبت الى أن الكتابة تجاوزت مفهوم المعني باعتباره مغلقا ومحددا. فالمعني في الكتابة لم يعد سيدا وفيها سيبدو المعني ناقصا مفتتا وغير مكتمل وهذا الخرق المعرفي الذي أنجزته الكتابة في الشعر المعاصر هو ما دفع الى وضع النص في منأى عن البيان والظهور فأصبح الغموض بالتالي سمة من سمات الكتابة.

فالشاعر لم يعد وفق هذا التصور، كما يقول جمال الدين بن الشيخ مسوغ معان أو منشغلا بالتركيب الفطري بل أصبح يعيش بجانب الكلمات فهو يستنفر المعاني المحجوبة ويزيح حدود معانيها. ويقتحم تدريجيا أراضيها المجهولة. فالمعني لم يعد يحدث دفعة واحدة، بل صار يحدث بجرعات أو هو بالأحرى وفق تصور دريدا ومفهومه مؤجل دائما وباستمرار. أي ما سينقل الكتابة من وضع المعني الى وضع الدلالة أو كما يقول الباحث الى الدلالة المنشرحة والمفتوحة أو الدينامية التي تحدث إبان الكتابة ذاتها.

الكتابة وإنتاجية القراءة

وسيذهب صلاح بوسريف في سياق تمديد أوضاع الكتابة وانطلاقا من استراتيجية الأطروحة ذاتها الى مقاربة وضع القراءة أو التلقي، فما دامت الكتابة غيرت أوضاعها ونقلت الشعر في قلبها المعرفي الكبير من الشفاهي الى الكتابي وأعطت الصفحة دورا أساسيا أو إضافيا في عملية التلقي فهذا ما سيجعل من القارئ بدوره يعيش مأزق الكتابة ومطباتها. أي أن الكتابة ستعصف بقناعات القارئ وستجعله يعيد النظر في معرفته الشعرية ذاتها.

فمن قارئ تقوده الكتابة الى قارئ يقود الكتابة. ومن قارئ مستسلم ومهيئ سلفا لاقتبال نص محدد بأولية المعني وبحتميته الى قارئ أمام نص كل شيء فيه محتمل في ضوء هذا القلب ستصبح المعرفة كما يقول صلاح بوسريف شرطا للقراءة والكتابة معا.

هذا الوضع أصبح يفرض وعي القارئ بما هو مقدم عليه. فما كان بالأمس القريب يأتيه سماعا، أو يتسرب إليه عبر مكتوب (Ecrit) محمل ببنيات وأساليب شفاهية أبطلته الكتابة لأنها وضعته ضمن شروط انكتابها، وأصبح متلاشيا أو شبه متلاش.
يعتبر صلاح بوسريف أن هذه الأطروحة في تصورها وفيما اقترحته من توجهات نظرية انطلاقا من استخلاصات نصية أو من مواجهة النصوص ذاتها تدخل ضمن مشروعه النظري والنصي الذي هو منكب عليه، وهو مشروع يعيد وفق تصوره إعادة قراءة الحداثة انطلاقا من مفهوماتها ذاتها وانطلاقا أيضا من الأصول التي ظلت حاضرة بثقلها الشعري والمعرفي في وعينا النصي والنظري لما نسميه حداثة أو كتابة في بعض الأحيان دون أن ننتبه الى مأزقها ومزالقها.

(عن جريدة القدس العربي - لندن)


 أقرأ أيضا: