إبراهيم اليوسف
(الامارات)

خلود المعلا البشرالذين تتعدّد وجوههم وتتلون حواسهم أطول عمراً أكثر التصاقاً بقشرة الحياة
لا أثرفيهم يدلُّ عليهم
يمرون أكياساً فاخرة من الخواء الحيِّ
كلما رأيتهم
أغمضت عيني على وهم أكثرإنعاماً في الصدق
نص "خواء حي"

تعدُّ مجموعة الشاعرة خلود المعلا “ربما هنا”، والتي جاءت بعد مجموعاتها الشعرية الثلاث “هنا ضيعت الزمن” و”وحدك” و”هاء الغائب”، إحدى التجارب الشعرية الإماراتية الإبداعية، ليس على صعيد التجربة الإبداعية للشاعرة المعلا، وإنَّما على مستوى جيل التسعينات الذي تنتمي إليه، وظهرفيه نتاجها الإبداعي، إلى جانب أصوات أخرى، كان لها حضورها الجليِّ، في المشهدالإبداعي الإماراتي .

تتضمن مجموعة الشاعرة 40 نصاً مكثفاً على امتداد 123 صفحة من القطع الصغير، ونصوص المجموعة هي “لايسمعني أحد، لا بدأن، هكذا أحيا أسطورتي، أحوالها، إكسير الحياة، مسيرتي الجديدة، البيت كما عهدناه، لا جدوى، هزيمة تليق بقلبي، نحوك أولي وجهي، خواء حي، الأحبة لا يغيبون، شاعرة غير استثنائية، حرة تماماً، خط العودة، وهم للنجاة، بجناح واحد، قلق الذاكرة، محيط من أرق، دون مبالاة، حين أقرر النهاية، محبتي دائمة، ارتطام مختلف، محض الظلمة، هجرة سوداء، شتاء الجسد، كل عام وأنا، ما من أحد، لغة البحر، قراءة كف، وجع مستديم، نكهة خاصة بنا، ماهية المحبة، بيضة، نضر دوماً، تماه، إبر، وهكذا افترقنا وطقوس”، حيث تتراوح هذه العناوين بين مفردة واحدة، وثلاث مفردات، حيث تأتي العناوين ذات المفردتين، في المرتبة الأولى، لتليها العناوين ذات ثلاث المفردات، فالعناوين ذات المفردة الواحدة .

إن العتبة الأولى، إلى عالم النصوص “ربَّما هنا”، تجعلنا أمام عنوان إشكالي جداً، حيث قلق واضح، في تحديد المكان الذي يستشفه المتلقي من خلال ظرف المكان “هنا” مسبوقاً بالأداة “ربَّما” التي تفتح مجال الشكِّ بالمكان، على مصراعيه، وهو هنا تجسيد لحالة شعرية - تماماً - مادام أن الشعرلايقدم معادلات رياضية، يمكن الاحتكام إليها، وإنَّما يقدم عادة مجرد حالات ذات طبيعة جمالية، فنية، دلالية، خاصة، وهو ما يسجل مطابقة مع عالم الشعر، بل هو عالم الشعر نفسه، الأمر الذي يضع المتلقي في مفترق طرق، مستدرجاً به، للإسهام، في سبر اكتشافاته المدهشة .

وتأتي العتبة الثانية مجسدة في النص الذي صدَّرت به الشاعرة مجموعتها، كي تسجل - بذلك - مقاربة أخرى، من هاتيك العوالم التي تمَّت الإشارة إليها أعلاه - وإن كانت تبدو مختلفة، ولعلَّ سبب ذلك يعود إلى أن الشاعرة - هنا - أمام حالة أخرى، تتعلَّق برباط الشاعر مع من تخاطبهم، من الأهلين، تقول:

مازلت أستند إلى محبتهم
والطريق التي تأخذنا إلى بعضنا
كم صارت بعيدة . “ص7”

من خلال هذه العتبة، الثانية، يمكن الاهتداء إلى أمرين مهمين، أحدهما يتعلق برؤية الذات الشاعرة، وعلاقتها مع الآخر، حيث لا يمكن للشاعر أن يأخذ مشروعيته، إلا عبر من هم حوله، إذ لابدّ منهم، ضمن معادلة تتألف -هنا - من: الراوي/الشاعر - الآخرون - الطريق . . .إلخ، ليكون حبَّ الآخرين زاداً لابد منه، وإن كانت الشاعرة تشير إلى أن هناك الكثير من المتاعب التي تنتظر سالكي هذه الطريق .

إذا كانت رؤية الشاعرة، تجلي حقيقة حاجة خطاب المبدع إلى متلقيه، كي تكتمل دورة الإبداع، فإن الشاعرأحوج إلى من حوله، حيث الآخرون هم الرصيد الروحي الذي لابد منه، لاسيما حينما نكون أمام رؤية متكاملة، كما هو حال أي شاعر يحسُّ بمسؤوليته تجاه أهله، ووطنه، بل وعلى نطاق كونيِّ، كما في حال عالم نصوص الشاعرة، وهو ما لامسه، بجلاء، النصُّ الافتتاحي، مموقعاً المبدع، في لجَّة مهماته، مواظباً على ممارسة وظيفته الجمالية التي تؤدي دورها الأسمى، في حياة الإنسان، تقول الشاعرة، في نص “لا يسمعني أحد”:

خلود المعلا أحتاج الليلة إلى صوت فيروزيّ
أسرِّبه إلى الجدران لتتسع قليلاً
بيتي لا يشبه البيوت
نوافذي تنفتح على أرض تكتظ بالتائهين
كلما هبت نسمة كونية
هربت من ظلي
وطرت نحو أولئك المحزونين
لايسمعني أحد من هؤلاء
بلادي لا تعطيني سوى نقطة في هامشها
البيوت العالية حولي فقدت سلالمها
أطوف ملبية نداء المحرومين
أجرب أن أتسلق صمت الأشياء
أتكئ على رغبتي في الوصول
لا أسقف ترحب بي
طرق الصعود تضيق
تأخذني إلى سقوط أكثر اتساعاً
أحتاج كثيراً إلى وسائد عالية
أسند روحي إليها
علني أصعد مرة
أصعد إلى الجنة
مرة
ولوفي الوهم . “ص 9-11”

لا تتلكأ الشاعرة، في رصد هذا العالم الأثير، حيث الحاجة إلى صوت “فيروز”، هذا الصوت الذي من شأنه أن يوسع الجدران، لأن بيتها ينفتح على سواها، حيث الحزانى، والمحرومون، هم الأقرب إليها، هؤلاء الذين لا يسمعونها، وإن كانت طرق الصعود تضيق بها، كما تصرُّ على الاعتراف بذلك، مرة أخرى، بروحها العالية، الأحوج إلى وسائد تليق بها .

مفردات هذا العالم الذي ترصده الشاعرة، هي بسيطة، شفافة، إنهاامتداد للعتبة الثانية للمجموعة، وإن كان هنا ثمة سطرسريع، يكادلايكون له أثره، لولاإحالته إلى عنوان النص نفسه “لا يسمعني أحد” بعد أن تحدِّد المعنيين، فهم المحزونون، والمحرومون الذين تعاين ما يحول بينها، وبينهم، وهم المعنيون بخطابها، في الأصل، مايثيرألمها، مادام أنها معنية بهؤلاء على وجد التحديد .

كما أن الشاعرة، لا تخفي - في الوقت نفسه - آلامها، وهي تتحدث عن هذه العلاقة بينها وبين معاشرالمعنيين بخطابها، ف”طرق الصعود تضيق/ تأخذني إلى سقوط أكثر اتساعاً”، وهي ضريبة الفنان، مرهف الإحساس التي يدفعها، مادام أنه يتوحد مع رؤيته، بل ومادام أنه دائم الانصراف إلى من يعنى بهم، من دون أي تخلِّ عنهم البتة، في إهاب تشكيل مدينتها، مدينة الحلم، والشعر، ما يذكرها بفكرة “الفردوس المفقود” الذي يبحث عنه الفنان، عادة، ساعية إلى تحقيق ذلك، ولو عبر الوهم وحده .

كلُّ الأشياء الجميلة، التي تعرف الشاعرة، كيف تختارها، وهي تسعى لتكريس معادلة ترومها قصيدتها، تبدوناقصة، في انتظار عنصر واحد، يتجسد في هؤلاء الآخرين، أسّ أية حياة سوية، معافاة، كاملة، تظل النفس تحتاجها، حتى تحقق من خلال الارتفاع بهؤلاء، إلى مستوى عالم القصيدة، الوظيفة المتوخاة من أي فن أو إبداع جماليين .

تتعامل الشاعرة، بمنتهى الحميمية مع عالمها الأثير، حيث فضاؤها: المكان، أوالكون، وقبل ذلك الكائن /الإنسان، وبدهيٌّ، أنه، وفي وسط هذا الفضاء مترامي الأطراف، ومتعدد الأبعاد، تتوجه بوصلة قلبها إلى من هو أقرب إليها، على الإطلاق، كي يرتفع بارومترهذه الحميمية إلى أعلى درجاته، تقول في نص “أحوالها”:

وجهها يسطع في الأعالي
ألوذ بها لتتمكن طواحيني من الدوران
أمشي نحوها بقلب مهزوز، لأسكن
حولها أجد الربيع بأشجاره التي لا تحصى
بحضورها أتصالح مع الحياة
غيابها
ينثرني جسداً كثيرالتجاعيد
ويلعق قلبي وحدته
لا أطيق أن أكون خارج مدارها
وجعها، عباءة تلفني
. . . . .
. . . .
مريمية أحوالها
وأحوالي مهزوزة
من ينصفني سواها؟
بغيابها تصير الأماكن أقبية
تنعدم جاذبية كوني
ماء وجودي هي
حين تتآكل داخلي الحياة
صلواتها مضاد خارق للمرارة
قلبها بوصلتي
شالها المنسوج بالنوريظلل بلدي
يغمرني بنسيم الجنة . “ص21-25”

واضح، أن هذا الكائن الاستثنائي الذي تؤسطره الشاعرة، لا يمكن إلا أن يكون سوى الأم نفسها، هذه الأم التي سرعان ما ترسم الشاعرة ملامحها، كبطل النص، حيث تسند إليها دورة البطولة، في الخطاب، كما الواقع، إلى جانب المحزونين، وإن كانت منزلة الأم الروحية على امتداد النص، لا تفتأ تشحن الرُّوح بالتفاؤل، والقوة، والحياة، بل إنها بوصلة روزنامة الشاعرة، أينما حلت:

تعبي لا حد له
هذه البلاد لا تأبه بي
أمي
تملك المطر
ولا فواصل بينهما
في حضنها
أخرج من دائرة المحرومين
نقاط اللغة هي
ولغتي ضيعت نقاطها
أرضي خاصمها الربيع
أرضها عامرة
أريدها أن تعلمني أبجدية الكلام
تناسل الحروف
ليختارني الشعر
وأكتب قصائد لاتموت
أكتب لها
ولا أستكين إلى أن تدقّ القيامة أجراسها
وأنام كامرأة لاتجيد البكاء
ويسكنها الشعر . “ص26-28”

يرتقي النص - في حقيقته - إلى الدرجة التي يحقق فيه، الكثير من شروط ملحميته، من خلال التمكن من تناول روح الأم، إلى المقام الذي تستحق، كي تكون بذلك امتداد البلاد، كما أنها اللغة، والحضارة، والإبداع، وهوفي الوقت نفسه، ليعد من النصوص التي تستغرق شريطاً لغوياً أطول، قياساً إلى المنحى العام لنصوص المجموعة التي تميل إلى التكثيف .

تعول الشاعرة على القصيدة، في أن تفتح نوافذ الحياة، على مصاريعها، كي تكتمل اللوحة التي ترسمها، حينمايستدل المتلقي، أن ماترومه الذات الشاعرة، ليس عبارة عن شأن شخصي، وذلك لذوبان هذه الذات في العالم الأكبر، وهي تهيئ له آفاق تحقيق نفسه، لأن أي إنجاز خاص، لا شأن له البتة، ما لم يكن عاماً، حيث إن هذه الذات، تعمل على نسقين:

  1. نسق الذَّات الشاعرة، في تفردها الإبداعي، وهي تلتقط ذبذبات التفاصيل من حولها .
  2. نسق الذات ترى التي ترى في الآخرين، ما يحقق معادلة سيرورة الحياة، وهي خصيصة إنسانية، تنمُّ عن حالة ارتباط متكافئة بالمحيط الاجتماعي . ومن هنا، فإن أي خطاب جمالي، لا يمكن أن يتأسس إلا بعد تفاعل هذين النسقين، في آن، مادام أن من شأن ذلك، إبداع فضاء، يرتقي إلى مقام الروح الإنسانية العالية، تلك الروح التي أومأت إليها الشاعرة، مادام مثل هذا العلو، يشكل شبكة تواشج، مع الآخرين، لا اعتكافاً في صومعة النفس، بعيداً عنهم، تقزل في نص “لابد أن”:

لابدَّ أن نحدق كثيراً في المرايا لنستدلّ علينا
نملأ شقوق أرواحنا بتفاصيل الأشياء
نطلّ على بعضنا
نتبادل كؤوس المحبة
لابد أن نتلقف من تقذفهم الحياة في فم الشمس
نبحث لهم
ولنا عن غيمة
نكلأ مساماتنا بالانعتاق
نفتح في بيوتنا مسارات للشهيق
نتبع قلوبنا ونحيا
ولنحيا أيضاً
لابدّ أن نصرخ صرختنا الأولى . “ص13-14”

لا يمكن للفردوس الذي ترصده الشاعرة، أن يكتمل من دون الآخرين، الذين تتشبث بهم، وترى فيهم نواة خطابها، ومحور رؤيتها، كما أن لا قصيدة البتة، من دون هؤلاء تحديداً، ولعل ما يميز سمو الذات لدى الشاعرة، هو تلك الروح الإنسانية التي سرعان ما تكشف عن رؤيتها للرابط بينها والعالم، فهي في رحلة بحثها عن غيمة، دائمة، لتفكر بهم، بقلب حان، قبل أن تفكر بذاتها، وهي حالة فريدة، تظهر هنا، بسلاسة، وعفوية، وبلا أي تكلف، كي تواصل معهم الحياة، عبرالشهيق “كرمز إلى الهواء الذي لا حياة من دونه”، وهم يتبعون قلوبهم، ويطلقون صرخة الولادة المنتظرة .

أجل، ما خلا استثناءات طفيفة، فإن نصوص المجموعة برمتها، تميل إلى التكثيف، حيث تعنى الشاعرة بقصيدة اللقطة، أوالومضة، أوالفلاش، كي تحقق عبرها ما هو مطلوب من وظيفة النص الإبداعي، وفي مقدم كل ذلك “الشعرية، الدهشة، البناء، الصورة . . إلخ”، وهي - في التالي - نصوص الحياة، على اعتبارها تحقق شرطها الشعري، ولعلَّ في قصائد مثل: “نكهة خاصة بنا، نضر دوماً، وتماه” وقد تم اختيارها على نحو عشوائي ما يصلح ليكون أمثلة تطبيقية هن هذا النموذج، تقول في “نكهة خاصة بنا” .

هناك أشياء في الوجود غيرقابلة للشفاء
لالشيء إلا لأننا
نخبئ عقاقيرالمحبة عن بعضنا
وندعي الانكشاف . “ص107”

حيث تبلغ مفردات النص أقل من عشرين كلمة، بيدأنها تتناول حالة حياتية، وهي أن في إمكان العالم أن يعيش في سعادة، وقوة، في ما لو أحسنّا تعاطي ما بين أيدينا من عقاقير الحب، كي ننبذ بذلك ثقافة الكراهية والحقد، تقول الشاعرة في “نص نضر دوماً”:

بدأ الخريف مبكراً
هذه السنة لا تشبه غيرها
الأوراق المتساقطة تنتشر حولي كالهواجس
لن أتمكن من التخلص من توالي فصولي
ستسقط أشجاري يوماً
لكن قلبي سيظل نضراً دوماً . “ص113”

تعتمد الشاعرة في نصهاعلى القفلة، حيث إنه بالرغم من أنها تجد أشجارها مهددة بالسقوط، بيدأنها واثقة بأن قلبها يبقى نضراً، حيث ثمة نهاية لا تشبه المقدمات التي بنيت عليها، وهو من شأنه أن يخلق الدهشة، حيث يعد السطرالأخير، ذروة شعرية هذا النص، وتقول في نص “تماه”:

انتهى الصخب
تفرقت الحياة ببطء هواجسي
امتلأ المكان بزنابق برية
تماهت روحي بحس الطبيعة
وهاهي تسير كجدول نحو الحرية . “ص 115”

إن مجموعة “ربَّما هنا” استطاعت أن تكون - من جهة - امتداداً لتجربة الشاعرة المعلا، كما أنها استطاعت - من جهة أخرى - أن تسهم في رسم ملامح جيلها الشعري، إلى جانب أصوات قليلة أخرى متميزة من الجيل نفسه، وذلك لأنه يمتلك أدواته الإبداعية، كما أنه ينمُّ عن تجربة واضحة للشاعرة . بل إنه قبل كل ذلك تنطلق من رؤية واضحة للحياة، كما أن هذه الرؤية تتم معالجتها ضمن المختبر الفني، محققة معادلتها في العلاقة الصائبة، بين ما هو جمالي وما هو معرفي، لئلا يطغى جانب على جانب، إلى الدرجة التي تتمكن الشاعرة من رصد عوالمها، بحميمية عالية، من دون أن يخرج كل ذلك عن حدود الشعرية، حيث تتفاعل الأدوات الفنية - بعامة - في فضاء النص، كي يحقق ألقه، وسطوته، من دون أي تخلّ عن عنصر الإدهاش الذي يعتبر إحدى سمات الشعرية الفعلية . .!

الخليج : 03/12/2012