يأتي ديوان-لا وصف لما أنا فيه- للشاعرة نجوم الغانم، كإحدى التجارب الشعرية الجديدة للشعراء الإماراتيين، لما فيه من خصوصية حادة، سواء أكان ذلك من خلال نضوج الأدوات الشعرية لدى الغانم، أو من خلال فهمها للحداثة، وهو ما يتجلى بوضوح لقارئ ديوانها، حيث هناك غنى بادٍ في عوالمها المتناولة، نتيجة تعاملها مع المكان، سواء أكان مسقط رأس، أم أماكن جديدة تعرفت إليها في رحلتها الحياتية الثرة، وكان لها أثرها الفني لا الجغرافي في مساحة نصها .
عنونت الشاعرة الغانم مجموعتها الشعرية الخامسة ب”لا وصف لما أنا فيه” وهو عنوان يسترعي انتباه المتلقي، ولاسيما أن الشاعر هو الأكثر مقدرة-عادة- لوصف ما هو فيه، لأن الوصف الذي ظل طويلاً من مستلزمات الشاعر وعدة القصيدة، لا يزال طوع يديه وإن كان يعبر عما يريد على نحو مختلف، بحيث لا يغدو الوصف عصياً عليه، بل هو يسلس له إن أراد استخدامه في التعبير عن مكنونات نفسه . واستخدام الشاعرة لمثل هذه العبارة يعني للوهلة الأولى- أنها والمتلقي على حد سواء، أمام حالة هيولية، لا يمكن للغة أن ترتقي إلى درجة الإحاطة بدقائقها وتفاصيلها، وهي غواية أولى من قبلها للمتلقي، الذي لا بد ويتبع اشتعالات الصور، كي يقف على بعض من وصف حال الشاعرة .
تهدي الغانم مجموعتها الشعرية “إلى ريم . . نجمة القلب”، وهي تحتوي سبعة نصوص هي: في الهجرات وتلويحاتها، مدن تثمل قبل عشاقها، مرادفات الحكمة- خزام البساتين المجاورة لنا وليس لنا، العابر كالنهارات القصيرة، الحرير الملطخ بأدمع آخر الليل، احتدامات الصمت الطويل'' كي تتوزع هذه النصوص إلى قصائد يغلب عليها طابع الاختزال والاقتصاد اللغوي، لتكون عبارة عن لوحات سريعة في الغالب .
وتشير الشاعرة في شرح نصها الأول-في الهجرات وتلويحاتها- إلى أنها كتبت ما بين الموت . . والموت، ولتكون اللوحات التي تقدمها غارقة في سوادها لمرة سألتك .
لما تنتحب الجنادب ليلاً
وتزرق العصافير
قبل أن يأتيها الموت”؟
بهذا المقطع - تحديداً - تفتتح الغانم أولى قصائد مجموعتها الشعرية، ليكون المتلقي في مواجهة جو جنائزي، حيث نحيب الجنادب ليلاً، وازرقاق عيون العصافير في انتظار موتها المحتوم، لِتَتِر بعدها لوحات لا تختلف عنها البتة، حيث مصير كائنات أخرى ما خلا الجنادب والعصافير مرهون للفجيعة:
“كأنها الفراشة
حين تحترق أطرافها
لمجرد التحليق قرب الموقد
ومع هذا يقولون إنه قدرها
كأنها ورقة سقطت
في يوم خريفي عادي
دون أن ينتبه لترنحها المارة
كأنها أنت
تنطفئين في زاويتك
منذ ليلة
وما من أحد يلتفت لبكائك”
لعل تتبع منمنمات مثل هذه اللوحة يجعلنا نقف أمام مفردات غارقة في اليأس والإحباط والسوداوية مثل: فراشة تحترق أطرافها القدر الورقة التي سقطت الخريف الترنح الانطفاء البكاء، حيث لا مكان خلالها لبصيص من الضوء، ما دام كل ذلك يشبه روح الشاعرة التي يرهنها الانطفاء . وإذا بدرت أضواء ما، بين لوحة وأخرى، فهي لن تكون إلا في سياق تقديم مفارقة مريرة:
في المدينة الرافلة بالأضواء
الأنيقة كتمثال تحت المطر
كان النبيل يفترش قميصه النظيف
وبجانبه لوحة كتب عليها:
“إني جائع”
في تلك المدينة
انتظرت طويلاً
أن يخلو مقعد لي لأجلس
وتهدي الشاعرة نص-مدن تثمل قبل عشاقها على هذا النحو- “إلى روما، فلورنسا، بيروجيه، أسيسي، فينيسيا، وفيرونا المدن التي باحت لي بحبه”، ليعكس هذا النص بعض الأماكن والمدن التي زارتها الشاعرة، فاحتفت بها من خلال تناول ما يلفت نظرها من خطوط تفاصيلها البارقة:
جاءت تقرأ ما يكل أنجلو
من السقف حتى أخمص قدمي آدم
رأسها ملقى فوق كتفيها
وجسدها يلتف في دائرة بلا محور
***
لكنها سعيدة
جاءت تتأمل القبة وملائكة الفردوس
وتررد لحناً شرقياً
لا تنسى الشاعرة خصوصيتها وهي تستقرئ ألوانها في تناغمها، ودفئها، وهندستها، ودلالتها، كي تكتشف نفسها-للتو- في كل هاتيك المرايا البعيدة، مادام “جسدها يلتف في دائرة بلا محور” دليلاً على حالة الصدمة الأولى في مواجهة عالم مكاني جديد . ويتكون نص “مرادفات الحكمة” من سبعة قصائد تبدو الشاعرة خلالها أقل ألماً، وأكثر تمكناً من قيادة دفء اللحظة، وقراءة ما حولها تقول في قصيدة “الخرز الطائر”:
“بدأت أنسى انكسارات الليل
وخيانات الأزقة
التي اعتقدت أنها رفيقتي ذات يوم
صرت أجدل الوقت الطويل
أتفحص السماء
ملوحة لأنجمها الشبيهة بالخرز الطائر
وأدعك المصابيح المغبرة
ثم أذهب للنوم
لا لشيء
بل لأتجنب الوحدة”
وإن كانت الشاعرة لا تزال تعاني من الوحدة التي ترهقها، وتدفعها للهروب إلى النوم:
“أغمض عيني
لتأمل حافة أجفاني
واحتفاء رنات الضوء السكرانة”
بيد أنها لا تمل من انتظاراتها الغودوتية، لتكسر وطأة وحدتها، ويمتلئ المكان بالأنس:
“قلبي يتطوح بين الأسوار
وعيناي ثابتتان خلف أجفانهما
على أمل أن يطرق الباب
كائن ما”
ويبدو أن خفة نبرة الألم ولو قليلاً- تأتي على حساب النص الذي يجنح تحت وطأة الحكمة إلى تسمية الأشياء بأسمائها . كما أن نص- خزام البساتين المجاورة لنا . . وليس لنا، والذي يتوزع بدوره إلى إحدى عشرة قصيدة، يحافظ على نبرة ضمير المتكلم الأكثر هيمنة، وإن اختفى أحيانا في نصوص أخرى- لتكون الذات محور الحالة المتناولة:
لا أقدر على غزل حواشي اللغة
أو تكرار العتب
وعندما أخرج للهواء الطلق
تداهمني فواجع لم تكن بالبال
ولم يتهيأ لها قلبي
والشاعرة على الرغم مما تدفعه من ضريبة الألم الباهظة، دائمة التفكير بكتابة قصيدتها الأجمل تقول:
أحار
كيف لي أن أصلها
وهي هناك متحصنة
ككثبان في ليل شتائي
أو كمن يبتسم في عتمة
كيف لي أن أطأ أرضها
وهي منطوية لا تريد
النظر إلي؟
ويتكون نص- العابر كالنهارات القصيرة من ثلاث وعشرين قصيدة تنوس بين أقنومي الذات والأشياء التي تتأنسن على يدها، لدرجة أنها تستنطق الحجارة، وتصغي إلى أنينها:
“أسمع تأوهات الحجر الخافتة
قرب النبع
فترف أجراس قلبي
كأطيار داهمتها العواصف”
ولا يتوقف الأمر عند وحدة الحال بين الشاعرة والصخور، بل إنها تفتح سجل علاقاتها بالأشجار ساردة كل تفاصيل ذلك:
“يأتيني أنينها
الأشجار التي كانت حتى عام مضى
حارسة البيت
وسيدة أروقته
فأفتح لها دهاليز القصائد
لتقرأني
وتتذكر أن ماءها
سيكون من بئر قلبي؟”
إذا كانت قصيدة الغانم ترهن نفسها للحديث عن الهم-وهو ذاتي هنا- من خلال علاقاتها بالآخرين الذين يبتعدون عنها، فجأة، وإن كان حضورهم إلى جانبها، وتفاعلهم مع لحظتها يشكل بلسماً لجراحاتها، ورياً لظمأ روحها في مواجهة أسئلتها السرمدية، فإن في علاقة الشاعرة بالمكان- سواء أكان من خلال مفرداته الرئيسة في عنوانها الأول- أو العناوين الأخرى، وراحت تمعن في تسليط عدسة روحها عليها، لالتقاط ملامحه الرئيسة، كي تتصادى في قصيدتها، وتنم عن التقاء حضارتين، إنسانيتين، ما كان يدفعها -باستمرار-إلى القراءة المكان الجديد في ظل رائحة ماضيه إبداعاً، وخصوصية، وموقفاً من الآخر، وتقف برهبة وخشوع كبيرين إزاء كل مفرداته، وإن كانت ستتلظى في قراءتها تلك، لأن ألمها الذي تستدركه بالبلسم العابر من مهادنات النفس سرعان ما يعود، وهو يشعل نار الذكرى .
والشاعرة لا تستطيع الكتابة خارج لحظة الألم المشار إليه، وإن تعافت من كابوس لحظة ما، هرولت لاستذكار الألم نفسه، كي تواصل أسئلتها الوجودية، إزاء سؤال الموت، الذي ترفع كلتا يديها أمام شبحه، من دون أن تمحوه من اللحظة والذاكرة .
تكاد الشاعرة لا تترك شكلاً للوجع، إلا وتؤكد معاناتها منه، لتقدم نفسها كروح منذورة للألم:
الرجفة فوق رئتي
تخز القلب كمسمار صدئ
الكلمات مطوية بالشرائط
والجثة المنحازة للصمت
تكتفي بتأمل وقع الموت فوق وجوهنا
ولا يبقى الألم في حدود الروح الشاعرة - فحسب - بل إنه ينداح ليكون معجم ألم للكائنات الحية جميعها، نباتاً وحيواناً:
غداً أول الخريف
بداية جراح الأشجار
وتألم العصافير
وإذا كان الألم قد لف تلك الكائنات، فإن الجمادات نفسها لم تنج منها:
أظنها تلويحة القمر الكسير
قبل أن تبتلي المدائن
أظنه بكاء الآلهة
في موت الشطآن
وانتحار براءتنا
حتى عندما أدير الموسيقا
لا أرى سوى صور النعوش
تقترب نحوي
تتناول الشاعرة أيضاً العلاقة بين الشرق والغرب، وذلك في ضوء قراءة التاريخ، لذلك فهي تقف في موقع الحيرة أمام حقيقة التاريخ الذي تروم فك وثاقه، وقراءة وثائقه كما هي:
كلما فتحنا مدينة
انهالت نحونا جماجمها
كلما أغلقنا رتاجاً
ملأت الصرخات أروقتنا
لا ندري بأي حيلة نحل وثاق التواريخ
أو بأي خديعة نحرر سجناءها
والغانم تعتمد ميكانيزمات شعرية، تجعلها تغدو صدى نفسها- على الرغم من التأثيرات العامة لأسماء محددة على جيلها كاملاً كل بطريقته - وهو ما يدعوها لتكتب بهدي لحظتها الخاصة، ولعل ما يميز صوتها- ضمن هذا الإطار- هو توافر مقومات الشعرية في فهمها الحداثي، وهو ما ظهر في اللغة المختلفة التي لا تتقاطع مع المحفوظ، والمهيمن، لأنها أسست موقفاً حداثياً واضحاً، كما أنه يتجسد في الصورة الشعرية التي تصر على تناولها المختلف عن مثل ذلك المحفوظ المهيمن، وإن كانت - أحياناً- تجنح إلى وضوح الدلالة، وهو ما يبرز بأكثر أثناء هيمنة لحظات الألم المشار إليه، أما البناء الشعري فإن آلية التقطيع الذي تمارسه الشاعرة - بشكل واضح -للنص جعلت نصوصها أميل للقصر، وإن كان التنويع المشهدي، لا يخفي هارمونياً متواصلاً يحافظ على توفير التواشج المطلوب بين كل هاتيك المقاطع، ولعل هيمنة بعض عناصر القص على النصوص، وفرت مثل ذلك الهارموني، الذي توافر نتيجة التصاق النص بعالم الشاعرة- نفسها- أو تمخضه عنه سواء أنوعت الضمائر “أنا/ نحن- أنت/ أنتم - هو/هم” إلا أن هناك أنثى ترصد بعينها، وأحاسيسها المتأهبة كل ما تواجهه .
وإذا كانت الشاعرة تعتمد بعض عناصر القصة في نصها الشعري، فإنها تتناول الواقع من حولها بلغة غير واقعية، وإن كانت هذه اللغة سلسة، عذبة، جذابة، لأنها دأبت على الاشتغال عليها بتؤدة:
خلع العاشق قميصه
تمايل حتى أراقت الموسيقا دمها عند قدميه
وأراقه الهذيان والتعب
فهدلت المغنية بصوتها في المدى
غير مدركة أنها تجرح الوحيدين
حتى أخفت القناديل وجهها في زيتها
وانهمر البكاء
ولو تم اعتبار خلع العاشق لقميصه داخلاً في مضمار ما هو واقعي، إلا أن تمايله حتى إن تريق الموسيقا دمها عند قدميه، وهو ما يمكن أن ينسحب على المغنية التي هدلت بصوتها في المدى غير مدركة أنها تجرح الوحيدين حتى تخفي القناديل وجهها في زيتها، وينهمر البكاء .
ثمة عالم غارق في الدهشة التقطته الشاعرة، ليمثل أمام أعيننا ذلك العاشق الاستثنائي، وتلك الموسيقا المراقة، والمغنية التي يغدو صوتها جارحاً للوحيدين، وهو ما يضخ دماء جديدة في المفردات المتناولة، كما أنه يجعلنا أمام صور مركبة تشكل لوحتها الخاصة، على نحو مغاير، لا يتقاطع مع أي بناء سابق، وهذا ما يسجل للشاعرة التي تحاول الابتعاد عما هو مكرر لدى سواها، لنكون أمام عوالم أقرب إلى روحها هي:
“كقصيدة أثملتها اللغة
أخطو نحو التماثيل
وقلبي يهف لرذاذ الماء
باحثة عن أبجدية
لقول المعارك المصطخبة في رأسي
فتفاجئني صيحات العابرين
أولئك الذين لم تبتل أعينهم
أو ينشغلوا لمرأى الأطيار
تترنح يابسة من الأبراج المقفرة
الخليج
18/12/2010