بمصير سيزيف

إبراهيم اليوسف

آخر تحديث:السبت ,15/01/2011

إبراهيم اليوسف تسجل المجموعة الشعرية “افتح تابوتك وطر” لعبد العزيز جاسم لنفسها مكانة خاصة في الشعرية الإماراتية والخليجية - على حد سواء - نظراً لامتلاك النصوص التي تأتي بين دفتي المجموعة مقومات النص الإبداعي، بما يكاد لا يذكر إلا بحفريات الشاعر نفسه وروحه ورؤاه، لتحقق خصوصيتها في أعلى مدياتها الممكنة، ضمن المشهد الإبداعي الذي تنتمي إليه . ولعل أول معطيات الخصوصية المشار إليها، يتجسد في انطلاق الشاعر من تجربة ثرة، خصبة، أصيلة، مسلحاً برؤية واضحة للذات والعالم من حوله، ناهيك عن براعته في بناء عمارة نصه وعوالمه، من دون إعادة نفسه على صعيد الشريط اللغوي لديه، مترجماً بذلك مهارة الشاعر المتمكن من أدواته، الذي يقترح كل نص لديه شكله الفني - بغض النظر عن تقويم هذا الشكل - وذلك بعيداً عن شباك التنميط والتكرار .

يبدأ الشاعر ديوانه بعبارة “فامض يا طير الدار، فماذا تعرف أنت، ماذا نصنع نحن طيور الماء في ذلك البحر؟” لجلال الدين الرومي كمفتاح أول، ليقسم بعدذلك مجموعته إلى “توطئة” كما نصطلح عليها في هذه القراءة، وهي مكونة من نصين أولهما: وداعاً . . وداعاً وثانيهما: أوبرا المدينة في الطنجرة، بالإضافة إلى قسمين رئيسيين هما (أ): قميص طنجة، و(ب): في أرض الدورادو، حيث يتوزع القسم الأول إلى أحد عشر نصاً، بينما يتوزع القسم الثاني إلى ثمانية نصوص .

وإذا كان جاسم قد عنون مجموعته الشعرية (ب) “افتح تابوتك وطر” ويحتوي هذا العنوان ثلاث مفردات من بينها فعلان، وكلاهما أمر، فإن الفتح هنا - وهو فتح تابوت - وليس مجرد باب غرفة، مداه الأقصى كرد على الرقدة التي يتطلبها التابوت، متبوعاً بالفعل الآخر “طر” وهو الدورة القصوى الثانية للرد على سكينة التابوت من خلال الطيران كفعل، ولا يغيب عن ذهن المتلقي ما ينطوي عليه الفعلان المذكوران: فتح - طير - من انفتاح على آماد جديدة، تتدرج بين مديين أقصيين: قريب وبعيد، كما أن الشاعر يجعل من عبارة الرومي مفتاحاً أول لعالم نصوصه، حيث يتكرر اسم: طير - طيور مرتين، وإليه ينسب الطيران أرومة ومفهوماً، فلذلك إشاراته الصوفية المكتنزة والواضحة، ناهيك عن الدلالات التي يرمي إليها لمواجهة تناقضات الواقع .

وإذا كان جاسم قد عنون مجموعته الشعرية (ب) “افتح تابوتك وطر” ويحتوي هذا العنوان ثلاث مفردات من بينها فعلان، وكلاهما أمر، فإن الفتح هنا - وهو فتح تابوت - وليس مجرد باب غرفة، مداه الأقصى كرد على الرقدة التي يتطلبها التابوت، متبوعاً بالفعل الآخر “طر” وهو الدورة القصوى الثانية للرد على سكينة التابوت من خلال الطيران كفعل، ولا يغيب عن ذهن المتلقي ما ينطوي عليه الفعلان المذكوران: فتح - طير - من انفتاح على آماد جديدة، تتدرج بين مديين أقصيين: قريب وبعيد، كما أن الشاعر يجعل من عبارة الرومي مفتاحاً أول لعالم نصوصه، حيث يتكرر اسم: طير - طيور مرتين، وإليه ينسب الطيران أرومة ومفهوماً، فلذلك إشاراته الصوفية المكتنزة والواضحة، ناهيك عن الدلالات التي يرمي إليها لمواجهة تناقضات الواقع .

ويأتي نص - وداعاً . . وداعاً! - ليبدأ بالعنوان نفسه مخاطباً - كائناً - يستحثّه الشاعر للخروج من عالم رقاده، من دون أن نعرف عنه أكثر من أنه “منشق عن الحلقة/ عن التاج/ عن الحظيرة” وتزهر من جوارحه كل نبتة وحجر/ إنه البرزخ يفترع الكهف/ الموجة كاملة الدسم/في مرآة الغياب إلخ، وهي تفاصيل تزيد من الإبهام أثناء مقاربة كينونته المحددة - برغم اقتراح معرفته المفترضة - مادام أنه لا يرى الموت لائقاً به:

افتح تابوتك وطر
زمجر كالنمور
وافقأ حدقة الرماد
اخرج من شنطة الدم
إلى باحة الضوء
انفض عنك العفن وسوس العظام
واترك جمرة بين أسنان
الميت الذي وصل
لا ترتهن لقفل ولا لخريطة
ولا حتى للظل الذي كنته
ولست - بالتأكيد - بحاجة للنمل
يرعى في فمك

وإذا كان الشاعر يقدم مثل هذه الصورة القاسية عن مصيره في صندوق الدم، حريصاً على هذا الكائن، داعياً إياه إلى معاودة الحياة، فذلك لأنه يعرف سجاياه تماماً:

الذين من أجلهم حفرت بئر الليل
بأظافرك
وعرقك
وحواسك العشر
وسقيتهم ماء حوصلتك نقياً
لن
يسعفوك أبداً

إذاً، نحن هنا أمام شخص غير عادي، نذر نفسه للذود عن سواه، من دون أن يجني اهتمام هؤلاء أنفسهم به، بل إن تلك الأنثى التي غامربنفسه من أجلها إلى التهلكة، هي نفسها لم تبال به:

ولا حتى تلك التي عضضت جذر
وردة السم من أجلها
ونومتها فوق السرير الأثمد
ستذكر الآن

لقد خسر كل من حوله، وبات يعيش حالة اغتراب هائلة، من دون أن يكترث به هؤلاء الذين عني بهم، إننا - في الحال - أمام شخص غيري، يترفع عن الاكتراث بأسئلته الذاتية، وينصرف إلى العيش من أجل محيط، لا يأبه به البتة، ليحاول تسجيل مقاربة بينة لتفهم هوية هذا البطل الغيري:

غريباً عشت ما بينهم
ووحيداً
كما عشت
تموت

ولأنه يمتلك مثل هذه الصفات والخصال الغيرية الحميدة، فإن الشاعر يكسر ما بينهما من مسافات، يتوجه إليه بأسئلته، ليقدمه كما يليق به، ربما يكون الشاعر نفسه في رؤيته، موجهاً إياه إلى الخلاص:

فلم أنت باق، تقرض قلبك
وتعلق بروزنامة
من وبر؟
صر ما أنت إليه ماض
دع الهواء يطيل عنقك على الطرقات
حطم جرة الوسواس
وتدحرج خارجها
مزق الكفن
وقل لمشيعيك: وداعاً . . وداعا . . وداعاً
اركل سقفك الواطئ
حطمه
واضرب هاويتهم
بقوتك المكينة
ودعهم يتهجون أثرك
طويلاً
طويلاً
طر طيرانك الخرافي
لا تنتظر أحداً
ولا تثق بهم
وهذه الحياة التي تزحف
كالضبع المبتور
فوق الأوحال الفسفورية
احمل عليها
واطعنها
في معناها

لعل المخاطب - هنا - يتأسطر على يدي الشاعر (الذي يطعن في المعنى سليمبركاتياً) ويرفعه إلى أطم النبوءة، ليحلق خارج مدارات البشر العاديين “ما داموا مجرد مشيعين له”، لم يقتربوا منه إلا لمواراة جسده في مجاهل العدم - ولتكون الآفاق عنواناً له، من دون أن يتمّ تأطيرها البتّة، ومن دون أن يحدّد ما الذي عليه فعله، بعد ذلك الطيران المطلوب، ما خلا أنه يعترف بأنه ليس - وحيداً - بل إن هناك “نوتياً” يرافقه في مغامرته تلك، نوتي لعله الشاعر ذاته:

وها هو النوتي رفيقك
يجدف منذ الأزل
على خشبة
الغرق
وآن له الآن
أن يصبح البحر ذاته
مرفوعاً عالياً فوق
أي درب
إذاً ثمّة ثلاثة عوالم يتناولها النص:
- عالم القبور
- عالم المشيعين
- عالم الفضاء اللامتناهي

يتدرج المكان في أكثر من شكل في نصوص المجموعة، بدءاً من التابوت الذي لا يطاق، ومروراً بالمقبرة التي كانت مكاناً مقترحاً لبطله، بالإضافة إلى المدينة التي تحيل إلى نقيضها، وهو القرية المضمرة في اللاشعور، وانتهاء بالفضاء الأكثر رحابة، الذي يعد ترجمة للحرية والخلود الأنكيدوي بالرغم من المحنة البروميثيوسية التي عاناها .

والمكان المتناول هو في إهابه الفني، لا الجغرافي، بل إنه قد يقدم من خلال ملمح أو أكثر، لتغدو المقبرة - على سبيل المثال - مفزعة، غارقة في القبح، إذا ما قورنت بالفضاء الذي يتم الاسترسال في وصفه .

والشاعر قد ذمّ عالم المقبرة الذي تلتهم فيه الحشرات فمه، وينخر السوس عظامه، كما أنه ذمّ في الوقت نفسه عالم مشيعيه الذين خذلوه، بمن فيهم تلك الأنثى التي غامر بحياته كرمى لها، ولم يجد إزاء هذين العالمين، عالم القبور الغارق في سكينته، وعالم المشيعين الذين لا يستحقون إلا أن يلوح لهم مودعاً، ويفر من بين أيديهم، إذ قدم لهم كل سبل الحياة، بيد أنهم لم يقدموا له سوى تابوت، ليغيب فيه، ويغدو تحت رحمة طوابير الحشرات والعفونة:

طر طيرانك البهيج، الهو
من دون طوق
واستنهض من الغيم
حياة مستحبة
طر أمامهم
وفوقهم
وبعيداً عنهم

إن الفضاء الذي سيؤول إليه بعد التحليق، بعوالمه الرحبة، صنو البهجة، الهو، من دون أي أسر،ومن هنا يأتي حض الشاعر له، ليستولد لذاته حياة أشبه بحياة الغيوم التي تحلق في عليائها، تلك الحياة هي المستحبة والأكثر سيرورة وصيرورة . أجل، إن المكان اللائق بهذا الكائن الأسطوري، غير العادي، هو أن يكون حادياً، في الأعالي،بعيداً عن عوالم هؤلاء المشيعين، ومتناول أياديهم:

“طر أمامهم
وفوقهم
وبعيداً عنهم”

بل وأن يكون هذا الكائن بعيداً عن صخبهم وضجيجهم، وهوائهم، ومخاوفهم وقبورهم:

“تنشق نسيمك من الأعالي
بلاضجة ولا وجل
واخرج من مقابرهم
إلى الأبد” .

واضح أن الشاعر سئم عالم العلاقات الزائفة التي تحيط به، من كل حدب وصوب، وبات يتطلع إلى عالم آخر، لا يخضع لشروط عالم هؤلاء الذين يشيعونه إلى مثواه الأخير، مودعين إياه للدود والحشرات والعفونة، لذلك فهو قد أشار إليه بالتحليق إلى الفضاء الذي يتميز بكل عناصره الإيجابية المطلوبة، حيث النسيم العليل والهدوء والطمأنينة، بعيداً عن عالم المقابر الضيقة الذي لا يطيقه .

إذا كان الشاعر قد أشار في نص - افتح تابوتك وطر - إلى بطله أن يمضي إلى عناوينه العالية، فإن الكتابة تحت هيمنة روح الولع بمثل هذا المكان نفسه، تستمر لديه في أكثر من نص من نصوص المجموعة، ها هو يقول في نص “أوبرا المدينة في الطنجرة”:

سيفكرإذاً، بيده التي شالت حتفه
وبقلبه الذي لفظه في مصنع
اللحوم المفرومة هذا
سيفكر بحياته التي أريقت
قطرة قطرة
على مسلخ اللاجدوى
سيفكر بالمدينة التي أخذته لحماً
ورمته عظماً
على قارعة الطريق

ثمة هجاء بيّن هنا، للمدينة ضمن مفهوم صراع العلاقة بين ثقافات العلاقة بالمكان، الذي أشير إليه من قبل بعض المفكرين والفلاسفة الغربيين - وازدادت وتيرة ذلك ضمن فترة زمنية محدّدة - باعتبارها تجهز على خصوصية المرء، وتحيله إلى مجرد رقم مشوه، بل يتحول لدى الشاعر إلى مجرد عظم على قارعة الطريق .

مرايا المكان

لا تنفك اللحظة الشعرية على امتداد الشريط اللغوي للمجموعة عن توأمة الألم، الألم الذي يشكل جوهر هذه اللحظة، من خلال رسم الهوة غير القابلة للتجسير بين الأنا/الآخر، ضمن حالة الاغتراب الرهيبة التي يعيشها بطله معبراً عن قلق وجودي لا مناص منه البتة .

ويأتي نص “رؤية الواقف على النطع” لنكون أمام مصير محتوم لكائن يقدمه الشاعر - لا نستبين ملامحه كذلك - ولعله امتداد لحالة بطله - نفسه - الذي طالما تتبعته عدسته، مؤكداً أن ما تعرض له هذا الكائن لم يكن من قبيل الحلم:

ليس حلماً ما رأى، رأى ما لم يره
رأى، وكما لو أنه واقف على بساط
الدم، مع جلاد بوجهين كالسكين
في حفرة الحشو الأخيرة، رأى وقبل
أن يطاح برأسه، بلاداً تشرق كالقلق .

وإذا كان الشاعر - ببساطة - يرسم بطله مقدماً للنّطع، إلا أنه يسترسل في وصف البلاد التي رآها قبل “أن يطاح برأسه” “بلاد تشرق كالقلق” ولكن لا وجود لها على الضفاف/ ليس لها انعكاس ولا صورة ولا/ اسم ولا ينفذ إليها الموت ولا الكآبة/مطلقاً، فإنه يتناول على نحو عرضي، لأنه يبدو مهجوساً بالمدينة التي رآها، وكيف أنها تبقى مستغرقة في تلك الأوصاف، وإن كانت أهمية - المكان - في الحقيقة تنأى من خلال وجود - ساكنه - فهو الذي يرفع من قدره .

إن كاريكاتيرية الصورة التي يبرع الشاعر في تقديمها ضمن إهاب المفارقة، تارة من خلال تصويرمأساة بطله، وتارة أخرى من خلال الاستدلال بالمكان نفسه، على تقديم ثنائية الاستعباد/ الألم والحرية/ الخلود، لرفض واقع معين لا يفتأ الإنسان يحمل صخرة سيزيف على ظهره، مادام أنه مشدود إلى دورة مكانه الأرضي، غير مطلق جناحيه للريح لتأخذه عالياً .

لا تفتأ اللغة في نصوص المجموعة تعلن عن تجاوزها لدورها المعجمي، وذلك من خلال مقدرتها على أداء الدورالمنوط بها في الشعرية الجديدة التي تعد الاشتغال على اللغة - بحسب بعضهم - أحد المقومات الرئيسة، حيث تستمد المفردة شحنتها من خلال جملة علاقتها الجديدة، سواء أكان ذلك ضمن الجملة، أو ضمن البناء العام:

أنت
يا من تزهر جوارحك
في كل نبتة
وحجر

على الرغم من أن الضمير المنفصل - أنت - يشي بمباشرته، وكذلك جملة النداء التي يبدأ بها السطر التالي، للوهلة الأولى، إلا أن الشاعر سرعان ما يوازن المعادلة على طريقته الخاصة، عندما يواصل رسم صورته، بما تتطلبه من لغة جديدة وبناء، كي نكون في حضرة جوارح تزهر في كل نبتة وحجر .

كما أن غنى معجم الشاعر، ومهارته في تطويع مفرداته، يبدو جلياً لقارئ المجموعة، ولا سيما أن هذه اللغة تسلس بين يديه، ولا تشبه حتى نفسها بين نص وآخر، ما يعنى خضوعها لنظام شعريتها، بعيداً عن أية سطوة أخرى:

صوت ذبّاح مثل عزف منفرد
لبزق تركي
يرنّ في المحيط الشاسع
ويصير يختاً بشراعين
ويصاحب بحارة السماء

صحيح أن التشكيل - هنا - قد بدا تدريجياً من الواقعي إلى اللاواقعي، وهو يجنح لخلق الدّهشة المطلوبة، منذ أن تحول الصوت الذباح إلى يخت بشراعين، ليحلق عالياً، ويصاحب البحارة في السماء . إذ ثمة دمج واضح بين المألوف والفنتازي، من دون أن يكون ذلك تجديفاً في مناخات العبث:

حيث الفجر يتنفس
على شرفتي
ويتسلل ملاك الإشارة
إلى سريري
ويوقظني

يواصل الشاعر غرائبية الصورة في إطارها المستساغ، ولا سيما عندما يؤنسن الفجر، كي يتنفس على شرفته، بل وحين تتابع عدسته رسم المشهد على نحو أوضح، لنكون أمام ملاك الإشارة وهو يتسلل إلى سريره، ويوقظه .

والشاعر مدفوعاً بهاجس الحداثة، لا يكف عن مواصلة تجريبيته في إشادة عمارة نصه، إذ ينتقل من النص المفتوح، إلى النص الذي يأخذ معمارية قصيدة النثر، إلى القصيدة الوامضة، وإن كان ذلك ضمن سلسلة ومضات أخرى متداخلة .

وإذا كان الشاعر يكتب النص المفتوح مطوعاً السرد لمصلحة الشعر، فإن عناصر القص تبدو - أوضح - كما في نص “أين كنتم؟” حين يتوتر النص من داخله على نحو ملحوظ، ليظهر أحدهم متوارياً في الضمير الغائب الذي يهيمن بجلاء على أكثر من نص المجموعة راضخاً لمصيره الفجائعي:

حين حملوه، ومددوه على النقالة
أعادوا رأسه المرضوض إلى الوراء
قال: أين كنتم
حين وضعوا السيلان في يده، ومسحوا
بالقطن وجهه المتورم، وثبتوا جسده
بالسيور، قال: أين كنتم؟
حين احتشد الجمع وأخذت أصواتهم
تعلو مشفقة كالثغاء حوله، قال: أين كنتم؟

ثمة اشتغال واضح على اللغة في هذه المجموعة، بيد أن هذا الاشتغال لا يمضي بها وراء البهرج الشكلي، فحسب، بل أن هناك عالماً ما يظل متناولاً، له كائناته وأعرافه ونواميسه التي يقدمها الشاعر عبر صور مبهرة، تدأب على الخروج عن واقعيتها في أحايين كثيرة، معتمدة بذلك على ما يدخل في تشكيلها السوريالي، لنكون أمام عالم غرائبي يتجاور فيه الواقع من خلال المسميات والأماكن: إرم - سبأ - عمان - دلمون إلخ - كوجه مشخص للمكان المرصود - مع ما هو غير واقعي، كما أنه إلى جانب أسماء الأماكن والأشخاص العربية التي تظهر في متون نصوص المجموعة، فإن أسماء أماكن أجنبية، بل وأشخاصاً: راؤول - سيمونبوليفار - النيجيري - البوذي إلخ، وهي هنا إيماضات الطائر نفسه الذي لا يكترث جناحاه بالحدود المضروبة بين مدينة وأخرى، وشخص وآخر، بل وقارة وأخرى، لأن لا حدود تعترف به الآفاق في علوها الباذخ .