عن الشمس

إبراهيم اليوسف

إبراهيم اليوسف يمكن النظر إلى مجموعة “مقعد الرمل” وهي عبارة عن مختارات من نصوص الشاعر أحمد راشد ثاني، كحصيد إبداعي، لأحد رواد قصيدة النثر الإماراتية، بالإضافة إلى أنه من رواد قصيدة التفعيلة أيضاً، وهي نصوص تتميز بأن صاحبها قطع الصلة مع نص الذاكرة البعيدة، الذي يخضع لبنية إيقاعية خاصة، وذلك من خلال التركيز على نص الذاكرة القريبة، والمستمرة، الأكثر خفوتاً وسطوة، بالرغم من غنى تموجاتها، ليكون أنموذجاً متكاملاً عن تجربة الحداثة الشعرية التي يتفاعل خلالها الشاعر مع الرؤية الجديدة للذات والعالم، في آن واحد، وإن كان سيفرد لخصوصيته كمنتمٍ لزمان ومكان محددين، ما يستوجب ذلك، من دون أن يخضع لشكل واحد، ضمن عمارة النص الجديد، بل ليبدي رغبة إيجاد أشكاله، ضمن هذه الرؤية التجديدية تحديداً .

ثمة احتفاء باد بالذات في نص الشاعر أحمد راشد ثاني، من دون أية مساومة عليها، فهي دائمة الحضور، تكاد ألا تغيب البتة، وإن كان هذا الحضور يظهر في مستويات عدة، تتدرج بين الحضور الكامل، أو الجزئي، لدرجة أنها تكاد تكون إحدى لبنات النص نفسه، والتي لا غنى عنها، يقول في نص يعنونه ب”بومة نفسي”:

أفتعل موجة كل لحظة
كي ألعب بأصابع الشاطئ
وأقيم على الرمل
قرى الشغف
أداري جفون الألم
عن عين الشمس
وأعرف ما يدور
في مخيلة الريح
ولماذا تفضل الأمواج
الانتحار
على الحياة في البحر؟
وكحبة رمل
أكمن
بانتظار الأمواج
كي أكتشف نفسي
وها هي أمواجي قادمة
من بعيد البحر
بلا حسبان

تتأسس العلاقة الشعرية اعتماداً على الذات التي تظهر من خلال الضمير المستتر في الفعل المضارع “أفتعل” “ألعب” أقيم- أداري- أعرف- أكمن- أكتشف، من دون أن تكمن بعيداً، مراقبة ما تشكله من فضاء، وذلك لأن هذه الذات تسبغ حميمية واضحة، تجعل المتلقي ينجرف في لجّة الموجة المفتعلة، باستمرار، ويمضي في اللعبة، ويبادل الشاعر الشغف المتكون، حيث ثمة عالم غرائبي يبدأ بالتشكّل، قوامه، مفردات البحر من: موج، وشاطئ ورمل، تكاد تنتمي إلى معجم واحد، تلتقطها عين الشاعر من المرئيات من حولها، بعد أن يبث الشاعر الروح في أوصالها، وتخرج من حالتها الجمادية إلى حالة أقرب إلى الأنسنة، لتكون للشمس عين،أو تكون العين كلها، بل وليكون للريح مخيلة، وهي التي لا تعرف القرار أو القرارة شأن البحر، وسلالة أمواجه .

واضح من خلال معاينة عوالم نصوص الشاعر، أنه يترجم حالة اغتراب هائلة، ينأى -ما شاء- عن المحيط، ربما لالتصاقه به، كي تكون الطبيعة في لوحتها الأكبر ملاذه الروحي الذي يولد ذلك الشغف الهائل نفسه، وليشكل المعادلة التي تربطه بهذا العالم من خلال الانجراف في اللحظة الجديدة، ليس من منظور رومانسي، بل لاعتبار الطبيعة مطهراً روحياً لا بديل عنه:

وذاك طيري
فقد سرق الريش
من قبعة الأمواج البيضاء
وارتفع مع الأنفاس
في الهواء
أرفع تحياتي للعظمة
التي ينطوي عليها طيرانه
وأفتتح له سماء عيني
كي يسبح فيها بجناحيه
سائلاً المغيب
وهو فلاح الموت
العودة كل مرة
لأفتش حقائبه عن أعشاش
فقدتها منذ الطفولة
وابتهجت بتذكرها
وكأنها لي
حتى الآن
ولا يمنعني من ركوب الشجرة
إلا حراس الجبل
وتردد الأمواج

يتنصل الشاعر من أية علاقة ترتب عليه الخضوع خارج لوحة اللحظة التي يشكلها، ولا تطفح منها رائحة أصابعه، فالطائر الذي يحلق عالياً وحده يستحوذ اهتمامه، ويدفعه ليرفع له التحية لعظمته . ذلك لأنه قادر أن يغادر عالم الرهبة والخوف، أنى شاء، كي يطهر أرياشه وبدنه الضئيل، من أية أدران قد يتعرض لها، وهو وحده قادر أن يعيد إلى الشاعر البهجة التي افتقدها، منذ افتقد أعشاش الطيور في طفولته التي يهرول إليها، لولا أن “حراس الجبل” وأمواج البحر، يمنعونه من صعود الشجر، ليعود إلى طفولته المستلبة، ويمارس براءة التواصل مع الطبيعة كما يشتهي .

لا يرد أي ذكر -للآخر- على امتداد شريط النص، لولا عبارة “حراس الجبل” الذين تتسلل رهبتهم منذ سني الطفولة الأولى، إلى الآن، كأحد القيود التي يضيق بها ذرعاً، وكانت -ولا تزال- تمنعه من التوغل في براءة العلاقة مع الطبيعة، وأطيارها، وتوق الدنو إلى الأعشاش التي تخبئها الشجرة بين أفنانها العالية، معكرين صفوه، وممارسين عليه سلطتهم، من دون ممارسة إنسانية بالشكل الذي يريد .

وإذا كانت الغربة ثيمة مهمة، لا يفتأ الشاعر التعبير عنها، وظلت تدفعه إلى أماكن موحشة، بعيداً عن أشكال الخوف، يجد فيها بهجة لروحه الظامئة، وليفرد مع مفردات عالمه الجديد، فإنه ليظل دائم القلق، وهو يطلق أسئلته التي تظل من دون إجابة عنها:

فتشت الكتب
والقلوب
وذاقت أقدامي
نبيذ الخطوات الواسعة
لم أجد ذنوباً كافية
لاستردادك من الجحيم
ولا أحذية تليق بعمرك
ومن يومها وأنا خارق في الجبال
أتدحرج من بئر إلى بئر
مكشوفاً للعراء السفلي
أخرق صاعقة بلساني
بينما تكسو أفكاري
غبرة الحرائق المجهضة

إذا كانت ذات الشاعر لما تزل حاضرة في نصه، وأن المتلقي -هنا- أمام شخص آخر، مخاطب، يبقى مجهول الهوية، لا إحالة إليه البتة، إلا أن الاسترسال في قراءة النص، يبين أن المخاطب هو الشاعر نفسه، مادام أن ذلك الآخر لا مجال لإعادته من الجحيم الذي يأسره، كما هو حال المتكلم نفسه، الذي “يتدحرج من بئر إلى بئر مكشوفاً للعراء السفلي”، كي يعود إلى عالم الطبيعة الذي وجده أكثر أماناً، وإن كانت “أفكارها مجهضة الحرائق، يكسوها الغبار” .

ولعل نص “في كل صباح” والذي تستمر فيه الذات بحضورها اللافت، يصلح ليكون صورة عن عوالم الناص، حيث تصل الغربة الذروة، وتنشطر الروح إلى قسمين، لكي تكون الكتابة مطهراً لا بد منه -كما الطبيعة- وإن كان الصراخ يرتد من دون أن يحظى باهتمام أحد حتى الجماد نفسه:

أستلقي
وأنا الجسد
المدينة
زهرة
ولا أشك أنني أخون
أراني
وأرى خلفي يتبعني
أطويه على رأسي
وأئمّ الحجرة لتصليلي
كي أكتب
من مثلي يطلق صراخه
في الآبار
ولا تسمعه حتى الصحراء
من مثلي يغرق وجوهه
في مستنقعات الورق
كي ينسج أرواحاً خالصة
للعشب
بوركت أنا
يتجول بي خلفي
كي أطعنه في كل صباح
بأمل

ثمّة رؤية مكتملة في هذا النص لدرجة أنه يكاد يكون “مانيفستو” الشاعر، الذي يعرب عن أوج الألم الذي قد تبلغه الروح الشاعرة، وهل هناك ألم ووجع من حالة التشظّي الإنساني التي تتم كنتيجة لتردي علاقة الذات بالمحيط، والذي يكاد ألا يكون له من أثر، إلا بما يتركه من ظلال الخوف، وها هو الشاعر يتحدث مؤكداً أنه لا يزال يقود دفّة لحظته، وهو في موقع يخوله أن يحدد معالمه -تماماً- وأن يبصر أين هو الآن “أراني، وأراني خلفي يتبعني” فهو لم يقل ظلي يتبعني، بل أكد أن “خلفه” يتبعه، إذاً ثمة فصل بين “خلفه،وأمامه”، والأكثر من ذلك، أنه يطوي خلفه هذا على رأسه، كي “يكتب” ويجد في عالم الكتابة إمكاناً لإطلاق صراخه، والصراخ عنده العلامة الفارقة بينه وسواه: “من مثلي يطلق صراخه،في الآبار” إلا أن هذا الصراخ لا يبدو مجدياً، حيث لا يستحوذ على لفت انتباه أحد، لدرجة أن الصحراء من حوله، لا تكترث به .

نحن هنا، أمام كائن مختلف، كائن يترجم حرائق روحه كتابة، وهي مقاربة واضحة من عالم الشاعر، أيّاً كان، وإن كان تشظيه في هذه اللحظة يبدو أكثر، لأنه ذو “وجوه” وليس ذا وجه واحد، وإنه يغرق هذه الوجوه في “مستنقعات الورق” وهو مدرك ما يفعله هنا، لأن علاقته مع الورق ليست بدافع هدر الوقت، والهروب الخالص، بل ل”كي ينسج أرواحاً خالصة، للعشب” إنه معني ب”روح العشب” الذي يحضر من خلال تعاطيه الكتابة والغرق في عالم الورق .

وإزاء كل هذا الانشطار، لا يجد الراوي،الناص من يشيد به سوى نفسه، مادام أنه يترجم ألمه كله، من خلال بثّ الروح في العشب، وإن كانت هناك “عطالة” في التعامل مع الطبيعة نفسها، وهو يجد نفسه منقاداً من قبل خلفه، لا من قبل أمامه، فهو موزع بين عالمين: “الخلف، الأمام” ولا ينسى أن يطعن خلفه الذي يجول به، في كل صباح بالأمل، الذي يبدو جرعة ترياقية، تجعله محافظاً على ذاته المتعددة المتوزعة، وممنياً نفسه بثمار المشتهى التي تظل غير محددة، ما دامت كلمة “أمل” مفتوحة على لا نهاياتها، وهذا ما يجعل هذا الأمل أكثر جدوى، مادام أنه لم يحدد، ولم يبتسر .

إن حالة الانشطار التي يعبر عنها، تظهر في أكثر من نص، وكأنه يتتبعها بكاميرا سينمائية، لأن الخلف الذي كان يجول به في أحد نصوصه، سرعان ما يتركه وشأنه، كي يضطر للجلوس على مقاعد عربات مستقبل لا يثق به:

انقفل ورائي
وغدوت جالساً في المستقبل
كمن ينتظر قطاراً
في هذه الصحراء
كمن ينتظر مطراً
في هذا القبر

يظهر المكان بمعناه الفني، في أكثر من نص، وهو يقدّم نفسه تارة عن طريق الاسم المكاني الذي يحيل إليه، من دون إيغال في جغرافيته، أو عن طريق تحري بعض ملامحه، وهو ما يتجلى بأكثر في نص “بعد كأس” كمثال فحسب، إذ يكاد يكون نص المكان، وهو ينشر رائحته، ويرسم حدوده على طريقته:

“الآن أنزل إلى الاستقبال
وأمحو الفندق
نزلت
لم أجد الشارع ولم أنتظر
تعلقت بطرف غيمة
حملتني إلى “الخان”
وهناك على الأمواج رمتني
قلت للأمواج:
يا أمواج لا تخافي
تقدمي واحمليني حتى “شارع العروبة” فحسب
إذ من هناك بإمكاني المناداة على جبال “خورفكان”
فتهب لملاقاتي
خذي قدمي عند جبلك المقدس
تتكاثر الدروب في دمي
خذي دمي في أفلاك غوايتك
فلا أصيب إلا الفراغ” .

ولكنني اكتشفت أن الجبال لا تنتظر أحداً، وأن الأمواج قد فرت هاربة . ثمة سوداوية هائلة تكتنف عوالم نصوص الشاعرة بالرغم من أنها تنتمي إلى فترات زمنية تكاد تكون متباعدة، ضمن الشريط الزمني لتجربته مع الكتابة، وهو تماماً ما يدعوه لتشويه الزمن في منظوره، بعد أن يخسر الرهان على دورته:

“أدعو الماضي
إلى الجلوس إلى الطاولة
وأنصح المستقبل
بالهروب
النهار ميت في نظري
وها أنا أدفنه
في الكأس” .
كل هذا ما يفقده الثقة بالجسد الذي يحتفي به، ويظهرأكثر من مرة:
“ الرائحة العفنة
للأحذية
دائماً تذكرني بمصيري” .

ويدعوه إلى “فرار، وافر الوحشة”، وأن يفتقد الثقة بما يمكن أن يعول عليه، لأن “الحياة فكرة تعيسة،خطرت في ذهني”، وأن هناك “بصيص الألم”، لا الألم، بل تحتد لحظة اليأس إلى أن يقول “هذا أنا قبر قادم من الحياة”، “هذا أنا لامع،كخاتم في يد الفقدان”، وإن كان لا يكف عن أن يلهج بالتدخل، كي يتم استخدام بعض من البترول، لإنقاذ مركبته التي تغرق .

اذهبوا بقليل من هذا البترول، إلى تلك السفينة، واخرجوها من هذا الإسفلت، دمي على الإسفلت، يطارد الهواء، دمي الميت،دمي الميت، على الإسفلت، يطارد الهواء الميت .
ويكاد الشاعر يخرج على مسار الجملة الشعرية، وهو يجسد تناول مدى حالة القهر التي تنتابه، لولا أنه يستدرك ذلك في ما بعد:

“مقهورون إلى الدرجة
التي نضع فيها اللذة
لذتنا
في جرار النسيان
كي تتعتق
مع السنين” .

تنتمي النصوص جميعها، إلى قصيدة النثر، وإن كانت تتوزع بين ما هو رؤيوي وشفهي، إلى جانب اعتماد تقنية التقطيع السينمائي في بعض منها . كما أن المفردات التي يتم استخدامها، هي الكلمات البسيطة التي تقطع أية صلة لها بضروب الإيقاع الخارجي، كذلك فإن الشاعر يتحرّر من أسر الهيمنة النمطية للجملة، إذ ينوع جملته بين ما هو اسمي منها، وما هو فعلي، معتمداً في بعض الأحايين على شبه الجملة، لاجئاً إلى الاستفهام الاستنكاري أنى تطلب ذلك، ولا سيما حين احتدام لحظة الألم واليأس .

وتعج النصوص بمفردات الطبيعة والحيوان، وذلك على حساب الأنسنة المرجوة التي يستعاض عنها بوساطة الضمير المتكلم، في صيغة الجماعة “نا” وهو ما يجعل نصوص الشاعر تشكل معجماً لهذه العوالم التي تقطع اتصالها بالآخر، إلا في ما ندر، ومن هذه المفردات: الرمل- الصحراء- المطر- الأرض- الكون- الشجرة- الهواء- الماء- النجم- الجبل- الموج- الشمس- الكون- الوديان- الغيم- الطحلب- المستنقع (وهذه المفردة الأخيرة تكاد تحتل مكانة الأولوية لتكرارها) العشب- الليل- النهار- ناهيك عن تكرار مفردات أخرى: الطير- النورس- بل الأفعى- العقرب، وتكاد كلمة المرآة تحتل الأولوية في تكرارها عموماً، وترد في سياقات عدة، بل إنها وردت ثلاث مرات في نص واحد لا يتجاوز عدد مفرداته الخمسين كلمة .

يميل النص، عادة، إلى ألا تكون هناك دهشة مركزية، في أحد مواقعه، ولاسيما في موقع النهاية التي يتم التركيز عليها من قبل بعضهم، كي تتوزع هذه الدهشة لديه النص، بكامله، وإن كانت بعض النصوص الشفهية لديه، تنصرف إلى الاحتفاء بالخاتمة، وشحنها بما أمكن من دهشة:

وحيدان على السرير ماذا بإمكانهما أن يفعلا
طوال الليل
وحيدان على السرير
فتى
وفتات

لأن الفتى يبدو على ضوء رسم مفردة “فتات” وحيداً مع فتات ما، من دون أن يتم تحديده، إلا أنه بقايا المشتهى والمرغوب فيه أياً كان . أجل، إن الدهشة تظهر في إهابها الطبيعي، في مواقع مختلفة من النص:

الليل أخي بالرضاعة
والغيمة موعدي مع الصدف

وبالرغم من أن النصوص تكاد بمجملها تكون مضغوطة، مكثفة، إلا أن هناك -في المقابل- نصوصاً مكتوبة بأقل ما يمكن من مفردات:

للأصابع ذاكرة وبصيرة
كلما تذكر أصبع سميناه
أعمى
أيها المجنون خذ رملاً كافياً
كي تبني السماء
أجلس البئر على جانبي وأعد الشاي للوقت

آخر تحديث: السبت
05-02-2011