تكثف قصيدة في الطابق العاشر ديوان الشاعر عمر شبانة الجديد الطفل إذ يمضي الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، كاشفة ليس غربة الشاعر المكانية حسب، وإنما إغترابه عن ذاته أيضا، وذكرياتها إذ يقول: هنا في الطابق العاشر تجيء الذكريات كما يجيء الوحش في الغربة هنا ويذهب الشاعر يوسف عبد العزيز الذي قدم الأمسية وأدار حواراتها في رابطة الكتاب الأردنيين إلى أن شعرية شبانة تبرز تلك الرغبة الجامحة لديه بالفتك، ولذلك فقصائده هي من ذلك الطراز الشرس الصاعق المدمر، الذي يطيح بالغباء السيد الذي يحكم العالم وتلاميذه الصغار من حملة الصولجانات.
وأكد عبد العزيز في مداخلة نقدية في الأمسية التي أعقبها حفل توقيع مجموعة شبانه الطفل إذ يمضي ورغم كل هذه الشكيمة التي تلف شعره، فان له قلب طفل، هنا يبرز لنا عمر الوديع الحالم، عمر الطفل الذي يمضي لا ليحل في الشيخوخة ويتهدم، ولكن من أجل أن يولد ثانية من رماده على هيئة زهرة، أو طلقة ربما. وأشار عبد العزيز إلى أننا أمام شاعر يحمل على ظهره صليبه الذي هو بمساحة وطنه، ويخوض في برية النار غير آبه بالسماء المذبوحة فوق رأسه ولا بالأمداء الموحشة التي يندلع فيها العويل.
ورأى عبد العزيز ان الهجرة في شعر شبانه وإن بدت في مظهرها الخارجي شكلا من أشكال معاينة الخراب الشخصي، ونوعا من الوقوف على أطلال الجسد والروح، فإنها تدور برمتها في مدار المأساة الفلسطينية، وتحاول ان تتتبع محطاتها منذ عنفوان البدايات إلى فساد الأحلام. مبينا أننا تلتقي صورة الذي فيه(شبانة) وجها لوجه مع الصورة الجديدة صورة الكهل تحدث الصدمة، فالطفولة التي تمضي كما يشير عنوان الديوان ليست مجرد حفنة من السنوات، بقدر ما هي مساحة هائلة من الأحلام المغدورة. ذلك ان تلك الأحلام هي الثورة التي جرى ذبحها في فترة من الفترات، وهي عصارة تلك الأشواق الضارية في الوصول إلى الوطن المفقود. لذلك فالطفولة هنا تكتظ بكل تلك الإشراقات التي تجعل منها تميمة يحملها الشاعر الجوال أينما اتجه. وأضاف عبد العزيز:أمام هذا الجدار الذي وصل إليه الشاعر، ليست كذات مفردة وإنما كذات جمعية، أمام هذا القنوط والخيبات المتلاحقة، يحس الشاعر باللاجدوى، ويغادره الطفل الذي في داخله، تاركا بين يديه مثل هذه الوحشة الكاسرة. لا شيء يلوح في الأفق ليسند روحه، لا سلام مع النفس، ولا مسرات. لقد هدرت قربه عربة الخمسين، وها هو يصعدها مجللا بكل ذلك الغبار. ففي قصيدة الطابق العاشر في الديوان، يطل الشاعر من غرفة لا تطل على الناس والبيوت والساحات فقط، وإنما تطل على الذكريات، أيضا ينهمك في القصيدة بتأمل العالم واستقصاء أبعاد تجربته بشقيها الخاص والعام. وإذا كانت مثل هذه العملية (التأمل)، حسب عبد الغزيز تنبثق عادة من البيت الغائر في لحم التراب والذي هو بمثابة رحم أرضي كما يقول (غاستون باشلار)، فإن غرفته في الطابق العاشر لتبدو شبيهة بنسر عظيم محلق في الفضاء، أو كبساط سحري يطير فوق المدن والغابات.
وأعرب عبد العزيز عن اعتقاده أن في تدفق الذكريات والتلذذ بها بغض النظر عن العذاب الذي قد يكون كامنا بين شقوقها ثمة أفق فردوسي هنا
وبذخ يشيعه حضور الطبيعة الفلسطينية ووجوه الأصدقاء المشغولين بالحلم نفسه، حلم العودة إلى فلسطين. لتقد امتلأت غرفته على آخرها بهذه الكوكبة الجملية من عشاق الحياة. فنانون وشعراء انحدروا إليه من كل الجهات والأزمنة ليسندوا قامته. ومن جهته استعاد الشاعر عمر شبانه في ديوانه الطفل إذ يمضي أشكال ثقافية مما تربى عليه جيل الثمانينات من الشعراء في الأردن وفلسطين، على حد قوله، مؤكدا انه في هذه التجربة يلتقي الشاعر بالطفل الذي كأنه ذات يوم ويسير معه في طرقات الحياة الشاقة محاولا الإحاطة بالعالم من حوله ويلتقط ابرز معالم الحياة في دولة الإمارات حيث تختلط عشرات الجنسيات القادمة من ثقافات مختلفة.
ويصف الشاعر شبانه الأجواء التي كتب فيها هذا الديوان الطفل إذ يمضي بأنها بدأت مع خروجي من عمان إلى دولة الإمارات العربية وهذه أول مرة اذهب فيها إلى دولة خليجية، وهذه النقلة أسست لتجربة جديدة على المستويين الحياتي والثقافي وتسببت لي بصدمة تمثلت في هذه التجربة الشعرية الجديدة المتكونة من مجموعة قصائد تشكل نصا طويلا واحدا متصلا في نقاط مشتركة تحاول ان تلخص حياة إنسان منذ طفولته حتى يقارب سن الكهولة.
وذلك عبرة محطات حياة متعديدة سياسية واجتماعية وثقافية.
وحول ما يضيفه الديوان إلى تجربته الشعرية يرى أنه يشكل إضافة على المستويين، الشكل والمضمون، على مستوى الشكل اعتقد ان لغة الديوان ومفرداته وبنيته الشعرية تشكل نقله نوعية بالنسبة إلى الديوان السابقة (غبار الشخص) رغم انه يشكل امتدادا على الصعيد الموضوعي حيث انه محاولة للتعبير عن تجربة الإنساني الفلسطيني في الشتات وعلاقته مع العالم من حوله.
وكان الشاعر شبانه قرأ قصيدة جديدة بعنوان: الشاهدة في صمتها:
كم مر تحت الجسم ماء كم تبخر من رؤوس في الطريق إلى أريحا في أريحا ترقد الأرواح والأسلاف فيها يحملون الدرع والمحراث أو يبنون بيت الطين فوق جبالها وسهولها ويفجرون الماء من أفلاجها كي يرفعوه إلى بيوت نخيلها هي رحلة وألوف أعوام من القتلى على كتفي لا أحتاج أسلافي ولا أحتاج آلاف السنين من الضحايا كي أقرر أنا أنا فكرة في رأس شاعر ربما كنت تمثال شخص مضى منذ ألف سنة! شاعر قادة بيت شعر إلى حانة مرة وإلى ألف زنزانة ومئات العواصم
ومن الديوان الجديد الطفل إذ يمضي قرأ الشاعر قصيدة في الطابق العاشر:
وفيها يسترجع الطفل الذي يجيء بالذكريات وهو في الغربة: هنا في الطابق العاشر هنا..
فوق المدينة بين أبراج المدينة فوق بحر هادئ بين ارتعاشات وضوء ساخن بين انكسارات وحلم يرقد الطائر هنا في الطابق العاشر تجيء الذكريات كما يجيء الوحش في الغربة
هنا في الطابق العاشر هنا طفل يخبئ في حقيبته دفاتر من رصاص للفدائيين فتى حمل الرسائل من مخيمه إلى منفى المكاتب حالما بهواء قريته وراء النهر هنا رجل تشرد في العواصم حاملا وهما جميلا في حقائبه اسمه: الثورة وضل وضاع ضاع وضل حتى ضاقت الدنيا بقامته وصار فضاؤه.. حفرة.
ثم قرأ قصيدة بعنوان من أول الدنيا:
في نقطة ما يلتقي متهور وجبان أو يلتقي أقصى اليمين على شواطئ في نهايات اليسار في نقطمة ما لا أراني في اليسار ولا يظللني اليمين أرى يسارا في اليمين وفي اليسار أرى يمينا ألتقي امرأة أقول: هي الإلهة وتقول لي: أنت الإله في نقطة ما تغمر الأشياء روحي تغرق الأشياء في روحي وأكتشف المتاهة في لحظة ما هذه الدنيا حماقات وبحر من تفاهة
ويذكر ان شبانة الذي يعمل في الحقل الإعلامي بالإمارات، وكتب العديد من الدراسات النقدية، صدر له ديوان احتفال الشبابيك بالعاصفة، وديوان غبار الشخص، بالإضافة إلى الطفل الذي يمضي.
الرأي- لسبت 17 آذار 2007م