محمد حداد
(البحرين)

تقترح علينا عوالم يصعب تفسيرها، تنتخب بشاهق القامات من المقامات ما مات منها وما يذبح الروح، تذهب في الرمز والطلاسم، تتفنن في سرد نغماتها ببراعة الحواة، وغموض الجنيات، و تترك لنا التآويل المرتجلة كي تفضح ضياعنا في التيه، تتجاوز غموض الكلمة، ودلالات اللون، فلا حرف يسعفنا كي نفهم ولا فرشاة تطعن البياض كي تطمئن العين.. لا شعر يضاهيها ولا لوحة تفسرها، فتدخل عميقاً في دهاليز الرمز حيث لا قميص يقطع الشك، ولا قتل يحقن الفتنة..

(سحقاً للقصب الذي صار ناياً) رامبو

تجوب المجرة لتلوّن الجغرافيا بالنغم، وترسم خرائطها بأدوات لا تعترف بالتضاريس أو المحيطات، فيصبح السلم الخماسي من نصيب أفريقيا والصين، وتترك مقامي (ديلكش أزاران و أوشاق) للترك، وتنفرد بمقامي (المخالف واللامي) لميسوبوتاميا، وفي نفس الوقت تنثر مقاماتها الجريجورية على أوروبا القديمة فيكون (الميكسوليديان والدوريان) حاضرين في أثينا الأفلاطونية.. أما العرب فتترك لهم القليل من مقاماتها كمقام (راحة الأرواح والصبا) ولكنها تحرمهم من الكثير والأجمل الى أن يتفقوا على شرعيتها أولاً.
لا تأسرها الحدود، وكلما رسمت الخرائط في وجهها بلداً، تبدأ في ترتيب نغماتها بطريقة تجعلها تليق بهذا البلد.. تبتكر للآلات أشكالاً تعكس الثقافة والحياة.. تستفز الأدمغة كي تنحت القصب حتى يصير ناياً يؤنس وحشة الراعي، وتدبغ الجلد لتشده على الخشب، فتصبح الطبول رفيقة السمر والحرب، وتنسج من أمعاء الوحش أوتاراً تعزف نار الحب و حرية الغجر.
تنسّل بين حناجرنا لتخلق فينا أصواتاً تتفرد في مديح الأنبياء والوطن والحب.. تميز الصبايا بشفافية السوبرانو و حنان الآلتو، ثم تجعل الرجال في رخامة الباريتون و تألق التينور.. تختار من أجمل المخلوقات أجملها، فتنتخب لنا (فيروز) من جبال لبنان وغضبها، وتختار (بافاروتي) من أفران إيطاليا ومخابزها، ثم تفاجئنا بطفلة لم تتجاوز الثانية عشرة من أعوامها تدعى (جاميا سيمون ناش)، التي تخرج لنا طازجة من أحياء لم نسمع عنها في أمريكا أبداً ، ولا تتوقف عند أي حدود، فنراها تذهب الى إيرلنده لتختار حنجرة تشبه الملائكة إسمها (إينيا) من مكان يطلق عليه جويدور، ولا يفوتها أن تبهرنا بصوت (إبراهيم تطليسس) الذي يعتبر الحنجرة المتألقة لصوت تركيا، ومن المكسيك تخرج امرأة منتحبة تدعى (ليلا دونز) تؤكد لنا أن الصوت لا يكبله الجسد.. وإذا أرادت أن تجعلنا نذهب في التيه أكثر، تختار (بوبي ماكفيرين) الصوت الأسمر القادم من بريطانيا، والذي تجاوز الكلمة في غنائه واختار الصوت فقط ليبهرنا بقدرته وسيطرته على حنجرته، حين يترنم بنغماته المبهمة تتملكنا الدهشة ويستيقظ الإيمان فينا بأن الله يحبه.
لا يفوتها أن تتمازج مع الأديان جميعها بحرية مطلقة (إلا واحد!) تؤثث كتبهم السماوية بألحان مبتكرة تعكس الإيمان والخشوع الى نغمات رصينة لامعة، تدخل في أروقة المعابد الوثنية.. تمجد النار والريح من جهة، وفي نفس الوقت تدخل الكنيسة والكنيس، حيث لا يخلو قداس من نغماتها، فهناك جوقة تتوسط المذبح وهي تمجد الرب، وتبارك قيامة المسيح.. تتجول في تراتيل تقشعر لها الأبدان وتتطاير في المكان بوقار الأباطرة.. وأحياناً تتصاعد ابتهالات المصلين بنغمات راجية وخاشعة تنضح بألحان مليئة بالحب المطلق الذي لا تحده شريعة.. يقرأون كتبهم بأصوات نادرة وقادرة على جعلنا في البكاء لفرط الحقيقة حيناً والخيال أحيانا.. أصوات تذكرنا بالقصص وترسم لنا حياتنا الصغيرة على مقام السيدة!! ومقام الراست، ولا يطيب النداء الى الطقس المقدس إلا على مقام الحجاز.
تسكن بيوتنا وأيامنا، ولا نشعر بها وهي تنثر نفسها في تفاصيلنا، تجد في أحزاننا مكاناً يسع لارتجالاتها، فترسم بإيقاعها طريق المواكب وسير العزاء، تجعل من الأجساد مكاناً يسع للرضخ.. فيتولد الإيقاع، ومن الحناجر جمرة تشعل الحزن وتهيج الذكرى.. فيتولد اللحن، ترقبنا ونحن نصغي للسلاسل ونمجد الحديد.. ولا تكتفي فتنتخب من نغماتها الواناً تزخرف بها أفراحناً الكئيبة.. فتصبح هي سيدة العرس حيث تقودنا الى الفرح على هواها وهويتها وهاويتها، نبتسم عند بدايتها فتدب الحياة في المكان.. تستحوذ على أطفالنا قبل أن يفهموا الكلام، تأسرهم وتسكرهم، ولا ينامون إلا عندما تبدأ، حيث لا تطيب الغفوة إلا بهدهدة أمٍ تملك من جمال الصوت ما يوقظ الملاك كي يبدأ في الكتابة ويجعل النوم يغفو طويلاً في أعيننا.

هل الموسيقى من صنع البشر؟
-----------------------------------------

الايام- 4 مايو 2013