إضافة إلى كونه من الأسماء البارزة في المشهد الشعري الإيراني الراهن ،إذ أصدر مجموعتين شعريتين هما:قصائد مختارة وعالَم متأخر، وإسهامه الملحوظ في مجال القصة القصيرة، يُعد موسى بيدج الأكثر نتاجا في ترجمة الشعر العربي المعاصر إلى الفارسية، وقد صدر له مايزيد عن 20 كتابا في هذا المجال أذكر منها:
سيمفونية الجنوب ، مختارات من الشعر العربي الحديث.
إرث الدم ، مختارات من شعر المقاومة الفلسطينية.
يسوع بن الإنسان، جبران خليل جبران.
الفرح ليس مهنتي لمحمد الماغوط.
بلقيس وقصائد حب أخرى لنزار قباني.
نشيد غابة النخيل مختارات من الشعر الفارسي المعاصر .
كما يعتبر من الأعضاء المؤسسين لمجلة شعر الإيرانية، ويشغل حاليا منصب رئيس تحرير مجلة شيراز المعنية بالحوار بين الثقافتين العربية والفارسية.
بعد ترجمة عشر مجاميع شعرية لسميح القاسم وفدوى طوقان ومحمود درويش ومعين بسيسو ومحمد القيسي وتوفيق زياد وآخرين ، يلاحظ أنك لم تعد مهتما بالشعر الفلسطيني.
لأنني تيقنتُ أن من الممكن أن ندرج كل النتاج الشعري بما فيه قصائد الحب ضمن خانة شعر المقاومة.ومن الخطأ حصره بتلك القصائد التي تجابه العدو بأبسط المفردات وأكثر التعابير مباشرة،تلك قصائد ملحقة بالماضي،ترى أين هم الآن أولئك الشعراء الذين ألهبوا الجماهير بقصائد المقاومة الفلسطينية؟وهل ثمة شبه بين سميح القاسم اليوم وسميح القاسم الذي شغل واسع من جمهور القراء في ستينات القرن الماضي؟ ليس في الذاكرة شئ من قصائد المقاومة الغنائية.نحن في مرحلة جديدة نشاهد فيها
اتساع خارطة الشعر العربي وسيره نحو مزيد من التعقيد والتخلّص من المؤثرات المحلية وهو أمر رهين بالظرف الزماني والمكاني.ان ماتبقّى في ذاكرتي من المنجز الشعري لمحمود درويش هو ذلك المقطع الشعري الذي يقول فيه:"بين ريتا وعيوني بندقية
والذي يعرف ريتا ينحني
، ويصلّي لإله ، في العيون العسلية".
بمثل هذا الصنف من شعر المقاومة أعرف درويش، لا بقصائده التي كتبها في السنوات الأخيرة.؟أحيانا أتساءل في قرارة نفسي عن مدى إسهام هذه القصائد في استرداد حقوق الفلسطينيين.هل كان شعر المقاومة قبيح المنظر كفراخ البط ليدهس تحت أقدام الساسة؟ لقد غيّر هؤلاء الشعراء شيئا من نظرتهم للأمور والأحداث، وهذا خيار لا يناقش فيه.لقد تغيّرت الظروف برمتها، فيما مضى كان هناك جرح أسمه فلسطين والآن نحن إزاء مئة جرح.هل يستطيع الإنسان الشرقي أن يردد اليوم مع المتنبي :" إذا غامرتَ في شرف مرومِ، فلا تقنع بما دون النجومِ"، ان مشقة الحصول على لقمة الخبز أصابت رسالة الأنبياء بالعطب حسب الشاعرة الشهيرة فروغ فرخزاد.
ان إرادة الإنسان الشرقي التي كانت تقارع ذات يوم منبت النجوم ، صارت الآن بحجم رأس الخنفساء،يوميا يتم تصنيع، ماركات مختلفة من مبيد الحشرات للقضاء عليها.
وهل يشمل هذا الوضع المجتمع الإيراني؟
قلتُ الإنسان الشرقي ومن المؤكد ان هذا المصطلح يشمل الإنسان في خرائط عديدة .
لكن الوسط الثقافي في إيران احتفى بشعر المقاومة ورفدتَ المكتبة الإيرانية بترجمة عشر مجاميع منه؟
كان ذلك في أجواء الحرب .
هل زالت هذا الأجواء من حياة الإيرانيين؟
إنما أخلت مكانها للصراع من أجل البقاء.إنها حرب بين الفقراء والأثرياء.بين من يملكون كل شئ ومن لا يملكون شيئا.حرب بلا منتصر وخاسر والجميع يبحثون عن مأوى شعري وقصائد حب تخفف عنهم قسوة الحياة.
ترجمت لنزار قباني "بلقيس وقصائد حب أخرى"، صدر منه ثلاث طبعات متتالية وهو أمر نادر ما يحدث في الإصدارات الشعرية،آخرون غيرك من المترجمين ترجموا 3 مجاميع شعرية لنزار لم تحقق نجاحا من حيث المبيعات.ماهي معاييرك في فن الترجمة ومارأيك بالرأي القائل باستحالة ترجمة الشعر ؟
هناك جملة من الأسباب تساهم في نجاح إصدار شعري مترجَم مثل اختيار القصائد والزمان المناسب لنشرها وجودة الترجمة.
الرأي القائل باستحالة ترجمة الشعر ليس برأيي جديد، المرحوم الجاحظ قال بهذا الرأي قبل حوالي 1200عام وهو رأي مقبول لأن القصائد التي يقصدها لا يمكن ان تترجم في الغالب بطريقة جيدة وهي القصائد التي تتوافق مع التعريف المعروف:الشعر كلام موزون ومقفّى يراد منه ....مع وجود استثناءات كبعض قصائد حافظ شيرازي وجلال الدين الرومي البلخي فبالرغم من إخفاق الترجمة في نقل المستوى الفني والجمالي للنص الأصلي إلى لغة أخرى بشكل كامل لكننا نلاحظ توطد هذه القصائد في أوساط ثقافية تنتمي إلى لغات أخرى.
ان نظرية استحالة ترجمة الشعر لم تعد رائجة في الوسط النقدي،خصوصا وان أسماء شعرية كثيرة أوجدت لنفسها من خلال عملية الترجمة مكانة راسخة في إيران مثل
لوركا وريتسوس وهنري ميشو وسان جان بيرس .ولنضرب مثالا من الشعر العربي المعاصر فنزار قباني يعد حاليا الشاعر العربي الأكثر شهرة بعد جبران خليل جبران.وماكان هذا الإقبال الكبير على كتب جبران وقصائد نزار ليتحقق لولا الترجمة.
استنادا إلى إجابتك،يمكن القول ان حركة ترجمة الشعر العربي توقفت عند جيل الرواد؟
ليس بشكل عام. جيل الرواد يحظى في الوسط الثقافي العربي أيضا بأكبر عدد من الدراسات والبحوث النقدية. وللانكليز في هذا الصدد مقولة جميلة وهي "هنيئا للقدامى"،وهي تكاد تنطبق على المجتمعات الشرقية المهمومة بتقديس الماضي ومعاداة الجديد.لقد كان الرواد منبوذين من الوسط الشعري ذات يوم،ولم يحظوا باهتمام القارئ العربي الا بعد سنوات غير قليلة ،والأمر نفسه ينطبق على الشعر الفارسي المعاصر.فبعد نصف قرن تجارب الرواد وظهور أسماء مهمة تنتمي إلى أجيال جديدة، مازال القارئ الإيراني مهتما بالقصائد التي كتبت قبل نصف قرن.من جهة أخرى ثمة سبب آخر له دور في فوضى الترجمة وعدم التعريف بالتجارب الجديدة وهو غياب المؤسسات التي تأخذ على عاتقها تنظم عملية الترجمة والتنسيق بين جهود المترجمين،واعتقد ان العمل المؤسساتي في هذا المضمار سيساهم في تقديم صورة متكاملة عن المشهد الشعري العربي والعالمي.ولابد من الاعتراف ان إطلالتنا على الشعر العربي كانت ناقصة على الدوام وذات نوافذ مغلقة.
ماهي النقاط الرئيسية التي يمكن من خلالها تسليط الضوء على حركة الترجمة المهتمة بالشعر العربي في إيران؟
في إيران للشعر المكتوب بالانكليزية حصة الأسد في حركة الترجمة ،أي حوالي 70% من الترجمات الشعرية.ثم يليه الشعر المنقول عن الفرنسية وبنسبة20% وتبقى نسبة 10%هي حصة القصائد المكتوبة باللغات الأخرى.ومن المفارقات اننا نترجم قصائد من الصين واليابان والكوريتين عبر لغة ثالثة كالانكليزية والفرنسية ، وهذا الأمر يشمل قصائد من الشعر العربي أيضا فقد نُقلت إلى الفارسية قصائد للسياب والملائكة والبياتي وأدونيس عبر وسيط لغوي.أما في مجال الترجمة المباشرة من العربية إلى الفارسية فثمة 12 مترجما أغلبهم يمارس الترجمة كمهنة ثانية أو كهواية لتقضية أوقات الفراغ وهناك فوارق كبيرة في مستويات أعمالهم من حيث الجودة ،ومن المؤسف ان حركة الترجمة تفتقد للمعايير والضوابط فهناك مترجم دفعته الرغبة لترجمة مجموعة من قصائد غادة السمان وأخر وبدافع غير الرغبة أقدم على ترجمة أربع مجاميع لسعاد الصباح...وبعبارة تلخّص الإجابة عن السؤالين الأخيرين أقول ان ترجمة أعمال الأجيال الشعرية التي تلت جيل الرواد لم تنشط إلا في السنوات القليلة الأخيرة وهي ثمرة جهود مترجمين قلائل في مقدمتهم المحاوِر والمحاوَر، إذ لهما يعود الدور الأكبر والانجاز الأكثر.
باعتبارك من الشعراء الإيرانيين المطلعين على الشعر العربي المعاصر كيف تقيّم المشهد الشعري العربي؟
أعتق شاعر هو ذلك المبدع الذي يضع أن رسالة الشعر صارت ملخّصة أكثر من أي وقت مضى، لم يعد الشاعر هو ذلك المبدع الذي يضع القارئ نصب عينيه في كل واردة وشاردة، بل صار يحرص على حريته في ارتياد آفاق بكر.مع ذلك أستطيع القول ان الذهنية الفلسفية أثقلت نصوص الشاعر العربي المعاصر الذي يغور في جوهر الأشياء والوجود لكنه يعاني في الوقت نفسه من عزلة نسبية إذ يصعب على شرائح المجتمع الإبحار معه وبلوغ نفس القاع.لقد يسّر التطور التكنولوجي الكثير من جوانب الحياة، ولم يعد الإنسان المعاصر يحتمل ما هو صعب وشاق.لقد كان الفلاح فيما مضى يحرث أرضه بجهده العضلي منذ الصباح حتى المساء لكنه اليوم وبمحض ان تعطل ماكينة الحراثة يشرع بسب الأرض والسماء.بمعنى آخر أن الوعي انتشر أفقيا بين اكبر قدر من شرائح المجتمع بالمقارنة مع العصور السابقة
لكنه من حيث العمق شهد تراجعا كبيرا ولم يأخذ منحى عموديا. وعلى هذا فمن الصعب ان نتوقع من الإنسان المعاصر المحاصر بصخب الآلة والتكنولوجيا ان يتفاعل مع النصوص المغرقة بالتأمل الفلسفي.
هل أفهم من كلامك انك تطالب الشاعر بمخاطبة جميع مستويات الوعي ؟
لا بالطبع،ومن دون ان تعني هذه الا النافية إعطاء تبرير للشاعر ان يكون نائيا عن حركة المجتمع بحيث لايمكن التواصل مع منجزه الإبداعي الا بالعدسات المكبرة.والقواميس اللغوية والانسيكلوبيديات المتنوعة.
لابد من عنصر الشفافية التي تجنّب القصيدة من الجفاف. لقد أجريت في إحدى رحلاتي إلى سوريا تحقيقا ميدانيا شمل أكثر من خمسين شخصا، كانت نتائجه ان أغلبية المشاركين لايعرفون بوجود شاعر عربي اسمه ادونيس لكنهم جميعا من المعجبين بقصائد قباني.دون ان يعني ذلك بطبيعة الحال التقليل من أهمية المنجز الادونيسي .
تعيش منذ سنوات في مدينة طهران حيث الفضاء الملوّث بالمواد الكيماوية التي تبثها المصانع والسيارات،رغم ذلك تزدحم قصائدك بصفاء الطبيعة ونقاوتها، بأسماء الحيوانات الوحشية والأليفة،كيف تفسّر هذه المفارقة؟
صحيح أنني أكتب بالعربية والفارسية، لكنني أنحدر من عائلة كردية.كان جدي راعيا يبحث في الصالنجوم.اء عن المراتع الملائمة.كان شاعرا تنساب في عروقه النجوم .أشعر أنني ورثت منه نمرا وغزلان وأشجار بلوط.ألوّن قصائد، لذام الطبيعة الأزرق المائل أحيانا للبنفسجي،لذا تهجم الطبيعة أحيانا على المدينة وفي أحيان أخرى تهجم المدينة على الطبيعة.
هل أطلعت على التجارب الشعرية الكوردية؟
إلى حد ما، المترجم منها إلى العربية غالبا إذ يصعب على القراءة بالكوردية السورانية فلغتي الأولى هي الكوردية الفيلية الكلهرية.
قرأت لشيركوبيكس وعبد الله بشيو ورفيق صابر ومحمد حمه باقر وخلات أحمد التي أود أن أحييها على ترجماتها الرائعة للشعر الكردي المعاصر إلى اللغة العربية.
نماذج من قصائد الشاعر موسى بيدج
مناجاة
الهي
متى يهدأ هذا المصباح المحدّق في الطريق
والمحترق كعيون وعل غريب؟
وهذا الطفل الذي تحجّرت بسمته
هل ستزوره بذيولها المواجة الخيول؟
في حشرجة الغروب
هل يعبر القطار من جديد؟
يا الهي
لمن تّفتح الأبواب
ولمن ينتشر النحيب؟
الذكرى العبقة
الخريف يغني
وشجرة جارتنا تمطر عصافير.
لستِ في الدار
بسمتك اختفت من الرف
والألبوم سلّم صورتك للنوم
أخاف أن أفتح النافذة
فتقفز ذكراك خارجا.
اياكِ أعني
أيتها الجالسة في زجاجة العطر.