علاء اليوسفي
(الرياض)

نساء تسلّلن إلى الخشبة، فمن يواجه الأصوليّة؟

للمرة الأولى في تاريخ المملكة وقفت ثلاث نساء على الخشبة، في عرض أُعلن عنه سرّاً، وقُدّم في تجمّع سكني للأجانب في الظهران... هل هي اليمامة التي تعلن ولادة الربيع؟ في زحمة العوائق التي تبدأ بغياب المعاهد والصالات،ولا تنتهي عند بطش «هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»... على رغم تعدّد التجارب والأسماء، رحلة الألف ميل لم تبدأ تماماً في المسرح السعودي
تقدّم المسرح السعودي خطوةً إلى الأمام بعدما استطاعت المرأة أن تعتلي الخشبة للمرة الأولى في تاريخ المسرح السعودي. كان ذلك من خلال عرض «نجوم الوادي» الذي اشتركت فيه ثلاث ممثلات هنّ شعاع محمود، منى محمد، وصالحة العبدالله. إلا أنّ ذلك لم يكن نتيجة التطوّر الاجتماعي أو الديني المرتقب والمأمول الذي يرنو إليه بإلحاح جزء من النخبة السعوديّة... كانت تلك السابقة ممكنة، لكون المسرحية عُرضت في تجمّع سكني مخصّص للأجانب في مدينة الظهران. وقد وُجّهت الدعوات بشكل سرّي، خوفاً من أن تتكرر المهزلة المضحكة المبكية التي شهدتها كلية اليمامة قبل أشهر. يومها، اعتلى متشددون الخشبة محاولين منع عرض «وسطي بلا وسطية» بالقوة.

لكن أين يقف المسرح السعودي اليوم مقارنة مع أمثاله في الدول العربية؟

هل ينعم فعلاً بهامش من الحرية كما يقول أحد أبرز كتّاب المسرح السعودي فهد الحارثي؟ وما هي العوائق التي تحد من تطوره؟

على رغم أنّ العمل يجري حالياً لتأسيس جمعية رسمية خاصة بالمسرح، لا تزال مشكلات عدّة تقف عائقاً أمام تطوّره، أبرزها عدم تقبّل المجتمع لاعتلاء المرأة خشبة المسرح. ولا شك في أنّ ذلك ينعكس سلباً على مستوى كتابة النص، فيأتي العرض أبترَ في الغالب، يضطر فيه ممثلون إلى أداء أدوار نسائية هي بمثابة «بدل من غائب».

لا يزال جبران الجبران يسعى إلى نقل عرضه «نجوم الوادي» الذي كتب نصّه وأخرجه، إلى خارج السعودية، بعدما فقد الأمل في عرض المسرحية في المملكة بسبب وجود نساء بين الممثلين. وعلى الرغم من أنّ المرأة السعودية حاضرة في التلفزيون والسينما، إلا أنّها لا تستطيع التواصل مباشرة مع جمهور المسرح. علماً بأنّه لا وجود لأي قرار رسمي سياسي أو ديني يحول دون ذلك.

وفي هذا الصدد، يتخذ جبران الجبران منحى تغييرياً لا يوافق وجهة نظر معظم زملائه العاملين في المسرح. إذ يعتبر أنّ مشاركة المرأة في العمل الفني من الحقوق المكتسبة التي ينبغي السعي لنيلها عبر خطوات عملية. وهنا تبرز أهمية مسرحية «نجوم الوادي» بغض النظر عن موضوعها، وبساطة عناصرها السينوغرافية. لا يخفي الجبران أنّ الهدف من العرض هو «حضور المرأة السعودية في العمل المسرحي»، وإن كان يتمنى لو تعزّز ذلك بمواكبة إعلامية مناسبة في الصحف ووسائل الإعلام المحلية. تلك المواكبة ما زالت خجولة تحاشياً للصدام على حد قوله.

تدور المسرحية مدى ساعتين ونصف الساعة، حول برامج الواقع المنتشرة في الفضائيات. يقرّر صاحب المحطة أن يطلق برنامجاً يصنع من خلاله النجوم ليستفيد تجارياً من خلال اتصالات المشاهدين، فيستقطب أناساً بسطاء يبحثون عن الشهرة من أنحاء الوطن العربي، بينهم مَن كان يعمل راعياً أو قارئة طالع. ويبدأ المخرج بتلقينهم ما ينبغي فعله على الهواء إلى أن يضيقوا ذرعاً بابتزازه لهم، فيعترفون على الهواء بحقيقتهم.
إضافةً إلى غياب المرأة كعنصر أساسي في النشاط المسرحي السعودي، تبرز مشكلة غياب المعاهد الفنية، وعدم توافر قاعات عرض. على الصعيد الفني، يعاني المسرح السعودي ندرة المتخصصين في السينوغرافيا وفي النقد، والنقص في التغطية الإعلامية.

ويصرّ جبران الجبران على وجود «هامش من الحرية في العمل»، قد لا يتوافر برأيه «في دول عربية أخرى، عريقة في المسرح»... ويوافقه الرأي فهد الحارثي الذي كتب أكثر من أربعين عملاً من دون أي مشكلة مع الرقيب. لكنّ المشكلة هنا، هي في ازدواجية الرقابة. بالنسبة إلى السلطة الرسمية، تنحصر الخطوط الحمر بالقضايا الدينية فقط، وهذا لا يشكّل مشكلة كبيرة للفنانين. لكن هناك رقابة على الأرض تمثّلها «هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» التي تفرض توجّهاتها، وتتدخّل في العمل حتى بعد حصول فنّانيه على إذن رسمي بالعرض. وبين أبرز تجلّيات هذه الرقابة التعسّفية، منع الموسيقى في العروض. إذ أوقفت «الهيئة» عدداً من المسرحيات بعد حصولها على الإذن الرسمي من وزارة الثقافة والإعلام. الاستثناء الوحيد هو المسرحيات التي تعرض في إطار فعاليات مهرجان الجنادرية. هنا تمّحي الهيئة، ويختفي بطشها، ولا عجب في ذلك: فالجهة المنظمة لهذا المهرجان ليست إلا... قيادة الحرس الوطني، بإشراف مباشر من الشيخ عبد العزيز بن عبد المحسن التويجري الذي انتقل إلى رحمة ربّه أوّل من أمس في الرياض.

يبقى المشروع الذي يظهر إلى العلن بين حين وآخر: تأسيس جمعية رسمية خاصة بالمسرح. يروي الكاتب المسرحي فهد الحارثي الذي كان عضواً في اللجنة التحضيرية لتأسيس تلك الجمعيّة، أنّ عدد طلبات الانتساب إليها وصل إلى 210 مسرحيين. وعلى رغم أنّ الحارثي واثق من قيام الجمعية في نهاية المطاف، إلا أنّه يشكّ في أنّها ستقدم ما يصبو إليه فنّانو المسرح.

الحارثي الذي قدّم الكثير من الأعمال، وشارك بصفته مؤلفها في 25 مهرجاناً مسرحياً محلياً، وفي 27 مهرجاناً دولياً وعربياً، يعتبر بأنّ المسرح السعودي فرض نفسه خارج السعودية بشكل جيد... حتى بات المسرحيون معروفين في الخارج أكثر منهم في الداخل، محيلاً ذلك على قلة العروض في الداخل وعدم توافر قاعات للعرض.

الواقع أنّ المسرح السعودي لا يزال يقوم على جهود فردية ويتضح ذلك بحسب الحارثي من خلال ارتباطه بأسماء محددة أكثر من ارتباطه بفرق مسرحية في غياب أي دعم رسمي. لا غرابة إذاً أن يدفع المسرحيون من جيوبهم لإنتاج مسرحياتهم كما فعل جبران الجبران أخيراً، من دون أن يلقى أي مردود. فيما يتلقى مسرح الطائف لكونه منضوياً رسمياً تحت مظلة جمعية الثقافة والفنون على موازنة سنوية تقدر بحوالى 18 ألف دولار أميركي... ما يعتبره الحارثي غير كاف على الإطلاق مقارنة مع النشاطات التي يقوم بها.

وعن المستوى الفني للعروض في المناطق، يرى الحارثي أنها تختلف باختلاف الجهات المنفذة للعمل. هناك تجارب ناضجة فنياً في «ورشة العمل المسرحي» في الطائف، وفي جمعيات الثقافة والفنون في فروع الدمام والأحساء وجدة و«جامعة الملك عبد العزيز» و«جامعة الملك فهد للبترول والمعادن». وهناك فرق لا تزال تبحث عن نفسها، كما يحدث في بقية فروع الجمعية. واستطاعت «ورشة العمل المسرحي» في جمعية الثقافة والفنون في الطائف أن تتميز من غيرها. فهي أول ورشة عمل مسرحي سعودية تحصد جوائز مهرجان المسرح في الجنادرية. تأسست قبل 15 عاماً لتطوير المهارة المسرحية لدى أعضائها، وعملت على المسرح وفق برامج الورش العالمية ومناهج تدريب عربية، ولم تركّز عملها على التدريب فحسب، بل كانت تنتج أعمالاً لمسرح الكبار والأطفال. ولعلها الجهة الوحيدة بين الفرق السعودية التي استمرت طوال سنوات بالطاقم والنشاط نفسيهما (www.taiftheater.com).

حصلت الورشة على ثلاثين جائزة مسرحية محلية، وعلى جائزة أفضل إخراج في مهرجان المسرح الأردني الثالث عشر عن مسرحية «سفر الهوامش» للمخرج أحمد الأحمري، كما رشحت مسرحية “لعبة كراسي” في مهرجان القاهرة لجائزة التقنية المسرحية.

وبين أبرز كتّاب المسرح السعودي اليوم، نذكر محمد العثيم، راشد الشمراني، عبد العزيز إسماعيل، سامي الجمعان، شادي عاشور، محمد السيحمي، عباس الحايك، عبد العزيز الصقعبي، ماجد البشري، رجاء عالم، عبير الباز، وملحة العبدالله.

****

سيف السلفيّة والولادة المجهضة

يمكن تحديد «ولادة» المسرح في السعودية، عام 1960، مع مسرحية «فتح مكة» التي كتبها محمد مليباري. وكان يُفترض عرضها على «مسرح قريش» الذي كان سيفتتحه أحمد السباعي، إلا أنّ المشروع أُجهض بعدما وقف تيار المتشدّدين في وجهه.

على رغم ذلك، يؤرّخ هذا المشروع لبدايات المسرح السعودي. على أنّ أول مسرحية عُرضت للجمهور في السعودية هي «طبيب بالمشعاب» في الرياض عام 1973، وأخرجها رئيس «الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون» إبراهيم الحمدان عن نص موليير «طبيب بالإكراه»، استناداً إلى ترجمة الشاعر اللبناني إلياس أبو شبكة.

أمّا أول نص مسرحي سعودي فوُضع قبل ولادة المسرح بسنوات، بل تزامن مع تأسيس المملكة العربية السعودية. مسرحية «الظالم نفسه» (1932)، تُعتبر أول نص شعري مُمسرح، وأقدم النصوص المسرحية في الخليج كتبها الشاعر حسين عبد الله سراج خرّيج الجامعة الأميركية في بيروت.

أكاديمياً، كان قسم الإعلام في جامعة الملك سعود يحتضن التخصص الأوحد في المسرح، إلا أنه أُغلق قبل بضع سنوات. ويوضح محمد العثيم، المؤلف المسرحي وأستاذ قسم المسرح في جامعة الملك سعود سابقاً، وأحد أبرز رواد المسرح في السعودية، أن المسرح السعودي شهد، بعد البدايات المتعثّرة في ستينيات القرن الماضي، فورة في السبعينيات تبعتها إرهاصات النضج في الثمانينيات التي زخرت بأعمال درامية من اجتهادات مهتمين بالمسرح، وبدعم من الإنتاج التلفزيوني آنذاك. وجاء الترسيخ من طريق مهرجان الجنادرية الذي احتضن النشاط المسرحي بشكل سنوي. لكنّ أوهام الاحتراف والانتشار ما زالت تصطدم بالعوائق الثقافية والاجتماعية والفقهيّة التي أدت إلى تعثّر مسيرة المسرح السعودي، واقُتصر حضوره على المهرجانات الدولية.

ويُرجع بعضهم التأخر في نشوء المسرح في السعودية إلى الطبيعة السوسيولوجية والجغرافية للمملكة: البيئة البدوية، وحركة التنقل والترحال وعدم الاستقرار... التي لا تشكّل مناخاً مناسباً لنشوء مسرح يحتاج إلى مجتمع مديني يستوعبه، إضافة إلى عامل الأمّية وانغلاق المجتمع السعودي. أما العنصر الأهم فهو التقاليد والأعراف التي تأخذ منحىً دينياً صرفاً، وتجافي المسرح باعتباره إحدى الظواهر المستوردة.
هكذا، ظلّ المسرح السعودي يراوح مكانه... «في انتظار غودو» (بالإذن من صموئيل بيكيت)، من دون أن يؤسّس لحركة مسرحية فاعلة توازي ما أُنجز في دول الخليج المجاورة.

ويرى الكاتب المسرحي فهد الحوشاني أنّ وصف وضع المسرح السعودي بالأزمة تعبير غير دقيق، ف«منذ البدء وهو يعاني أزمات تضغط عليه». ويرى عبد العزيز إسماعيل أنّ وصف واقع المسرح السعودي الآن بالأزمة «قفز على الواقع المسرحي المتأزم أصلاً منذ بداياته».

أخيراً، تعتبر عروض المسرح في مهرجان الجنادرية السنوي للتراث والثقافة، النافذة الوحيدة التي تجمع المسرحيين السعوديين من مختلف مناطق المملكة، حيث يلتقون ويتبادلون الخبرات ويستمدون الأمل بأن يحظى هذا الجانب الثقافي بالدعم والرعاية اللازمين.

الاخبار
الثلاثاء ١٢ حزيران 2007