3
المرآة

أسعد الجبوري
(العراق /الدنمرك)

أسعد الجبوري

وجاء في مرآته:

وإن من الزجاج لحوماً مُصَوَرةً في الشوارع وعلى الأسرة وبين هضاب اللوحات.صورةُ الزجاج في اللحم ترفعُ الضغط.فيما اللحم الزجاجي يرتفعُ دون أن يبلغَ أحدٌ مصبّهُ.كل يوم :الرجلُ محترقٌ في المرآة.كل ساعة:الأنثى غابةٌ تمشي على وقع الحرائق.ماذا سأفعل بشعوبي من ملذات الروض العاطر.يقولُ الأرنبُ الشيخُ ممسكاً بحبل الصبّ.ومضيفاً:كلما اشتد اللمعانُ في أجساد الزجاج،كلما تكاثرت تصاويرُها في العين .صورٌ عاريةٌ تتدافعُ خلف صور مُلتَبسة،والمصورون الشهوانيون غرقى التصوير العارّي تحت قلاع أجسادٍ لا تُصَور بغير عدسات نيكون،أليست هي تلك الأبصارُ تَمحي الذنوبَ بملاقط التصوير العيني.حيث تَكثرُ الجنةُ في شمال الجسد وفي جنوبه تنشرُ النارُ صورَها القديمة .منازلٌ واللحومُ ألواحها البلورية.

كيف أعبر مرآةً مليئةً بالنوم على جدار مفترضٍ في منتهى العزلة.الرجلُ ذاك:
أهو صورةٌ من زجاج أم رملٌ تَشكلَ من صورٍ لها جذورٌ في عميق الأنا والجرانيت،أنا الخصوص التي تعرف مخاطبة الخيال في أعماق الكوارتز ودودة القز وآبار الإنترنت. وأنا العموم الرملي ممن يُرتقّون خرائبَ منازلهم بإبرٍ من أكسيد السليكون والحنين وأصباغ كيماوية تستدرجُ النومَ إلى ملاجئ الأنفس المختومة بالشمع الأحمر .

( الأناتان :أنا + الأخرى) كلاهما صامتتان.ووحدهُ كان يحرثُ في الموشور البصري بحثاً عن ذكرى.والزجاجُ ألواحٌ للبناء .والزجاجُ عشاقٌ يتكسرون تحت وابل القمع وزلازل القُبل .والزجاجُ أوراقٌ لمشاةٍ في برازخ العدم الرجيم.هكذا كانت الانعكاساتُ تستمرُ بالتكاثر مطراً في صقل الأشكال.أليست المرآةُ خزينةً للأزياء .للأجسادِ. لبلورات الشهوة. للمعادن النائمة في الصخور .لكتابةٍ تستعجلُ المراهقةَ في الطيران وفي العطر،خاصة عندما تكون الرأس خزانة تلعب الريحُ بثيابها .لم يكن في المشهد غير احتكاك العيون بالجمال.غير سقوط النيران من الأقفاص الصدرية .

المرآةُ واحةٌ للعراة.المرآةُ ماجنةٌ في المثلية.المرآةُ جنةُ النرجسي وجسرُ العينِ وثمالةُ الببغاء.وقيل في شهادة تاريخ منصرمٍ :إن الشخصَ ..وما أن ينحني على قلقهِ،حتى يسقط لوحةً على سجادة ليل من حبات رمل وفاكهة وغناء أسود.والشخصُ ذاك .لمرآتهِ أبوابٌ تقفُ القوافلُ على عتباتها،محملةً بدنانٍ من عرق البلح.ببطٍ مصري.بثياب من كريستال البلغار وحرير الشام. بكتبٍ فقد مؤلفوها عذرية عقولهم. بمخلوقات موسيقية من ألواح سائلة للموج ،وتمضي بها العواصفُ إلى حانة الفؤاد الأخير.هو الذي كلما لامست أصابعهُ الزجاجَ،ظهرت للنظرِ في عينيهِ خرائطٌ إضافية .

هامش:

أشعر أنني غريقٌ في طيرٍ
وكلانا من السلالم المنتصبةِ
على الهواء وفي حبات رمل الكوارتز
المنصهرة.
لا تلزمنا مرآةٌ لقياس الزلازل المبثوثة
بين أجنحتنا الغائرة تحت طاولة الشمس.
كأننا الرملُ الأبيضُ.

لا تلزمنا نوافذ ولا ورود أو حكمة من حديد.
فنحن صفحاتٌ من الزجاج البركاني.
سنهدرُ بالأرواح كثيراً..
ونترك آلامَنا هياكلَ بلورية
أو شرائح مسطحة تتمرن برعاية الفقه الحركي.
الفكرة:
أن تلتصقَ الأرضُ بالسماء.
الفكرة
أن تختمرَ مخلوقاتُنا في المرآة
ولا نرى ملامحَ صورنا آيلة
للسقوط.

كم سيبدو الطريقُ الزجاجي قصيراً
ما بين الجمال الذي يدبُ كالنمل
في الحبّ .
وبين أيامٍ تتخلصُ من ثيابها القديمة
لتعيش كالسلاحف في محابر
الأعين.

الآن أنا الزجاج.
الآن الشارع زجاج.
الآن المغني ينفخُ في الزجاج .
الآن الرأسُ حبةُ رمل تتدلى من بركان.
لم تعد الصورُ أقنعةً.
والحبّ الذي كان باخرةً تئنُ بأناشيد
المغتربين،
انكسرَ قنينةً .