مصطفى ذكري
(مصر)

مصطفى ذكريكتبَ خالد لمريم متعثراً في الكلمات، إذ على الرغم من أن الكتابة مهنته، والكلمات أداته، إلا أنه يجد دائماً مسافةً بين الإحساس والتعبير في كل ما يتعلق بمريم، في حضورها، وفي غيابها، وهذه المسافة لا هي بالكبيرة التي تدعوه إلى اليأس، ولا هي بالصغيرة التي تدعوه إلى الإهمال، الأمر أشبه بعبورٍ بين شيئين، لكنه عبور مصحوب بتجريحات وتكْحيتات وخربشات في اليدين والساقين وقرب الإبطين ومنتصف البطن وأعلى الصدر، وبعد أن يتم هذا العبور المُخجل، وبعد أن يكون الإحساس والتعبير شيئاً واحداً، تأتي الذكرى المُحزنة في صورة الألم التافه المُلح بأنحاء الجسم، فتغرق مريم فى بكاءٍ مُر، ويلوذ خالد بصمت باردٍ. أكتبُ إليكِ لسببٍ ما، الأسباب كثيرة، ومنها على سبيل المثال، لا الحصر، التعب، الوحدة، الحب، الصداقة. لا أعرف- وليس هذا الترتيب وفْقاً لأولوية، أو لأهمية، بل وفْقاً لطبيعة الكلمات في لغةٍ، وحتمية مجيئها في ترتيب وتتابع قد لا يقصده مَنْ يستعمل الكلمات، ولهذا لزاماً عليه أن يكون بين نارين، فمن جهةٍ يبحث عن الكلمات التي تؤدي المعنى بعد شفط دهونها وشحومها، ومن جهةٍ أخرى ينفي مواضعاتها المادية، وهو بهذا يبتعد عن مرماه- لكنني أعرف- بخليطٍ من الحدس والفراسة والبصيرة، وهي ثلاثية لا أُحسد عليها، لأنها توجد لدي فقط في أمور سلبية، أي عندما تكون موجَّهةً لي بعداء، وكأنها أداة هدم- أن سبباً واحداً هو السبب الرئيس الذي منه خرجتْ الأسباب جميعاً، إلا أنني لا أستطيع تأكيده، لبُعْدِه في زمن ماضٍ، حتى قبل تعارفنا، وأرجو ألا تأخذي هذا حُجةً ضدي، كأنكِ تقولين: الرغبة لديه عارية من موضوع تتجه إليه- على اعتبار أن الرغبة سبب آخر من الأسباب التي لا حصر لها- وما أنا إلا امرأة في حياته، وكان لأخرى أن تكون مكاني، وأن كلمة مثل الحب يضعها على قدم المساواة مع كلمات مثل التعب والوحدة والصداقة. في النهاية لكِ أن تقولي بسببٍ فإذا بالأسباب جميعاً حاضرة. كنَّا نجلس في مطعمٍ صغير، هو مطعم ومقهى وبار في آن واحد، مكان يفتح باب خدمته 24 ساعة، هذا الدوام المتصل أقل ما يرضاه متبطلٌ مثلي، الزمن كله خادم ذليل. وأثناء طاجن الجمبري الجامبو المنقوع في صلصة الطماطم والثوم وشوربة قواقع البكلويز وشرائح الكاليماري الذهبية وجرعات الواين الأبيض وتنْميلة الأطراف الطَلِقة وتراوح الرأس بين الخفة والثِقَل- أخرجتِ من بطن حقيبتكِ صورةً فوتوغرافية أُخذتْ لي قبل عامين. وكانت الصورة علامة بين فصلين في كتاب ستيفن هوكنج "تاريخ موجز للزمن"، الفصل السابق بعنوان "مبدأ عدم اليقين"، والفصل اللاحق بعنوان "الجسيمات الأولية وقوى الطبيعة". وضعتِ الصورة أمامي بهدف الحديث، فقلتُ نصف عابث نصف جاد: لن تدوم مقاومته، سيسقط في يوم صريع الوقت والرغبة. قلتِ بعد صمت وأنتِ تغالبين ابتسامة: دعه يسقط. وقلتِ أيضاً بعد ذلك في خطاب: إن ما أحزنكِ يومها هو صياغتي للعبارة بضمير الغائب، وكأنني أصدرتُ حكماً لا رجعة فيه، وكنتِ أنتِ مُطالبة بموجب سببٍ أو أسباب كثيرة، الوقوف إلى جانبي ومساندتي، وكنتِ تعلمين أن تلك المساندة تعني لي الكثير، حتى أكثر من السقوط ذاته. كان خالد في مراحل حياته المختلفة يُواجَه بين حين وآخر بصورة فوتوغرافية أُخذتْ له. وكانت المُواجَهات تتم عرضاً وبعفوية وضمن سياق باهت. في المُواجَهات الفوتوغرافية السابقة كان الطرف الذي يقوم بعرض الصورة الفوتوغرافية عليه يترك العرض مفتوحاً أمامه بين امتلاك الصورة أو تركها ما لم يرتجل أحدهما حسماً واضحاً لا يداري يُتْم الصورة فقط بل يطال زمنها المنقضي أيضاً. هل كان الأمر يتعلق بقبح الوجه وجماله، بذبوله ونضارته، بخموده وعنفوانه؟ أم يتعلق بتعذر المعنى من التزام الوجه بتسجيل زمنه والتعبير عنه والإيحاء به؟ المعنى المؤجل بشكل دائم في المستقبل، وكأنَّ الزمن لم يأت بعد، وما الماضي والحاضر إلا فجيعة انتظاره، انتظار الوجه البلاملامح، الوجه الصغير بعمر زهرة، والهَرِم بعمر النجوم. كان حلم السقوط هكذا. أنتِ في مكان نتردد عليه من حين لآخر. الوقتُ صباح. مربع ضوء الشمس الآتي من النافذة عند قدميكِ، وهو قابل للاستطالة مع الوقت. هناك بعض الأصدقاء. الحديث الدائر هو سجال معروف بين المجموعة. إمكانية أن يأتي ذكر لي ليست بعيدة طالما أن الأمر يتعلق بحدة الآراء وتطرفها. مع الملل من الحديث المكرور تمدِّين رأياً محايداً مخصياً إلى نهايته القصوى الحادة والنزيهة معاً. يعترض أحد الأصدقاء بأنني لو كنتُ هنا لما كان رأيي بهذا التطرف، ويعرض ضاحكاً مُهدداً الاتصال بي وهو يتجه إلى التليفون. تتراجعين لخوفكِ من معرفتي أنكِ تتبنين الحدَّة والتطرف في غيابي، وهذا قد يكون مادةً لي طوال شهور عديدة، مادةً سأقحمها مراراً في موضوعات شتى، لأنتزع منكِ تسليماً كاملاً، تسليماً غير جادٍ في حقيقته، إلا أنه الحب الأكثر عمقاً بيننا. يعود الصديق إلى مقعده مُتراجعاً بكرمٍ عن فضول معرفة ما بيننا، مُكتفياً بغموض تخمينه. فجأة ينطلق رنين التليفون من نقطة سكون. يقوم الصديق من مقعده مرة ثانية. يرفع سمَّاعة التليفون. يقول وهو ينظر لكِ بدهشة وشرود رافعاً حاجبيه: آه إنه خبر انتحار. لم يتضح لي في حلم السقوط هل كان الصديق يُكمل عبارةً لكِ، أم هو تلقّى خبر انتحار على التليفون، وهو يردده فقط لنفسه، تمهيداً لإعلانه على المجموعة. كان مربع ضوء الشمس قد صعد على ساقيكِ مستطيلاً. إن للشوق عرامة وللوقت جَسَامة وليس في النأي حيلة والروح في العنان والجسد دون ذلك وحقيقة أنني هنا وأنتِ هناك موجعة مثل شوكة مُستعْرَضة في الحلق لا يُحس وضعها إلا بشربة ماء أو كسرة خبز وبعد.. لم أكتب لكِ طوال الأسبوع الماضي. على عيني يا قطة. منعني الشديد القوي. ولا يقدر على القدرة. أقول إيه. نزلة برد حادة بكل ملحقاتها ولوازمها وإكسسواراتها. رشح وصداع واحتقان وسعال والتهاب في الشُعب الهوائية وتحطُم في الضلوع والمفاصل. أوركستر كامل فخم مهيب. كان لا بد من جيش المضادات الحيوية، جيش عَرمْرم يقتل غِيلةً الموسيقى الكلاسيكية. صَرَخَات يافعة. أنَّات ناشزة. تحطُم فيولينات وفيولات وفيولونسيلات. مذبحة حقيقية. لم يبق من المعزوفة سوى السعال، سولو منفرد على أوتار حنجرة مشروخة مبحوحة، والغُنَّة والخُنَّة في الصوت المُصاحب. هاجتْ عقائد المرض الدفينة تحت رماد الصحة الزائف، جذوتها متقدة لا تريم. تعرفين حساسيتي للسعال بسبب التدخين والاستعداد الوراثي للإصابة بأمراض الصدر. مات جدي وأبي بالربو وعمي بالسل. استبليا ميري. تبدأ الأعراض المرضيَّة عادة بعد سن الخمسين، كَرْشِة النَفَس، النَهَجَان، إدمان مِنشقة توسيع الشُعب الهوائية، قَفَزَان الصدر من إدامة لقف الهواء، يقول المصطلح الطبي عن هذا التحور الغريب في شكل الصدر: صدر الحمامة. ما زلتُ في الأربعين، وأنا على الدرب، عشر سنوات فقط. طوبى للقدرييِّن الوراثييِّن في أعناقهم المصير ذاته. على الأقل أفضل من الإصابات المبكرة جداً. بروست في العاشرة من عمره مُجبر يا عيني مُجبر يا كِبْدي مُجبر يا وَلَدَاه على جرعات الكونياك وقت الأزمة. أوامر الطبيب. براءة وكحول. طفولة مغدورة. ومع هذا هناك الجانب المَرِح. يستطيع مريض الربو بحرفة وحذر فصل كرة من البلغم المتماسك المرن الجاثم على الصدر وقذفها لمسافة بعيدة على أهدافٍ مادية ومعنوية، وكأنها رمية من غير رام، رصاصة تخرج من الفم. قد لا يستطيع مريض الربو تقدير حجم كرة البلغم تقديراً صحيحاً- من باب كُحْ على أدَّكْ- فيتحرك البحر الراكد كله، ويختنق المريض. الحرفة والحذر يتطلبان اختبار عمق البحر الراكد بمجس النحنحات والسعال المكتوم تارة والمغامر طوراً. قد يكون حلم البلغميّ الرومانسيّ هو أن يخلع في بصقةٍ واحدة ثوباً بغيضاً عن جسده. سلام من أعماق القلب لكل المصدورين، سلام مربَّع للأنفاس القصيرة المتلاحقة اللاهثة الآخذة الهواء من أعلى نقطة، لكم وحدكم السلام، سلالة واحدة، صدر واحد، نَفَس ضيق واحد، سعلة واحدة، بصقة بلغم واحدة، أبعثها إليكِ من الساحل الأخضر مُعرَّقة بشرايين من الساحل الأحمر. رصاصة تخرج من الفم إلى الفم. لا يساوي أي فعل من الأفعال قيمة ما يساويه فعل الكتابة لكِ، حتى الكتابة العمياء التي ندعوها أدباً لا بد لها أن تمر من خلالكِ، وفرحة هذا المرور مُساوية لذاتها، كائنة لكِ وبكِ، وما إمكان تجاوزها إلى قارئ مجهول إلا محصلة عمى توجهها. لم يعزني الصدق بهذا الجوع إلا معكِ، وعبثاً أنزع أمامكِ قناعاً وراء قناع على أمل الوصول إلى وجه حقيقي ينهب المسافة للوقوف أمامكِ، وجهاً لوجه. اعلمي أن الكبير كبير والنص نص نص نص وأن القوالب نامت والانْصاص قامت وقالوا مين أبوك يا بغل قال الفرس خالي وقالوا إللي معاه حِنَّة يحنْيِّ طيز جحْشه وأن الزمن خؤون واعلمي أنني كاتب أديب أريب مُتأدب دانت لي دولة الأدب والقطوف في يدي وبضاعتي كلمة وكلامٌ وكَلِم أو كما قال ابن مالك كلامنا لفظٌ مفيد كاسْتقِم واسمٌ وفعل ثم حرف الكَلِمْ واحده كلمة والقول عمْ وكلمة بها كلام قدْ يُؤَّمْ اعلمي إنما تتزايد الألفاظ لا المعاني رغم أرنبة أنف الجُرجاني وليس كل ما يُلفظ يعني والمعنى في بطن شاعر والشاعر في بطن حوت والحوت في بطن بحر والبحر ماؤه دَفِيق متلاطمٌ موجه بريح عاصفة زعْزَعٍ قاصفة ترد أوله إلى آخره وساجيه إلى مائره. النوم متقطع في الأيام القليلة الماضية. أستيقظ فجأة فاقداً الإحساس بالوقت. حدسي يقول لي: إنني لم أنم عدداً كافياً من الساعات. أقوم قلقاً إلى الصالة. أنظر إلى ساعة الحائط. يَتَأكَد الحدس بخيبة أمل. أتذكر القول الشائع بأن النوم أكثر الكائنات براءة. أقول عكس عبارة لا أعرف أين قرأتها: أيام طويلة. أيام طويلة. أشرب قليلاً من الماء المثلَّج. أدخن سيجارة. أعود إلى الغرفة. أبدأ صراعاً جديداً مع النوم. أثناء هذا الأحلام غزيرة، مُشوشة، مبتورة، مُعرَّضة للنسيان. يفلت حلم. وها أنا أحكيه لكِ. كنتُ أتسلق مواسير مبنى قديم من جهته الخلفية. كان احتمال اللصوصية بعيداً كل البعد عن هذا التسلق. بدا التسلق مجانياً، إذ طالما أن اللصوصية لم تكن هدفه، فلماذا يتمثَّل بها؟ وصلتُ إلى شرفة صغيرة ضيقة. كانت شرفة مطبخ على الأرجح. وكانت الشرفة مدججة بحديد مُتداخل مطبوخ في حجارتها بشكل مُحكم، بحيثُ سيكون من الوقاحة أن يقف بها إنسان يوماً ويراوده هاجس السقوط، ولا عذر للارتفاع التي هي عليه. كان هذا التفكير دافعاً للخوف. أمسكتُ حديدها الملفوف مُختبراً قوة القبضة التي قد أحتاجُ لها في حالات قصوى مُحتمَلة. هالتني قوة التمسك التي أستطيعها، لكنها قوة أصابتني بالنفور. أبعدتُ اليدين عن الحديد، ودامتْ القبضتان عليه منفصلتين عن الذراعين تنبض بهما العروق المنتفخة، وللحظة حاولتُ إرجاع الذراعين المنفصلتين إلى أصل القبضتين على حديد الشرفة بدفعهما إلى الأمام. كَتَبَ خالد بإلهام من مريم أربعة مقاطع شعرية. والطريف هو رأي خالد في الإلهام عموماً، إذ يرى أن المُلهِم- بكسر الهاء- سواء أكان إنساناً أو حيواناً أو جماداً- وهو بهذا يضع المُلهِمين جميعاً على قدم المساواة- لا يستحق من المُلهَم- بفتح الهاء- سوى الذكر العابر المشوب بابتسامة المُفَارَقة، تماماً كما تستحقه تفاحة نيوتن الشهيرة. إن كلمة المُلهَم ببنائها للمجهول تعني أن كل الأشياء مُلهِمة وغير مُلهِمة في آن، وهذا يتوقف على طبيعة المُلهَم. سقطت التفاحة- هناك من يُشكك في تلك الرواية- على رأس نيوتن فألهمته قانون الجاذبية، وقال خالد عبارة عن السقوط فألهمت مريم بقول "دعه يسقط" وعندما أشارتْ في خطاب بأن ما أحزنها في عبارته هو صياغتها بضمير الغائب فقد ألهمتْ خالد إلى مقاطع أربعة بضمير الغائب. "كان رضاه عن نفسه مشروطاً بأن يأخذ خطوة إلى الأمام. وكانت تلك الخطوة قد تعينتْ في عقله مراراً بموضوعها وشكلها والطاقة اللازمة لقطعها، إلا أن الهدف منها بقي مجهولاً. لن ينكر على نفسه أنه أخذ بضع خطوات على الطريق، لكنه لم يشعر بها، أو كان له أن يشعر بها لولا خوفه من يأس قطعها. كان يراها بوضوح أفضل وبأثر رجعي في عيون الآخرين مُنجَّزةً على شاشات مآقيهم باعثةً في نفسه الأمل. كان يتعجب من ثقتهم فيها، كأنهم هم مَنْ قطعوها. كانوا يقترحون عليه صعوبات واجهته أثناء قطعها. وكانت الصعوبات مُعلقةً على أطراف ألسنتهم بين الشك واليقين، ينتظرون منه تأكيد إحداها. كان يختار أكثرها بعداً واستحالة ويفيض في وصفها، وإذا تعثر أكملوا له"

"بدا له النداء كجوهر بسيط، كفرض رياضي لا يحتاج لبرهان، كليل أسود فيه كل الأبقار سوداء. بدا كنغمة واحدة بعيدة القرار. أرهفَ السمع، وتوقف فنجان القهوة في منتصف المسافة بين المنضدة وفمه. الثامنة صباحاً في كافيتريا الحديقة. أوراق نيلوفر عريضة على وجه البحيرة، وضفدع جاثم على إحداها بفمه المطبق ولغده الخافق كقلبٍ، هو أيضاً يسمع. فكَّر أن الذات سراب الموضوعية"
"دفع يده في الهواء ثم همس بكلمة. كان شارداً أمام البحيرة. وكان البعوض يرفُ على وجه الماء الساكن. كانت حركة يده وسيلة دفاع لا تطمح في النجاة. كانت إشارة لهزيمة، علامة على نهاية. وكانت الكلمة المهموسة بين شفتيه دعامةً وسنداً لحركة اليد"

"التغيير الذي تمناه ولم ينطق به هو أخذ الأمر هذه المرة بصفات مناقضة للصفات التي تم عليها في المرات السابقة دون الإيحاء بأن الصفات الجديدة تتمتع بوجاهة تفتقدها الصفات القديمة إلا إذا خرجتْ منه إيماءة التفضيل خفية مُموهةً تماماً على وعود التغيير"

سُئلت مرة وأنا صغير ماذا تريد أن تكون؟ قلتُ: أريد أن أكون كاتباً. والآن وأنا في منتصف العمر لو سُئلت ماذا أنجزت؟ لقلتُ باعتذار شديد: أريد أن أبدأ من جديد. ولربما تمنيتُ البداية من جديد ليس للسير في طريق آخر بل لاختيار الطريق ذاته لكنْ بتعديلات طفيفة يفرضها عليَّ المرض ويعول عليها في بلوغ كمالٍ هو عربون ضمان قبل أي بداية. أنطق كلمة بصوت مسموع من المفترض أن تكون رداً على كلمات لكِ سابقة ولاحقة. كلمة واحدة أنطقها وأنا مغمور في أعمال منزلية. الكلمة جامعة مانعة تصلح للرد على كل كلماتكِ، إذ سيكون من الجنون أن أنطق أكثر من كلمة على مسمعٍ من الصمت. لم أكن أتخيل وأنا صغير أنني سأقعُ في كل كليشيهات الكاتب التي قرأتُ عنها بشغفٍ وتمنيتها بسذاجة وكأنها كانت تمثل لي تذكرة دخول وجرن معمودية الأدب. الوحدة، الخوف، السوداوية، النفور الشديد من المسؤولية، المرض، التفكير في الموت، الإخفاق في الحياة، الولع بالحب والفشل، قائمة طويلة تعود دائماً بتوزيع مختلف، نوتة واحدة، و سولوهات عديدة. والسؤال المُعذِّب والمُدوِّخ للروح. هل كان هذا الوقوع حتمياً ولا مفر منه؟ وإذا كان، هل هذه ضمانة يمكن الوثوق بها للوصول إلى فنيَّة التعبير؟ وهل تلك الفنيَّة مرتبطة بصدق الكليشيهات نفسها ومدى الانغماس فيها؟ وهل هذا الانغماس حُجة على فنيَّة التعبير؟ أليس هناك كثيرون مروا بمرض نيتشه لكنهم لم يُعبروا مثله؟ ألا يصح كما يقول نيتشه بأنه من داخل المرض يأتي التعبير عن عنفوان الصحة البدنية والعقلية؟ ولكنْ ألا يهدم كتاب نيتشه "هذا هو الإنسان" مقولته عن الصحة التي تشدق بها؟ وأين نضع البارانويا المُخيفة في هذا الكتاب موضع الصحة؟ السؤال لا ينتهي والجواب مُحال. مريم.. لست مُقتنعاً بهذه الكلمات، لا تقولي الضد، فأنا أوجد على هامش ما أنتمي إليه كما يقول بيسوا، وإن أظهرت لكِ الجدل مراراً، فهذا بدافع الحب، فالقناعة مفقودة، والرضا غائر، وأنا هنا وأنتِ هناك. اشترك خالد في محطة لبث الأفلام، كمحاولة يائسة لقتل الوقت، وهي يائسة ليس كما يعتقدُ البعض أنها الأخيرة، بل هي يائسة لأنها تُوهم بالاقتراب خطوة من هذا القتل السعيد، والوهم كفيل بأن يجعلها مفتوحة دائماً على الأمل، ولهذا فهي ليست الأخيرة، وإن كان خالد لا يملك خططاً بديلة، اللهم الرغبة المفصولة عن موضوعٍ تتجه إليه. أراد خالد كتابة شيء عن محطة الأفلام، وهذه الكتابة مُوجَّهة بالطبع لننوسة عينه مريم. أمام خالد الآن الطريق الفنيِّ للكتابة، وهو يشدد على أنه فنيٌّ حتى يعرف الجميع أنه طريق فوق العادة، طريق فريد، والجميع الذين يقصدهم هنا هم مَنْ يستطيعون النظر إلى الطريق، وليس بالضرورة مَنْ يستطيع النظر إليه يستطيع السير فيه. أقول هذا لمداعبة شوكة الغرور التي تنغرسُ في الجسد كما انغرستْ شوكةٌ أخرى في جسد بولس الرسول واستعارها كيركجور لوصف حاله، شوكة هنا وشوكة هناك. أنا مع كاتب في فيلم حركة للممثل الشهير فان دام. بديهي أن دور كاتب في فيلم حركة سيكون ثانوياً لحد الرثاء. فان دام في بداية الفيلم يطلب من سائق التاكسي أن يوصله بألكس بوهيميا، ويبدو أن البطل لا يعرف إن كان ألكس بوهيميا اسماً لشخص أو اسماً لمكانٍ، لكنه يثقُ في قدرة السائق العازم على كتابة رواية بوليسية لم يجدُ بعد فصلها الأول، إلا أنه يعول على التقاط خيط الرواية من حديث الزبائن بطريق الصدفة، والصدفة عزيزة على قلب كل كاتبٍ، فهي تضعه أمام ترتيب آخر للأحداث، وكأنها صُنعتْ من أجله، فيبدو كل ما يسبقها في الزمن هو التمهيد الوئيد لحدوثها في لحظة قاطعة، لذا يستطيع الكاتب الذي يملك الجرأة أن يجعل من صدفته ما وقع قبلها وما سيقع بعدها، ما قبل وما بعد بالمعنى الميلادي الشائع. أقول الجرأة لأن الكاتب سيجد من الآخرين لا مبالاة أمام صدفته، والصدفة نفسها ستقف ضده بقانونها العام، أي أنها كانت من الممكن أن تحدث لشخص آخر ولا يعيرها اهتماماً، إذ من المعروف أن الصدفة تعمل ضد معناها، فهي تُلوِّح لك فقط بمعناها في اللقاء العابر، فإذا وقفتَ ونظرتَ سخرتْ منكَ بلامعقوليتها. في لقاء الصدفة الثاني بين السائق الكاتب وفان دام البطل أطلقتْ المافيا الروسية رصاصاً عليهما. كان التاكسي يتلوَّى كأفعوان في الشوارع المُظلمة عندما سأل السائق بطل الفيلم هل مَنْ أطلق الرصاص علينا هو ألكس بوهيميا؟ كان الكاتب يلهث بالفرح وراء خيط روايته، وكان فان دام يشفق عليه من الخطر، فينصحه بالذهاب إلى البيت مُعتمداً في الفصل الثاني من الرواية على خياله. أوجع نصيحة تُوَّجه إلى كاتب، ومن مَنْ؟ من بطل أفلام الحركة فان دام. بطل الواقع يوِّجه من مملكته ومنطقة نفوذه نصيحةً إلى بطل الخيال. كان على الكاتب أن يسحب ذيله بين ساقيه ذاهباً إلى مملكة الخيال، ولأنه ليس بكاتبٍ حقيقي، لا يمتثل للنصيحة، وعليه فإنه في لقاء الصدفة الثالث تخترق صدره رصاصة وهو ينظر إلى ألكس بوهيميا حبيبة فان دام. في حلم من أحلام، وفي أبدٍ ضمن أبد، كنتِ في حجرة صغيرة على سطح إحدى العمارات الكبيرة. باب الحجرة قطعة واحدة من صاج المحلات التجارية، وهو مائل ومفتوح. نافذة الحجرة تطل على حيز من السطح، لها ضلفة من زجاج، والثانية قطعة من الكرتون المُقوَّى. في وسط الغرفة منضدة عليها رسائل وطبق كِرْشة بالدِمْعة. في الأسفل إحدى سيقان المنضدة مغروسة في علبة سمْن مليئة بالرمل، ومع هذا فالمنضدة غير مُتوازنة بسبب أرض الغرفة المدهوكة بإسمنت غير مُنتظم. وفي الركن القريب من باب الحجرة تجلس سعدية أمام موقد كيروسين وكومة من المواعين. وأنتِ جالسة إلى المنضدة أمام جمال بوجهه المنتفخ ونظارته السميكة. يقطع جمال من محيط الرغيف الهائل لقمة كبيرة ، ويُطبقها على نفسها أكثر من طبْقة ثم يغمسها عميقاً في طبق الكِرْشة مُخترقاً وجه السمْنة العائم إلى الصلصة الراقدة مع قِطَع الكِرْشة في قعر الطبق. فكَّرتِ أنتِ أن الرمق الأخير من علبة السمْن أسفل المنضدة صُنع به طبق الكِرْشة. عزم عليكِ جمال مرة، وفي المرة الثانية اكتفى بزومة خفيفة مفادها لذة الاستطعام والإغراء الأخير لكِ وهو يشير بإصبعه إلى الطبق. هززتِ رأسكِ بالنفي المشمئز. أطلق جمال فجأة صوته- كأنه كان لا يصدق عدم مُشاركتكِ له طبق الكِرْشة- فَرِحاً: الشاي يا سعدية. خافت مريم من النداء العالي، وبردة فعل لا إرادية أمسكتْ حافة المنضدة ثم ابتسمتْ. بخطوة واحدة قامتْ سعدية من ركنها وأخذتْ يد مريم وطبعتْ عليها قبلة بخجل وهي خافضة رأسها ثم مسحتْ يدها على صدر جلابيتها السوداء بالقصور الذاتي للخجل وعادتْ سريعاً إلى ركنها بخطوة واحدة مُتراجعة. بدا جمال وكأنه- منذ قليل، قبل الحلم، وقبل الأبد الذي هو ضمن أبد- قرأ رسائل خالد المنثورة على المنضدة والتي أحضرتها مريم في الزيارة السابقة، وهي أيضاً زيارة قبل الحلم، وقبل الأبد الذي هو ضمن أبد. قرَّب جمال إحدى الرسائل ببطن يده مُحاذراً من أصابعه الملتاثة ثم قال شيئاً فهمتْ منه مريم أن من المستحيل معرفة جمال لهذا الشيء دون معونة خالد. وابتسمتْ مريم لنفسها ساخرةً من عبارة خالد بأن أقصى إفشاء لسر هو أن يكون بين اثنين. ولم تكن إشارة جمال لهذا السر تحمل أي طابع من ذكاء أو حدس أو بصيرة، فهو حتى لم يُعلن هذا السر في مكانه الصحيح، أي كانت رسالة أخرى غير تلك التي قرَّبها ببطن يده جديرة بإعلان هذا السر، ولهذا لم يلحظ جمال المفاجأة التي ارتسمتْ على وجه مريم، بل وهذا هو الرهيب، فلم يكن يهتم برؤية المفاجأة على وجهها. وعلى هذا قدَّرتْ مريم أن خالد كان قد أفشى السر لجمال دون سبب وكأنه يرمي شيئاً لا قيمة له، وعلى هذا أيضاً قدَّرتْ مريم أنها فعلتْ مثل خالد عندما أطلعتْ جمال على رسائل خالد دون مبرر. كانت يد جمال قد تحولت إلى مخلبٍ وهو يشد قطعة كِرْشة بين أسنانه والمخلب. قال معتذراً: يُفضِّل خالد الأسماك ثم قال مُستدركاً: كان في الماضي يُفضِّل اللحوم إلا أن آلام مسامير النقرس في بطون أصابعه وكعبيه وتحت أظافره منعته عن اللحوم. دخل من باب الغرفة المتداعي ذكر بط سمين يفح فحيحاً مسموعاً ويتمايل في مشيته الثقيلة مُرجحاً رقبته السميكة بإيقاعٍ ضاغطٍ إلى الخلف. لم تعط سعدية فرصة عادلة لذكر البط، فلوَّحت له بمغرَّفِة الكِرْشة في وجهه، فجفل ذكر البط وغيَّر اتجاهه بسرعةٍ لم يحتملها جسده، فزرق قبل خروجه أنبوب براز بلون الزيتون الأخضر على أرض الغرفة. مريم.. اليوم 24 ساعة ومحطة الأفلام تبثُ 12 فيلماً في اليوم، أي بمعدل فيلم كل ساعتين، والفجوات تُسد بإعلانات عن الأفلام. يحدث هذا عندما تزيد مدة الفيلم عن ساعتين أو تقل عن ساعتين. والإعلانات أنواع، هناك إعلان عن فيلم سيأتي قريباً، وقريباً هذه لا تتجاوز الشهر، وهناك إعلان عن فيلم سيأتي خلال الأسبوع ويُعلن عنه بصيغة أكثر تحديداً ويُذكر فيه اليوم والساعة، وهناك إعلان عن فيلم سيأتي غداً تُذكر فيه الساعة، وهناك إعلان عن فيلم سيأتي اليوم تُذكر فيه أيضاً الساعة. قلتِ لي يوماً: من عادة العصابيين أن يستدرجوا الوقت لفخ العدد، والأعداد نوعان، أعداد نهائية، وأعداد لا نهائية، والثانية لا تخضع مثل الأولى لما يسمى بالاستقراء الرياضي الذي خلاصته أنه إذا كانت "ن" عدداً نهائياً، فالعدد الناتج من إضافة "أ" إلى "ن" يكون نهائياً كذلك، ويكون مختلفاً عن "ن". وبهذا يمكن أن نبدأ بالصفر ثم نكوِّن سلسلة أعداد بإضافات متوالية. أما الأعداد اللانهائية، فليست كذلك. إذ أن العدد اللانهائي لا يتغيَّر بإضافة "أ" إليه، ولا تتكون من الأعداد اللانهائية سلسلة بمثل هذه الإضافات المتوالية. إن العدد اللانهائي- على خلاف العدد النهائي- يساوي جزءه، فالكل والجزء في هذه الحالة يكونان مؤلفيْن من حدود، عددها في الكل مساو لعددها في الجزء. مريم.. اليوم حافل بطموحات عظيمة وتافهة تترى على العقل والجسد. وفي الليل أفكرُ أنني لم أعش تلك الطموحات وإنما جاءني تقرير جاف بخطوطها العريضة، وهو تقرير هدفه التبكيت البارد. وصلتني صورة ناني زوجة المستقبل كما تقولين، وها هي قائمة الفبائية لتعرف الأخت ناني ما هي مُقدمةٌ عليه.

أ- يتمتع زوج المستقبل بصلع ثقيل يأكل معظم الرأس تاركاً ذكرى رقيقة تتمثل في شريط نحيل من الشعر المائل إلى الشقرة وهو إفريز محيط بطاقية جلد حمراء شديدة الحساسية إلى الشمس والخجل الذي يدفع الدماء لقمتها فتبدو مثل مؤخرة قرد بابون عالية مُتكبرة لا ينقصها سوى الخُرم بس ابن حلال وصاحب صاحبه.

ب- ضعيف النظر لأسباب وراثية وعلى العين اليمنى أربع ذبابات طائرة دقيقة لا تظهر إلا بالنظر إليها على صفحة بيضاء أو في ضوء باهر وهو يشعر بالعرفان للطب البشري عندما يخرج من جفاف علميته ويستعير من اللغة تعبيرات أدبية لوصف الأمراض وهو مُعرَّضٌ لانفصال شبكي مع التقدم في العمر وفي نفس العين اليمنى وكما قالت مارلين مونرو في درة بيلي وايدر "البعض يفضلونها ساخنة" وليس هذا القول حرفياً ولكنْ فيما معناه إن ضعيف النظر رقيق القلب اصحي يا ناني ومِدِّي لحافِك على أدْ رِجْليكي أو مِدِّي رِجْليكي على أدْ لحافِك يعني لا مؤاخذة ما إنْتيش فَزوعة. ت- خفيف الظل وهي بضاعة راكدة أكثر من الهَمْ على القلب كل المصريين دمهم خفيف لا يقول النكتة المباشرة السافرة الصريحة بل يعتمد المُفارقات الفورية النابعة من الأحاديث والقَفَشات السريعة التي لمرارتها تدوم في الزمن على ألسنة الأصدقاء وهو دوام يُشْعِرَه بالغرور في البداية ثم يأتي النفور من مُفارقته الكوميدية وقفْشته السريعة ولعمره ولا أعرف إن كانت هذه الصياغة موجودة في العربية فالسماع يقول ولعمري أمَّا ولعمره بضمير الغائب فلم ترد على الأذن إلا أنني ضعيف أمام الصياغة بضمير الغائب وإحالة الشرح على مريم صديقتكِ فهي التي رأتْ مولد هذا الضمير في ظروف أخرى المُهم ولعمره إنه لا يستخدم أبداً مُفارقة أو قفْشة مرتين وإذا طُلِبتْ منه تعففَ بنفور وبدا بشكل حقيقي ثقيل الظل.

ث- سريع القذف بسبب مُعاقرة الاستمناء سنوات طويلة على عادة أبناء الطبقة المتوسطة وأرقام مُدده تتراوح من ثلاث دقائق إلى خمس دقائق إلا أنه لا يُعدم من فترات ذهبية وهي قليلة نسبياً كانت فيها مُدده تتراوح من خمس عشرة دقيقة إلى عشرين دقيقة وعلى العموم فهي فترات لا يُقاس عليها فترات مثل طيف عابر هذا عن الأورجازم أمَّا أمر الزوايا فهذه نقرةٌ أخرى إذ عادةً لا يستطيع أخذ الوضع المُناسب حتى تتوفر له زاوية صحيحة ولا تفسير عنده مثلاً بانعدام الخبرة فكلمة الخبرة لا وجود لها في قاموسه بل يضع الأمر كله في ذمة الإبداع الصدفة التجليِّ كما يتعامل مع الكتابة الأدبية التي يمارسها منذ سنين طويلة وما زال عُرضة لأبشع الأخطاء اللغوية والبلاغية وعلى الرغم من عدم إيمانه بالخبرة أو تاريخ الخبرة أو خبرة التاريخ إلا أنه كثير المُحَاولات في الاثنين معاً الجنس والكتابة وهذا تفسيره يكمن في طيبته وسذاجته على طريقة أبطال دوستويفسكي.

ج- قرأ هيجل بنصف اهتمام ولم يبق في ذاكرته سوى موتة الفيلسوف المُهِينة فقد مات صاحب ظاهريات الروح بالكوليرا ويبدو أن المُهِين هو أعراض المرض القيء الشديد والإسهال الشرس بلون ماء الأرز وقوامه ادِّيني عقلكِ يا ناني أعظم الفلاسفة تمَّنْ يعني التجريد وإللي مِنُّه صاحب عبارة ليل أسود فيه كل الأبقار سوداء بلغده الربيل وعينيه الدَّاخنتين الذي لم يفلت فيلسوف بعده من معماره الضخم يهزمه مرض من عالم ثالث مرض بدائي قدرٌ أعمى أو لعل هناك رسالة شفرة كأنَّ كل شيء يعني كل شيء يقول عكس ما قلته يوماً ليس كل شيء يعني ليس كل شيء يقول ضفدع يسمعُ وهو على ورقة نيلوفر النداء الأسود هو أيضاً يسمعُ وهو أيضاً بلغدٍ ربيل.

ح- تبول لا إرادي لسن 12 سنة رضاعة متأخرة لسن أربع سنوات يرى الأخلاق جهداً فنياً يحب البسطرمة الخضراء والكافيار الأوكراني وقوائم الأطعمة وأغاني البلوز وخطوط السكك الحديدية وجملة العطف والصفات والنعوت وهي تأخذ نفس الحكم الإعرابي بتكرارها اللانهائي ومُفارقة أن النعت لا يُضيف جديداً إلى الجملة رغم طولها المفتوح على اللانهاية والألفاظ المُركَّبة المبنيَّة مثل هربت الكلمات شَغَرَ بَغَرَ وكذلك شَذَرَ مَذَرَ بمعنى متفرقة أو هذا كاتب شيْطان نيْطان والخلاف النحويِّ في عدد الحروف التي يجري بينها الإبدال الصَّرفيّ وهي ثمانية وقد جمعها القول: طَوَيْتُ دائماً كما ورد عند "السُّيوطي" وتسعة عند "ابن مالك" ويجمعها القول: هَدَأتَ مُوْطِياً وعشرة يجمعها القول: إصطدته يوماً وأحد عشر يجمعها القول: أجِدْ طَوَيْت منها كما جاء في حاشية "الصبَّان" واثنا عشر يجمعها القول: طال يوم أَنْجَدْتُهُ كما عند "أبي علي القالي" وأربعة عشر يجمعها القول: أنجدْتُهُ يوم صال زُط أو القول: أنْصَتَ يوم زَلَّ طاهٍ جَدٌّ وخمسة عشر يجمعها القول: إستنجَدَهُ يوم صال زُط كما عند "الزمخشري" وفي أيام نحسه وشؤمه يأتي بعرف ضبع وزب أرنب مُجفَّف على طريقة الياميش التركي وسن فأرة كبانيه وعود رِجْلة وحبَّة بطاطس دبْلانة مكرْمشة ومقدار فنجانين من ريالة ومخاط بقرة سوداء جربانة مُطلَّسة بروثٍ طازج ويحرق الخليط بصفيحة بنزين طائرات شديد النقاء في ليلة سوداء ظاهرة النجوم فتزول في الحال العُكُوسَات والنُحُوسَات طائره المُفضَّل الغراب الأسود السابغ السواد المتوحد مع ذاته الذي يعيش بمتوسط عمر يقترب من متوسط عمر الإنسان غمْزة من الطبيعة لعلها تعني لعلها تقول ولطالما أحَبَّ حساب المسافات بالسنين الضوئية كان يقف على سطح بيته في ليلة مظلمة وينظر إلى السماء فيأتيه ضوء نجم ثاقب ويفكِّر أن هذا الضوء خرج من النجم منذ ملايين السنين الضوئية أي قبل وجود الأرض وأنه بنظرته الآن ما هو إلا بناظرٍ إلى ماض سحيق وأن النجم الآن ما هو إلا ظلام في ظلام ليل أسود وأبقار سوداء وعلى ضوء هذا فهو لا يحب ضوء الشمس الضوء الغاشم الكاسح ويعتبرُ الشمس هبْلة ومَسْكُّوها طبْلة ويحتقرُ المسافة القصيرة التي تقطعها للوصول إلى الأرض على وجه التقريب ثماني دقائق ضوئية مسافة تافهة فركة كعب في حذاء الزمن الزمن بكل جَبَروته ورَهَبوته ورَحَموته وضعوا له المشمَّع البلاستيك في سريره منذ نعومة أظفاره 12 سنة إضافة إلى سنتين نقاهة المجموع 14 سنة بمشمَّع بلاستيك أصابته غزْلَنة لسن 15 سنة صَرَع على خفيف عُرضة لنوبات السوداوية التي تغمره كموج فوق موج مارس الغم الميتافيزيقي على طريقة سبينوزا. توقَّف خالد في قائمته الألفبائية عند الحرف السادس تحت ضغط الوقت والرغبة. كانت لديه في مكتبته موسوعة ناقصة عبارة عن ستة مجلدات من القطع الكبير للحروف الأولى، كل حرف بمجلدٍ كامل. كان وعد القائم على الموسوعة أن تصدر تباعاً إلى نهاية الحروف. أصاب الجنون أحد الباحثين، وهو الباحث المُكلَّف بالحرف السابع، وهو الحرف المُنتَّظر صدوره في مجلد قادم. كانت المادة البحثية التي عكف عليها الباحث طوال شهور عديدة مفاجأة صاعقة لفريق البحث. إذ أعاد الباحث مادة الحرف الأول الذي صدر منذ سنتين مُعللاً هذا بأنه كان عليه منذ البداية أن يأخذ حرف الألف، فهو جدير بالبداية، وهو باحثُ بدايات. والغريب أن مادة البحث التي أعدَّها الباحث لا تختلف إلا في مواضع قليلة جداً عن المادة البحثية التي صدرتْ في مجلدٍ منذ عامين. حاول القائم على مشروع الموسوعة ومعه فريق البحث صرف باحث الحرف السابع عن مادة الحرف الأول المُعادة دون جدوى. ترك الباحث الحياة العامة وعكف في بيته على حرف الألف من جديد وفي ذهنه المواضع المختلفة عن المادة البحثية السابقة. كان يحلم بتوسيع مواضع الاختلاف. كان يملك الوقت والرغبة. بعد شهور أخرى من العمل المتواصل اكتشف الباحث أن مواضع الاختلاف في مادته البحثية لا سبيل إلى توسيعها إلا بدعم من حروف أخرى، لكنه لم يستطع بعد تحديد عدد حروف الدعْم، وأيضاً لم يستطع بعد اختيار أسماء الحروف. كانت المهمة شاقة على عقله، لكنه لم يتراجع عنها. كان فقط يستشرف العمل المُضْني بعد سنوات، عندما يجد نفسه مُضطراً إلى دعْمٍ من الحرف السابع. كان هذا الاضطرار كابوس مستقبله. مرة أخرى حاول القائم على الموسوعة ومعه فريق البحث صرف الباحث عن جنونه وذلك من خلال زيارات تمثيلية هزلية تتناوب تباعاً على بيت الباحث. ثلاثة من فريق البحث يلبسون حروفاً كبيرة من البلاستيك المُقوَّى يدقون على باب الباحث، يدخلون بتهريجٍ ومَرح، يُشكِّلون كلمة بحروفهم وأجسامهم وهي تتداخل أمام الباحث، ينظرون إليه ببله مُصطنع، ينتظرون منه أن ينطق الكلمة، يهمس الباحث بالكلمة التي تتشكل أمام عينيه، يُغيرون مواقعهم، فتتشكَّل كلمة جديدة، يشعر الباحث بعرفان لفريق البحث، يداري وجهه بخجل، يصرخون عليه مُطالبين بنطق الكلمة، ينفرد حرف، فتتشكَّلُ كلمة بذيئة، يُمثِّل الحرف حاجته للحرفين الآخريْن بتذللٍ كريه، ينزع ملابسه قطعة وراء قطعة لتمثيل عريه من المعنى. عشرات من الزيارات التمثيلية الهزلية تتساقط على الباحث، ومئات الكلمات تتشكل أمام عينيه فيما عدا الحرف السابع المحظور دخوله في لعبة التمثيل، وهو الحرف الذي يمارس رغم غيابه أثره السيئ على الباحث. تقلَّصتْ شيئاً فشيئاً قدرات الباحث العقلية. كان في حديثه مع فريق البحث يشير دائماً إلى الحرف السابع بضمير الغائب قائلاً: الحروف كثيرة وهي ليس لا حصر لها على الرغم من إمكانيات تشكُلها اللانهائية، إلا أنه هو وحده قد يأتي منه الدعم. لكم أن تنفوه بعيداً، تغيِّبوه في تمثيلياتكم السخيفة، وهو رابض في الغياب يترَصَّدني إلى حين، إن غيابه حضور وحضوره غياب. كلَّما مر الوقت كلَّما تأكد لي ضياع الخطاب المُرسل لكِ بتاريخ 12/ 5/2004. أي منذ أكثر من شهر. هذا الضياع فيه ضياع آخر على طريقة كل شيء يعني، كل شيء يقول. وإليكِ قصة هذا الخطاب. كتبته على أثر حلم غامض كنتِ فيه مع شخص مُنفِّر نسيتُ اسمه الآن. وكان اسمه حاضراً في الحلم والخطاب كقدر مشؤوم بيننا. قمتِ بتسليم الشخص المجهول كل الرسائل التي كتبتها لكِ. كان هذا التسليم يشبه انتحاراً بارداً من قِبَلكِ. وكنتُ أنا بالمقابل قد قمتُ بإطلاع الشخص المجهول نفسه على سر جارح عنكِ. أذكر جيداً أن هذا الانتحار لم يكن من قِبَلكِ وقِبَلي كفعل ورد فعل، لم يكن انتقاماً على أثر شيء حدث بيننا، لم يكن مُتعاقباً في الزمن على اعتبار أن نصفه حدث في زمن الحلم والنصف الآخر خارج زمن الحلم، ولم يكن أخيراً الشخص المجهول يملك سُلطة علينا إلا إذا كانت شراهته للطعام هي الرمز الأكثر غموضاً للسُلطة. كان هذا الانتحار بكلمات أخرى قَدَم يأس. ذهبتُ إلى مكتب البريد في الصباح، فوجدتُ أعمال ترميم قائمة في المكان كله. ارتبكتُ أيما ارتباك، وكأنَّ مكتب البريد اختفى فجأة. شعرتُ بيأس طاغ، وزاغتْ نظرتي هائمة على خراب المكان. كانت الأماكن دائماً عندما تتعرض لترميم تصيبني بكآبة ويُتْمٍ موجع. لاحظ أحد العُمَّال نظرتي التائهة، فأشار لي ببساطة إلى خلفية المبنى. سألتُ نفسي كيف سيعود المكان كما كان عليه- بل أفضل- بعد شهور قليلة. في الطابق الثاني من خلفية المبنى كانت نظرة الضياع واليُتْم ما زالت عالقة بي. كنتُ خَجِلاً منها، فهي تجعل الجميع يقدمون لي الخَدَمَات بشكل استثنائي، وكأنني طفل فَقَد أمه. شرحتْ لي الموظفة بتفصيل شديد طريقة الوصول للمكانين المؤقتين لبعث الرسائل، ولم يكن أحد المكانين سوى كُشك سجائر صغير أمامه صندوق بريد مِهَكَّع مِدغْدغ. أهذا الصندوق جدير بأن يكون إحدى حلقات الوصل؟ شعرتُ باليأس مرة ثانية، وطلبتُ من الرجل العجوز صاحب الكُشك لصق طابع البريد على الخطاب وعيني تعود للصندوق. وضعتُ الخطاب بكل هواجس الضياع المُهْلِكة. كنتِ في تلك اللحظة قريبة منيِّ للحد الذي معه صعد الضيق إلى الحلق. في الحالات العادية أبقى يومين بعد كل رسالة أبعثها لكِ في رعاية كاملة لمسار الرسالة المُبهم، وليس هناك تناقض في حساب الوقت الموضوعي عندما أبعث إليكِ رسالة كل يومٍ، بل هناك مُضَاعَفة للوقت وتكْثِيرٌ لا سبيل إلى التعبير عنه، مع الرسالة الضائعة دامتْ مدة الرعاية للمسار أياماً لا عدد لها، وكان القياس الوحيد الدال على مرور الزمن محصوراً بين نقطتين رياضيتين والمسافة بينهما. أيوة يا قطة أنا كالعادة مع فيلم. الساعة الرابعة صباحاً. أكلتُ طبق مكرونة بصلصة بيضاء، وحبستُ بفنجان قهوة تركي، وسطرين من الكوكايين أعطتنيهما صديقة لصديق. أحياناً يُخيّل لي وأنا أُشاهد فيلماً لا سيما إذا كان المُخرج من العيار الثقيل كرومان بولانْسكي أن إمكانات مبثوثة في ثنايا الدراما لن تذهب هباءً حتى إذا كانت تلك الإمكانات ليس لها تاريخ في أفلام بولنسكي السابقة. وسيظل وجودها الملْغوم طوال الفيلم مثيراً للتساؤل. إنها إمكانات اللانهاية، إمكانات الزمن. في فيلم "البوابة التاسعة" لرومان بولانْسكي هناك صائد مكتبات ومُحقق كتب نادرة يقوم بتكليف من أستاذ جامعي بالبحث عن نسختين نادرتين وناجيتين من حريق لكتاب في القرن السابع عشر. لا نعرف الأسباب التي دفعتْ الكاتب إلى حرق كتابه، لكننا نعرف من المراجع والقواميس الحديثة أن هناك ثلاث نُسخ ناجية فقط، واحدة يملكها أستاذ جامعي في نيويورك، وثانية في البرتغال، وثالثة في فرنسا. الأستاذ الجامعي يعتقد أن نسخة واحدة فقط هي التي نجتْ من الحريق، وأن الزيف والانتحال يضرب النسختين الأخريين، لكنه غير واثق في أصالة نسخته، لذا يطلبُ من مُحقق الكتب السفر ليضاهي بين كتابه وبين الكتابين الباقيين. الغريب أن المُحقق يجد اختلافات طفيفة بين النُسخ الثلاث، وهي اختلافات لا تسمح بحسم أصالة إحداها على الأخرى، أي أنها اختلافات شكلية وليست موضوعية، من نوع بعض أدوات الربط الزائدة هنا والناقصة هناك بدون إخلال في المعنى، نعوت مكرورة هنا وليست هناك، رسوم شخصيات بأذرع يسرى مرفوعة هنا وأذرع يمنى مرفوعة هناك. الأمر أشبه بلعبة غامضة. وما زاد من حيرة المُحقق أن المُقارَنة الدقيقة لعجينة الورق ونوع الحبر والتجليد وبنط الكلمات وأسلوب الرسم وشارة المطبعة أسفرتْ عن أصالة الكتب الثلاثة، أي أنها جميعاً من القرن السابع عشر. وبعد دراسة متأنية وجد المُحقق أنه أمام احتمالات أخرى، احتمالات اللانهاية، فافترض أن الكتب الثلاثة أجزاء من كتاب واحد، وافترض أيضاً أن النُسخ التي ذهبتْ إلى الحريق كانت تحمل اختلافات بالطريقة نفسها، وعلى هذا فهي أجزاء مُتممة للكتاب، لكنّ المُحقق لا يعرف عدد النُسخ التي أحرقها الكاتب، وما هو السر الثمين الذي قام الكاتب بنثره شظايا عبر الاختلاف والتكرار في مئات الأجزاء؟ وهل كان يطمع في قارئ يستطيع قراءة مئات الأجزاء كي يحصر الاختلافات الشكلية اللانهائية؟ ألسنا هنا أمام حيلة لِعَبيَّة، أمام كاتب لِعَبي، لا يعرف سر كتابه في اكتماله بقدر ما يعرف مُراكَمة شظايا لا نهاية لها. إن الاختلافات التي تحت يد المُحقق في الكتب الثلاثة لا تعني شيئاً، لكن تراكُم تلك الاختلافات في مئات الأجزاء قد تعني شيئاً. إن سراً زمنياً لا نهاية له جدير بأن يوضع في أجزاء كتاب لا نهاية لها. تذكَّر المُحقق بشيء من السرور عبارة هيراقليطس "أنت لا تنزل البحر مرتين" فأنت تختلف في كل مرة، والبحر كذلك، والشيء الوحيد القابل للتكرار هو فعل النزول، لكنّ هذا الفعل لا قيمة له إلا بمعرفة حده النهائي، وهو لانهائي، ولهذا فهو لا قيمة له، لأن تحديد قيمة شيء ما تبدأ فقط عندما ينتهي وجوده. كانت تلك الإمكانات هي فيلمي الخفي الذي سار معي رغماً عني طوال مُشاهدة فيلم "البوابة التاسعة". أمّا بولانْسكي فقد سار في الطريق التقليدي العادي جداً. فكان موضوع الكتاب هو الشيطان. وكانت الكنيسة هي التي أحرقتْ الكتاب والكاتب معاً. وكان الأستاذ الجامعي المُعاصر يبحث عن الكتب الثلاثة لتحقيق ظهور عينيّ للشيطان عبر معلومات سريّة وشعوذات لاتينية. وكان مُحقق الكتب أداته في عملية البحث. في لحظات نادرة يبدو لي الموت كشيء خيالي غير ممكن الحدوث، أقول لحظات نادرة لأنني لا أعرف كيف أستطيع استعادتها بإرادتي. كل ما هنالك هو رصد لبعض الظواهر التي تسبقها وإن كانت غير دقيقة في حدوثها كل مرة. عادةً أكون في مُستهل يقظة فاترة بعد نوم هادئ خال من الأحلام، وأكون كذلك بعيداً عن الناس وفي سلام مع النفْس، وليست هذه الظواهر تأتي دائماً بشعور أن الموت خيال لكنها على العموم مناخ ضروري لهذا الشعور. وهنا تأتي صعوبة التعبير. الموت خيال دون برهان، اللحظة هاربة، وكأنّها تتحلل بمجرد الحركة البسيطة في السرير، بل الغريب أن الخيال يفقد قوته اللانهائية بسهولة تجعلني أفكر بأن ليس هناك فضل لي في هذا الإحساس الذي من الممكن أن يأتي إلى مئات آخرين وتلك الكثرة كانت تُفْقِدَ في نظري خصوصية هذا الخيال وكأننّي أُقرُّ بأن خياليّة الموت ليست حقاً ديمقراطياً لكل العقول. أتخيّلُ نفسي بعد الموت بتغيُّرٍ طفيف، أسهل شيء كنتُ أتخيله هو زوال الجسم الماديّ، أمّا الذي لا أستطيع تصوره هو زوال العقل والوعي والإحساس المرير بالزمن. وكما ترين هذا هو فقر لياقتي الأدبية المبثوث في تأملات كان من المُفتَرض أننّي تخلّصتُ منها في زمن المُراهَقة. أيام طويلة. أيام طويلة. هزّت مريم بعنف كتفيّ خالد في مُحاولة مُستميتة لإخراجه من النوم. كانت حبّات العرق تتفصد على جبهته ككريّات زئبق شديدة الاستدارة والانفصال عن سطح الجلد. فتح خالد عينين ذاهلتين مدْهوشتين شوَّههما الخوف بتوْسيع المادة البيضاء فوق وتحت الحدقتين المُتضائلتين الحائرتين في شسوع البياض المُحيط. سأل خالد بلهجة تنفي كريّات الزئبق على جبهته وتنفي أيضاً تشوه عينيه: في إيه؟ قالت مريم: كنتَ تزوم وتئن وأنت نائم. هل كنتَ في حلم مزعج؟ أكَّد خالد أنه لم يكن هناك حلم بل هو لم ينم منذ أيام نوماً هادئاً مثل الذي أخرجته مريم منه اليوم. كانت نبرة العتاب والتأنيب واضحة في صوت خالد. قالت مريم: إزَّاي؟ وأخذت تصف بشكل محموم تعبير الحلم المُزعج الذي هاجَمَ خالد أثناء النوم ويداها تتطوَّحان في الهواء وكلماتها تضطرم وتغمض وحدقتا عينيها تغيب وراء المادة البيضاء وصدرها يعلو وينخفض. أمسك خالد كتفيّ مريم ورجَّها رجَّاً، ففتحتْ مريم نفس العينين الذاهلتين الشائهتين وقالت: ما الأمر؟ فقال جمال بصوتٍ دون جسد: كنتِ تزومين وتئنين وأنتِ نائمة أعتقد أنكِ في حلم مُزعج. جريا خالد ومريم لإدراك جمال قبل أن يستفحل حلمه. صعدا سلالم قذرة. كان الليل في منتصفه. غرفة على السطح بابها مفتوح. في ركن من الغرفة سرير سِفَري صغير بنوابض نائم عليه جمال بجسده الضخم. نوابض السرير تئن وتصر تحت ثقل جمال. الصوت المُنبعث من فمه المفتوح وأنفه المُشرَّع نحو السقف خليط من الشخِير والأنين. بجوار السرير تجلس سعدية على الأرض تنتف ريش ذكر بط سمين وبين لحظة وأخرى تُغرق ذكر البط في قدر ماء ساخن ثم تُخرجه من القدر ببخار كثيف وتعمل ثانية بيدين ماهرتين في نتف ريشه. خالد ينبه سعدية الواجمة بعملها إلى ضرورة إخراج جمال من نومه. تقول سعدية: ما ينفعش، لازم أخلّص الأكل الأول، هوه قال لي صحيني على الأكل. تندفع مريم بغيظ: حد ياكل بط بعد نص الليل! ترفع سعدية وجهها، فتظهر على طرطوفة أنفها شامة سوداء يحسبها المرء كُنانة وقفتْ بتلكع هناك بعد أن خرجتْ من مناخرها. تبتسم سعدية وتقول وكأنّ هذا القول أقصى ما تستطيع تقديمه في ظروف مماثلة: أنا ممكن أحمَّرلكم كبْدة دكر البط على السريع. تنظر مريم إلى علبة سمْن مليئة بالرمل تقيم توازن إحدى سيقان المنضدة في وسط الغرفة وتقول: إزاي إنتي عندك سمْنة؟ فكَّر خالد على أثر قول مريم في الصلات والروابط والدوافع بين الأشياء والكلمات، ولا يعرفَ لماذا تذكَّر وهو صغير عندما كان ينظر إلى باطن التليفزيون من الخلف، فيُصْعَقُ من تعقيد الأسلاك واللمبات وشبكة الصلات والروابط الخفيَّة مٌقارنةً بشاشة التليفزيون الملساء المُنبسطة كوجه بحيرة ساكنة. إن الأمر يتعلق بأسباب ونتائج، لكنّ خالد لم ير يوماً الانسجام بين السبب والنتيجة. على سبيل المثال كان خالد يكتب إلى مريم لأسباب كثيرة، عددَّ لها منها التعب والوحدة والحب والصداقة. لكنه الآن بعد سؤال مريم لسعدية- يا له من سؤال غامض- عن وجود سمْن لديها، يستطيع أن يُعددَّ أسباباً أخرى دفعته لمكاتبة مريم دون خوفه من إساءة فهمها لتلك الأسباب ودون خوفه من الوقوع في تناقض محض، منها على سبيل المثال الكراهية والانتقام والعداء. أمّا عن قوله لها بأن سبباً واحداً قد يستدعي الأسباب جميعاً فكان طموحاً أكبر من قدراته. نخر جمال من طاقتيّ أنفه نخرتين قصيرتين متتاليتين، وصرَّت نوابض السرير السِفَري على أثريهما. آه يا قطقوطة. جاءت الفرصة التي حدثتكِ عنها على طبق من ذَهَبٍ. شهادة فنيَّة في إحدى المجلات الأكثر تقليدية ورجعيَّة. كنَّا نسمِّيها مجلة الحلاَّقين، بقطعها الكبير لحد الهَبَل، ومادتها المُملة لحد القتل. كانت جديرة بصالونات الحلاقة. وبعد سنوات طويلة من الركود والتوزيع الثابت المُستَقِر اندلعت في المجلة ثورة تغيير تمخضت عن فأر كنيف تَمَثَّل في استعدال قطعها الكبير إلى قطع أصغر وفي بعض مغامرات مُحرريها الراديكالية وهي مغامرات حَسَنة النيَّة طالما أن العناصر الطليعية التي يقصدها الصحفي تتراجع عن راديكاليتها رهبةً واحتراماً للمكان الوقور ودون عِلم الصحفي المغامر الذي لا يعي مُغامرته إلا في قشورها الزائفة. كما قلتُ لكِ فرصة ذهبيَّة لم تحدث لي سوى مرتين أو ثلاث على الأكثر وهي فرصة التواجد في مكان آخر كنغمة نشاز كصوت فريد لا يعي سوى ذاته. كنتُ عازماً على النزول بكل ثقلي بكل حُمُولتي على اعتبار أنني لن أنزل إلا مرة واحدة أردتُ لها أن تكون فضيحة تواجد أن تكون العار الذي يُسربل تاريخ المجلة إلى الأبد. كان حلم اليقظة المستقبلي هكذا. موظف جاهل خامل في صالون حلاقة يقتل الوقت لحين دوره بتصفح المجلة المُملَّة. وفجأة تقع عيناه على شهادتي الفنيَّة وكأنّ شيئاً لم يكن. لا يتأثر بالمفاجأة وتنزلق عيناه على مادة أخرى. هنا فقط كل شرفي الأدبي والفنيّ مُعلَّقٌ بتلك النظرة ولا فكاك من نيل الخلود الفنيّ إلا بصك نظرة جاهلة خاملة. قررتُ اعتماد لغةٍ من الضرس للضرس عبر الأنياب والقواطع والثنايا. كانت اللغة كإجراء أوليّ هي الضرب الأكثر فاعليّة في أساس المجلة الراسخ. اللغة الفصحى والعاميّة البليغة والركيكة المُتفاصحة والمُتفيْهقة المُتحذلقة والمُتفذْلكة اللغة المهجورة والمطروقة اللغة السَمَاعيَّة والقياسيَّة. سألتني الصَحَفيَّة بوجهها الممصوص المصفوت السؤال البيضان السؤال المخْصي عن محنة التواصل والإبداع. قلتُ: بالطبع هناك محنة تواصل في الإبداع بالطول والعرض وبالورْب أيضاً ومنين ما تقفي تشوفي المحنة. أتكلم هنا من واقع تجربتي المحدودة- لكنْ خدي بالك الممدودة أيضاً- في الأدب والسينما، وإن كان لزاماً عليّ بدايةً تسريب بعض الهواء الزائد من بلْف تعبير "محنة التواصل" هذا التعبير الآتي ربما من زمن الأيديولوجيا القديم. الأمر الآن قد يكون نصف محنة، نصف تواصل، والنصف الآخر خليط هجين من اللامبالاة واللاأدريَّة واللامسؤولية والنهيليَّة التي هي كما تعرفين العدميَّة. فأنا- وأعوذ بالله من كلمة أنا، وربنا يكفينا شر الغرور- ابن طبقة متوسطة أصيل قَرَاري أنموذج يُقاس عليه، أو كما يقول المثل السائر "أقرع ونُزَهِي" أو كما في مثل ثائر أكثر صفاقة "عريان ال... يتأمز تأميز ويقول باب الخمَّارة فين" درستُ الفلسفة بنصف اهتمام. كانط بوجهه الفاتر أصابني بالنعاس، وادَّعيتُ كذباً- وما زلتُ- أنني قرأتُ كتابه "نقد العقل المحض" ونيتشه بشنبه الفخم رقصتُ معه في شمس نقَّاحة قوية، ودافعتُ معه عن الأقوياء ضد الضعفاء. ومع شوبنهور سهرتُ الليالي على رسالته "الجذر الرباعي لمبدأ العلة الكافية" ونصحته كثيراً بتغيير اسم الرسالة، لكنه رفض بصلف وعبس بوجهه كليمونة قرفانة. فشلتُ في دراسة الفلسفة، والفشل ديني وديْدني. وبقانون الأنتروبيا- وهو مقدار الاضطراب الذي يصيب المادة بعد نظام، ويمكن اعتبار جنون الخلايا السرطانية أنتروبيا، والمصطلح يُستخدم في الفيزياء النظرية- درستُ السينما شاحذاً نصف الاهتمام الراكد بمنشطات ممنوعة دولياً، وخالت اللعبة على طقم الممتَحِنين المُدْهب، ولُقِّبتُ في الحال بكردينال سينما من الطبقة الأولى. وكان لي أتباع ومريدون أطعمتهم وسقيتهم غصباً وقهراً زقُّوم وشوكران تاركوفسكي وبرجمان وأنطونيوني، على غيار الريق "نوستالجيا" و"برسونا" و"بلوأب" بعد التخرج ظهرتْ معادن الأتباع والمريدين على حقيقتها، واتجه الجميع دون استثناء إلى النحت السريع، مسلسلات وإعلانات واسكتشات كوميدية لمحطات فضائية وخلافه من سَلَطَات الكليب ومايونيز الأفلام الموسمية والتعلب فات وفي ديله سبع لفَّات والجمهور عاوز كده وإنت هتصلّح الكون وكفياك غم خنقتنا. وقفتُ وحدي كامل البيوريتانية، كتمثال قدِّيس من الجرانيت الوردي مبتور الذراع في 16 شارع سقف البحر المتفرع من ميدان السينما والأدب. كنتُ ضالعاً بإخلاص وتفان سنوات 1992 و1993 و1994 في كتابة "عفاريت الأسفلت" فيلمي الأول و "تدريبات على الجملة الاعتراضية" كتابي الأول وأقراص الفاليوم حبي الأول، حبي النّاني كونّاني. جاء الفيلم بنزعة سوداوية من العيار الثقيل، غريبة على السينما المصرية، عمايل أديَّا وحْياة عنيَّا. وكما يقوم مُخترع عظيم بتسجيل براءة الاختراع وضعتُ مصدات مطاطية مضادة من النزعة الطبيعية والاجتماعية والواقعية ليتخبط فيها كثير من النُقّاد والمشاهدين. عوملت في مجال السينما كراهب بندكتي عملاق ضل صومعته الأدبية الدينية. والحق يُقال والكذب خيبة كل السينمائين بجلالة قدرهم لا يفقهون شيئاً في الأدب، ويشعرون بالذنب أمام كل ما هو أدبي، وفي المقابل كل فراودة الأدب العتاة لا يفقهون شيئاً في السينما، وهم أيضاً يشعرون بالذنب أمام كل ما هو سينمائي. وفرّ لي هذا الوضع المُفارِق جلد الحرباية، فإذا قال سينمائي بحدس ثاقب أنت مُهرطق على السينما، فيكون مني الاعتذار، فبيتي الأساسي هو الأدب، أنا مجرد هاو، والعكس بالعكس والفرح فرحنا وإللي يحبنا ما يضربش نار. أمّا في معظم الأحيان أقول: الأدب أدب والسينما سينما ولا يؤثر جنس فنيّ في آخر، فأنتَ تتعلم الأدب من الأدب والسينما من السينما، بل أبالغ في لف الأنشوطة حول رقبتي وأقول: ليس هناك مَنْ يفهم جنسين فنيين، صاحب بالين كدَّاب، ومش عاوز كلام كتير. وجاءت قصص "تدريبات على الجملة الاعتراضية" محبوكة محزَّقة على قد القارئ والقارئة النُخبويين. سمكة من الجنب طراز بورخيس. كمر عريض من فابريكة كونديرا للملابس الجاهزة مع توكيل محلي وحيد وتعهد توصيل العينات للمنازل حلوان الحمامات العزبة القبلية أمام مدينة الحِرَفييِّن ورشة خالد الضمراني. وصفة جاهزة مع الباترون لكتابة الأمثولة على طريقة كافكا مع نزاهة التنبيه إلى فنْشنج لا مؤاخذة التقفِّيل درجة تانية يؤدي الغرض صناعة محلية شجَّع بلادك. قال ناقد عنها: نجح الكاتب في خلق عالم مواز من الكلمات يصبح وجوده أقوى ألف مرة من وجود الموصوف الواقعي الذي قد يختلف قليلاً أو كثيراً عن هذا العالم المصنوع من كلمات. مريم اصحي عشان تنامي. شيء ما يفلت من بين يديه، شيء كان يمثل له وجوداً جديراً بأن يحياه كما حلم به. كان الكثيرون من حوله يعرفون طريقهم ويسيرون فيه إلى النهاية قاصدين بثبات خطواتهم زعزعة إيمانه وسرقة حبه لطريقه ثم إزاحة هذا الحب إلى طُرق عديدة. بمرارة الطعنة النجلاء قالت والدتي: شارباه يا أمَّة من كيعاني. كانت ترفع مرفقيها وتلمس بيديها على التوالي وبإيقاع مُريح بزبوز الكوع. أداء مؤثر، لن أستطيع ما حييت التعبير عنه أو نقله. قدري أنني تأثرتُ بأشياء تجرعتها وحدي إلى حد المرض. أكدي لي أن شيئاً سيدوم بيننا. هذا العالم لا يعنيني. فقط شيء ثابت، شيء واحد أحيا من أجله، لا أريد الكثير، بل أقل القليل. لا أرتاحُ كثيراً لصيغة النجاح، الناجح شخص انتهازيّ، والفشلُ لطمة وجودية كريمة على وجه لن نعرفه أبداً. دعيه يسقط في سلام. ما زال الخروج من البيت عصياً عليَّ، لكنني أحتمل البقاء ببعض الأفكار. تتناهبني رياح النجاح من جهة ورياح الفشل من جهة أخرى. أتصور أنني بصدد مُحاولة. احتمالات النجاح والفشل غائمة، لكنّ هذا لن يؤثر بشكل ما على المُحاولة. يبقى موضوع المُحاولة، وهذا أيضاً يتسم بالغموض، إذ لو قلتُ لكِ: إنها مُحاولة في الحياة، في الكتابة، كما أحب، أو كما أعتقد أنني أحب، فكأنني لم أقل شيئاً، فما أكثر عاديَّة هذا الطلب، وهو ليس حِكْراً على أحد، بل هو مشاع الناس جميعاً، بالطبع أقصد النصف الأول المُتعلق بالحياة، فما الكتابة إلا عَرَض مرضيّ للحياة. غريب أن تكون مطالب الناس جميعاً من الحياة هي مطالب واحدة، وإن اختلفت الدروب. إذن فمُحاولتي لا يبرأ منها أحد. كنتُ أريد لها أن تكون استثنائية غير مسبوقة. التشابه مؤلم والتفرد حلم. على العموم كل ما أعرفه عنها هو حذلقة كليشيهاتها المتمثلة في الانتظار والزهد والعذاب، القطط الثلاث السُمان المتربلون في عتمة الروح ومسافة الأبد بحيث تبقى المُحاولة في النهاية نحيفة مُتناحفة نحيلة مُتناحلة. بعد انتحار خالد بسنوات طويلة سئلت ممثلة مشهورة في برنامج تليفزيوني عن الشخصية التي تحب أن تدعوها على العشاء- كان لها الاختيار من عالم الأحياء أو عالم الموتى- فقالت: خالد الضمراني. أصاب خالد شيئاً من الشهرة بعد موته، إلا أنها شهرة خاصة وفي نطاق محدود يقتصر على نخبة، وهذا ما دفع الممثلة الشهيرة شهرة شعبية إلى مفاجأة المشاهدين بهذا الاسم. كانت مريم أحد المشاهدين الجالسين أمام التليفزيون. وكانت ناني صديقتها القديمة هي الممثلة المشهورة. وكان مُقدم البرنامج هو جمال الذى قرأ يوماً رسائل خالد الضمراني وهي رسائل ظلت في حوزة مريم ولم تُنشر. لم يبد على جمال أنه قرأ يوماً رسائل الكاتب الذي اختارته ضيفته في البرنامج ليكون ضيفها على عشاء يحسده عليه أغلب المشاهدين رغم موته. تذكَّرت مريم بابتسامة أنها لم تعط ناني القائمة الألفبائية الناقصة التي بعثها خالد وكانت مريم الوسيط بينهما. وهي فعلتْ هذا بخليط من مشاعر الغيرة والمرح والتقدير الصائب، إذ لم يكن خالد وقتها جاداً في رغبته بوصول قائمته المبتورة عند الحرف السابع إلى ناني، وعندما بعثتْ مريم صورة صديقتها إلى خالد لم تكن الصديقة على عِلم بهذا، وكانت مريم تراودها بشكل ما فكرة تزويج خالد والخلاص من طفولته إلا أنها أحجمتْ عن الفكرة بعد قراءتها للقائمة الألفبائية ورأتْ أن صياغة خالد للقائمة هي التحبب الأعمى لأي امرأة كانت، وشعرتْ بالعرفان لحدسها السابق عندما بعثتْ لخالد صورة فوتوغرافية ظالمة لوجه ناني، هذا إلى جانب البكاء الذي انخرطتْ فيه بسبب صياغة خالد الجارحة للقائمة الألفبائية، وهو بكاء جعلها تعود مرة أخرى إلى سجن العلاقة. أمّا عن ناني التي لم تقرأ شيئاً لخالد الضمراني إلا بعد انتحاره وشهرته، فقد كانت علاقاتها العاصفة وفضائحها الجنسية وإدمانها للمخدرات وحياتها الخاصة بشكل عام مثار الصحف والمجلات الفنيَّة، وهي بدعوة الكاتب الراحل على عشاء مستحيل ترمي الملح في عيون مُشاهديها وتثبت لهم أنها تستطيع التجرد من غرائزها ومطالبها الدنيوية. وكانت تقول في نفسها مَنْ يستطيع أن يصف هذا العشاء بشيء آخر غير النُبْل؟ الحقيقة لا أحد. فقط الكاتب الراحل خالد الضمراني لو كان على قيد الحياة لانْتظرَ من هذا العشاء شيئاً آخر غير النُبْل، شيئاً شبيهاً بالذي انتظره من وقوع شهادته الفنيَّة في إحدى المجلات التقليدية تحت عين موظف خامل يقتل الوقت انتظاراً لدوره في صالون حلاقة. كان جمال مُقدم البرنامج في واد آخر. كان لا يعنيه مثلاً التصريح بأنه قرأ للكاتب شيئاً لم يُنشر بعد، حتى إذا كان هذا التصريح لصالح البرنامج ولصالحه هو ذاته كمقدم برنامج يستطيع أن يُدهش ضيفته بما لديه من معرفة سابقة جاءت لحظة استخدامها بشكل مثالي. كان ما يعني جمال فقط هو التقيُّد الغبي بحرْفيَّة سؤاله، فأخذ يسأل ناني عن أصناف الطعام التي ستقوم بإعدادها على العشاء، وأصابته خيبة أمل من غياب اللحوم عن مائدة العشاء وتذكَّر باحتقار حب الكاتب الراحل للأسماك، ولم يغفر له الانتقال الاضطراري من اللحوم إلى الأسماك بسبب النقرس، وعلل توافق ذوق الممثلة والكاتب إلى الصدفة العمياء. سعدتُ كثيراً باتصالكِ بي في عيد ميلادي. لا أعلم إن لم يكن هذا الاتصال. منذ شهرين وأنا أنتظر سماع صوتكِ في التليفون. أكتبُ لكِ بعد أربع ساعات من زمن المُكالمة. الساعة الآن الثالثة صباحاً. أستعيد صوتكِ أثناء المُكالمة بتعبٍ يشبه السعادة، سعادة غامرة- هشة تذوب في الفم بسهولة ويسر- مصحوبة بيأس مطلق مفاده أنني هنا وأنتِ هناك دون أن تعني تلك الحقيقة شيئاً آخر وراءها، حقيقة لا هي عادلة ولا هي ظالمة. أعددتُ نفسي للمُكالمة قبل شهرين، وعندما جاء صوتكِ على التليفون تعثرتْ في فمي الكلمات، وظهر في الحال العداء بين الوقت والرغبة. تخيلتُ أن إهدار زمن المُكالمة في صمت هادئ- يتخلل بدِعَةٍ مسافات بين الكلمات كما كان يحدث بيننا في زمن آخر- سينفي ضيق الوقت. وبينما كانت الرغبة في اتساع دائم كان الوقت في ضيق مستمر. بعد المُكالمة بساعة واحدة فكَّرتُ في الاتصال بكِ مجدداً. كان الشغفُ يملكني. وكان الارتباكُ يشوه نفسي وجسدي لدرجة أنكِ لن تتعرفي على هذا الكائن إلا بمساحات شاسعة من الرأفة والألم. ليس الحب أو الصداقة ليس التعب أو المرض، بل الرأفة العميقة المدعومة بالألم هي التي لا حدود لها. نعم نعم والعَظَمَة التي تُقرأ عظْمة وحاصل ضرب الكلمات التي تعني الكلمات التي تقول في الكلمات التي لا تعني الكلمات التي لا تقول يساوي مُربع المسافة بين الإحساس والتعبير ورسائلي المغدورة تحت عينين قذرتين وسركِ المُعلن لأذنين تفصلهما مسافة قريبة عن العينين القذرتين واحدة بواحدة والبادي أظلم ولغد هيجل الشبيه بلغد الضفدع وأنا وسجن ما أنتمي إليه والسقوط الذي ادعيته لنفسي وأنتِ بكل جحود وقسوة باركتِ السقطة وضوء الشمس الصاعد على ساقيكِ عند سماعكِ خبر الانتحار والتغيير الذي تمنيته في مرات لاحقة لا أقره في المرات السابقة والكلمة المهموسة بين الشفتين هي ذاتها الكلمة المعروضة أمام باحث الحرف السابع وكان قيامكِ بتمثيل الحرف السابع ثورة ضمن ثورة بينما كنتُ أنا في أبد ضمن أبد حزَّر فزَّر ألكس بوهيميا اسم مكان اسم زمان اسم علم اسم فاعل اسم مفعول اتصل بنا على تَلتْ خمسات تَلتْ ستَّات زيرو واحد زيزو بأصابع ملتاثة بدِمْعَة الكِرْشة أمسك جمال التليفون وضرب تَلتْ خمسات تَلتْ ستَّات زيرو واحد زيرو وقال تشريطات رهيفة في البطن بلون مختلف عن لون الجلد تشريطات بيضاء بلون الدِهنْ كأنها قطرات مطر متطاولة على صفحة بيضاء رسمها طفل بيد مائلة تشريطات تكاد تكون ناتئة في منتصف البطن تحت السرَّة ثم تنداح بنعومة على أعلى الفخذين كشبح في طريقه إلى الزوال ضربة الطبيعة لا تستطيع ارتداء التي- شيرتْ القصير الذي يُظهر شريطاً من البطن أو المايوه البيكيني سركِ الصغير سركِ المُعلن وصرخة المذيعة برافو صح تكسب معانا علبة سمْنة البقرة الذهبية وذراع بسطرمة خضراء وأحشاء عِجْل بتلُّو خليك معانا في السؤال القادم وعظْمة الحب التي ترمينها بعَظَمَة وأنا على الأرض مُظهراً لكِ البطن ككلب أليف يُعطي أضعف قطعة في جسده لصاحبه والبطن بتكْحيتات وتجْريحات وخربَشَات العبور بين الإحساس والتعبير بطن هنا وبطن هناك والحلم الذي يسدَّ مسدَّ الواقع وقبضة جمال المُسدَّدة بقوة إلى أنف سعدية ذي الشامة السوداء لاكتشافه أنها قامت بتحمير كبدة ذكر البط لمريم أثناء نومه والدم الأحمر البهيج يشلب من أنف سعدية كبزبوز حنفيَّة تصلَّبتْ جلدتها فلا تُغلق إلى النهاية ومُدد الأورجازم التي حسبتها وأنا صغير حساباً عكسياً أي كلما كانت قصيرة كلما كان أحسن وأفضل دقيقة دقيقتان ونَفَسي القصير المتلاحق الآخذ الهواء من أعلى نقطة وحبوب الفاليوم والزانكس والبروزاك والكسوتانيل والنوم المتقطع وليلي الأسود الذي فيه كل الأشياء سوداء وبصقات البلغم الطائرة هنا وهناك وعربون الكمال في يدي قبل كل بداية والفروق الطفيفة التي كان لها أن تجعل العجز قدرة والفشل نجاحاً والوحدة حياةً والخطوات المسروقة من تحت القدمين ونفس اليد التي قبضت عربون الكمال اليد إللي عايزة قطعها نفس اليد تقوم في الليل الأسود بتفعيل الاستمناء على فيلم بورنوجرافيك فئة تلاتة إكس. أفلام البورنوجرافيك بكل درجات خشونتها بكل درجات نعومتها بكل هشاشة دراميتها بكل تفاهة سيناريوهاتها بكل سوداويتها بكل مازوخيتها وساديتها بكل قضها وقضيضها لا تصل أبداً إلى حالة العري بل هي تتعرّى دائماً دون أن تصل إلى نهاية العري والفرق بين العري والتعريِّ أن العري نقطة حاسمة نهائية أمّا التعريِّ فهو ممكن هو الطريق الذي يسلكه الفيلم للوصول إلى نقطة النهاية لكنّ هذا الطريق بينه وبين نقطة النهاية دائماً بضع خطوات لم تُؤخذ بعد هذه الخطوات القليلة قبل الوصول هي التي تتحكم في متانة الدراما وهشاشتها يحتقر المُشاهِد الموقف الدرامي الهش الذي يؤدي إلى الجنس لكنّ هذا الاحتقار يأتي بعد زمن المُشاهَدة ففي زمن المُشاهَدة يكون المُشاهِد مشحوناً بأمل الوصول إلى العري وبعد المُشاهَدة تنفتح هوة الفراغ العميق هناك شيء ما يحتجب وراء الفيلم رغم أن العرف الجاري في أفلام البورنوجرافيك هو الظهور السافر سأفترض أن هذا الشيء المُحتجب هو إرشادات المخرج أو المُصور في لحظة وقوف الكاميرا عن التصوير هذا هو العري الحقيقي المحجوب عن المُشاهِد حتى أفلام ميكينج البورنوجرافيك تراعي تلك الحُرمة تراعي هذا التابو على الأقل من باب التسويق التجاري الممثل 1 أحب الممثلة 2 أثناء تصوير الفيلم البورنوجرافيك ماذا سيفعل كي يصارحها بحبه من المؤكد أنه سيسلك أكثر الطرق رومانسية ولمّا كان الحب يُكلل في نهايته بماسة كبيرة سوداء هي الجنس ولمّا كانت هذه الماسة ببريقها المشؤوم تُنْتَهك من الممثل 1 والممثلة 2 أثناء تصوير الفيلم البورنوجرافيك فإن الطريق الرومانسي بين الاثنين يكتسب دلالة البيوريتانية العاجزة لكنها بيوريتانية سعيدة بعجزها الروحي وليس الفسيولوجي لكنّ شراهة مُشاهِد أفلام البورنوجرافيك وسوء نيته هي التي تجعله يصف هذا الطُهر هذا العفاف بين الممثل 1 وبين الممثلة 2 بالعري وأن ما يُمارسانه أمام الكاميرا بالتعريِّ. هناك آخر مستقل يعيش داخلي ويعمل ضدي على طول الخط الواصل بين الإحساس والتعبير، قاطع طريق، هَجَّام، كما أشرتُ لكِ في رسالة سابقة. كنتُ قد أبرمتُ معه عهد دمٍ على طريقة فاوست، ولكنْ بشكل عكسي. كان العهد ينفي باتفاقٍ، الحياة والسعادة والمتعة. تعاهدنا على ذلك بدمٍ قان، وها أنا أريد التراجع، إلا أن الآخر القاسي لا يُرضيه نقض العهد بالرغم من الخراب والتعاسة والألم. يقول: هناك المزيد. وأقول: لكنني مللتُ من النفي. يقول هناك عهد دم. ولأنه يعيش داخلي ويقتسمُ النَفَسَ الضيق المُتلاحق معي، فلم أستطع الهرب منه، هو قويٌّ في يأسه وأنا ضعيف في أملي. ومع هذا فهو لا يمنعني الحياة، بل يدفعني إلى التجربة كأبٍ، وهو يشير بيده الإشارة المعروفة التي يصنعها رب بيت لضيف على بابه، تفضَّل بالدخول، دخول التجربة. يقول لي: الكتابة قذرة والحياة نظيفة. وهو يعرف النتائج النهائية بصرف النظر عن الأسباب. يقول: الأسباب كثيرة لا أهمية لها والموت واحد وليس معنى هذا أن تتركَ الأسباب وتتعلق بالموت، فالأسباب نظيفة مثل الحياة والموت قذر مثل الكتابة. وفي وسط التجربة يعود بابنه الفاشل والابتسامة الصفراء الكريهة تغطي وجهه. تغلبتُ عليه مرات قليلة. الاستثناء الذي يؤكد القاعدة. من فضائله عليَّ، أنه منحني المهنة كرشوة بداية، عربون كمال قبل كل بداية وأي بداية. كان يخاف عدم إتمام عهد الدم المُبرم بيننا. كنتُ ساعتئذ لن أتحمل الهبة النهائية، لن أتحمل التبشير بها، عطية الكمال في يدٍّ مُرتجفة. ومن فضائلي عليه، أنني أشْعرته بالقوة والجبروت، هو الذي يقف أمام آخرين هزيلاً ضعيفاً. أخْوفَ ما أخافه أن يعرض عليكِ يوماً عصابه وكراهيته لكِ بحجة حبه لي وخوفه عليَّ. أنا في المبتدأ وهو في المنتهى. مريم.. كان على علماء النحو تسمية المبتدأ ومنتهاه، المبتدأ والمنتهى بدلاً من المبتدأ والخبر، أو كان لتسمية المبتدأ والمنتهى حق الشهرة أكثر من المبتدأ والخبر، المبتدأ والمنتهى يناسبان المنطق والقياس كما في الفعل والفاعل والمفعول وكما في العامل والمعمول. يبدو أنهم خافوا من المعنى الميتافيزيقي، فالمنتهى هو المبتدأ بشكل ما، بتحصل في أحسن العائلات، أم أنهم خافوا من المعنى الحرْفي للكلمة، فالخبر لا يأتي دائماً في نهاية الجملة، أي كيف يأتي المنتهى قبل نهاية المنتهى، والمُعضلة أكبر عندما يأتي المنتهى مُقدَّماً على المبتدأ، أو عندما يكون هناك مُنتهيان أحدهما منتهى مُقدَّم والآخر منتهى مُأخَّر. لكِ في النهاية أن تقولي إنه أنا وأنا هو. أكتبُ لكِ في ساعة ظهيرة. الرطوبة العالية تمسك بالنَفَس. الجسم مثل سمكة رنْجة مسأْسأْ بعرق زيْتيّ لا يزول. والروح محبوسة في كتْمة الغرفة. قولي لأحد ما اليوم شيئاً حميماً عني ثم قومي بنفيه في اليوم التالي وعودي على تأكيده في اليوم الثالث. على أن تكون الأيام الثلاثة متصلة. السبت والأحد والإثنين أو الأحد والإثنين والثلاثاء أو الثلاثاء والأربع والخميس أو الأربع والخميس والجمعة أو الخميس والجمعة والسبت أو الجمعة والسبت والأحد. وعلى أن يكون قولكِ للشيء الحميم في هذا الترتيب، الصباح والظهيرة والمساء أو الظهيرة والمساء والصباح أو المساء والصباح والظهيرة. وعلى أثر خناقة دموية بين أبي وأمي أهرقتْ أمي صفيحة جاز على نفسها بعد أن شقت جلابيتها الكستور إلى منتصف بطنها وكانت صفيحة الجاز في الأصل علبة سمْنة هولندي عليها بقرتان سمينتان ترعيان في خضرة فاقعة- إذن فحدِّث ولا حَرَج ليست كل الأبقار سوداء في ليل أسود- تسر الناظرين. أدركتْ ستيّ أم أمي ابنتها الوحيدة ننوسة عينها وحَبِّة قلبها على آخر نَفَس وعلبة الكبريت في يد الابنة وبعد الدُش البارد لإزالة أثر الجاز الحارق للبشرة مالت ستيّ أم أمي على ابنتها وسألتها بلهجة مؤثرة وهي تُمثِّل السؤال على صدرها عملتي يا ختي تحت بزازك؟ كانت تقصد وصول الماء إلى الخبايا وبعد قليل قالت أمي العبارة التي قطعتْ في نفسي وهي تُمثِّل أيضاً القول على نفسها بلمس المرفقين بنعومة وسلاسة وفي تزامن مع الكلمات: شارباه يا أمَّة من كيعاني. على أنني أقترحُ عليكِ أن يأتي الشيء الحميم الخاص بي على لسانكِ في صباح سبت، وفي كلمات قليلة مُختَصَرة، وكأنها خرجتْ منكِ عفو الخاطر، وكأنها لا تعني ما أعنيه لكِ، كلمات شاردة لا تنتظر من السامع أكثر مما ينتظره الناظر إلى جدار اعترض أفق نظرته دون قصد. أمّا عن كلمات ظهيرة الأحد ومساء الإثنين التاليين، الكلمات التي ستنفي وتؤكد على التوالي الشيء الحميم الخاص بي الذي جاء على لسانكِ يوم السبت، فهي كلمات ارتباك وقصور ويأس للدرجة التي معها يخرجُ السامع من جداريته ويشك بأثر رجعي في صدق كلمات الإثنين والأحد والسبت، حينئذٍ لا مفر من استخدام تتابع مجموعة أخرى تبدأ على سبيل المثال بظهيرة الثلاثاء ومساء الأربعاء وصباح الخميس، وعلى أن تحقني المجموعة الجديدة بمصل ثلاثي استخدمته كثيراً في حياتي كأداة هدم- أرجو ألا يكون معكِ بنفس الصفات السلبية- هو الحدس والفراسة والبصيرة. الشيء الحميم الخاص بي يُقال في ظهيرة الثلاثاء بحدس، وفي مساء الأربعاء يأتي نفيه بفراسة، وفي صباح الخميس يأتي تأكيده مرة ثانية ببصيرة. مريم.. أنا أيضاً فكَّرتُ أن تلك الرسائل قد تكون موضوع كتاب في المستقبل، لكنْ هناك تعقيدات، منها العرف المِهَني الذي يحول- او كما أعتقد أنه يحول- دون المنفعة المباشرة من الرسائل، على الأقل في المدى القريب، فهي رسائل كُتبت وتُكتب لغرض آخر، ويبدو أنه من النُبْل تركها لاختبار الزمن، تَرْك فرصة لضياعها أو ثباتها من غير حَضَانة ورعاية، فإذا كانت صلبة العود قويته ثبتت في وجه العاديات وتخطت لحظتها، وإذا كانت خِرْعة العود ضعيفته، فحسبها أنها أدَّت الغرض واستنفدت طاقتها في اللحظة الراهنة، فلا عزاء لها. ومن التعقيدات أيضاً القرار السحْري المشؤوم الذي ما أن يؤخذ بصدد الرسائل إلا وتقوم القيمة الفنيَّة بهدم الكثير، وما تهدمه القيمة ومعيارها هو عينه ما يجعلنا نفكِّر في أمر الرسائل تفكيراً أدبياً. إنها مُعضلة لا خروج منها. كان مشروع كتاب الرسائل الذي اقترحته مريم على خالد هو بحق العْظمة التي تركتها مريم لخالد بعَظَمة، تركتها تسقط عند قدميها، فما كان من خالد إلا الجري الذليل، وهو يُبصْبص بذيله، ويَتَمَسَّح في ساقيّ مريم، ويأخذ العظْمة بين أسنانه، ولعابه يسيل عرفاناً، ويُحَكِّكْ جسمه الجربان القرنفلي في ساقيها معتقداً أنهما ساق شجرة، وبنفس العرفان يرفع ساقه الخلفية ويطلق بوله الحار الدافئ المتقطع على ساقيّ مريم في ثلاث زخَّات سريعة سخيَّة بينها انْحِباستان قويتان سريعتان، وخامرته الذكرى الإنسانية قبل السخْطة الحيوانية بأن الساقين الجميلتين صعد عليهما يوماً ضوء شمس صاف على أثر خبر انتحار. أخذ عظْمة الكمال في فمه، وهو يعدو في ظلام السِكَكْ. كان يتوقف بين الحين والآخر تاركاً العظْمة من فمه رافعاً بوزه بعواء ممطوط طويل. قطَّعَ العواء نياط قلب رجل عجوز، فأخذ الرجل بانفعال اللحظة حيواناً إلى بيته، فلمّا رأتْ ابنته الحيوان غطَّتْ وجهها، وقالت لوالدها: هل هُنْت عليكَ حتى تُدخِل الأغراب عليَّ وأنا مكشوفة الوجه. قال الرجل العجوز لابنته: إنه كلب سِكَكْ مسكين. قالت الابنة: لا إنه إنسان نزلتْ به السخْطة وحقتْ عليه اللعنة، وها هي عظْمة الكمال قبل كل بداية في فمه، وأنا أستطيع تخليصه من صورته الحيوانية ورده إلى صورته الإنسانية بإذن الواحد المتعال. قال الوالد برجاء: افعلي هذا. جاءت الابنة بماء زهر وهي تحوقل وتبسمل وتقرأ عليه بصوت خفيض يبعث الاطمئنان. قالت: باسم الواحد الأحد الفرد الصمد الذي ليس لصفته حد محدود ولا نعت موجود ولا وقت معدود ولا أجل ممدود فَطَرَ الخلائق بقدرته ونَشَرَ الرياح برحمته ووتَّدَ بالصخور مَيَدَان أرضه أول الدين معْرِفَتُهُ وكمال معْرِفَتِهِ التَّصديق به وكمال التَّصديق به توحيده وكمال توحيده الإخلاص له وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه بشهادة أن كل صفة غير الموصوف وشهادة أن كل موصوف غير الصفة وشهادة أن كل عدد غير المعدود وأن كل معدود غير العدد. رشَّت الابنة الماء على وجه خالد، فخرج في الحال من صورته الحيوانية وعاد إلى صورته الإنسانية وتَرَكَ عظْمة الكمال تسقط من فمه. بالأمس فقط انتهيتُ من قصة طويلة بعنوان "الرسائل" أشعرُ الآن بارتياح، وكأنني تخلَّصتُ من شيء كريه لازمني طوال شهور ستة من العمل تحت ضغوط كثيرة. الآن فقط أستطيعُ النظر إلى الوراء، أستطيع النظر إلى قصتي الطويلة مع مريم بروح أخرى، بعين أخرى. أستطيعُ الآن وهنا فقط تسليط الضوء على تلك الرسائل، الضوء الواقعي الحقيقي، ضوء الحقيقة، الحقيقة في استقامتها وتخففها من الاستعارات والمجازات والتمثيلات، وكأنها فجأة تُدرك أن الأدب أحياناً لا يكون أدباً إلا وهو عار من كل ألعابه. الآن فقط أستطيعُ البداية من جديد، البداية بصوت آخر، بصوت مُتوحِّد مع ذاته، بصوت أكثر حريَّة. الآن فقط أشعرُ بكراهية للصوت الذي توجَّه دائماً لمريم في أغلب الرسائل، ربما كان الصوت الذليل الرومانسي يريد مجداً آخر، يريد مجداً مجهولاً مستقبلياً، يريد الفضاء الأكثر رحابة، يريد الأدب. آه يا قطة.. آه يا قطقوطة. لحقتيني بالسكِّينة وأنا بفرفر. معجزة. وصل خطابكِ الآن. نفحتُ ساعي البريد خمسة جنيهات. أعتذرُ على السطور السابقة، أعتذرُ بشِدِّة، أعتذرُ بشَدَّة فوق دال الشِدَّة. عشرة أيام طُوال عُراض لم يصلني فيها رسالة واحدة منكِ. واليوم أخذني الجنون لقول الحقيقة، الحقيقة العارية، الخالية من الأدب، الخالية من الدَّسَم. شمشون الأهبل العبيط أراد هدْم المعبد على الرؤوس جميعاً، لكنْ هيهات هيهات. ها هو يعود صاغراً يُبصْبصُ بذيله المحشور بين ساقيه وريالة اللعاب تسيلُ من فمه عرفاناً وتقديراً. أعود بصوتي الذليل المشدود إليكِ بأمراس من النوع الذي يستخدمه متسلقو الجبال. الحقيقة الواقعية غارقة في مادتها المحض، في عناصرها البدائية، عناصرها الأربعة، بينما الحقيقة الفنيَّة تُحوِّم في القمة كعنصر خامس، كعنصر غامض. ما عاش ولا كان إللي يقول الحقيقة في وجهكِ الجميل، ينْقطع لساني يا قطة. كنتُ قبل وصول ساعي البريد في الرابعة بعد الظهر وأثناء السطور الحاقدة، كنتُ بصريف أسنان وعضٍ على النواجذ والآن فقط أستطيعُ أن أقول لكِ بعد وصول ساعي البريد: كانت شِقْشِقَة هَدَرَتْ ثم قَرَّتْ. وطبعاً عارفة وإنتي ست العارفين إن الشِقْشِقَة رئة تخرج من فم البعير إذا هاج. لكنْ كان عليّ قبل ذلك قول- إن حالي معكِ كحال راكب الصعْبة، إذا أشْنَقتُ لكِ خرمْتكِ وإذا أسْلسْتُ لكِ تَقحَّمْتِ، واللهِ هذا الحب قد سَدلتُ دونه ثوباً وطويتُ عنه كشْحاً، واعلمي أنّ محلِّي منكِ محل القطب من الرحى، ينحدرُ عنِّي السيلُ ولا يرقى إليَّ الطيرُ- ثم يأتي قولي بهذه شِقْشِقَة هَدَرتْ ثم قَرَّتْ، وهي كناية عن التراجع والمثول مرة أخرى بين يديكِ. والصعْبة الفَرَسَة الجموح غير الذَلول التي إذا أشْنق لها راكبها أي شدَّ زمامها بقوة شَرَمَ أنفها أو خَرَمه وإذا ترك لها الزمام أوقعته من على متنها والكشح هو ما بين الخاصرة والضلوع. قالت مريم: ولمّا إنْتَّ مش أدْ الصِعَاب بتركبها ليه، مش كل قط يعرف ينطْ، سامع يا قطْ. عَمَل خالد وِدْن من طين ووِدْن من عجين. لو قلتِ لي من باب الرثاء والحيرة والشفقة: مَصَابُكَ الأليم، تَعَبُكَ، وحدَتُكَ، وجْدُكَ، وصْبُكَ، حبُكَ، مرضُكَ، هُمومُكَ وقد أيْنعت يأساً، أوقاتُكَ وقد أفرخت ضجراً، لقلتُ لكِ مضيفاً كما أضاف أبو العلاء إلى محبسيه- العمى والبيت- محبساً ثالثاً، وهو كون النفْس في الجسم الخبيث: والمسافة بيني وبينكِ مزروعة بمَشانيق الغرام مُعلَّقة أجسامهم بأمراس من ليف. سَقْياً وسَعْداً ورَعْياً لمشانيق الغرام كثيرعزة جميل بثينة مجنون ليلى صريع الغواني فرتر شارلوت دون كيخوته دولثينا نيتشه سالومي فرويد سالومي ريلكه سالومي إيهاب موبي ديك بروست ألبرتين كافكا ميلينا صامويل بيكيت مع نفسه العقاد شرحه توفيق الحكيم مايتْخَيَّرش وعلى الضيق سيد البرنس سالاوزة مصطفى رجاوات أبو خميرة إنشراح جمال حوائج وعفْشَة العجول والأبقار بألوانها المختلفة فهو لم يقرأ هيجل وعلى هذا ليست كل الأبقار سوداء الباحث حرف الأبجدية السابع واحد اتنين تلاتة كارولين كاروليتا سقَّف نص سقْفة وأنا أنطْ نطَّة كارمن شي عشان العربية وأد كيِدَهوه عائلية كارمن حلوة وزي الفل تلاقيها موجودة عند الكل أصفر وأخضر وأحمر وأزرق. أجدُ نفسي دائماً في وضع مَنْ يريد أن يُثبتَ شيئاً. الإثبات بمعناه الرياضي البحت. وهذا الشيء المُراد إثباته هو في الأصل مُثْبتٌ من قِبَل الفطرة والطبيعة الإنسانية. لكأنني أفكرُ فجأة في آلية النَفَس الداخل والخارج إلى ومن صدري، التفكير في إيقاع الشهيق والزفير وفرض الإيقاع الواعي على تلك الآلية الطبيعية وتحْطيمها بزمن مصنوع، أو أفكرُ في جسدي ضارباً فطرته أثناء فعل الحب. تعرفين النتائج المترتبة على هذا الافتقاد الشديد للطبيعة الإنسانية. تقولين: قلة ثقة، خوف يأكل الروح، مرض لا شفاء منه. والهام في النهاية أنني أقف في أرض النتائج مشلولاً بلذة مازوخية مفادها أنني أهدرتُ المعطيات الإنسانية دون مُقابل، أهدرتها قبل البداية. والمُضحك والمُبكي هو أن الرياضة البحتة نفسها التي وضعتْ أمامي الفروض والمُعطيات في مسألة رياضية للوصول إلى نتائج حقيقية- تتنكر لي لأنني خضْتُ في المُثْبت وتركتُ ما يحتاج إلى إثبات. هكذا أصبحتُ مطروداً مرتين، مرة من الطبيعة الإنسانية، ومرة من الرياضة البحتة. تذكَّر خالد خطأً درامياً في القائمة الألفبائية التي بعثها يوماً لمريم لتصل لناني، ذكر خالد في القائمة أنه يحب البسطرمة الخضراء، والحقيقة أنه كان يحب تعبير "البسطرمة الخضراء" الذي يُطلق عليها قبل النضوج، كما أحب يوماً تعبير "صدر الحمامة" الذي يُطلق على صدور مرضى الربو المنتفخة من إدامة لقف الهواء من أعلى نقطة. تذكَّر هذا الخطأ وهو يفكِّر في جمال مُحب اللحوم. تذكَّر خالد الخطأ الدرامي كرصاصة اخترقتْ وعيه، كرصاصة بعثها يوماً لمريم من الفم إلى الفم. تذكَّر خالد الأخطاء الدرامية التي يقع فيها الروائيون الكبار. أمات سرفاتيس حمار سانشو ثم استخدم هذا الحمار ذاته في مَشْهَد لاحق ثم استدرك بعد هذا ذلك النسيان الذي أصاب الراوي وسخر منه وبهذا أعاد سرفانتيس الخطأ الدرامي إلى نسيج روايته "دون كيخوته" التي تتحمَّل ببنائها الكوميدي تلك الأخطاء. فكَّر خالد أن الكاتب عندما يستعيد الخطأ الدرامي مرة ثانية كأنه بهذا يستعيد أعرق الجماليّات الروائية، والأمر لا يتوقف فقط على الأخطاء الدرامية الواضحة الظاهرة بل ينسحب على عودة الكاتب بشكل ما على ما كتبه داخل العمل، مجرد العودة، أو نظرة الكاتب إلى الوراء تضع العمل في مكان آخر، وهي عودة ظاهرها الهدْم وباطنها البناء، ظاهرها الإخفاق وباطنها الإجادة. أحسَّ خالد بجوع شديد، وكأنه عكف على كتابة الرسائل دون توقف وبتواصل خارج الزمن. قام من على المكتب. دخل المطبخ لإعداد الطعام. لو أراد أن يضع وجبة الطعام التي قام لإعدادها في سياق زمني لما استطاع، إنها وجبة تقفُ على الحدود بين العشاء والإفطار، لكنها تستعيرُ شهية الغداء القوية. أخرج من الفريزر قطعتين من سمك الفيليه المُتبَّل، وبَشَرَ بصلتين صغيرتين. فكَّر بسعادة في عودته بعد تناول الطعام إلى كتابة الرسائل. وَجَّه كلمة لمريم وهو يأخذ مقدار كوب من الأرز ويضعه في مصفاة ويترك عليه الماء. الكوب المعياري من الألومنيوم وظل بحوزة عائلته أكثر من ثلاثين سنة وكان المقدار الكافي للعائلة في زمن مضى ثلاثة أكواب معْيارية. حمَّر خالد البصلتين المبشورتين بقليل من زيت الذرة ثم أضاف كوب الأرز ومقدار كوبين من الماء ثم أضاف الملح. نار قوية خمس دقائق. نار وَسَطْ سبع دقائق. نار خافتة خمس دقائق مع استخدام الشيَّاطة وهي قرص علبة السمْنة الصاج. أخَذَ حبَّة طماطم ووضعها على اللوح الخشبي وجاء بالسكِّين الحاد وبدقَّة شديدة شق الحبَّة نصفين متساويين ثم قلبهما على اللوح الخشبي فبديا كقبتين وهو يلمسهما لمساً رقيقاً فتنحرف نظرته على جنب قبل تقطيعهما قطعاً صغيرة. جاكي جليسون في فيلم "المخادع" مع بول نيومان، فيلم البيلياردو الشهير، فبعد عكوفهما على اللعبة أكثر من 24 ساعة دون انقطاع يأخذ جاكي وبول وقتاً قصيراً للراحة. يصفف جاكي شعره ويطلب كأساً ثم يمد يديه لخادم صالة البيلياردو، يمد يديه لبودرة البيلياردو بابتسامة هادئة، وكأنه لم يكن في خسارة على مدار ال 24 ساعة الفائتة، يفرك يديه بالبودرة ويقول بوداعة لبول: لنبدأ لعبة البيلياردو. بهذا الشغف عاد خالد إلى كتابة الرسائل بعد طعامه، وهو يفكِّرُ أن الكلمات خذلته في كل الرسائل التي كتبها لمريم- وهذا يعادل خسارة جاكي أمام بول- وأن وعْد البداية من جديد ما زال قائماً. تعرَّفَ خالد على مريم أول مرة في شتاء 1996 السابع من يناير حوالي الساعة الرابعة بعد ظهر يوم غائم خَدَعَ كثيرين ومن ضمنهم خالد بلون سُحبِه القاتمة فارتدوا جميعاً بربطة المَعَلِّم ملابس ثقيلة. كانت مريم ترتدي بلوزة خفيفة حمراء من القطن الفاخر. كانت واقفة أمام خالد في صالة مهرجان لعرض الأفلام، وبينهما كمال الصديق المشترك الذي قام بواجب التعرِّيف وكأنه يفض بكارة غربة إنسانية بين ربيبٍ للذئاب جِيء به فجأة من عمق الغابة وبين سيدة صالون عَرَكَتْ بروتوكولات التحضُّر والتمديُّن، وإن كان التناقض قائماً في لمسة التَوَحُّش من قِبَل سيدة الصالون بارتداء البلوزة الخفيفة وفي الخضوع الداجن من قِبَل ربيب الذئاب بارتداء البلوفر الصوف الثقيل، فهو تناقض في الظاهر فقط، وتفسيره أن سيدة الصالون من باب التغيير تحب من حين لآخر رمي كل أعراف الذوق والانسجام مع الطبيعة مثل مريض بالسكَّر له كل شهر أن يضرب عرض الحائط نظام الطعام القاسي فيأكل ما يشتهي، أمّا عن ربيب الذئاب فإن خوفه من ظهور وحشيَّته في الأماكن العامة تجعله غير راغبٍ في لفت الانتباه إلى جانب استطعامه اللذيذ لخضوعٍ لا يعرفه. كره خالد من صديقه كمال تعريفه الدائم بأناس من كل حدب وصوب، بل كره طريقة احتفاء الصديق بأي تعارف، وكمال هذا هو مَنْ استقبل خبر انتحار خالد بعد سنوات على التليفون وأعلنه لمريم. ابتسمتْ مريم ابتسامة عريضة وقالت بأنها تعرف خالد وقد رأتْ فيلمه بالأمس، وابتسم أيضاً كمال وبدا سعيداً وهو ينتقلُ بنظرته من مريم إلى خالد ومن خالد إلى مريم. اقترح خالد على مريم القهوة وأخذها من مرفقها بجفاء أدركتْ أن نصفه مُوجَّه إلى كمال الذي وقف وحيداً فجأة فالتفتَ إلى مجموعة من الأشخاص في الجانب الآخر وتصنَّع أن أحداً يناديه فرفع حاجبيه وابتسم للعدم ثم اتجه إليه. تَابَعَ خالد بنظرته من عند كاونتر القهوة المُرتجَل- واضطرت مريم إلى أن يعود خالد بنظرته إليها، النظر إلى ما كان ينظر إليه، وهي تفكِّر في انعدام الذوق لدى خالد- ظهر كمال وهو يتجه ناحية اللاأحد قرب مجموعة الأشخاص ثم ينحرف على آخر لحظة إلى العدم، إلى الفراغ. عاد خالد بنظرته إلى مريم وعلى وجهه ابتسامة عَوَجَتْ زاوية شفتيه، وقال بطريقة مسرحية لمريم: هذه هي أخلاقيات العبيد التي حاربها نيتشه طوال عمره. الصديق الصدوق يتجاوز الإهانات الصغيرة بدافع الخنوع واللياقة والتعقل والدبلوماسية والذوق والأدب. إهانة صغيرة وراء إهانة صغيرة لقمة وراء لقمة ويمتليء القلب بالحقد وهنا خدي بالكِ سينقلبُ الحقدُ في نفس المُهان إلى رضًى وقنوت وزهد. قالت مريم وقد أشْرَكها خالد في ذم صديق مُشترك: حرام عليك ده بيحب كتابتك جداً وبيتكَلِّم عنَّك كويس. قال خالد: عارف كل ما في الأمر إنه لزج شوية وريحه ثقيل وبيموت في طراطيف صوابع رجْلين مراته البريمادونَّا العُوجة العِفْشة إللي رجْليها الاتنين شِمال وبيبوس القريب والبعيد أربع بوسات مِدَهْنِنة تُتاخِمَ زاويتيّ الفم زيادة ترحيب. أخذ خالد كوبين بلاستيكيين بهما قهوة مش أدْ كدة من على الكاونتر حاجة سريعة تؤدي الغرض وهو يبتسم ويقول لمريم: إضافةً إلى أنه يعْرجُ دائماً في حديثه وِسْط مكسَّحين ولكِ أن تقولي إنه كوب ماء بدرجة حرارة الغرفة بس صاحبنا هنعمل إيه. ضحكا معاً ضحكة رائقة وهما يتسللان من باب جانبيّ ويجلسان على قاعدة تمثال رخاميّ وما زال ضوء وصخب وازدحام صالة المهرجان معهما. فكَّر خالد بإحساس من الذنْب أنه قطع شوطاً في المودة مع مريم على حساب كمال صديقه، وفكَّر أيضاً أنه لم يكن يفعل هذا أمام أحدٍ سوى مريم وكأنه يعرفها منذ زمن طويل بل هو أحسَّ بالاطمئنان الفوري ناحيتها بصرف النظر عن مرور الزمن الذي يوهم مَنْ مروا به بعمق علاقاتهم الإنسانية. إيه.. رحت فين؟ سألتْ مريم. كانت السماء توغل في الإظلام. وكانت بطون السحب أشد إعتاماً. وكان الشذوذ ينطقُ بين لون السماء ودفء الهواء. أحسَّ خالد بكآبة تغمره. خَلَعَ الجاكيت السميك عن جسده، وقال لمريم بصوت مُتعب ونبرة اتهام حزينة: كيف عرفتِ قبل نزولكِ من البيت أن الطقس سيكون خارجاً عن المألوف؟ لم يكن خالد واعياً لنبرة الاتهام في صوته، وحتى إذا كان مُدركاً لهذا الاتهام، فهو لم يكن يدري ما الهدف منه، كل ما في الأمر أن اليوم الهارب من طقس حار شَحَذَ بصيرته بشكل حاد وجعله يتحرق شوقاً لإصدار الأحكام المُبرمة- وسيتذكر خالد بعد سنوات أن اليوم الحار كان شبيهاً بالصورة الفوتوغرافية التي أخرجتها مريم من حقيبتها وأصدر خالد عندما رأى ملامح وجهه فجأة حكماً بالسقوط- التي لا رجعة فيها. ابتسمتْ مريم بارتباك وشعرتْ أن شيئاً يجب أن يُخفى عن عينيّ خالد، وهي لم تكن تعرف هذا الشيء مثل خالد إلا أنها تعرف فقط الهروب منه كما هرب اليوم الحار من فصله إلى فصل آخر. قالتْ وهي ترفع كتفيها قليلاً تعبيراً عن سخافة السؤال، أكثر التفسيرات شيوعاً، مثل تعودها على الملابس الخفيفة وأنها لم تجد ملابس شتائية نظيفة وفرحتها بالبلوزة الحمراء التي وجدتها صدفة وكانت البلوزة أيضاً هاربة من الملابس الصيفية إلى الملابس الشتائية وأنها لا تشعر عموماً بالبرد. خرج كمال من صالة المهرجان بحجة تدخين سيجارة، وتصنَّعَ الدهشة برفع حاجبيه- وهي نفس الدهشة التي ألمَّت بوجهه بعد سنوات عندما استقبلَ على التليفون خبر انتحار خالد وكانت مريم تنظر إليه مُنتظرة تعليل دهشته- وكأنه فوجيء بوجود خالد ومريم على قاعدة التمثال الرخاميّ. إنتوا هِنا.. طبْ كويس في فيلم بولندي مهم هيتْعرِض بعد عشر دقائق. ضحك خالد ومريم وهما ينظران إلى كمال. ما كان لي المحاولة برسالة أخرى. ربما أضمرتِ الانفصال في صدركِ قبل حدوثه الفعلي بعامٍ. كنتُ أشعرُ بهذا في كلماتكِ، وكأنكِ كنتِ تمهدين لي، وفي نفس الوقت تختبرين مدى استعدادكِ للانفصال القريب. عملتُ بنصيحتكِ طوال الشهور الثمانية الماضية، ويا لها من شهور. أنجزتُ أكثر من نصف الكتاب على أسوأ تقدير. دام معي الزانكس والفاليوم ثلاثة شهور، والكحول حدِّث ولا حَرَج. أتمسَّكُ الآن بالنصائح المباشرة، كالتي أسديْتِها لي قبل الانفصال، بحيثُ أبقى عاطلاً بنفاد الزمن المُفتَرَض للنصيحة. ماذا أفعل بعد هذا؟ قاومتُ كثيراً الطفل الذي لا يفعل شيئاً إلا بتوجيه من الكِبار، والآن لا طاقة لي. الكِبار لهم أساليب، وعبثٌ أن أتشبه بهم، هم مسؤولون، وأنا خال من المسؤولية، هم قادرون، وأنا دون القدرة بمدًى. ليس لي سوى الطلب، وانتظار الرفض أو القبول، وليس لي أيضاً أن أفكر في استحالة الطلب أو سخافته طالما هناك نعمة الرفض والقبول. لن أترك لكِ الصمتَ هارباً من حدَّي الرفض والقبول، فالصمت هو رفضٌ إلى حين. أحتاج إلى مبلغ من المال. حوالة بريدية. شيك يُصرف لحامله. اتصرَّفي يا قطة. للكِبار درب وللصِغار كرب. كان رد مريم على رسالة خالد التي وصلتْ إليها بعد انقطاع الشهور الثمانية- سريعاً حاسماً موجزاً. سيصلكَ المبلغ المالي خلال أسبوع على الأكثر، مبروك على الكتاب. خلال الشهور الثمانية لم يحاول خالد الاتصال بمريم، ولم تستجب مريم لخطر الصمت الطويل. كانت مُحاولات خالد الكثيرة للاتصال بمريم تنحصر فقط في الشهر السابق على الشهور الثمانية من الانفصال. وكان يعرف منذ بداية الانفصال الورقة الرابحة التي تنهار أمامها حصون مريم، لكنه فضَّل تأجيل استخدامها إلى أن يستنفد كل أوراقه الشرعية. كان لا يحب استخدام الورقة القذرة ضد مريم. كانت الورقة الرابحة الورقة القذرة والمُباح استخدامها في لحظات اليأس الكبرى هي إعلان حاجته وعوزه المادي. أغفلتْ مريم في رسالتها أي إشارة إلى شيء سوى المادة. وكانت التهنئة على قرب انتهاء خالد من كتابه تحمل رائحة الموضوعية. استمتع خالد للحظة بمدى معرفته بمريم عندما وصله الرد السريع، وتلذَّذ من استرجاعه لصيغة الأمر المباشرة "اتصرَّفي". فكَّر خالد بحزن أن الكارت الرابح لا يستطيع استخدامه إلا مرات قليلة، وهذا الحزن الذي أصابه ليس لحبه للمال بل كان لا يطيق فكرة الانفصال عن مريم، وعلى الأقل يجب أن يكون لديه دائماً خط رجعة مع مريم حتى إذا كان هذا الخط لا يُشرِّف كثيراً صاحبه. وماذا لو كان رد مريم السريع يعني شيئاً آخر؟ أليس من المُتوقع بعد انفصال اقترب من العام أن تسعد مريم بحاجة خالد إليها، الحاجة المعنوية المُضمَرة في ثوب مادي؟ لم يخف على خالد نبرة الفرح في التهنئة التي أوشكتْ على الانْفلات من النبرة الموضوعية المحايدة إلى أمور أخرى. لاحظ خالد أن مريم في رسالتها المُوجزة لم تذكر اسمه، وهي التي اعتادت في رسائلها على النداء باسمه، لكنه هو أيضاً في رسالته الأخيرة تجنَّب النداء باسمها. كان يعتقد أن رسالة هدفها المال لا بد لها من الجفاف والصراحة الجارحة. لكنْ أليس الجفاف والصراحة ينْفيهما الحديث التمهيدي عن المرض والإنجاز والرفض والقبول والصمت؟ كانت مريم بردها المباشر قد أعفتْ خالد من تأنيب الضمير والندم على رسالته الدرامية، لكنها بهذا الرد الحاسم جعلته أمام أكثر الأشياء غرابة، وهو حبه الشديد للمال وعدم اهتمامه بالطريق الذي وصل منه المال إليه. وَجَدَ خالد في نفسه الجرأة على التلفظ سراً بهذا القول "أحسن من عينها" أو "إللي يجي مِنْهُّ أحسن مِنْهُّ".

أقرأ أيضاً: