أمين صالح
(البحرين)

حاز فيلم البرتقالة الآلية A Clockwork Orange (1972) على جائزة نقاد نيويورك كأفضل مخرج. وعنه قال لويس بونويل: "أنا من المعجبين جداً بستانلي كوبريك، منذ أن قدّم فيلمه (دروب المجد). فيلم خرافي. إنه يتحدث عن قواعد السلوك، والطريقة التي يتصرف بها الناس حين تنهار تلك القواعد. (البرتقالة الآلية) فيلمي المفضل حالياً. إنه الفيلم الوحيد الذي يوضح حقيقة العالم المعاصر وما يعنيه".
تدور أحداث الفيلم – الذي هو فنتازيا كابوسية - في انجلترا، في المستقبل القريب، عن عصابة من المراهقين، يقودهم أليكس (مالكولم ماكدويل)، معاً يندفعون كالمجانين الممسوسين بالعنف ليسرقوا ويغتصبوا وينهبوا ساعة يشاؤون. إنهم يشنون هجوماً عنيفاً على عصابة منافسة، يضربون بقسوة متشرداً عجوزاً، يسرقون سيارة، يقتحمون بيت كاتب ويعتدون عليه بوحشية ثم يغتصبون زوجته.. وهم يرتكبون كل هذه الأفعال الشريرة بدم بارد وبروح عالية من الدعابة الشيطانية.
يتم القبض على أليكس، وفي السجن يخضع لبرنامج علاجي من خلاله يتم حرمانه من حرية الإرادة وتحويله إلى كائن وديع ومسالم جداً، يمقت العنف بشدة، ويتخلص من الرغبة في ارتكاب الشر، ويصير آلياً في استجاباته. حتى أنه، عندما يطلق سراحه ويعود إلى البيت، إلى أبيه وأمه، بعد غياب أربع سنوات، ليجد شخصاً غريباً يسكن حجرته ويرفض أن يتخلى عن مسكنه، فإنه يستسلم في خنوع. إضافة إلى ذلك، يتلقى ضرباً شديداً على يد اثنين من أفراد عصابته القديمة واللذين انخرطا في سلك الشرطة بعد أن أصبحت الدولة فاشية أكثر فأكثر مع مساعيها لفرض القانون والنظام. بعد محاولته الفاشلة للانتحار، وفيما يقضي فترة نقاهة في المستشفى، يكتشف أليكس، بابتهاج عظيم، زوال آثار غسل الدماغ الذي تعرض له، وأنه بدأ يعود إلى ذاته القديمة، إلى ميوله البغيضة السابقة، مستعيداً إرادته الحرة.
يقول كوبريك (Saturday Review, 25 December 1971): "قرأت الرواية، الصادرة في 1962، للمرة الأولى في العام 1968، أثناء تحقيقي (أوديسة الفضاء)، وبسبب ضغوط الوقت آنذاك، فقد وضعت الكتاب على الرف مع عدد من الكتب التي تنتظر القراءة. في وقت لاحق، ذات مساء من صيف 1969، مررت برفوف الكتب فلمحته وهو لا يزال ينتظر في صبر، التقطته، وباشرت في قراءته، حيث أنهيته في جلسة واحدة. مع نهاية الفصل الأول، بدا لي جلياً أن من الممكن تحويل الرواية إلى فيلم عظيم. مع نهاية الفصل الثاني، شعرت باستثارة عالية. وحالما انتهيت منها، أعدت قراءتها على الفور. في الأيام التالية، أعدت قراءتها وصرت ممسوساً بها. هي في نظري رواية فذة ومدهشة، ذات خيال خصب. إبداع سردي ساحر. الشخصيات غريبة ومثيرة. الأفكار هامة ومتنامية على نحو رائع. القصة ذات مدى وكثافة، ويمكن تحويلها إلى فيلم دون إفراط في التبسيط أو تجريدها. ولقد ثبت أن من الممكن الاحتفاظ بأغلب تفاصيل القصة في الفيلم".
يقول (المصدر نفسه): "القصة العظيمة هي ضرب من المعجزة. لست خيميائياً قادراً على تحويل الرصاص إلى ذهب. قد أحاول أن
أصنع شيئاً من قصة ناقصة بجهودي ككاتب، لكنني سوف لن أحاول أبداً أن أصوّر قصة لا أعشقها".
وفي موضع آخر (Chicago Tribune, 13 Feb. 1972) يقول: "قبل كل شيء، أنا لا أختار القصص بوصفها كراسات سياسية (..) ما جذبني إلى رواية (البرتقالة الآلية) خاصياتها كعمل فني".
يقول (Sight and Sound, Spring 1972): "لم تتح لي الفرصة لمناقشة الرواية مع كاتبها أنتوني بيرجيس. هو اتصل بي هاتفياً ذات مساء أثناء مروره بلندن، وكانت المحادثة وجيزة تبادلنا خلالها الدعابات. من جهة أخرى، هذه المسألة لم تشغلني كثيراً، ففي هذه الرواية المكتوبة على نحو رائع بإمكان المرء أن يجد الإجابات على أية أسئلة قد تنشأ ضمن النص نفسه. إن كل ما كان يتعيّن على بيرجيس قوله عن القصة قاله في الرواية. (..) إضافاتي إلى القصة تنحصر في ابتكار بعض الأحداث وإعادة صياغة بعض المشاهد. إنها بالدرجة الأولى مسألة اختيار ومونتاج. هذه الإسهامات توضح فحسب ما هو موجود في الرواية".
يقول كوبريك (Take One, May/ June 1971): "أنا لا أعتبر هذا الفيلم، في المقام الأول أو حتى على نحو ذي مغزى، قصةً اجتماعية، محلية وآنية. إنني أستخدم شخصية أليكس من أجل سبر مظهر من الشخصية الإنسانية. إنه يرتكب أموراً يعرف المرء أنها خاطئة، مع ذلك تجد نفسك منجذباً إليه، مفتوناً به. الفيلم، كما الحلم، يقتضي إرجاء إصدار أي حكم أخلاقي".
أليكس هو الشخصية الوحيدة، في الفيلم، التي لا تخضع لأشكال الواقع الكابحة والزائفة، والتي لا تكون تابعة آلية للمفاهيم الأخلاقية أو الاجتماعية أو السياسية، بل هي تعمل دائماً وفق ما تمليه ذاته الإنسانية، وغرائزه. لهذا السبب يشكّل أليكس تهديداً للنظام الاجتماعي، مع أن كوبريك يظهره كجزء حقيقي من كل إنسان..
يقول كوبريك (Sight and Sound, Spring 1972): "أليكس لا يرى نفسه كشخص برئ، بل إنه يعي تماماً شروره ويقبلها بصراحة تامة. هو لا يقوم بأي محاولة لخداع نفسه أو تضليل الجمهور بشأن فساده وشراسته وآثامه".
إضافة إلى ذلك هو يقدمه كبرهان رئيسي على أن نظام الحضارة في حالة انهيار. يقول كوبريك (New York Times): "أي محاولة لخلق مؤسسات اجتماعية على أساس رؤية زائفة لطبيعة الإنسان هي، على الأرجح، محكومة بالفشل".
أليكس، حسب تحليل الناقد هانز فيلدمان (Film Quarterly, Fall 1976)، يمثّل الْهذا id الفرويدي، ذلك الجانب اللاشعوري من النفس الذي يُعتبر مصدر الطاقة الغرزية أو البهيمية، الذي لا يعمل إلا لاشباع بواعثه الأساسية. هو، اجتماعياً وأخلاقياً وعاطفياً، لا يختلف عن الكائنات البدائية التي شاهدناها في بداية فيلم "أوديسة الفضاء"؛ إذ على الرغم من قدرته على التفكير على نحو مفاهيمي، إلا أنه يوظف موهبته في إشباع دوافعه الغريزية فقط، تماماً مثل تلك الكائنات البدائية.
ويقول (Chicago Tribune, 13 Feb. 1972): "المغزى الأساسي للقصة يتوقف على مسألة الاختيار، ومسألة ما إذا يمكن للإنسان أن يكون طيباً من غير امتلاك الخيار في أن يكون شريراً، وما إذا المخلوق الذي لا يعود لديه هذا الخيار لا يزال يعد إنساناً".
يقول كوبريك ((Saturday Review, 25 Dec. 1971: "في ما يتعلق بالبحث التقني، لم يكن مطلوباً مني الكثير. بالطبع قرأت عن السيكولوجيا السلوكية وعلاج الفعل المنعكس الشرطي، وذلك كان كافياً في ما يتصل بأي خلفية تقنية جادة للقصة".
يقول كوبريك (:(Saturday Review, 25 Dec. 1971 "كان مالكولم ماكدويل في ذهني منذ الفصل الثالث أو الرابع من قراءتي الأولى للكتاب. ليس بإمكان المرء أن يجد ممثلين، في كل الأشكال والأحجام والأعمار، يضاهونه في الموهبة والنبوغ. ولا بإمكان الممثل أن يجد شخصيات مثل أليكس، الذي هو بالتأكيد واحد من أكثر الشخصيات الخيالية أو القصصية إثارة للدهشة والمتعة. إذا أردت أن أقارنه بشخصية أدبية أو مسرحية فسوف لن أجد أفضل من شخصية ريتشارد الثالث التي أبدعها شكسبير. إنه التجسيد الفعلي للشر المطلق. أليكس، مثل ريتشارد، شخصية لابد وأن تكرهها وتخشاها، مع ذلك تجد نفسك منجذباً بسرعة شديدة إلى عالمه، وترى الأشياء من خلال عينيه. ليس من اليسير معرفة كيفية تحقيق ذلك، لكن لا ريب أن لهذا علاقة بصدقه وصراحته وفطنته وظرفه وطاقته وإدراكه، وواقع أن كل الشخصيات الأخرى هي أقل حضوراً، ومن بعض النواحي أسوأ أو أكثر شراً (..) وأخيراً أنت تبدأ في التعاطف معه لأنك تبدأ في التطابق معه كضحية لشرٍ أكبر وأخطر".
وعن إمكانية تماهي المتفرج مع الشخصية، يقول كوبريك (Sight and Sound, Spring 1972): "بالإضافة إلى الخاصيات التي ذكرتها، والتي تتعلق بشخصية أليكس، فإننا نجد هناك التماثل السيكولوجي، اللاواعي، مع أليكس. ربما نحن نتعرّف في أليكس على لا وعينا نحن. اللاوعي لا ضمير له. إذا أمعنت النظر في القصة، ليس على المستوى الاجتماعي والأخلاقي وإنما المستوى النفسي، فإنه يمكنك اعتبار أليكس كتجسيد لـ "الهذا" id (الجانب اللاشعوري من النفس والذي يعتبر مصدر الطاقة الغريزية أو البهيمية).. إنه يوجد بداخلنا جميعاً، وهذا الإدراك، في أغلب الأحوال، يقدّم نوعاً من التقمص العاطفي، لكنه مع ذلك يثير القلق والغضب لدى أولئك الذين يعجزون عن قبول هذه الفكرة أو هذه الصورة عن أنفسهم، بالتالي يشعرون بغضب إزاء الفيلم. إن ذلك يشبه الملك الذي يقتل الرسول عندما يجلب له أنباءً سيئة بينما يكافئ الذي يجلب له أنباءً سعيدة".
إن العنف الذي تمارسه السلطات ضد أليكس، في مشاهد غسل الدماغ، يبدو أكثر إرعاباً من كل الأفعال والممارسات التي ارتكبها أليكس..
يقول كوبريك ((Sight and Sound, Spring 1972: "كان من الضروري تماماً إضفاء ثقل لقسوة أليكس ووحشيته، وإلا فأعتقد بأنه سيكون هناك تشوش أخلاقي في ما يتعلق بما تفعله السلطات به. لو كان أقل شراً فسوف يرى المتفرج بأن عملية التكييف السيكولوجي التي يخضع لها هي فظيعة ومرعبة. لكن عندما تعرضه وهو يرتكب أفعالاً شنيعة ووحشية، وبالرغم من ذلك يرى المتفرج بأن السلطات ترتكب في حقه إثماً أكبر وأكثر وحشية في تحويله إلى كائن آلي، لا إنساني، من أجل أن يكون طيباً وخيّراً، فعندئذ تكون الفكرة الأخلاقية الأساسية، المطروحة في الرواية، واضحة وجلية. إن من الضروري للإنسان أن يمتلك القدرة على الاختيار.. أن يكون طيباً أو شريراً، حتى لو اختار الشر. إن حرمانه من هذا الاختيار يعني تجريده من صفة الإنسان وجعله مجرد برتقالة آلية".
ويقول (:(Saturday Review, 25 Dec. 1971 "ثمة ثغرة واسعة جداً بين الواقع والخيال، وعندما يشاهد المرء فيلماً ما، فإن التجربة تكون أقرب بكثير إلى الحلم منه إلى أي شيء آخر. في حلم اليقظة هذا، إذا شئت، بإمكان المرء أن يتحرى أو يسبر الأفكار والأوضاع والحالات التي لا يكون بمقدور المرء أن يفعلها في الواقع. بوسع المرء ألا يستمتع بأفعال ريتشارد الثالث إن كان مستغرقاً فيها، لكننا نستمتع مع حضور ريتشارد، وكذلك أليكس. مغامرات أليكس هي ضرب من الأسطورة السيكولوجية. اللاوعي عندنا يجد الانعتاق في أليكس، تماماً كما يجد الانعتاق في الأحلام. اللاوعي يستاء عندما يرى السلطة تكبح أليكس وتقمعه وتخنقه، حتى لو كان عقلنا الواعي يدرك ضرورة أن تفعل السلطة ذلك. بنية القصة تشبه تماماً الحكاية الخرافية، بقدر ما تعتمد في الكثير من سحرها، والعديد من مؤثراتها القوية، على الصدفة، وفي تناسق حبكته حيث كل ضحايا أليكس يظهرون ثانيةً في القسم الختامي، ليلقى جزاءه. القصة تعمل على مستوى آخر كهجاء اجتماعي يتعامل مع مسألة ما إذا السيكولوجيا السلوكية والتكييف السيكولوجي هما سلاحان جديدان خطيران بيد حكومة شمولية تستخدمهما لفرض سيطرة واسعة على مواطنيها وتحويلهم إلى كائنات آلية".
يقول (المصدر ذاته): "العنف في الفيلم مؤسلب، تماماً كما في الرواية. معضلتي كانت في إيجاد طريقة لتصويره في الفيلم دون الاستعانة بأسلوب الرواية. القسم الأول من الفيلم، الذي يجسد أغلب الفعل العنيف، هو منظم في الدرجة الأولى حول افتتاحية موسيقى روسيني (الغراب السارق). وبالمعنى الأوسع، يمكن القول أن العنف يتحول إلى رقص. الحركة والموسيقى مرتبطان، على نحو محتوم، بالرقص، تماماً مثلما تتحرك المحطة الفضائية والسفينة الفضائية وفقاً لموسيقى (الدانوب الأزرق) في فيلم (أوديسة الفضاء)".
يقول ((Chicago Tribune, 13 Feb. 1972: "أعتقد أن الخطر يكمن في أن السلطة المؤسسة، من أجل أن تصون نفسها، سوف تصبح قمعية جداً. القانون والنظام ليسا مسألة زائفة، ليسا مجرد عذر لليمين كي يمضي يميناً إلى حد أبعد. هذا يمثّل مشكلة في مدينة مثل نيويورك، حيث الناس يشعرون باللا أمان. أحد الأشياء التي تتوقعها من المجتمع، عندما تتنازل عن حقوقك كفرد، هو توفير الأمان والحياة المادية المريحة. عندما يعجز المجتمع عن ضمان ذلك، فإن الناس في آخر الأمر سوف يزدادون قلقاً، وقد يقْدمون على بعض الخيارات اللاعقلانية جداً".
وعن مدى تأثير عنف الشاشة اجتماعياً ونفسياً، علّق كوبريك قائلاً (Sight and Sound, Spring 1972): "ليس ثمة برهان قاطع وفعلي على أن العنف في السينما أو التلفزيون يسبب عنفاً في المجتمع. إن تركيز بؤرة الاهتمام على هذا المظهر من العنف إنما يعني تجاهلاً للأسباب الرئيسية والتي بالإمكان إدراجها هنا على النحو التالي: 1- الخطيئة الأصلية: النظرة الدينية. 2- الاستغلال الاقتصادي: النظرة الماركسية. 3- الكبح العاطفي والنفسي: النظرة السيكولوجية. 4- العوامل الوراثية: النظرة البيولوجية. 5- الإنسان بوصفه القرد القاتل: فكرة النشوء والتطور.
إن محاولة إلقاء اللوم على الفن وتحميله مسؤولية كل ما يحدث من رذائل في الحياة، هو أمر غير معقول وغير مقنع على الإطلاق. الفن يعيد صياغة أو تشكيل الحياة لكنه لا يخلق الحياة. عندما تُنسب إلى فيلم ما خاصيات إيحائية قوية، فإن ذلك يتعارض مع الفكرة المسلّم بها علمياً والتي مفادها أن الفرد لا يمارس أشياء تتناقض مع طبيعته حتى لو كان خاضعاً لحالة تنويم مغناطيسي. أنا لا أقر بأن هناك علاقة بين العنف على الشاشة والعنف في المجتمع، لكن إذا افترضنا أن هناك صلة ما فسوف أشير إلى ذلك النوع من العنف الذي قد يحرّض البعض على محاكاته، وأعني العنف الهزلي: ذلك النوع من العنف الذي نشاهده في أفلام جيمس بوند أو مسلسلات توم وجيري الكرتونية. إنه العنف اللا واقعي، العنف المعقّم، المعروض كمزحة. مع ذلك فأنا مقتنع تماماً بأن حتى هذا النوع لا يملك تأثيراً، بل قد يدعم الرأي القائل بأن العنف على الشاشة يحقق غرضاً اجتماعياً حيث يتيح للمرء المجال لتحرير نفسه، من طريق وسيلة بديلة، أو التنفيس عنها في الأحلام أو في الحالات الشبيهة بالحلم، كمشاهدة فيلم مثلاً، عوضاً عن تصعيدها في الواقع".

وعن العنف أيضاً يقول (Photoplay, Oct. 1987): "مع أن هناك قدراً معيناً من النفاق بشأن عنف الشاشة، إلا أن كل شخص يشعر بافتتان إزاء العنف. الإنسان هو القاتل الأكثر قسوة ووحشية من بين كل القتلة الذين جابوا الأرض منذ القدم. اهتمامنا بالعنف يعكس جزئياً حقيقة أننا، على مستوى ما دون الوعي، لا نختلف إلا قليلاً عن أسلافنا البدائيين.
قضى كوبريك، كحد أدنى، عشر ساعات كل يوم تقريباً، لمدة ستة شهور، وهو يعمل على مونتاج فيلمه. المونتاج هو الجزء المفضّل لديه في عملية تحقيق الفيلم. إنها المرحلة الفريدة الوحيدة في صنع الفيلم لأنها لا تشبه أي شكل فني آخر. وهو يرى أن الطريقة التي بها يتم مونتاج الفيلم يمكن أن تخلق الفيلم أو تحطمه. يقول (The Movie Makers: Artists in the Industry, 1973): "عندما أتولى عملية المونتاج، تتغيّر هويتي من الكاتب أو المخرج إلى المونتير. لا أعود مهتماً بمسألة كم من الوقت أو المال كلّف تصوير المشهد، أو المشقة والصعوبة التي واجهتها في تصوير اللقطة. إني أنظر إلى المادة بعينين مختلفتين تماما. إذا اتضح أن هذا المشهد سيء فإنني أحذفه. إني أتخلص من أي شيء لا يُسهم في التأثير الكلي للفيلم".

ويقول (Sight and Sound, Spring 1972): "عندما أشتغل على المونتاج، فإنني أطرح على نفسى أسئلة مثل: هل هذا جيد أم سيء؟ هل هو ضروري؟ هل أستطيع التخلص منه؟ هل هو مناسب؟ عندما تصور، فإنك ترغب في التيقن من أنك لم تفقد شيئاً، وأنك وفرت له الغطاء الكامل، قدر ما تسمح به الميزانية والوقت. أما في عملية المونتاج، فإنك ترغب في التخلص من كل ما هو غير أساسي".
عن مساهمته في تصوير الفيلم، قال ( Sight and Sound, Spring 1972): "نفّذت بنفسي كل اللقطات المصورة بالكاميرا الخفيفة، المحمولة باليد. بالإضافة إلى المتعة التي أشعر بها أثناء قيامي بالتصوير بنفسي، أجد أن من المستحيل عملياً تفسير ما تريده، في مثل هذه اللقطات، حتى إلى أكثر المصورين موهبة وحساسية".