مجنون ليلى
أمين صالح

(عن نص - اخبار مجنون ليلى - لقاسم حداد)

قيس
ليلى
7 ممثلين
ممثلة

الممثلون عراة الصدور. بين الحين والحين يشاركون في تركيب قطع الديكور
أو ترتيب الاكسسوارات.
خزانة أو صندوق الملابس موضوع في طرف المسرح، منه يأخذ
الممثلون ملابسهم الملائمة للأدوار أثناء العرض.
لا أحد يغادر الموقع.

مع دخول الجمهور إلى الصالة نرى المجموعة تتعاون في تركيب قطع الديكور.

بعد دقائق، وفيما هم لا يزالون منهمكين في عملهم .. نسمع صوت الشاعر - كاتب النص (خارج الخشبة)

الشاعر : سأقولُ عن قيس
            عن الهوى يسكن النار
            عن اللون و الإسم و الرائحة
            عن الختم و الفاتحة.

صوت ليلى : ( خارج الخشبة)
                 سأقول عن قيس
                 عن الهوى يسكن النار
                 عن شاعر صاغني في هواه
                 عن اللون والإسم والرائحة
                 عن الختم و الفاتحة
                 كنت مثل السديم استوى في يديه
                 هداني إليه
                 برئتُ من الناس لما بكاني إليهم
                 زها بي ، وغنّوا الأٌغاني بأشعاره
                 فما كان لي أن أقدّر هل أشعلني أم طفاني .

                 (مباشرة يستدير الممثل (1) متقدماً نحو مقدمة المسرح )
الممثل(1) : هذا المدعو قيس، مجنون بني عامر، الذي اختبل من الهوى، وسلبته ليلى
                   عقله .. أسمه قيس بن معاذ العقيلي.

الممثل(2) : ( منهمكاً في عمله دون أن يستدير ناحية الجمهور )
                   لا .. هو معاذ بن كليب

الممثل(3) : ( دون أن يستدير ناحية الجمهور، وهو منهمك في عمله)
                   أخطأت ، هو البحتري بن الجعد

الممثل(4) : ( دون أن يستدير ناحية الجمهور، وهو منهمك في عمله)
                   هو الأقرع بن معاذ

ليلى : ( دون أن تستدير ناحية الجمهور، وهي منهمكة في عملها)
          بل هو قيس بن الملوح من بني عامر

          ( قيس، أثناء اعتراضات الممثلين، كان قد استدار و أخذ يصغي وهو في مكانه واضعاً على وجهه قناعاً، يستبدله بقناع آخر مع كل أسم يذكرونه..
          وهكذا طوال كلامهم عن قيس)

الممثل(5) : (الذي يستدير بحركة فجائية متحركاً نحو جانب المسرح بخطوات سريعة لكن ثابتة ..)
لا ، لا .. إنه لا أحد. سألتُ بني عامر عن مجنون ليلى فما وجدت أحداً يعرفه ..
الممثل(1) : و أنا سألت رجلاً من أهل اليمن كان قد رآه وتحدث معه، فذكر أن أسمه قيس
                  بن معاذ.
                  ( الآن يكون جميع الممثلين قد توزعوا في أنحاء الموقع)
الممثل(3) : لم يكن مجنوناً ، لكن كانت به لوثة أحدثها العشق.
الممثلة    : ليس في الأمر ما يتصل بالجنون، فالحب البالغ هو ضربٌ من التصوف.
الممثل(6) : أتفق معها .. فما جنون قيس إلا عقل خرج من قيوده وانطلق في الحب.
الممثل(5) : ( يتحرك نحو الممثل (7) الذي يتمشى محاكياً راعي الغنم. يمسكه من ذراعه
                 فيتوقف ملتفتاً إليه ) 
                 أنت من بني عامر ؟
ممثل(7)    : نعم .. وماذا تريد ؟
الممثل(5) : أتعرف المجنون ؟
ممثل(7)   : لي ابن عم مجنون .. وخالي كذلك .. وأنا أيضاً على وشك الجنون في هذا
                 المكان .. بيني وبينك .. الصحراء تلهو بعقولنا..

الممثل(5) : ( في ضيق) إنما أعني الشاعر الذي جُـنَّ من العشق..
                  الممثل(7) إنهم كثيرون .. كلهم جُـنّوا من العشق ..
الممثل(5) : هل تروي شيئاً من أشعارهم ؟
ممثل(7)   : وهل فرغنا من شعر العقلاء حتى نروي أشعار المجانين ؟!
الممثل(5) : ( للآخرين) أسمعتم ؟ لا أحد يعرفه من بني عامر
الممثل(1) : ومن قال تلك الأشعار ؟
الممثل(4) : فتى من بني أمية عشق زوجة الوالي وخاف أن يشيع خبرهما فنسب شعره
                 إلى المجنون.
الممثل(5) : ما ترك الناس شعراً مجهولاً قيل في ليلى إلا ونسبوه إلى المجنون .. فهو اسم
                 مستعار لا وجود له ..
(قيس الذي كان يكرر لبس الأقنعة .. يرمي الأقنعة جانباً ويتحرك بخفة وحيوية)
قيس :     لي ألف وجه و ألف إسم .. موجود وغير موجود. حقيقة وأكذوبة. لستُ من مكانٍ لكنّي في كل مكان. أشبه بالحلم. من سرة التاريخ أدخل، أجول في الفيافي مع الإنس والوحش. أقتحم مخيلة المحبين، وأصير حكاية ترددها كل الأزمنة.
ليلى : هو قيس بن الملوح، وأنا ليلى العامرية. التقينا صغيرين وكنا نرعى في نجد الجزيرة ..
( .. وفيما تدنو من قيس وتنظر في عينيه ..)
كان كثير الشرود، ميالاً للعزلة، وكنت كثيرة الأحلام، غزيرة الخيال. رافقته في اللهو البريء حتى كبرنا، وأشعل فيّ الشعر.
(تبتعد عنه إلى جانب المسرح. الممثلة تقترب منها. قيس يتجه إلى منتصف المسرح، ينضم إليه بقية الممثلين.. أثناء ذلك نسمع صوت ليلى .. خارج الخشبة ..)

صوت ليلى : سأقول عن قيس
                 عن جنة بين عينيّ ضاعت
                 عن هواءٍ أسعف الطير واستخفّ بنا واصطفانا
                 عن كلما همّ بي .. تهتُ فيه .. وباهيت كي نحتفي بالمزيج
                 عن العشق تلتاع فيه الحجاز ويشغف في ضفتيه الخليج.

( يبدأ قيس مع المجموعة - وعلى دقات الطبول - في تحريك أجسادهم في إيقاعات تتصاعد حتى تصبح هذيانية، محمومة..
ليلى والممثلة تقفان جانباً تراقبان في قلق.
قيس يحاول هنا - بمساعدة المجموعة - تخليص نفسه من حب ليلى، من الوله الذي يسكن جسده، لكنه لا يستطيع.
يحاول من جديد .. يصل إلى حالة الهذيان.. العنف الذي يعبّر عن إخفاق المحاولة ..
لهذا عندما تنتهي المحاولة ويتوقف الجميع عن الحركة مطلقين شهقة موحّدة صادرة من الأعماق .
يقول قيس ، فيما يشبه الاعتراف ..)
وكنت وعدتني يا قلب أني
إذا ما تبت عن ليلى تتوب
وها أنا تائب عن حب ليلى
فما لك كلما ذكرت تذوب

(تتفرق المجموعة فيما عدا الممثل(2)، الذي كان قد اختار ثوباً ليمثل هنا دور والد قيس، والذي يقترب من قيس معاتباً )

الممثل(2) : ماذا فعلت بنا وبنفسك يا قيس ؟
قيس        : وماذا فعلت يا أبي؟
الممثل(2) : الجميع صار يعرف عشقك لليلى ..
قيس        : لكن ليلى لا تعرف ..
الممثل(2) : لا تعرف ؟! إنهم يتناقلون حب ليلى لك ..
قيس        : لكن قيس لا يعرف ..
الممثل(2) : يكفي هذا .. ماذا تريد ؟
قيس        : أن أكون لها وهي لي ..
( الممثل(3) - الذي لبس ثوباً ليمثل دور والد ليلى - يقترب منهما غاضباً)
الممثل(3)  : و الله لو بذلت مال الدنيا ما زوجتها لك ..
الممثل(2)  : ألا ترأف به !
الممثل(3)  : بعد أن قال فيها الأشعار وشهّر بها ؟!
( الممثل(4) و (5) جانباً )
الممثل(5) : مؤكد أن ليلى بنت المهدي ليست عفيفة ..
الممثل(4) : وكيف عرفت ذلك ؟
الممثل(5) : لو كانت غير ذلك لما رضي أبوها أن يزوّجها قيساً بهذه السرعة.
الممثل(4) : يا للفضيحة ..
الممثل(3) : أتسمع ؟ سيظن الجميع أن قبولي به إنما لمحو العار ..
الممثل(2) : أشفق عليه .. إن حرمته من ليلى فسوف ينال منه الجنون.
الممثل(3) : ليفعل بنفسه ما يشاء .. فليس من أجله أفضح نفسي وعشيرتي، وآت بما لم
                 يأت به أحد من العرب .
الممثلة :    هذا ما توقعته بالضبط .. فالمهدي لا يحب رجلاً يأخذ ابنته منه .. إنها الحكاية
                نفسها في كل وقت..

الممثل(1) : (ساخراً) أنتكلم هنا عن عقدة الأب ؟!
الممثلة     :
لا .. عقدة السلطة .. خروج ابنته يعني فقدانه السلطة
الممثل(1) : لكنه حتماً سيقبل غيره .. شاء ذلك أم لم يشأ ..
الممثلة     :
ليس أي أحد .. لابد أن يكون صاحب سلطة أكبر .. سلطة المال ..
(أثناء حوارهما، يكون الممثل(2) و (3) قد خلعا ثيابهما ووضعاها جانباً منضمين إلى المجموعة.
وقيس الذي كان جالساً يحرك جسمه متمتماً بكلام خفيض غير مفهوم، متوحداً مع ذاته، لا يصغي إلى ما يقال ..
وحين يلمح ليلى ينهض بخفة ويقترب منها في تدلّه..
قيس وليلي يتبادلان نظرات عشق .
الممثلة القريبة منهما تقول وهي ترمقهما ، فيما تبتعد عنهما )

الممثلة     : وازدهر بينهما ولعٌ، مثلما تلتهب الحُمرةُ في وردة القلب ..
( تنظر إلى المجموعة وهي تكمل )
صار الشعر موقد المحبة ..
الممثل(6) : إذا ترك الشاعر على هواه ، فسوف يشعل النار في القبائل ..
ممثل(7)    : يهيّج الفتن ويثير البلبلة ..
الممثل(5) : يحرض الأبناء على الآباء .. ويكون الخروج على الشرائع ..
( يندفع الممثلان (6) و (7) نحو قيس .. يسحبانه بالقوة ويرميانه جانباً.
الآخرون وقد رفعوا القماش الأسود يندفعون صوب ليلى، يغطونها بالقماش وهم تحته ليصبح أشبه بالخيمة .. )

الممثلة   : ( صائحة في تحذير) ويل للصحراء إن شربت دم الشاعر ..
( الممثلان (6) و (7) يتجهان نحو الخيمة وهما يتحدثان بصوت غير مسموع، ويدخلان .
قيس الذي كان قد نهض . يخطو نحو الخيمة . لكن الممثلة تعترض طريقه )
الممثلة   : إلى أين أنت ذاهب ؟
قيس      : أريد أن أراها ..
                الممثلة " هي ليست لك .
قيس     : إذن لن تكون لأحد
الممثلة  : سوف تُزف إلى ورد ..
قيس     : واهمٌ من يظن أن جسد ليلى للامتلاك .. جسد كالماء ، كيف يمكن الإمساك به ؟
               ( يمسك بذراعي الممثلة )
               هي منذورة لي، ولا مسكن لها غير القصيدة .. ابتعدي ..
               ( يزيحها جانباً برفق ويخطو سريعاً نحو الخيمة .
               يدور حول الخيمة باحثاً عن كوة يطل منها )
الممثلة :  ( في مكانها بصوت مرتفع ) الدرب الذي تسلكه لا رجوع منه .. إنه مزروع بالفخاخ .. ولا نجاة لك ..
( قيس يجد كوة يطل منها )
الممثلة :  ( في أسى ).. فات الأوان .. ها أنت تطل على هاوية الجنون.. قريباً سوف تفتح الهاوية فمها لتبتلعك بلا مقاومة .. وقريباً أفتح أهدابي على البكاء.

( مع كلامها تتسع الكوة تدريجياً، وتتخذ الخيمة شكل وحش يبتلع قيساً شيئاً فشيئاً حتى يغيب في جوفه )

صوت الشاعر : ( خارج الخشبة)
                    سأقول عن ليلى
                    عن العسل الذي يرتاح في غنجٍ على الزند
                    عن الرمانة الكسلى
                    عن الفتوى التي سرّت لي التشبيه بالقند
                    عن البدوية العينين والنارين والخد
                    لها عندي مغامرة تؤجّج شهوة الشعراء لو غنّوا
                    صبا نجد متى قد هجت من نجد
                    عن النوم الشفيف يشي بنا ، عن وجدنا ، عنها
                    لئلا تعرف الصحراء غير العود و الرند.

( أثناء ذلك ، الممثلون يزيحون عنهم القماش الأسود.. يبدأون في ترتيب الصفائح الملونة من القماش التي تنزل مسدولة وموزعة بحيث تشكل متاهة، قيس يقف بلا حراك في منتصف المسرح، مواجهاً الجمهور.
ليلى والممثلة تختاران ثوباً رثاً ممزقاً. تقتربان من قيس و تُلبسانه الثوب وهو مستسلم تماماً.
ممثل(2) يلبس رداء والد قيس، ويقترب من قيس الجامد في مكانه.
وكانت ليلى والممثلة قد ابتعدتا عنه. بقية الممثلين يتحركون
أمام الأستار كالحجاج )

ممثل(2) : تعال معي يا قيس ..
قيس      : إلى أين يا أبي ؟
ممثل(2) : نزور قبر الرسول ..
قيس      : وهل أذهب بلا روح ؟
ممثل(2) : إفعل ذلك إكراماً لي ..
قيس      : خذ الجسم ، هذا كل ما أملك ، وكل ما أقدر أن أعطيه .. لكن لا تطلب الروح .. فهي ليست معي ..
ممثل(2) : ليلى هي التي طلبت مني أن آخذك معي ..
قيس      : إذن أذهب ..
          (ممثل(2) يمسك بيد قيس ويقوده إلى حيث الأستار)
ممثل(2) : تعلق بالأستار يا ولدي واسأل الله أن يعافيك من حب ليلى.
         (قيس يلمس القماش بتردد، ثم يقبض عليه بكلتا يديه، وسرعان ما يشعر بشيء
         غامض يجذبه للأستار، فيلتصق بها ويأخذ في التمسّح بالقماش كمن يتمرغ في
          جسد على سرير)
قيس   : اللهم زدني لليلى حباً، ولا تشغلني عنها..
         ( كلامه يباغت ممثل(2). المجموعة تلتفت إليه ساخطة، وتوجه له نظرات حادة )
ممثل(4) : أسمعتم ما قاله هذا المجنون ؟!
قيس : أتوب إليك يا رحمن مما عملت، ولكن من هوى ليلى فلا أتوب.
ممثل(2) : (في جزع) كفَّ عن هذا يا مخبول ..
ممثل(5) : كلام باطل لا يليق بمكان طاهر..
ممثل(6) : هذيان يدنس ما هو مقدّس ..
ممثل(7) : إن في هذا استهتار لا يجب السكوت عنه ..
ممثل(3) : كلامه كلام شيطان رجيم .. ابعدوا الرجس لئلا يشوّه إيماننا..
               (المجموعة تحيط بقيس.. يرمونه أرضاً. ينهالون عليه بالضرب.
ليلى - الواقفة جانباً - تدفن رأسها في صدر الممثلة وهي تنشج، والممثلة في جزع )
قيس : ( يصيح كمن ينشج) أتوب إليك يا رحمن مما فعلت، لكن من هوى ليلى فلا أتوب ..
           (ممثل(2) يحاول تخليص قيس منهم)
ممثل(2) : بالله عليكم اتركوه .. ما هو إلا مجنون لا حرج عليه ولا لوم .
ممثل(3) : يكفي هذا يا رجال .. سوف يحفظ الدرس جيداً ..
         ( ينفضّون من حوله .. بتثاقل يرفع قيس رأسه )
قيس : (في إعياء شديد) أتوب إليك يا رحمن مما فعلت ، لكن من هوى ليلى لا أتوب..
         ( يهمّ ممثل(5) أن يضربه ، لكن ممثل(6) يمنعه)
ممثل(6) : لا جدوى من ذلك .. إنه لا يعي ما يقول ..
         ( ممثل(2) يساعد قيس على النهوض، قيس يرفع رأسه )
قيس : ها أنت سمعتَ .. ها أنت رأيت ..
ممثل(4) : إحبسْ ابنك يا رجل .. وإلا سفكنا دمه ..
         ( يبتعد الجميع عن قيس.
         ممثل(2) يخلع رداء الأب.
         قيس - بحركات راقصة- يتحرك نحو جهة فيعترض طريقه إثنان.
         يتحرك نحو جهة أخرى فيعترض طريقه اثنان.
         يحاول أن يجد لنفسه منفذاً يخترقه، لكنه لا يجد.
         يدور حول نفسه .
         ممثل(1) و (2) يقتربان منه ويقيدانه بحبل. يحاول الفكاك، لا ينجح. ينهار. تخفت
         الإضاءة، لتتركز على قيس..)

صوت الشاعر : ( خارج الخشبة)
                    سأقول عن قيس
                    عن العامريّ الذي أنكرته القبيلة
                    عن دمه المستباح ..
( إضاءة تتركز على ليلى في جانب من الخشبة )
صوت ليلى : ( خارج الخشبة)
          سأقول عن قيس
          عن السيف لمّا انتضاه من القلب
          و اجتاز بي أرض نجدٍ ليهزم كل السلاح
          عن اللذة النادرة
          عن الوجد والشوق والشهقة الساهرة
          عن الخيل تصهل بي في الليالي والصهد يغسلني في الصباح
          و يا قيس يا قيس جننتني أم جننتَ
          كلانا دمٌ ساهرٌ في بقايا القصيدة .

(قيس وليلى محاصران في بقعتين منفصلتين من الضوء.
قيس يناضل عبثاً من الأجل الإنعتاق من قيوده،
وليلى تحاول الخروج من البقعة فلا تستطيع ..
تسقط بقعة من الضوء على المجموعة في خلفية المسرح )

المجموعة : وكانت الجراح تتفتّح مثل الأزهار ..
ليلى : ( متسائلة في إشفاق ) كل هذه الجراح في جسد صغير إلى هذا الحد؟

قيس : أنتظرُ أكثر من هذا، و أقدر عليه، لو أنك تصبرين ، لو أنك تصغين، لو أنك لي ..
المجموعة : نضتْ عنه القميص وراحت تداويه ببلسمين : الحب و الشعر ..

         ( تضاء الخشبة، قيس في مكانه وهو مقيّد .. يدير رأسه ويهمهم 10همهمات خافتة.
         ممثل(2) - وقد ارتدى لباس الأب، يقترب منه وينظر إليه في إشفاق.
         ليلى في مكانها، وهي الآن جالسة واضعة رأسها في حضن الممثلة التي تمسح
         على شعرها مواسية.
         المجموعة تلاحق ممثل(1) ( إنه الخليفة الآن) الذي يتحرك؛ بخطوات سريعة ضجراً من
         ملاحقاتهم أو مطالبهم التي لا تنتهي .. كأنه يريد الهرب منهم )

ممثل(3) : الأمان يا خليفة المسلمين ..
ممثل(1) : (دون أن يلتفت إليهم) .. وفرت لكم الأمان .. ماذا تريدون أكثر ؟
ممثل(4) : أن تصون شرفنا .. يا خليفة المسلمين ..
ممثل( 1) : (دون أن يلتفت) .. ومن الذي انتهك شرفكم .. من ألحق بكم العار ؟
ممثل(5) : قيس ..
               ( ممثل (1) يستدير نحوهم بحركة فجائية، فيتوقفون، و آخرهم ممثل(7) يرتطم
                بمن قبله ممثل(6) فيقعان معاً على الأرض ..)
ممثل(1) :( ضجراً) و من قيسٌ هذا ؟
                ( ممثل (6 و 7) ينهضان سريعاً و يتواجهان متأهبين للعراك .. وقبل أن يرد أحد
                على سؤال الخليفة .. )

ممثل(6) : أوقعتني عمداً ..
ممثل(7) : أنت الذي توقفت فجأة ..
ممثل(6) : انتبه في المرة القادمة و إلا حطمت رأسك ..
ممثل(7) : ( يمد له رأسه ) هيا إلمس رأسي، وسترى كيف أهشّم يدك.
ممثل(5) : كفى يا بهائم .. أنتما في حضرة أمير المؤمنين ..
               (ممثل (6 و 7) يشعران بالإهانة ، فينظران إلى ممثل(5) بنظرات مهددة)
ممثل(1) : ماذا يحدث هناك ؟
ممثل(3) : لا شيء يا خليفة المسلمين .. مجرد سوء تفاهم ..
ممثل(4) : مجنون يا مولاي ..
ممثل(1) : من هو المجنون ؟
ممثل(3) : قيس .. الذي نتحدث عنه ..
ممثل(5) : ليس مجنوناً بالضبط.. إنما يتظاهر بذلك في أغلب الأحيان..
ممثل(1) : ( متبرماً وضجراً) لا يهمني إن كان عاقلاً أو مجنوناً أو يتظاهر بالجنون .. خلصوني               .. ماذا تريدون مني أن أفعل ؟

(المجموعة تتدافع نحو ممثل(1) الذي يتراجع خطوات مفزوعاً)
المجموعة : اهدرْ دمه ..
الممثل(1) : ( صائحاً ) ابتعدوا ..
                (يتراجعون في خطوات متعثرة ..الممثل يزفر في ضيق )
                 ممثل(6) : اهدرْ دمه يا مولانا، وستراني أول من يفصل رأسه عن جسمه بيدي
                  ّ هاتين ..
ممثل(7) : (باستهانة) كفى ادعاءً .. رأيناك أكثر من مرّة ترتجف كلما مرّ بك كلب ..
ممثل(6) : صنّ لسانك وإلا قطعته ..
ممثل(7) : حقاَ ؟! هيا أرني ..
               ( يخرج له لسانه )
ممثل(1) : (بصوت مرتفع ) أي جرم اقترف كي أهدر دمه ..
ممثل(3) : طردناه من ديارنا لكنه تحدانا ..
ممثل(4) : هددناه لكنه سخر منا ..
ممثل(1) : و ما الذي يدفعه إلى ذلك ؟
ممثل(5) : يعشق ليلى ..
               ( ثم يطلق ضحكة قصيرة)
ممثل(1) : ( ضجراً) و من هي ليلى ؟
ممثل(5) : بنت المهدي ..
ممثل(1) : (متبرماً) ومن هو المهدي ؟
ممثل(3) : أنا يا مولاي .. أنا المهدي .. فضحني يا مولاي .. ألبسني العار و لم يحفظ لنا حرمة .. قال في ابنتي أشعاراً لا يقولها إلا فاسق فاجر .. وقد لجأنا إليك لتحمينا منه ..
ممثل(1) : ( وهو يمد ذراعيه بلهجة آمرة )
ردائي ..
( ممثل(5) يهرول نحو الخزانة .. يحضر رداء الخليفة. يلبسه الرداء.. و الآخرون ينظرون في ترقب وبأفواه فاغرة )
مثل(2) : نحن خليفة المسلمين .. نعلن ما يلي .. يُهدر دم المدعو قيس إذا اقترب من ديار ليلى ..
( المجموعة تتصايح وتتقافز مهللة و مبتهجة)
ممثل(2) : ( إلى قيس) أن أراك ميتاً أرحم و أكرم من أن أراك هكذا .. شاحباً وذليلاً ..

( يبدأ في فكّ قيوده )
ممثل(2) : إنهض يا ولدي، وأذهب إلى حيث تشاء .. وليشملك الله بعطفه ورحمته ..
( ليلى والممثلة)
الممثلة : كفى يا ابنتي كفى .. منذ أيام لم تذقي طعاماً ولم تدخلي نوماً..
ليلى : (مبتسمة) كنت أحلم به يا أمي .. من ضوئه الوفير أكلت، وبين أهدابه إسترخيت ..
           وكنت معه نحلم أننا نحلم ..
الممثلة : أخشى عليك من العدوى .. فالجنون معدٍ ..
ليلى : قال كلمة واحدة .. الحب .. وكان هذا يكفي لأترك خلفي كل شيء وأمضي معه.. بلا               زاد ولا كساء .. ممتلئة بالفرح ..
الممثلة : الخوف عمّ الديار .. الآباء و الأمهات حبسوا أبناءهم وبناتهم، كي لا يسمعوا هذه               الكلمة المشؤومة ..
ليلى : سمعوها يا أمي .. ألا تسمعين الطرق على الجدران ..

( تنهض ليلى وهي تحمل إناءً واسفنجة، ينهض قيس. كلاهما يقتربان من بعضهما، ويتبادلان نظرة ثابتة وعميقة.
المجموعة تتلصص عليهما في حذر وخوف وحيرة .. تريد أن ترى ولا تريد أن ترى. أحدهم يضع يديه على عينيه ولكنه يختلس النظر من خلال أصابعه. أحدهم يتكوّر لكنه يختلس النظر .. وهكذا شأن البقية .
ليلى تضع الإناء على الأرض. تنزع عن قيس القميص الممزق. وتبدأ في دعك صدره بالاسفنجة المبللة بالماء وهو مستسلم تماماً أثناء ذلك - و منذ بداية نهوض ليلى وقيس واقترابهما من بعضهما- نسمع صوت ليلى خارج الخشبة ثم صوت قيس )

صوت ليلى :  ( خارج الخشبة )
                   سأقول عن قيس
                   عن حزنه القرمزي .
                   عن الليل يتبع خطاه الوئيدة
                   عن الماء لمّا يقول القصيدة
                    بكى لي البكاء
                    وهيّأ لي هودجاً وانتحى يسأل الوحش عني
                    كأني به لا يرى في القوافل غير الخيول الشريدة ..

صوت قيس : ( خارج الخشبة)
                   سأقول عن ليلى
                   عن القتلى ، وعن دمنا الذي هدروا
                   عن الوحش الصديق ،
                   وفتنة العشاق والليل الذي يسعى له السهرُ
                   عن الطفلين يلتقيان في خفرٍ
                   ولما يزهر التفاح يختلجان بالميزان حتى يخجل الخفرُ
                   ( قيس يأخذ من ليلى الإناء والإسفنجة . يجثو على ركبتيه.
                   يمسك بيديّ ليلى ويجعلها تجثو أمامه. يتبادلان نظرة طويلة.
                   عندئذ يحمل ممثل(4) و (6) القماش و يركضان نحو قيس وليلى)

ممثل(6) : (صائحاً) خبئوا عاركم يا بني عامر ..
ممثل(4) : (صائحاً) استروا الفضيحة ..
( يغطيان قيس وليلى بالقماش.. ثم يبتعدان مذهولين .
المجموعة تضطرب وتهتاج. يشتعل الصخب والعنف والذي يتجلى
من خلال الرقص أو الحركات التعبيرية مع إيقاع موسيقي.
في نهاية ذلك .. يجري ممثل(4 و 6) نحو قيس وليلى وينزعان القماش، وفي هذه اللحظة يتدحرج قيس وليلى مبتعدين عن بعضهما.
فجأة تجمد المجموعة في مواقعها.

على الشاشة السينمائية نرى قيساً -في لقطة عامة- يقترب من الكاميرا حتى تحصره في لقطة قريبة ،فيتوقف ناظراً إلى الكاميرا.
في المقابل، يدنو قيس -على الخشبة- من الشاشة وينظر إلى قيس الشاشة كما لو ينظر إلى انعكاس صورته في المرآة )

قيس -الخشبة  : مَنْ أنت ؟
قيس -الشاشة : أنا أنت .. أطلقني ..
قيس -الخشبة  : أخشى من الفتنة ..
قيس -الشاشة : إذن ستبقى كما أنت .. تتأرجح بين هذيانٍ وهذيان ..
قيس -الخشبة  : القبيلة تهيئ لي ذبحاً فريداً، إن خطوت الخطوة الأولى والأخيرة.
قيس -الشاشة : باغتهم بما هو أخطر و أكثر إرعاباً .. الحب والجنون ..
قيس -الخشبة  : كيف و أنا أسير يأسٍ يأخذني إلى يأس أشدّ ؟
قيس -الشاشة : إستعنْ بي .. حرّرني لتتحرر ..
قيس -الخشبة  : أخاف ..
قيس -الشاشة : كل شيء يبدأ بالخوف وينتهي بالموت .. بينهما تختار .. باب المجد أو باب النسيان ..
(قيس - الخشبة يستدير بحركة عنيفة، احتجاجية، معطياً ظهره للشاشة ، وصائحاً )

قيس -الخشبة :أخاف أن تشتعل الأسرّة بلهب العصيان .. فلا يبقى غير رماد الفضيحة ..
( قيس -الشاشة ينظر أمامه وقد اكتست ملامحه بالقسوة والعنف .. يرفع سكيناً )
قيس -الشاشة : لن أظل مدفوناً بداخلك إلى الأبد .
( المجموعة تخرج عن جمودها. ممثل(7) يركض ناحية قيس -الخشبة ويناوله سكيناً. عندئذ يختفي قيس الشاشة. ويبدأ قيس - الخشبة في التعارك مع نفسه. وبعد حركات إيمائية عنيفة، يمرر قيس السكين على بطنه ويجرح نفسه، فيطلق آهة ألم ويرمي السكين جانباً.
ليلى تهرع إليه فيما هو يسقط على ركبتيه .. تمسكه لئلا يقع ..

ليلى : جرحت نفسك ؟
قيس : بل هو الذي جرحني، ومن الجرح خرج .. ومنذ هذه اللحظة مات قيسٌ وبُعث قيس.
( المجموعة تحيط بقيس وليلى ، فيما عدا الممثل(4) ، الذي يرتدي لباس ورد ..
نسمع صوت الشاعر خارج الخشبة )

صوت الشاعر : (خارج الخشبة)
         سأقول عن ليلى
          عن جنيّة في الإنس تنتخبُ القتيلا
          عن مراياها موزعة تخالج شهوة الفتيان
          عن ميزانها مشبوقةً ،
          ليلاي لو يدها عليَّ ولو يدي منذورة تهب الرسولا

          سأقول عنها ما يقال عن الجنون إذا جننتُ،
          ولي عذرٌ إذا بالغتُ في موتي قليلا .

( يبتعد ممثل(4) - ورد - عن المجموعة التي تتفرق )
ممثل(4) : قال المجنون في ليلى ما لم يقله حبيبٌ لحبيبة. سحرني كلامه حتى خيّل إليّ                أن الكلام كلامي، فأحببتُ ليلى قدر ما أحبها قيس وأكثر .. وها أنا أجيء لرؤية
               تلك التي لم أرها من قبل.
               ( يقترب منه ممثل(7)

ممثل(7) : مَنْ أنت أيها الغريب ؟
ممثل(4) : ( ساهماً دون أن يعي ما يقول )
               قيس ..

ممثل(7) : ( متبرماً ) مجنون آخر ؟!
ممثل(4) : (منتبهاً) ورد .. إسمي ورد .. سيد من ثقيف ..
ممثل(7) : إسمع نصيحتي و أخرج من هنا قبل أن يمسّك الجنون ..
ممثل(4) : لا أفهم عليك ..
ممثل(7) : هنا ، كل شاب يسمي نفسه قيساً، وكل فتاة تسمي نفسها ليلى .. والشيوخ
                 هناك، في خيامهم، يرتجفون ويحلمون أحلاماً سوداء ..
ممثل(4) : لكنني جئت لكي أتزوج بليلى ..

ممثل(7) : ( بضجر وبلا مبالاة وهو يبتعد عنه )
      حتى أنت ؟!
     (ثم لنفسه وهو يبتعد)
      أخيراً نجحنا في تصدير شيء واحد إلى القبائل المجاورة ، الجنون.

( يأتي عدد من أفراد المجموعة يقودون ممثل(4) إلى الطرف الأمامي من الخشبة، فيجلس ممثل(4) ناظراً أمامه في سعادة، ويقفون خلفه يرشونه بماء الورد والمشموم.
عدد آخر من أفراد المجموعة يقودون ليلى إلى الطرف الآخر من الخشبة، تجلس ليلى ساهمة ويقفون خلفها يرشونها بماء الورد والمشموم.
وحده قيس في خلفية المسرح ممدّد مثل جثة.
يرافق هذه الحركة صوت الشاعر خارج الخشبة )

صوت الشاعر : ( خارج الخشبة )
                    حدثوه عن العرس ، فانقضَّ في جلده.
                    قَفَّتْ يداه على الماء حتى العطش
                    أراغنه حجرٌ صادح
                    و الهوادج تمضي بليلى إلى العرس
                    و العرس يذبحه ، والهواء قميصٌ لنيرانه .

( على الشاشة السينمائية نرى :
-قيس وليلى داخل خيمة، جالسان يتناجيان بصوت غير مسموع. بعد لحظة ينهض قيس .
-قيس يخرج من الخيمة ويتحرك مبتعداً.
-قيس يدخل خيمة أخرى .
-قيس واقف عند مدخل الخيمة ينظر في دهشة. ليلى جالسة تمشط شعرها.
-قيس ينظر خلفه ثم إلى ليلى ثم يخرج راكضاً ..

-قيس يركض متجهاً إلي الخيمة الأولى .
-ليلى متمددة نائمة. قيس يخرج .
-قيس يركض متجهاً إلى الخيمة الثانية .
ليلى تغسل قدميها في حوض ماء
-قيس يخرج من الخيمة، لكنه لا يركض هذه المرة. باستغراب ينظر إلى الخيمة.
-ليلى نائمة..
-قيس ينظر بعيداً مستغرباً ، كما لو ينظر إلى الخيمة الأخرى ..
-ليلى تمشّط شعرها .
-قيس، تدريجياً تزول دهشته ويحل محلها ابتسام سرعان ما يتحول إلى ضحك، يعلو ويعلو حتى يجثو على ركبتيه وهو يضحك.

تتلاشى الصورة السينمائية لنرى قيساً على الخشبة جاثياً على ركبتيه وهو يضحك .

أفراد المجموعة- فيما عدا ليلى وممثل(4) -يلتفتون إليه في استغراب ثم يتحركون نحوه محاولين معرفة ما يضحكه. لكنه يستمر في الضحك والعدوى تنتقل إليهم ، فيضحكون معه. يصبح ضحكاً هستيرياً. وعندما يخفّ الضحك، تنهض ليلى وينهض ممثل(4) في حركة واحدة. يتقابلان، كل منهما يقترب من الآخر ، حتى يتواجهان )

ليلى : لا تغريني ثروتك ..
ممثل(4) : أعرف ..
ليلى : ولا أحب سوى قيس .
ممثل(4) : أعرف ..
ليلى : لماذا تزوجتني إذن ؟
ممثل(4) : لقد حفظت أشعار قيس كلها ..
ليلى : ولعاً أم كراهية ؟
ممثل(4) : بل لكي تكون شفيعي ..
ليلى : لقد هددوني بالقتل إن رفضت الزواج بك..
ممثل(4) : مثلي لا يشهر سلاحاً أو مالاً، بل يرفع الشعر مهراً ..
ليلى : إن كان مجنوناً فلستَ أقل منه جنوناً ..
ممثل(4) : شعرتُ به ينسلُّ من القصيدة و يندسُّ فيَّ، فصرتُ مسكوناً به.
ليلى : مهما قلت ومهما فعلت ، فلا سلطان لك عليّ ..
ممثل(4) : أعرف ..
ليلى : حسبك أنك زوجي أمام الله والناس، أما هو فحبيبي أمام الجميع..
         ( ممثل(4) لا يقول شيئاً ، بل ينظر إليها مليّاً )
ممثل(1) : كان ينظر إليها كما لو ينظر إلى حلم يرشح من أصابعه ولا يقوى على منعه ..
ممثل(2) : كان يعرف أنها ستقول ذلك، وأنه سيقبل ..
الممثلة : لا أحد يعرف ما بين قيس وليلى مثلما يعرف ورد ..
ممثل(5) : أراد أن يمتلك الحلم الذي ابتكره قيس في شعره
ممثل(6) : لكنه مجرد حلم ..
ممثل(7) : و الحلم يحرق ..

( المجموعة تنفضّ وتشكّل بالقماش خيمة يدخلها ممثل(4) وليلى.
وبقماش آخر يشكلون خيمة يختبئون بداخلها.
قيس وحده الآن .. ينهض ويتلفت . يتجه إلى خيمة يحاول أن يطل منها، لكنها لا تنفتح له. يتجه إلى الخيمة الأخرى، لا تنفتح له )
قيس : ( صائحاً ) افتحوا كي يدخل الحبُ في قلوبكم وتجتاحكم الرعدة البهيّة. اتركوا لأجسادكم حرية النزال و الإنزال، وسمّوا كل شيء باسمه ، وقولوا هو الحب .. الحب الحب الذي لا فكاك لكم منه ولا أنتم تبرأون .

( صوت رعد ووميض برق .. قيس يرفع ذراعيه ويغتسل بالمطر .. ويبدأ في الرقص. تخرج ليلى من الخيمة . تتوقف ناظرة إليه في حب. عندما يلمحها يكفّ عن الرقص . ينظر إليها. ثم يقترب نحوها )

ليلى : هنا ؟
قيس : على سرير المطر .. في فم الريح .
ليلى : لاشيء ..
قيس : لا أحد ..
ليلي : تحت بصر التلّ ..
قيس : لن تكوني لأحد سواي
ليلى : الجميع يعرف ذلك
قيس : الليلة عيدنا .. سنطلق سراح الخيل و الإبل ..
ليلى : و العشاق ..
قيس : و العشاق ..

( يتحركان برشاقة نحو الخيمة الأولى، يرفعان القماش فيخرج الممثلون من تحتها - بما فيهم الممثل(4) الذي خلع رداء ورد - كما لو أنهم تحرروا. يرفعان قماش الخيمة الثانية ، بالمثل يخرج الممثلون.
ممثل(6 و 7) ينتحيان جانباً ناظرين في غيظ إلى المجموعة التي تمارس طقوس التحرر في حركات تعبيرية . تقترب منهما الممثلة)

الممثلة : لم وقوفكما هنا ؟
ممثل(6) : ( إلى ممثل(7) ) يجب كفّ هذا الشخص عن الناس..

ممثل(7) :
معك حق ، فقد راحت أشعاره تهزّ الخيمة وتسخر مما ورثناه.
ممثل(6) : وتدفع الخيل إلى الجنون
الممثلة : لكنه لا يقول إلا شعراً في الحب !

ممثل(7) :
اسكتي .. حمقاء جاهلة ..
ممثل(6) : ليس هذا حباً بل حرباً .

ممثل(7) :
حربٌ تقوّض البناء الذي نحميه
ممثل(6) : أتسمين هذا الذي يحدث حباً ؟
الممثلة : لماذا تخيفكم البراءة إلى هذا الحد ؟

ممثل(7) :
أضربها ؟!
ممثل(6) : لا ، تجاهلها ، اعتبرها غير موجودة ..

ممثل(7) :
أخبرني .. كيف ننتزع المجنون من جنونه ؟
ممثل(6) : إنهما يتخذان من الجنون ستاراً لأجل الخلوة.. تعال معي ..
         ( يتجهان إلى ليلى. يمسك كل منهما بذراع ليلى .. يسحبانها بعيداً.
         قيس لا ينتبه. المجموعة تنسحب الآن. الممثلون يلتصقون بزوايا وأطراف المسرح.

قيس يتوقف. يتلفت في الأرجاء باحثاً عن ليلى. يتحرك ملتاعاً إلى جهة ثم إلى جهة أخرى لكنه لا يجد ليلى )
صوت الشاعر : (خارج الخشبة)
راحت ليلى ، غابت الشمس، فضاق الفسيح في عينيه. هربوا بليلى ، والأرض تتسع لهم و تضيق عليه. يسأل عنها فلا يجد في الأرض غير ظلٍ لخطوات شاردة وبقايا طيب رشّته ليلى ساعة الرحيل .

( قيس يسجد، يشم الأرض. يلصق وجهه بالأرض .. يجلس. يهزّ جسمه ورأسه، ويخط على الأرض بآصبعه إشارات وكلمات. يقترب منه ممثل(1) ويجلس قريباً منه. قيس يستنفر ويتحفز ويلتقط حجراً ليضرب ممثل(1)الذي يظل جالساً بلا حراك ولا ينظر إلى قيس ، كأنه يريد أن يطمئنه بأنه لا يقصد شراً. قيس ينظر إليه في ريبة وحذر. بعد قليل عندما يطمئن إليه. يعيد الحجر ويستأنف ما كان يخطه بإصبعه على الأرض متجاهلاً ممثل(1) ..)

ممثل(1) : الحب أوصلك إلى ما أنت فيه ؟
قيس : وسينتهي بي إلى ما هو أشدّ .
ممثل(1) : ماذا لو أن ليلى لم تكن ؟
قيس : ( ينهض) لكنت بكيت البكاء كله لكي تكون ..
ممثل(1) : (ينهض بدوره) أي جنون هذا ؟
قيس : إنه جنون الفؤاد وليس جنون العقل ..
ممثل(1) : سمعنا أن دمك مهدور ..
قيس : ما أن تدركني السيوف حتى تتضرع إليّ بأن لا أكفّ عن العشق ..


ممثل(1) : لم يخافك الجميع ؟
قيس : لأني فضيحة المكان ..
         ( ثم يخرّ على ركبتيه منشداً )
         لا تحسبي أن الغريب الذي نأى
         ولكنَّ من تنأين عنه غريبُ

صوت الشاعر : ( خارج الخشبة )
ضاقت به الدار والحي والبادية، فوجد في العزلة فضاءً يسع حبه ، وفي الوحش الصديقَ النبيل . شرب مع الظباء، والذئاب كانت تحرس خطاه.

( قيس ينحني كما لو ينحني على جدول يشرب ماءه الجاري.
مع الانحناءة تتغير الإضاءة لتوحي بجو الحلم.
من خلفه يأتي ممثل(6) - الذئب في هيئة بشرية - يقف خلفه مباشرة. قيس ينتبه لوجود كائن خلفه فيلتفت سريعاً )
قيس : ( بنبرة محايدة) من أنت ؟
ممثل(6) : ( برقة) أنا الذئب .
قيس : ماذا تريد ؟
ممثل(6) : ( يمد له يده ) تعال معي ..
قيس : ( يعطيه يده في استسلام ) إلى أين ؟
ممثل(6) : ( يساعده على النهوض ) إلى حيث توجد ليلى ..
قيس : وستكون أنت وحدك ، من بين الخلق، دليلي ؟
ممثل(6) : لم لا ؟

( على الشاشة نرى الاثنين - قيس وممثل(6) - يسيران في طريق صحراوي.
-الاثنان يسيران في ممر جبلي
-الاثنان يسيران في حديقة خالية إلا منهما.
- الاثنان يسيران في رواق
-الاثنان يسيران على شاطئ بحر
-الاثنان يسيران في ممر داخل قلعة
-الاثنان يعبران مدخلاً في القلعة.
تتلاشى الصور على الشاشة.
وعلى الخشبة تضاء بقعة مشعة تظهر فيها ليلى.
من ظلام الخشبة يتقدم قيس وممثل(6)، والإضاءة مسلطة عليهما. يقفان على بعد مسافة من ليلى )

ممثل(6) : أنظر .. هناك ليلى
قيس : كأني أحلم
ممثل(6) : من يدري .. ربما هي التي تحلم ..
( ينسحب ممثل(6) . قيس يظل واقفاً مكانه. لا يذهب إليها، ولا هي تذهب إليه. يتحاوران ، لكن كما لو أن كلاً منهما يحاور نفسه )

ليلى : مأخوذة بك .. قبل العرس وبعده
قيس : قبل الموت وبعده
ليلى : أبسط ريش كتفك ، أضع عليه رأسي و أبكي ..
قيس : لفّقوا لنا الأخطاء
ليلى : ازدادوا رعباً حين مسّهم الحب ..

قيس : كلانا مسحور ..
ليلى : سوف أشقُّ لك قميصاً تدخل متى أتيت ومتى ذهبت ..
( تظلم الخشبة تدريجياً ، وعندما تضاء نرى قيساً كما لو كان قبل لقائه بالذئب، جالساً على ركبتيه ..
تقترب منه الممثلة - أخته - وتضع أمامه الطعام ، تقبّل رأسه)
الممثلة : كُلْ يا أخي .. أشفق على نفسك .
(قيس لا يسمع ولا يرى .. يجيل ببصره في شرود )
قيس : أسمع أنين ليلى ..
الممثلة : لا نسمع شيئاً
قيس : ينبغي أن تكون لكم أذني لتسمعوا .. وعيني لتروا .

(على الشاشة السينمائية نرى ليلى راقدة داخل الخيمة، مريضة. يحيط بها ممثل(2 و 3) والممثلة .
قيس ينهض مركزاً بصره على الشاشة، يقترب من الشاشة وهو ينشد)
قيس : ( شفى الله مرضى بالعراق فإنني
         على كل مرضى بالعراق شفيق
         فإن تكُ ليلى بالعراق مريضة
         فإني في بحر الحتوف غريق )
         ( قيس يتوقف على مقربة من الشاشة.
على الشاشة : ليلى تنهض وكأنها شفيت وهي تنظر إلى الكاميرا مبتسمة.
         الذين يحيطون بها لا يزالون في حزن وكأنهم لا ينتبهون
         أو لا يلمحون نهوضها واقترابها من الكاميرا.
         قيس - في مواجهة الشاشة - يفتح ذراعيه مستقبلاً ليلى.
         الصورة السينمائية تتلاشى لنجد ليلى على الخشبة واقفة أمام قيس .. تتشابك          أيدهما ، وقيس ما يزال معطياً ظهره للجمهور )

قيس : أخشى أن أموت وفي النفس حاجات إليك
ليلى : لم يبق لدينا وقت .. هذه ليلتنا الأخيرة
قيس : أذاهبة قبلي ؟
ليلى : وصلت قبلك النقطة الأخيرة
قيس : لو يمهلنا ساعة ..
ليلى : لن يمهلنا .. إنه ينتظرني ..
         (قيس يدير رأسه جانباً فيلمح ممثل(4) مغطياً نفسه بالقماش الأسود الفضفاض ممث
         لاً الموت . ينظر إليهما في حياد و ينتظر.
         قيس ينظر إلى ليلى ..)
قيس : سآتي معك ..
ليلى : إنما يريدني وحدي .. إبق حيث أنت
         (قيس يلتفت ثانية إلى ممثل (4) - الموت )
قيس : خذني معها..
         ( ممثل(4) يقترب منهما. بذراعه يسدل القماش عليهما ويخفيهما. الممثلة التي لا
         تزال واقفة في مقدمة المسرح ناظرة إلى الطعام، ترفع بصرها إلى ممثل(1) الذي ظل
         واقفاً مكانه )
الممثلة : مرت ستة أيام والطعام لم يمسْ
ممثل(1) : ربما رحل إلى مكان آخر ..
الممثلة : أشعر أننا لن نراه بعد اليوم .. أشعر إنه مات ..

ممثل(1) : كيف يموت وقد كان ميتاً ..
الممثلة : لنبحث عنه ..
(على الشاشة السينمائية ، الكاميرا المحمولة باليد تقوم بالبحث في البرية. إنها تقتفي اثاراً على الأرض. تصعد تلاً . تهبط وادياً. تصل إلى مرتفع. تطل إلى أسفل. لقطة من بعيد لجثة ممدة على وجهها بين أحجار مسننة.
مع اقتراب الكاميرا من الجثة، نسمع صوت الشاعر خارج الخشبة )
صوت الشاعر : لا .. لم يقتله الحب، نعرف أنه كان مهدور الدم، مرصوداً من كل فجّ، وله من الأعداء ما يكفيه .

( على الشاشة، الكاميرا تقترب أكثر من الجثة.
الممثلة وممثل(1) ينحنيان على الجثة. ممثل(1) يدير الجثة ، فنرى الرأس مهشما والوجه ملطخ بالدم. إنه قيس. تختفي الصورة.
على خشبة المسرح، نرى تمثيلاً للجنازة. بعض أفراد المجموعة يحملون قيساً. ليلى والممثلة تصرخان وتندبان بصوت غير مسموع. البعض الآخر من الممثلين يبكون وينشجون بدون صوت.
إنها جنازة صامتة ترافقها موسيقى حزينة مفجوعة أو دقات طبول.
تتحرك الجنازة في أرجاء الخشبة ثم تهبط إلى الصالة. تخرج من الممرات ولا يبقى أحد على الخشبة.
عندئذ نسمع أصواتاً خارج الخشبة )

صوت المجموعة : قل هو الحبُ
صوت الشاعر : هواءٌ سيّدٌ، وزجاج يفضح الروح وترتيل يمام
صوت المجموعة: قل هو الحب

صوت ليلى : ولا تصغي لغير القلب،
لا تأخذك الغفلة ، لا ينتابك الخوف على ماء الكلام

صوت ممثل(1) : قل لهم فيما ينامون على أحلامهم
                        سترى في نرجس الصحراء
                        في ترنيمة العود وغيم الشعر
                        سرداً و انهدام
صوت المجموعة : قل هو الحبُ
صوت الممثلة : وما ينهار ينهار ، فما بعد العرار
                        غير مجهول الصحارى وتفاصيل الفرار
صوت ممثل(2) : غير تاج الرمل مخلوعاً على أقدامنا
                        و الذي يبقى لنا تقرؤه عين الغبار
صوت المجموعة : قل هو الحبُ
صوت الشاعر :     طريقٌ ملكٌ نبكي له ، نبكي عليه
                        لو لنا في جنة الأرض رواقٌ واحدٌ
                        لو لنا تفاحة الله جثونا في يديه
صوت ممثل(3) :  كلما أفضى لنا سراً ألفناه
                        ومجّدنا له الحبَّ .. وأسرينا إليه
                        صوت المجموعة :قل هو الحبُّ
صوت ليلى :       كأن الله لا يحنو على غيرك
                        لا يسمع إلاّك
                       ولا في الكون مجنون سواك


صوت الشاعر : قل هو الحب
                    الذي أسرى بليلى
                    وهَدى قيساً إلى ماء الهلاك
                    قل هو الحب .. يراكْ.

( عندئذ يبدأ المشهد الاحتفالي .
احتفال بالحب والجنون. يشارك فيه الممثلون الذين يدخلون من كل جانب إلى الخشبة - الحياة، وهم يرتجلون الحب والجنون. وتشارك فيه مختلف العناصر من أشياء وإيقاعات وألوان وأضواء وحروف .. معبّرة عن انتصار الحب والجنون أو محتفية بهما )

النهاية