ندماء المرفأ

(1)

لم نشأ، في مسيرتنا الدائخة، أن نهدهد حمى السفر فينا. أسرفنا في التيه وما من نداوة تلقح أنسامنا. كثبان تحصى أرقنا، مسبار يراوغ أصابعنا. لكن في عين تائهة، غارقة في اليأس، يلحظ الهدهد الراصد إشراقة وألقاً. ها هنا- قلنا نحن النازحون- في قلب المفازة نعلق الحكمة على أوتادنا أمارة لوطن يتبعنا متعثرا ولا يلحق بنا. رأيناه من بعد مثقلا بالنحيب ملطخا بالإثم، يدحرج مدنه الليفية على منحدرات الحلبات اللاهبة، فصحنا به ولم نقصد أهانته: عد من حيث أتيت يا وطن القيد والتعب، يا وطنا فأحببناه كثيرا ومتنا من اجله كثيرا. اترك لنا جنازة الأشلاء، نحن البارعون في النسيان، العامرون بموهبة الاختزال.

للبحر النشيد الألف، احتداماتنا ورنين الغبار. كل مسالكنا المدهونة بزيت حوت رحيم. هو جسر الخليقة ومبدع الينابيع، إليه نهدي صدى الضحايا هاذيا بكوابيس النهار إليه تمشي زرقة الذهب وبلورات الحديد. كل حلينا وابجدياتنا نسوقها قرابين لمجده. به نحتمي ومنه نحتسي رؤانا.

للبحر اللهاث الألف، وساوسنا والأنين. قسما أن نرصع مناراته بسبائب أفراس مجنحة، حولها ترقص فتياتنا العذبات المزخرفات بالعسل. تحت أشرعة اللؤلؤ نشعل عرسا إباحيا لا يدعى إليه إلا الموبوء بالحنين وأوتار الغربة. نسمح لربابنة الموج، آنذاك، غزو طقسنا وسلب شيء من صخبنا.

للبحر النخب الألف، نذورنا والصليل. حباحب الليل نبعثها لتقايض مرايا الجهات: أي الدروب إليه الأكثر ألفة. نعرف أنها ستغرق في المرايا ولن تعود. هكذا نرسل قططا مقنعة تضيع في نسرين الأفق وتأتينا الأقنعة وحدها زائرات غرشات لا نقرأ وجوهنا. هكذا كل ليلة بلا يأس، بلا ضجر.

للبحر البعيد البعيد نشيج أحلامنا، أغلالنا والهدير.

هل حقا لمحنا وطنا يخوض دم الطريق، يحمل دلوا وباليد الأخرى يلتقط بصنارته القرى المبعثرة، أم لم يكن ذلك إلا سراب؟ المدن- على خارطة العالم- أشبه بحيوانات جبلية تتناطح وتوقظ الأساطير من سباتها. لكن يخيل إلينا أن سمعنا نداءه الفاجع الذي يسيج خطواتنا. إن جاء فسوف نفرش له سجادة ونرش جروحه بجروحنا، نحصي بيوته رتاجاً رتاجاً، نخيط شوارعه نصبا نصبا، ونصيح في هذا الهباء:

يا رب ماذا نفعل بكل هذا الإرث من المظالم؟ يا رب كيف نمنا في حضن بيت يشرشر دمه في ا لميزاب؟ يا رب كان لنا وطن عاث فيه السائحون والبغايا ورموز البغي.
ثم نضحك في مرح شيطاني. محض دعابة.
ها هنا: بين ثعابين تدوزن أجراسها فوق كثب، ساحرات تلهو بأشباحها الضاجة في حقول قطن لا مرئية، حلزونات سماوية تزين أجنحتها بشهب ملونة، ملوك يراقبون المشهد بريبة، مئذنة مهجورة تختلس صلاة من خيمة بدوي، أحجار لا مبالية تغفو تارة وتصحو حين يداهمها هدير خفي، ضباع جائعة تبطش بالفراغ، قمر هائج يدنس عذرية فتاة نائمة حبلى بمروج والعاب نارية، وطن يجرجر عواصمه الذاهلة ويلطم بها تيوس التخوم، بحر بعيد بعيد يحشد اتباعه في بهو القصر و يتمرأى في شاشة الماء مأخوذا بجمع بشرى متطفل.

بين كل هذا نجلس لنؤجج في احداقنا فوانيس السهر. نؤرجح الأطياف، نضلل أسلاف الصحراء، ونرجو المصادفات إن تتجلى في ريف أرواحنا. ها هنا نصنع من عجين اللغة لغة أخرى. لن يفهم العبارة غير الذي يمتزج دمه بدم البحر: حارس الأشلاء، أقحوان التعب.

نسمي النار ثلجا، وتحت عريشة الرماد ننزلق في البهاء حيث مأوى الجذر الأول والفرح الطفل يمحو بمنجله عصف التشرد.

حين انتفض ضوء الزبد في صدورنا وارتعش الماء بين أهداب الليل، حلمنا الحلم المشترك، الحلم الفاخر الذي لم نحلم به بعد، ذاك الذي رش أنداء اللذة في أحشائنا ومضى قبل أن نراه، قبل أن نمجد حضوره، تاركا لنا رائحته الإلهية.

(2)

بيننا امرأة تمطر شهبا وأحزانا لا تحصى. المرأة التي قابلناها صدفة تهرول وكأنها على موعد مع حلم فريد. أردنا أن نعرف أن كان هو الحلم ذاته الذي لم نحلم به بعد. إذا أومأت بالإيجاب فسوف نجثو على سهل يدها النبيلة ونرجوها أن تحكي لنا عن كنوزه و إشاراته الغامضة أو تأخذنا إلى رخام قلبه الطري لنسفح في المداخل وجوهنا المضرجة بعويل الظباء. لكنها نظرت إلينا ولم ترنا، فغسلناها بزبرجد المساء ورصعنا ثدييها العذبين بحليب الغيوم ثم قلنا لا يؤكل الرغيف ما لم يغمس في ملح جسدها.

مرارا شاهدناها تدخل أحلامها الصغيرة تطارد بنزق سناجب الروح والأشجار الأليفة ذات الأذرع الحجرية الممتشقة عصافير ثرثارة، أو تستحم بغبطة في عاصفة كوكب مأهول بغيلان وديعة تكور النبوءات وترميها في الفضاء الأسود.

مرارا شاهدناها تخرج من أحلامها الصغيرة حاملة سلالا عديدة ملآى بأثمار الجنة والعاب الكواكب

.غير أننا نكتئب حين نلمح حزنا شاحبا يرسو في حوض جبينها. كفكفي الدمع يا سيدة الصدفة، يا عاشقة الذاكرة، هذي أصابعنا نبيحها وسادة لنومك، فلربما تمسح أحجار النوم قباب الذاكرة فتنبجس البراءة الأكثر نقاء أو الإثم الأعظم، ذاك الذي يصب في نبع الخليقة، البداية التي ما قبلها نهاية وما بعدها نهاية، الحبل السري الأشد رقة وشفافية من قشرة الماء.

بوح خفي، بخيل، يطفر مع وميض أنوثتها. وسر العشق لم نعرف بعد. مرت سحابة خضراء، كانت تنقل المدن ا التي خربتها الدسائس والحروب الأهلية، و رشقتنا بأعشاب ندية ثم مضت على عجل. عندئذ، عندئذ فقط رفعت عاشقة الذاكرة مرساة قلبها وتعرت في وهج احداقنا فشهق البحر البعيد وانبثقت حولنا آبار ورد تهطل منها اكثر الروائح بذخا.

(تعال يا قارئ أبراجنا الكسول لنرميك بلا هوادة في لغز المشهد)

- حلمتُ، ذات صباح، أنى زوجة مغامر يعشق السفر. لم التق به ولم أر وجهه أبدا، لكنه كان زوجي الذي أحببته كما لو أنى خلقت لكي احبه فقط من اجل أن أظل عذراء، أوصدت الباب و اسدلت الستائر فيما عدا نافذة واحدة زرعتها في حقل الليل لتكون لي قنديلا يستدرج خطوات إلى قلبي. آه لو تخترقني الأجنحة لأشبك المسافة بالمسافة وأصل إلى فردوسه أو جحيمه، أهبه القبلة تلو القبلة واستطلع وجهه للمرة الأولى والأخيرة.

قرب النافذة، بزجاجها الذي يبقعه المطر السكران بالنمش ويكشف عن حضور كائنات ليلية تنبش الحدائق المهجورة وأقزام يتسللون تحت موائد المقاهي ليرقبوا عن كثب نهاية العالم، اجلس و أخيط قميصا لكائن لا اعرف أن كان رجلا أو طفلا، قديسا أو شيطانا، ساحرا أو قرصانا.. بينما تنوس سوسنة الوقت بين أهدابي. كم هو قاس وشحيح، ذلك الحلم الذي تركني وحيدة مع خمر الانتظار.

- نحن الذين تضيئنا حمى السفر ونبجل المصادفات، نجزم أننا لم نره في طريقنا.

- لا. لم يره أحد قط. لكني انتظرته عاما بعد عام مثل هاوية تنتظر حجرا ماكرا. شاخ القميص بين يدي، ذبلت الغرفة، نضب زيت المساء، وأنا جالسة على مقعد يهز أشياء الكون أمامي.. سجينة حلم. وكان الغائب يغور اعمق فاعمق داخل رحم الغياب الأبكم. وحده القادر أن يحرر روحي من الأسر.

- صِفيه، على الأقل، لتدلنا القبرة إليه.

- كيف أصف قناعا، ضوءا يطوق مسراه نثار عواصم رصاصية ترشقه بالخيانة. حين ارتقيت درج الدر دار، حيث يلمع الفطر تحت حمحمة نجمة منبوذة، لمحت ضحكته المنمنمة فارتعش !لي. يا لضحكة الغياب الفارهة! تختزن حصاد العمر تختزل هذيان الأيام، وتمد لي أشراكها الشهية فأعبر شركا شركا وأمد لها مجازري فتعبر مجزرة مجزرة، ونلتقي في لهيب الحصار لقاء وهم بوهم. يا ويلي، أحببت الكائن الذي ورث المدى ووهبني- ذات أصيل- سديمه ثم مضى رافعا معوله دون أن ينظر إلى. وراء ستارة السديم اهرقت عريي لعابر يطعن الطرقات بعصاه. إكراما لي أيها الضرير النوراني، إن وجدت حبيبي عند مذبح المدى قل له أن يدخل حلمه ليراني جميلة كما يشتهي.. خفيفة كالندى. جالسة قرب النافذة اكحل الأفق بخنشار الضحى وازين كواحل الميادين بخلاخيل الغسق. ارهف السمع لخطى لبوءات تهبط خفافا سلالم الغابة وتحتشد أمام نافذتي. أهيب بها أن تقترب لكنها تتدرع بالريبة والحذر فأخرج إليها وأسفح جسدي كي تفترسني في انتشاء، وتشفع لي.

(3)

بيننا الرجل الذي يقطف العنب المعدني ويحلم بمأدبة وصديق ثرثار. نعرف حلمه لكننا نجهل قدره. كان واقفا على رابية، حين رأيناه لأول مرة، حاسر الرأس وسيم المحيا يرنو إلى خيوط الشفق القرمزية فيما تلامس جبينه المكلل بالأسئلة غيمة وحيدة في هذا الفضاء الشاسع ترصع تجعيداته بلآلئ الطل قبل أن تهوى كالريشة على الرمل بلا وقع. عندما تحط الطيور على مقربة، لا تبدر منه إيماءة تنم عن ضيقه أو ضجره. شعوره بالفرادة والتوحد يكبح أي انفلات لطيش كامن. صار توأم الحجارة، نقشا على كتف الطبيعة. إن مجرد حضوره في هذا المكان الأعزل، وسط روابي مصطفة كبيادق شطرنج، كان حدثا اعجازيا. وقد أذهلتنا جسارته حين رص- بحركة مفاجئة- حصاة أصابت الشمس ففرت في الحال. ها هو يضيف إلى معرفتنا حكمة جديدة، فالعالم ليس نتاج الضرورة والصدفة فحسب، وإنما الحلم كذلك. آنذاك صحنا به: انحدر لنجلس معا ونتحدث.

مثل مخلوق رجيم، سلبت منه جذوره وساحات طفولته، رفع يده ملطخا الفراغ بتلويحة متعبة، ثم شخَصَ نحو الجبل القريب كأنما يستأذنه.. وانحدر.

المرضعات الجبليات في أكواخهن الصخرية يحلبن مأساة شعب نأى عن ميادينه الطحلبية. كم مرة اجتزنا السور الشائك ونمنا بين سواعدهن الرؤوفة. ابعثن لنا، أيتها المرضعات الصبورات، أخفافاً احفادنا كي ندغدغ بها الأرض فتعرف في المستقبل، حين تشم الخطى، أي فصيلة تنتمي إلينا. لأجلكن شيدنا السرير العادل ولبسنا الأدوار: هزيمة تنكح هزيمة، حصار يتقرى حصارا، التيجان المتواطئة تتباهى بالخيانات. لأجلكن نسرح في المضائق نضمد الوقيعة بلبن شهيد. ليكن الهتاف في علو احداقكن لتر البيادر أي نساء أنجبننا ولنفخر في دم التضاريس و أكثرها وعورة أن موتنا هو الأرفع مجدا.

كلمنا يا رضيع الجبل، يا رفيق العقارب. نعرف أن لك حظوة لكن نجهل سر هذا الشرود الذي يظلل أجفانك ويدهن المرئيات بطلاء الفحم. نصارحك بخوفنا رغم خشيتنا أن تغضب: "الخبل يترصدك بسهمه في حومة التأمل". ألا تنطلي عليك هذه الحيلة؟ إذن نكلمك بلغة الرموز: ذات مرة هبط طائر بشري عند المنارة الزرقاء التي تجاور منجم القصدير، تتبعه غرانق تمحو آثاره كلما سار خطوة. وصل إلى مدخل المنجم وذرف دمعتين ثم دخل وحده آمراً الغرانق أن تحرس ممرات الحجر. بعد ساعة خرج من جوف المنجم فوجد الطيور في مواقعها وقد تحولت إلى تماثيل. لم يلحظ تحول ذاته إلا حين تمرآى في وجه القمر، عندئذ أطلق صرخة رهيبة، فقد رأى نفسه في صورة كركدن. لم يفهم أحد مغزى الحكاية. ربما لأنها بلا مغزى. إلا تخبرنا إذن عن حكايتك التي لا معنى لها؟ أخيرا، كشف نقاب روحه ونثر الكلام في بئر ذاكرته.

(تعال يا قارئ أبراجنا الكسول لنرميك بلا هوادة في لغز المشهد)

كان ذلك في صيف النوارس التي تحتشد فوق الأفاريز حاملة بين مناقيرها رائحة الموج، حيث المدينة الهرمة تعتكز الأعمدة الرخامية وتجرجر خطاها مقوسة الظهر، والناس يهاجمون أنفسهم بالإسفلت !ي مرايا الحوانيت. كان ذلك لحظة شهر السياف بطشه .. عندما اخترقت جمهور الحلبة اليائسين امرأة ذات جمال آسر، رطبت الحلبة بنفحة آسرة. وقفت أمامي رابطة الجأش. قالت: هنيهة وأشعل قلبي بالعشق. لم يكن بيننا غير دم الحجر ورماد الورد. عبرتُ وعانقت يداي يديها. أخذتني إلى منتزه العصافير حيث جرحى الحروب يتسكعون مع عكازاتهم وضماداتهم، الأرائك الحجرية تنحر كآبتها تحت أعجاز ملوك اغتصبت عروشهم وصاروا يتملقون الوقت في نثر الفتات لرعايا لا مبالين، التجار العاطلون عند النافورات يؤرجحون مظلاتهم الشمسية ويأكلونها. هناك وشوشت في أذني: اسكب بلا خجل حليب بأسك في حوضى وكن لي الغزو الأشرس.

اذاك غطيت زغبها بزغبي وصرنا وحيدين في جسد الفضاء، غريبين في مائدة المرجان الملكي، يطرز عرينا اللهاث. سميتها جوهرة الحصاد وكانت لي الفتح الأعظم حتى أنني أجهشت غبطة. آن انداح حرير شعرها ملتفا حول سنابل الجزر امتقعنا معا وفتحت الشهقة فم الولادات كلها. تنزه! في نهد المحرم غير آبه، ارتوت نبع الفتنة غير آبهة.. هكذا أطلقنا سراح الغواية وكنا النفحة الاباحية.

كان ذلك في حقل الفزاعات، في صباح الحنطة والهواء البارد، عندما صحوت ولم تكن معي، كأنها ضاعت في غلالة المساء. هبطت عتبات الحقل ملتاعا ترافقني النبوءة المأساوية، أبحث بين وجوه النساء، اللواتي ينشرن ملابس الجنود المهزومين على اسيجة النهر، عن وجه اخنلطت على ملامحه. سألتهن إذا كن قد شممن في عذوبة كعذوبة جسد أنثوي عابق بالنرجس. أو لم تقنص احداقكن الذكية ظل امرأة بلا اسم تفتح أقفال الرمل بأظافر عاصفة مجنونة، حينا تكلم الإسطبلات وحينا تروض الأشجار؟ أو لم تسمعن، فيما تفركون عذق النهر بصابون أنوثتكن، حفيفا باسلا يفشي سرائر الخليقة؟

جوابهن كان صاخبا، موحدا كجوقة مهملة: "بلى، بلى، أفزعتنا الغريبة حين أخرجت من رحمها جنينا ألقته في النهر ثم مرت أمامنا كأنها لا ترانا، وعندما خضنا في الماء التهبت أفخاذنا. كان الماء يحترق"

كان ذلك في زوبعة الفصول، في عراك الطرق، حيث البهائم تحرس غافية أسطح المباني، والقتلى يجرون جثثهم على قصب الشوارع. العربات التي تسحبها خيول شاحبة كانت- بعد إعلان الهدنة- حبلى بالمزامير والكتب المقدسة. عند النصب الشمعية يحفر الحكماء هاوية أثر هاوية.

كان ذلك في قارعة الأسلحة. في انقلاب الحجر، عندما طاردني السياف وكنت في سرداب معطفه أصيخ إلى المحنة واصنع من الفخار أطفالا يبحرون في زوارق ورقية. لما اهتدى إلي اختبأت في الغمد.

إمتدحتُ المرضعات الجبليات. تلك كانت خطيئتي. اذكر أنى جلبت من الأنفاق بعض الحطب وجلسنا حول النار نتدفأ وفي الحضن الكبريتي حلمت أنى أمير الجواميس البرية. كان ينبغي أن اسبغ مديحا أبهى و أرقى شأنا، هذا ما قلته للسياف الذي زجرني، بعدها نفث في عيني كراهيته المدخرة. قلت: إن أجبت على أسئلتي ستندم وتلثم عنقي المجتز..

لماذا يرسل الرمل الرحيم سرطانا ليلدغ عيني؟
لماذا تهيئ لي العذراء الشبقة سرير العفة؟
لماذا يرصد ثوار الكلام أخطائي؟

عندما فتحث نافذة قلبي، بكى السياف.. فقد رأى نفسه طفلا يلهو مع أقرانه في ساحة المدينة. آنذاك، كانت العربة- التي يجرها جواد شاحب- تتحرك مبتعدة، بداخلها رأسي المفصول، فيما يطلق سائق العربة من مزماره لحنا شجيا.

(4)
مرضعات المأساة

لأجلكن ندحرج قِرَبا الثكلى. لا ماء في راحاتنا، وأصداغنا الملتهبة تقتفي آثاركن. إن كنا نمعن في التيه فلأننا خسرنا الدالية والحضن الوارف. هكذا تخوك الأقاصي بالأقاصي، نجيء في يقظة شرودكن أشباحا مائية لا تتقن الابتسام. لم يعد ما نفرح لأجله في هذي العفونة المدججة بالخيانات حيث تحيط بنا الأحابيل كالأساور. كل عاصمة توسم جباهنا بإبر الوحشة. عرفنا، حين أطبقت الأمم أجفانها، إن الدم يغري والرائحة الساخنة تغري وان البراءة مصيدة للبريء. من هنا، أيتها المعصومات، بين خلجان حديدية تلوث هواء رئاتنا، من هنا نبصر المطر الخاشع مطأطئا بين أذرعكن. اقتربن قليلا، اغمرن أناملكن الشفيفة في ماء عيوننا لتمتحن عمق آبارها. في زرقة الأحراش رأينا المواعيد تركض عاربة.

من لنا في هذا العراء الأبكم غير طعم بكائكم، يا رُضّع المنافي، بين أسناننا الشائخة، نحن اللائى نطلق النشيد بعد النشيد، نحترف الانتظار والغياب.

من حافة الكهف، الكهف الأبعد غورا والأكثر ظلمة، رمينا باقات المأساة من أرخبيل الأفواه، أفواهنا الملآى غبارا، سكبنا حكايات الأنين:

عن النزوح المقدس لحشود يضيء دربها الليل
عن المد البازغ من حلمة صبية تسوق الحجارة جنوبا
عن المعارك النبيلة ودناءة الولاة
عن مقبض اللهب، فحولة اللغة، صولجان التعب
من لنا في هذي الرؤيا المعتمة غير نجمة أنقاضكم العاجية، غير دهشة أعراس مجنحة تسقط مغدورة على عتبات حليبنا السماوي. وقتذاك، نستل العويل المستعار وندبج المرثية الصقيلة.. ثم ننكسر دما دما.

(5)
طعنة الحلم

الحلم الذي يهز نفير الغزو العظيم. يباغت تنوب النوم الحارس وبتسلل خفية مع الأسلاب: رائحة فرج، أملاح ذاكرة، نيران أدوار.

المرأة في يقظة الجذور، من تلك الشرفة العالية، شرفة الظهيرة، توبخ رنابير اللج وتعود لابسة خف الإباحة: قميص الهتك، حيرة العذارى إذ يلامس زبد الذكورة حلمة اللهب.

أي انتهاك مذهل ذلك الذي حدث فجأة، وكنا نهبط آنذاك هيكل الزنجيات النهمات اللائى يرقصن عاريات بين أمشاط الرغبة ومآدب أمراء يجسون نبض الأوثان. بعد كل هذا يسألوننا عن دروب المجد فيما يسطع زاهيا على وجنة امرأة يرشها الأزرق بندائفه الذهبية. امرأة عادية، فقيرة المواهب، لكن انظروا إلى ممالكها، تلك الممالك الزاخرة بالسهر.

نؤجل قليلا حلمنا الفاخر، الحلم المشترك اللت ي لم نحلم به بعد، لنعسكر في الموقد الحامض للحلم الغازي ذات، الصغير كزبتونة.

لا توقظوا العاشقة التي سوف تموت في نومها أميرة. طعنة الحلم اجمل. ها هي تفتح نهديها لتستقبل طعن!ة الذهب. افسحوا الطريق لمداهمات الضوء واشرئبوا لتروا ما نعنيه بالخلوة الحقة حيث العاشقة تحبل وتموت في آن واحد. وإذ نهيل نداء القرنفل على فراشة الشهوة، تطلق شفاهنا آهة الوجد، فما رأينا نضارة كهذه، وما اختبرنا هداية كهذه.

أخيرا نصاهر الطقس الجذل: حضور أرامل الضوء.

(6)
رفيق المحنة

حين أسرفت، وكانت خطوتك تأخذك بعيدا في خضاب الأنفاق لتستخرج نثار الكبريت، دخلت المحنة وجئت العالم مقتحما وحوشه.

لم تكن باسلا لنهلل لك. لم تكن رعديدا لنخبئك في راحاتنا. كنت الجاهل البريء تخلص الطرائد من فخاخ القنص، ترابط عند شاطئ المقهى منتظرا شبح العدل، فأشفقنا أن يأسر كاحلك قناص ماهر.

ترصدناك طويلا، وعندما حانت لحظة موتك جئنا لنقول لك الكلمة المؤجلة: أي ثناء لن يكون كافيا. أحببناك. أطعمناك، في سباتك، الأرز والزيتون. كنت لنا الصديق الغائب، الصديق الذي لم نختلط ب، لكنا شممنا لون عذابك في أسمال الهجر. نذكر خلوتنا، نحن وأنت، في ورقة القمر وكان مذاق النبيذ يرطب أجفاننا. في تلك الخلوة لم يكن أحد حاضرا، لا أنت لا نحن لا القمر، لكننا تبادلنا الأنخاب وضحكنا.

كنت تطوي الحقول بيدك الذاهلة مخلفا وراءك عويل الطواحين. في حومة الجرح قابلت التي لا اسم لها.

قليل الكلام، كثير الصمت.. هذا أنت.
تزين قبح المساء بجمال المساء.. هذا أنت.
وأي ثناء لن يكون كافيا لموتك.
رضيع من سلالة الظمأ أنت.
سوف تبلعك ممحاة الذاكرة دونما احتفال.

(7)
دم الطريق

ثمة عزف، جوقة، جنازة: لأشلاء المحاربين، لقباب الرخام، لثرثرة المنابر، لعصف الحلبات، لخصومة الطرق، لحديد المظالم، لسلال المرابين، لثوار الفنادق، للحصون الكلسية، للشرفات غير النزيهة، لقراء الموازين، للمخادع والأميرات والرتاجات، للجلود والأدوار، للقادة والدعاة، للمدينة التي لا تحلم.

لم يكن ذلك إلا انقلابا للجزر. إذ تحدق الكارثة بغرف المهرجان، نلمح وطنا يعدو خائضا دم الطريق. من ملجأنا نشايع الفوضى. نسعر الغامض ولا نمد يد النجدة لاجفالة القرى. في مجرى الأوبئة نغسل ضحكتنا الشيطانية.

ثمة كهولة تمرغ خراطيمها في فرقعات الموت، الموت الذي يقذف جراره الكبيرة لتمتلئ بلدانا وأقدام آدمية. من كان بلا بحر تقتلعه قبضة الخراب. نعرف الآن ماذا يعنى وعد الخراب، رؤيا الوردة. كم اعتصاباً ينبغي أن تمتحنه الأرض حتى تتدافع هكذا مذعورة كالطريدة في جؤجؤ الفتك، حتى تحتشد الأعمدة هكذا في نصل الحربة؟ نعرف الآن حرية الزلزلة الكاملة.

فاتحة الانهيار: عتال يأكل لحما بشريا.
خاتمة الانهيار: نزوح جماعي نحو البحر.

(8)
الأشرعة التي تمضي مع المرافئ

البحر بتناسخاته المبهرة. هو الذات والآخر معا: هرة تستحيل طفلة ملائكية. إنسان يستحيل صقرا. فوق هذا كله ينحني القمر الأخضر، المسرج بعيون الأطفال، وبنتحر كل صباح.

البحر بأذرعه الحرشفية ذات البراثن الداجنة تمتد مثل جيش من اللقالق، بين أبراج المدينة، لتلتقط ثريات منهوبة من المخازن المائية.

البحر بغضبه وتشنجاته يوجه مجانقه لتدك أسطح البلديات حي!ث يجتمع الوجهاء بعد منتصف الليل للتآمر ضد الشعب.

البحر الوارف دعة وحنانا، الطافح سخاء، يقدر أيضا أن يحب كل هذا الحب: آن يلاطف أشرعة حلمنا الأكبر، يغسل صوارينا بالملح، يهدي لصفرة جباهنا سواحله المتلألئة. آن يخضب مراسينا بصعتر الفصول، يوشح أعيادنا بملاءة المد، يدهن نساءنا بحناء المرجان، ويطري خصوبة أصابعنا متمتما: لكم غبطة الماء يا أبناء السفر.

لكن لن يمنحنا كل هذا الشرف، كل هذا الزهو، إلا في قلب الحلم الأكبر، الحلم المشترك الذي سنحلم به معا.. عندما نولد في فم الموجة.

فبرا ير 87

الدليل

غيمة تطرق بابا.. لا أحد يفتح.

لاشيء سوى أصوات مبهمة تجلجل في سكون القرميد وبين شقوق الجدران التي تسند أعمدة الغرف، جاهدة أن تخرج لملاقاة أفواه لفظتها بلا مبالاة في فجر ندي مدلل كان يلهو عابثا بأطراف ليل يهرول ليلحق، قبل فوات الأوان، بقافلة الفصول. همهمات تتضاءل بينما تحرث فضاء الحجر. تحن إلى الانتساب من جديد، غير أن الأفواه قد نبذتها منذ أعوام، ولم تعد تعرف أين تنتسب، لذلك تطفو في فراغ الحجر إلى أن تخر ميتة.

غيمة تنتظر رببثما تخفق الأبواب أجنحتها وتغادر. رببثما تفتح الشرفات أرائك الهدنة وتطرد العويل من مخدعها كي تحتفي بالغزو، في تمجد الاجتياح العظيم. تهيب بالأشياء أن تتجانس وتهتف في صوت واحد، إيقاع واحد:

حنانيك أيها الغازي المهيب.. قتلا عذبا،
قتلا جميلا، قتلا لا يضاهى نرجو،
لئلا يقال أنا متنا كالأفاعي،
بعد أن وارينا خجلنا في وحل الأسر.

لكن.. لاشيء، لا أحد.

في تلك الساعة من نهار مترع بالبرد ودخان الجواميس الواقفة ترنو إلى فجر يصعد حثيثا على درجات أفق فضي يمازح أقواس قزح مسافرة، آن تستيقظ الحظائر معا داعية قاطنيها إلى الهرج وسحل السماد الثلجي بالأظلاف والمناقير، وفوق العتبات المرمرية تغفو ما تزال الينابيع وحقول القطن. آن يتدافع الأهالي مشمرين عن سواعد النهب صوب التلال المحيطة تسلب الخشب المتساقط من غابة تثب في طيش هدهد من تل إلى تل بينما نفير الصيادين يطارد الفرائس من دغل إلى دغل ومن كمين إلى كمين. آن ينثر الثلج فتات خبزه الأبيض، الأكثر نصوعا الأكثر شفافية، على رؤوس حاسرة إلا من عزيمة أشد وبأس أشد يسكنها حلم رأوا فيه أنفسهم ملوكا يخيطون الجسر بالجسر والمدى بالمدى ويعلنون: نحن ورثة الأشجار. بلا هوادة يشطرون الطريق بالخطى السريعة، بالخطى المبقعة بأقراص الحلم، شاخصين أبصارهم نحو الأخشاب المتدحرجة- مثقوبة برصاص صيادين مهرة ودماء حارة لفرائس تخبئ رعبها ولهاثها بعيدا عن زفير الطلقات- تدوي كدوي ظل في ضوء رخو، في مساء بلا رائحة. ويتمتمون: سيكون ليلنا دافئا.

من شق الباب تنسل الغيمة خلسة. ها هي الغرفة، ها هي الغرفة ذاتها بأشيائها الميتة مسدلة الغبار على عارها، بالأرفف التي استوطنتها العناكب، بالصور المعلقة الذائبة في ألوانها المغمورة بآجر يفترس أطرافها. والنوافذ لم تعد نوافذ: محض فجوات تطل على فضاء اسود آهل بزواحف سوداء. والشرفات طارت مع سرائرها ورغباتها المزدوجة. هي الغرفة: بكاء حلم، صراخ حيوان ليلي، بقايا ماض يلتهم ذاكرته في صخب أخرس.

في هاوية المرآة تذرف النعامة مأساتها، وبعد هنيهة تضرم في ريشها حمى الغابات وتنتحر عارية، باردة، مهجورة.

تهمس الغيمة في انكسار: هنا فقدت نصف شعبي. لن أكون دليل أحد بعد الآن

سبتمبر 86