إيتل عدنان
(لبنان)

ترجمة: فواز طرابلسي

إيتل عدنانتربية
هي دوما مسألة تكرار وخصي، وطاعة ورفض، وتعلم ونسيان، ومقاربات وأكاذيب مقوننة، وخلاص ثمنه الخراب.

شغل
عن نوافذ على شجرة وحيدة، وأحلام بقبلات في الغد، ومسألة ملصقات عليها نجوم مثقوبة، وجوع إلى مزيد من الشوكولاته والى خبز اقل، وعن أيد تعبث في جيب طفل آخر، وساعات طويلة تحت زخ الأمطار، وتخويض في الأحذية و"الغالوشات" (1)، وغيوم تسافر عبر اللوح المدرسي، وسرير مستوحد في ابرد زاوية من الغرفة.

الشخص ذاته
والآن، اسمعني: وقفنا عند التقاطع عينه خلال زحمة سير مخيفة. السيارات مغبرّة ومتخلعة تسير في كل الاتجاهات. ولما كانت الرؤية تداني الصفر، والطرقات مليئة بالحفر امتلكني القلق. نهر من البشر يملأ الطرقات بكثافة ويسير بانتظام. أين المصنع؟

ننعطف في العطفة الغلط ونتحرك ببطء حلزونة في زقاق واضح انه لم يعمل لتسير فيه السيارات. الحوانيت تفيض بالسلع، والأثواب، والأحذية و... الحلويات! ان عبقرية الشرق في صنع الحلويات تبلغ هنا ذروتها.
غادرتُ السيارة، مع انها كانت تعرقل السير، وقد فقدت السيطرة على إحباطي. اعرف أني أسير في طريق مسدود. ثمة أنوار خافتة أمامنا، وحشود اقل كثافة، وصمت زاحف. أواصل السير. يتعقبني يوسف. والآن، أنا وحدي والأزقة استحالت متاهة. باتت الظلمة كاملة هنا. والأرضية مصنوعة من حجر أملس مثل الصابون. لا أزال استطيع تمييز الجدران التي تلامس كتفي. واني أقارب الذعرَ ولكني احبس أنفاسي وخوفي. لا مفر إلا في خيالي، وخيالي تشتعل فيه النيران.
أواصل السير في اوذيسّتي. لعلني بلغت تحت سطح الأرض وأنا ابحث... أنا اورفيوس.
اسمع موسيقى. لماذا يحتاج اورفيوس إلى موسيقى؟ هل توسع الموسيقى آفاق الخيال؟ هل تمدد نطاق الحواس، فتحيل أضيق الأمكنة إلى بحر محيط؟ يعزف اورفيوس موسيقى ويغني: ففي عُرْفه ان اللغة العادية ثقيلة مثل الرصاص. انه ينشد أغاني شعبية إغريقية قديمة. انه يبكي. والمتاهة تسمع لا أغنية بل ندبا. فيدرك اورفيوس إذاك انه دخل مدينة محرمة وان يوريديسي تسكن في مستوى أعمق، في الهاوية، في المجهول.
يواصل بحثه وهو من معدن الآلهة ولكن بلا طائل. يتقدم ممدود الذارعين يتلمس شبحا يتقدمه في مملكة لم تصبح في متناوله بعد.

لماذا يصر اورفيوس على مواصلة سعيه الخائب ان لم يكن لإدراكه ان الأوان قد فات؟ وان المتاهة التي دخلها لا مخرج منها. فهي تنهار خلف كل من يتجرأ على السير في سراديبها.
على انه لا قدر له إلا ان يواصل السير مناديا يوريديسي. يكاد يفقد صوابه. كل ما تبقى له هو ظل خياله يقوده نحو المزيد من الظلمة والمزيد من اليأس. انهارت المتاهة نهائيا الآن. لم يبق منها اثر. والنور الذي أشاهد أمام موقعها الدارس اقتل من الفراغ.

أسلاك
ساحرة تروي لأطفال قصصا مكربة، مثل قصة شخص تكبر رجله داخل حذائه فيما هو يعد الأرقام، أو أخرى عن شخص يقضقض الجبال بمجرد النظر إليها. تجمع الجيران وقرروا حبسها في منزلها. ختموا بابها الأمامي بأسلاك معدنية رفيعة.

مناخ
مع تقادم العمر، يحل الشتاء.

مكان
الساحة الصغيرة مبلطة على الطريقة الرومانية. تحدق بها أشجار تين. وعلى مسافة ليست بالبعيدة، دوالي معرشة. الأرضية مبلطة بأحجار مسطحة مخططة بأطياف قرنفلية اللون كأنما الكثير من الخمر قد سكب في عروقها.

ناس
هذا الفتى جديد عليك. ينعش حواسك بحضوره. وأنت تودين ان تستوعبي كل ما يقدمه إليك، مثل لص، مثل حوت، مثل عاشقة.

منزلي، أنفاسي والنافذة
أنهكني الحوار مع أناس من الماضي قد غادروني لتوهم. أتمنى ان لا يعودوا أبدا. ولكن، هل سوف يحكم علي اذذاك ان اقضي باقي العمر انظر إلى العالم من خلال نافذتي.؟ كل ما أراه الآن بقعا من نور الشمس.

سياسة
امتزجت صورته بغيوم المساء الملونة. رجل يستلقي على جذع شجرة مانيوليا. جاءت امرأته حاملة قصعة ارزّ. انه متأكد من انها تحبه. فيبتسم. ولكن هي كل ما تريده ان تنكح وتقتل.

معطيات حيوية نهائية
تنتشر الفوضى بسهولة فوق القارات، وأسئلة الهوية تذوب في أنابيب تُمتحن فيها إراداتنا. تعلو أمواج الحرارة وتدمر قابليتنا على استخدام أطرافنا من دون الم. نتشبث بذاكرة الضوء نحنّ إلى أشجار الليمون والكُمْكوات. يقال لنا لا تصدقوا حكايا الحسد المعتادة، لقد توقفت الآلات. والهدوء لا يبشر بمجيء جموع فرحة. التحلل ظاهر حولنا. والانتصار ظاهر هو أيضا. انتزعوا القلب من قفصه وهو لا يزال ينبض. تمنينا ان يتسارع الوقت فقذف بنا لنرتطم بشجرة.

تربية
لو احتجتُ إلى برهان كامل على ان سجن المرء بيته، لاتخذتُ منزل مالاارتي في خليج نابولي برهانا. نعرف ان الكاتب صممه ناقلا تصميم كنيسة صقلية قائمة في جزيرة ليباري حيث سجن لسنوات خمس بناء على أوامر موسوليني. والبيت نفسه جزيرة قائمة على جزيرة. على تلة صخرية منيعة امّن مالاارتي نوافذه بقضبان حديد.
وإذ يقف المرء هناك يتعلم بوضوح لا يطاق ان المشهد البحري الأكثر انفتاحا يصير بسرعة عامل العزلة الأشد وطأة الذي يختبره المرء.

شخص آخر
كان اورفيوس يدير متجر موسيقى يبيع فيه أشرطة الفيديو لمراهقين ويعرض أحيانا، في غرفة خلفية، أفلاما إباحية لبالغين شاذين.
وذات عصرية، دخلت صبية المتجر وسألت عن أورا "اورفيوس ويوريديسي" لغلوك. وجد لها القرص المدمج واراها إياه لمست يده يدها فاحمرت وجنتاهما. حدّقا واحدهما بالآخر بانفعال. شعرا كأنهما قد تحولا إلى حجر كانا يرتعدان من التأثر. أخيرا، تحررت هي من السحر. فأخرجت من كيسها بعض المال وانقدته إياه وغادرت.
نظر طويلا في الفضاء الذي كانت تحتله للتو فأصيب بالرهبة. غمر جسده دفء غريب. كان لا بد له ان يخرج. رمى بنفسه في الشارع بعد ان اقفل متجره.
هام على وجهه لفترة من الزمن، ثم زار عددا من متاجر الموسيقى وتوجه إلى الشاطئ حيث حيا معارفه من الصيادين. بدأ نظره يشحب. فكر: البشر، السيارات، الأبنية كلها نافلة.
دخل أحياء صيدا القديمة وأزقتها التي تمتد مسافة أميال، تحولت الجدران إلى أمواج لأن مخيلته كانت تحترق. تناول الناي الذي حمله معه منذ مطلع رحلته وراح ينفخ فيه برفق. تلاعبت أزقة المتاهة بحاسة التوجه عنده. كانت المتاهة تمتصه مصا. ومع ذلك فقد واصل العزف. كانت الموسيقى تولول. وهو يتضرع إلى الله ان يساعده. لم يلق جوابا، فأقلع عن الصلاة. وغمره شعور بالوحشة الكاملة.
عزف لحنا من أورا "اورفيوس" لغلوك ونادى: "يوريديسي! يوريديسي!".
ارتعدت الجدران وكانت أصداء صوته تشوش على ذهنه. لقد دخل ميدان اللاعودة، الممر إلى اللامكان... وقال لنفسه انه بسبب بحثه عنها سوف يتعذر عليه ان يلتقيها مجددا. وفي آخر فعل تذكر، تذكر ان كل خسران إنما هو نزول إلى الجحيم.

الشخص الأول
في تلك الأثناء كانت قد ذهبت إلى منزلها وأودعت القرص المدمج في درج وأقفلت عليه بالمفتاح. ثم قادت سيارتها إلى حافة الغابة على طريق أوصلتها إلى الجبل. وكان يوم ايلولي رائق عندما دخلت الغابة...
رحبت الصبية بالأشجار ونضارتها. كانت أشجار أرز. دخلت الغابة بيقين ان أحدا لن يتعقبها إلى هناك. وجدت مسلكا عبر الغابة، لكنها تخلت عنه لصالح المساحات غير المخططة. وفيما هي تواصل سيرها كانت الغابة تزداد كثافة. سمعت اصواتا ولكن لا يعقل ان تكون أنغاما موسيقية...
رغبت في ان تبقي صورة الشاب في متجر الموسيقى حية، زاهية... سمعت موسيقى غلوك في رأسها وفكرت ان الاورا هي غابة، في قمة كل شجرة منها صوتٌ، كلمةٌ، نغمٌ.
استسلمت للنوم. لم تأبه لفكرة انها قد تموت في نهاية المطاف من العطش والجوع. فكرت: ربما كانت الغابة هي الجنة الموعودة.
بعد أسابيع قليلة أو هكذا خيل لها شعرت بالوهن، لن يكفيها قليل من الماء وبعض التوت البري المخبأ تحت أشجار الأرز للبقاء على قيد الحياة. اعترفت انها على الأرجح لن تسمع الموسيقى التي اشترتها.
كان الشاب يرافقها في مخيلتها. عاشا معا في الغابة، عاشا معا في غيابه. وكانت تلك هي الغرابة في الأمر. أفزعتها كلمة "حب". انها شديدة الإنذار بالشؤم.

قد فات الأوان. فحتى لو عثر عليها الآن، فسيعثر على امرأة تحتضر. ولو هو نجح في إعادتها إلى الحياة فسيكون ذلك ليعيش قرب كائن عرف الموت... سوف يكون الموت أبدا بينهما، مثل وباء يلوثهما كليهما. ان هذه الصبية محكوم عليها بالهلاك.
لفت انتباهها صوت ما، سحابة دخان، وتمايل إبر أشجار الصنوبر، غيمة قاتمة تطير بمحاذاة سطح الأرض، وهي أدركت ان ثمة حريقا، ان الغابة تحترق وإنها نفسها سوف تحترق قريبا وتتحول إلى رماد وتختفي دون ان تترك أي اثر.

تفاح بيتي
عصر ديانيسيوس بذور التفاح في الخمرة القاتلة. واحتسى الجرعة الجنائزية. وقبل ان يموت رأى صبايا يذقن الخمر ويتوهجن مثل الثمرة الحاملة للسم التي نأكلها بلا اكتراث.

كنيسة
البحث الدرامي والخائب إلى حد كبير عن الماضي يقض مضاجعنا ويعتم على حاضرنا. ومع ذلك، فقد عبرت المحيطات لمجرد ان استعيد ذكرى يوم عيد الفصح من أيام طفولتي. سرت في الشارع المؤدي إلى المدرسة خلف الزاوية حيث يقع بيتي، وجلست في مقهى ورأسي بين يدي انظر إلى البحر دون توقف ثم تركت لجسدي ان يخر من التعب والألم...
فجأة، ذات يوم، طارت النسمة أفقية، ولامست أذني، ولفّتني، فارتعدت وخفق قلبي، وانكمش يخبئ نفسه، ثم شعرت بانعدام وزن وبانعدام حس، فتهت بين ذات ولا ذات. فصرت مادة حية مجردة، وجودا غير قابل للتحديد، فإذا النسمة تغير اتجاهها وأخذت تهب برفق في الجهة المقابلة، حاملة "القيامة المجيدة" حاملة ذاك "العيد" المميز كاملا، بموقعه ومناخه، إلى حاضر روحي. فاختبرت التزامن بين ماض وحاضر، وعشت أعجوبة ان أكون طفلة وبالغا، بريئة ومع ذلك شديدة الوعي، كنت في نيسان وفي كانون الأول وفي واقع مطلق لا تجريد له. وبدا المناخ ذاته كأنه الروح في اللاهوت الإغريقي. كنت أتنشق الهواء كطفلة وكامرأة بالغة في مناخ ازدوج إلى ربيع وشتاء، مثلما أنا مزدوجة واختفى هذا كله ما ان لاحظته.

شغل
آخر يوم من أيام رمضان هو يوم عمل كالمعتاد. على ان الصوم استنزاف الأجساد والأرواح. والتجار سعيدون بأن يقفلوا متاجرهم وان يذهبوا إلى بيوتهم حيث يشعرون بالقداسة

النهار الثقافي
الأحد 27 آذار 2005


إقرأ أيضاً: