راسم المدهون

منى وفيقالمغربية الشابة منى وفيق عرفناها من خلال مجموعتها القصصية الأولى "نعناع وشمع وموت" ، وفيها عزف ناعم وبالغ الشفافية على موضوعات ومواقف إنسانية جزئية نجحت الكاتبة في توظيفها بلغة حميمة ، خصوصا وقد حملت القصص مشهديات اعتمدت على جماليات خلق مناخ يعيد تصوير المشهد المتخيل ويحسن بثّه في سياق جملة قصصية موحية وذات إيحاءات عالية.

كتاب منى وفيق الجديد "فانيليا سمراء" (منشورات دار الأزمنة – عمان – الأردن- 2008) جاء في فضاء مغاير تماما . تقدم منى وفيق في "فانيليا سمراء" قصائد نثرية ، تفضل هي أن تسميها نصوصا ، تاركة لنا نحن القرّاء تسميتها كما تشاء لنا ذائقتنا.

قراءة الكتاب الجديد تفتح رؤيتنا على عالم آخر ، عالم يزدحم بصور ومشاهد تراها حدقة العين عابرة ونراها في النصوص عوالم متكاملة ومفتوحة على الهاجس الفردي ، الذي تضيف إليه منى صورته كما تتبدّى من روحها ومن مخيلتها. الكلام في نصوص "فانيليا سمراء" يقارب وقائعه اليومية ولكنه يفارقه بعد ذلك منتحيا زوايا قصيّة فيها الكثير من وجد الشعور بالوحدة والاغتراب وما فيهما من قسوة :

"هناك في الثلاجة رقم 42
كلية وحيدة
بؤبؤ أصفر
جلد أزرق
هي كل أشياء البنت مليكة
مليكة التي أخرجت لعزرائيل عكازيها الرماديين
قبل أن تسرق
وفي غفلة منا
مفتاح الباص المتوجه إلى الساعة الكبيرة".

في القصيدة السابقة ، المكتوبة عن رحيل الأديبة المغربية الشابة مليكة مستظرف تقدم منى وفيق لغة مباشرة ، تذهب نحو موضوعها دون تلكؤ ، ولكننا نلمح رغم مباشرتها جموحا عاصفا لامتطاء الصورة الشعرية بالحدود القصوى. الصورة تأتي –غالبا – مزيجا من الفانتازيا والعبثية التي تحسن التعبير أكثر من المفردات الواقعية.

هنا بالذات نلمح قرابة وشيجة وعميقة بين نصوص منى الشعرية وبين الشجن بمعناه الإيجابي المغمّس بفنيات تندلع من إحساس عال بالأفكار والموضوعات ، فالجملة الشعرية تأتي منسوجة من رغبة واضحة في الوصول الى "حالة" ما ، حالة تصلح أن نسمّيها مناخا نراه يخيّم على القصيدة ويمنحها خصوصيتها.

في قصيدة " كانت.. ريحا" نقف على لوحة أسى تكتبها منى وفيق بتحديدات بالغة الصرامة تجعلنا نتوغل معها في عالم نعرفه حقا ، ولكننا نعيد اكتشافه من جديد. هي قصيدة ذات ظلال تتدرّج وتوميء لنا بما في الروح من مساحات مجهولة تنفتح حين تنفتح على ألم يتجدد ويتناسل :

"الريح التي تناست أن تحبو
لم يكن لها ردفان
لم تكن كفنا من القمح..
الريح التي أمسكتها بدبّوس واحد
لم تكن راقصة شرقية
ترتدي قبعة جاك سبارو
وتسرق الكحل من عينيه".

في نصوص عديدة من كتاب منى وفيق الجديد "فانيليا سمراء" نتجول في حقول الدهشة الممزوجة بالحلم. نحن هنا إزاء قصائد سريعة ، ربما كتبتها صاحبتها على عجل ، غير أن ذلك لا يبدو لي ذا أهمية على الإطلاق ، إذ هي قصائد تنصت لما في المسافة الفاصلة بين الروح الفردية وبين العالم بضوضائه وصخبه وبما فيه من علاقات مشوهة ووقائع تبدو عصيّة على التصديق ، تلتقطها منى بكثير من الاعتناء ، وتعيد صياغة صورتها بلغة بسيطة ، مباشرة ، نضرة ، وممزوجة بالعاطفة . هي أقرب إلى لغة الحياة اليومية "الدارجة" في الوعي العام ، ولكنها في الوقت ذاته تكتسب دلالات أخرى ، وملامح مغايرة تدفعنا لملامسة تخوم عوالم شعرية نجحت منى وفيق في جعلنا نعيش معها ونندمج في تفاصيلها إلى الحد الذي يجعل ن "فانيليا سمراء" أقرب إلى شهادة وجدانية جارحة وبالغة الشفافية على عالم مأزوم ومثقل بفوضاه ولامعقوليته ، عالم يرصده الشعر في تحولاته ، ويرصد معه لحظة الكتابة ذاتها بوصفها لحظة خلود الألم .

منى وفيق في "فانيليا سمراء" تنتحي زاوية قصية ، هادئة ومترعة باللوعة كي تكتب لنا من هناك تجليات حزنها بلغة عذبة وعابقة بالأسى الجميل ، الأسى الذي يجعل الألم قصائد قريبة من الروح.

14-9-2008