إطلالة من حواف النهائي
بات تقليديا تماما أن يستبق المترجمون وعي القارئ وفكره فيطلقون على عملهم نعت "الخيانة" حين يتعلّق الأمر بالشعر. هي "عادة" باتت لصيقة بكل الترجمات، ومع ذلك ثمة وعي عالمي، آسر ومفعم بالشهوة وفي تزايد وجموح متصاعدين إلى المزيد من تلك "الخيانات الجميلة"، ذلك أن الشعر إذ هو صنو الألم الإنساني وصنو الأحلام البشرية أيضا يظل راية تلوح في أفق البشر بلغاتهم المختلفة، كما بحواسّهم المتباينة. ولأنه الشعر، تلك النار الأبدية التي تخفت ولا تنطفئ، يتعجّل الوعي، كما تتعجّل الرغبة خطواتها كي تلحق بخطواته المزروعة على دروب العالم، في أفيائه وجباله، في أصيافه وشتاءاته، فمن هناك يمكن الترجمة، تلك "الخيانة الجميلة" أن تقطف ما يجعلنا نقترب ولو قليلا من نوافذ الأحلام ومن عدسات القلوب كي يمكننا رؤية الألم ورؤية الحلم معا.
هنا بالذات يبدو الشعر الأسوجي غائم الصورة، نائيا عن وعي قارئ اللغة العربية بميراثه الشعري واللغوي البالغ الخصوصية والثراء، وهو في نأيه وغموض صورته يستحث "الخيانة الجميلة" أن تتقدم كي تكتب سفرها.
هذه الانطولوجيا من الشعر الأسوجي خلال العقود الأربعة الأخيرة، تفتح باباً لولوج باب يفضي بنا إلى "حديقة الألم" التي عاشت فيها مجموعة من الشعراء الأسوجيين المعاصرين كي نقارب حساسياتهم الشعرية وطرائق نظرهم إلى العالم والحياة في تلك البلاد التي تقف على قمة خريطة كوكبنا أو تقف – كما يقول معدّو المختارات ومترجموها – عند "حواف النهائي"، تلمع ببياضها الثلجي، وتنغمر برغبات صغيرة وهواجس حميمة لرجال ونساء اشتعلت في قلوبهم وشرايينهم نار الشعر، فكتبوا أحلامهم، ورسموا صور أحزانهم بلغة تفيض بالمعنى وتفيض عن المعنى مرات أخرى.
الشعر الذي يقدمه كتاب "إطلالة من حواف النهائي" لواحد وعشرين شاعرا أسوجياً ليس هو الترجمة الأولى من الشعر الأسوجي إلى اللغة العربية، ولا نظنه سيكون الترجمة الأخيرة، لكنه مع ذلك يحمل خصوصيته الجميلة إذ هو يقدّم تجارب شعرية كثيرة نسبيا، ويرسم في الوقت ذاته ملامح من الشعر الأسوجي الراهن. أي أنه يأخذنا إلى لحظة "الحداثة الشعرية" في تلك البلاد "العالية"، ثم أنه في تنوعه يقدم ارتعاشات قلوب الرجال والنساء في زمن العولمة والحداثة وما بعدها، أي في ذلك الحيز من الزمن الذي تتعالى فيه أوهام موت الشعر وتتحوّل إلى ما يشبه "يقينا" صدئا عند البعض. قصائد الكتاب هي في جانب منها دعوة مفتوحة، حارّة وزاهية بالألوان لقراءة عالم أولئك الشعراء والشاعرات، ومطالعة خفقات قلوبهم والتعرّف الى حساسيات الحب وخطوط الحزن، تلك التي تجعل الكتابة الشعرية محاولة أبدية لا تهدأ ولا تموت من أجل القبض على لحظة التوازن في عالم يعج بالفوضى وتتأكله محنة اللاتوازن.
هي إذاً قصائد من "حواف النهائي" يأتينا بها الشاعران العراقيان جاسم محمد وإبراهيم عبد الملك اللذان أنجزا الخيارات أولا ثم الترجمة بكل تلك الأناقة اللغوية وبكل ما اتسمت به من مقاربات شفّافة لمناخات القصائد الأسوجية وفضاءاتها وآفاق وعي شعرائها، وبتقديم من الشاعر والروائي المعروف والمتميز سليم بركات المقيم هناك عند "حواف النهائي" منذ أكثر من عقد ونصف عقد من السنوات.
على جانب كبير من الأهمية أيضا نقرأ الدراسة النقدية الجادة التي وضعها الشاعر الأسوجي ماغنوس وليم أولسن والمترجمان في نهاية الكتاب. أولسن الذي يقدم رؤيته النقدية لزملائه الشعراء الأسوجيين هو أحد فرسان هذه الانطولوجيا الأهم والأكثر شاعرية، وهو أيضا أحد أبرز المهتمين اليوم بتحقيق علاقة ما مع الشعر العربي، وهو الذي كان قبل أقل من شهر على رأس مجموعة من الشعراء الأسوجيين زاروا دمشق وأحيوا عددا من الأمسيات الشعرية بدأت في "بيت القصيد" الذي يشرف عليه الشاعر السوري لقمان ديركي، ثم في "محطة الحجاز" للسكك الحديد، وهو كذلك أحد الذين يؤسسون اليوم "كارافان الشعر" الذي سيجوب بلدان الشرق الأوسط قريبا ليقدم أمسيات شعرية لشعراء من أسوج والدانمرك وفنلندا والنروج، وهو المشروع الذي يشرف عليه عربيا الشاعر الفلسطيني الشاب خالد الناصري.
في تقديمه لقصائد الكتاب يقول الشاعر سليم بركات: "شعر أهل الشمال النهائي انتقام من الهدوء "اللامنصف"، شريك الوحدة المعذب، امتداح للناريّ في جمرة الجليد. لا شيء يبدو باردا. لا شيء يبدو دافئا : ثمّة إقامة في الشعر كعزلة، أو توثيق للشعر كعقد ممهور بختم العزلة النبيلة، عدل الكلمات يتدبّر الحكم بين كلمات لا تتهوّر كثيرا، وبين المشهد منقسما على نفسه في حصار "الشاعري" للشعر داخل الشعراء، حصار حرّ لا يقوّض المحاصر بل يستصلح فيه دفاع التأمّل على جبهات الألم الفسيح".
انطولوجيا الشعر الأسوجي "إطلالة من حواف النهائي" (منشورات دار المدى بالتعاون مع المجلس الأعلى للثقافة في أسوج، دمشق، 2008) يغامر بالتنقل بين أجيال شعرية مختلفة، وفي مغامرته نقرأ قصائد لعل أبرز ملامحها فنيا البناءات الشعرية البسيطة والتي تقوم غالبا على التعبير عن الحالات الفردية، الخاصة والبالغة الإنسانية لأصحابها.
لا ينطلق شعراء هذه الانطولوجيا من "قضايا كبرى" هي دوما خارجية وذات ضجيج، لكنهم يذهبون مباشرة في اتجاه أحزانهم الشخصية وحبهم للحياة. إنهم يشبهون أمثالهم من شعراء الكوكب، ولكنهم يتميزون عنهم بالتوقّد الحار في مجابهة برودة الشمال وما يلوح معها من رياح الكآبة والصمت الثقيل. هم يكتبون وفي وعيهم وأحاسيسهم قوّة مقاومة لا تتوقف عند الطبيعة القاسية وآلامها، بل تذهب أيضا نحو مناوشة الراهن من أحزان العالم كله، ولكن من خلال ذواتهم الفردية وحالاتهم الإنسانية. لعلّ هذه النقطة بالذات هي السمة الأبرز للقصائد حتى حين يكتب الشعراء مشاعرهم العاطفية والجسدية. إنهم ينتمون بكليتهم إلى الألم البشري العاصف ولكن من حدقاتهم الخاصة.
تقول الشاعرة كريستين فالكنلاند في إحدى قصائدها: "الأشياء تعتم: اقترب/ سمحت بانشطاري/ وأنت لست معي/ في قاع البئر/ وحدة جسدي/ الذي كنته بختم لم يفض/ أوصد الأبواب في الحلم لك/ أيام الراحة ترصف بعضها جنب بعض/ لا أستطيع العودة إلى هذه النقطة/ هذا البكاء لا نفع فيه/ انكسار، انكسار فحسب/ السماء التي كان بالمستطاع تصويب النظرة إليها".
أما ماغنوس وليم أولسن فإنه يكتب مباشرة من قلب العلاقة مع المرأة التي تعيش مثله أسر الطبيعة القاسية وأحزان الزمن الراهن: "نامي كاسندرا، نامي/ كما ينام أطفال ثيستا عند/ باب المنزل الرمادية كشخوص حلم غامضة/ كوني قاسية على الموت وصوره/ كوني قاسية على المظاهر الساهرة للكلمات/ كوني قاسية على الزمن/ نامي كساندرا، نامي وانسي".
هذه الانطولوجيا تفتح باب التعرّف الى تجربة شعرية بعيدة عن القراءات الشعرية العربية المألوفة لشعر العالم، فهي تأتي من شعر بالغ الخصوصية، وتقع في واحدة من لغات العالم البعيدة عن حركة الترجمة والنقد والتفاعل الأدبي مع ثقافات العالم الأخرى، لأسباب كثيرة لعلّ في أهمها ندرة مصادر الاتصال العربية معها، وهو ما يجعل أي ترجمة من الأسوجية الى العربية تحظى بجاذبية خاصة تعكس الاهتمام والتطلع المتزايدين في صفوف المثقفين العرب للتعرّف الى الشعر العالمي خارج مناطقه "القديمة" أي تلك الوافدة من بلدان أوروبا الغربية والوسطى ولغاتها.
النهار