سعد الحميدين
(السعودية)

في نهاية اللقاء الذي دعا إليه «المركز الثقافي المصري» في باريس وجمع الشاعر المصري أحمد عبد المعطي حجازي والشاعر اللبناني عباس بيضون وكاتب هذه السطور، تكلم عباس بيضون بما يشبه رثاء الشعر، وتحدث عن الشعراء الحاضرين فاعتبر أنهم إنما يودّعون الشعر بنبل وعزّة، ذلك أنّ الزمن الذي نعيشه هو، بحسب رأيه، غير شعري بامتياز. حتى الجمهور الذي تواجد في المكان نظر إليه بيضون نظرة خاصة ورأى أنه، هو أيضاً، جاء للمشاركة في الجنازة... جاء كلّ هذا الكلام الختامي بعد أن كان قرأ الشاعر أمام الحضور بعضاً من أجمل قصائده النثرية.
كان ردّنا على عباس أنّ الشعر يعاني وقد يكون أكثر من يعاني، لكنه ليس وحيداً على حلبة المعاناة. كلّ ما صنع مجد الثقافات منذ الإغريق حتى اليوم يشهد تحولاً في عالم تحكمه أكثر فأكثر معايير السوق، المادة والاستهلاك...

لم يفاجئني كلام عباس بيضون ، فالزمن ليس زمن شعر. والمفارقة أنّ الشعراء أنفسهم نزلوا من قطار الشعر، وإلاّ فما الذي يفسّر أنّ ثمة شعراء، وبعضهم من الرواد، لا تتمكن مجموعاتهم الشعرية من أن تبيع أكثر من نسخ محدودة. «أربع خمس نسخ»، كما أسرّ إلينا، بخبث، أحد الناشرين. وهذا يعني أنّ الشعراء أنفسهم ليسوا من قراء الشعر، ويكتفون، في أغلبيتهم، بقراءة أنفسهم.

هل يُعقَل أن يكون الشعر يتيم القراءة إلى هذا الحدّ؟ وحدهم الشعراء الذين تحفل بهم «جهة الشعر» التي يشرف عليها الصديق قاسم حداد، وحدهم لو تحرّكوا، لأحدثوا رجّة في المجتمع العربي. ولو التقوا حول فكرة واحدة تعني الشعر لاستطاعوا أن ينقذوا الغريق من الغرق. ولو تحرك قسم منهم فقط، لكانوا فرضوا على الناشر بعض شروطهم بدلاً من أن يفرض عليهم هو شروطه، ويهرب كما الحال الآن من طباعة كتبهم لأنه يعتبرها بضاعة كاسدة.
أظنّ أنّ المشكلة أبعد من ذلك بكثير. وليس جديداً القول إنّ مشكلة القراءة هي أحد التحديات الأساسية في علاقة العرب ليس فقط مع الشعر وإنما أيضاً مع العلوم والمعارف الحديثة، أي مع الثقافة ككلّ، وهي ناتجة عن مشكلة جوهرية سياسية وتربوية وثقافية على السواء. ولا حاجة إلى ذكر الإحصاءات التي تكشفها مبيعات الكتب لمعرفة نسبة القراءة عندنا. ولا حاجة إلى معرفة عدد النسخ التي تباع في المكتبات العربية من كتب الروائي نجيب محفوظ الحائز على جائزة نوبل للآداب... وطالما فكّرتُ، في هذا المجال، في مشروع «كتاب في جريدة«: معناه والجدوى منه في عالمنا العربي. فلمن تطبع ملايين النسخ؟ وماذا يحلّ بمواعين الورق التي تستعمل لإنتاجها؟ وهل ثمة من ينتبه ولو من باب الفضول إليها قبل أن تأخذ طريقها نحو المزبلة؟
أظن أننا بلغنا مرحلة ما عاد يعنينا فيها شيء. حتى لو ألقيت في شوارع بيروت ودمشق والقاهرة وغيرها من العواصم العربية أمهات الكتب العالمية من المتنبي ودانتي وثرفانتس وفيرجيل وسقراط ونيتشه وفولتير وديدرو ورامبو وبودلير وريلكه وهولدرلين... لن يلتفت إليها أحد، ولن ينحني أحد لرؤية أغلفتها وقراءة عناوينها...

غياب الشاعر والمترجم جان غروجان

بعض البشر لا يكون غيابهم كسائر البشر، لأنّ حياتهم تكون مغايرة وتكون كثيرة. من هؤلاء الشاعر والمترجم الفرنسي جان غروجان الذي عرفه العالم العربي من خلال ترجمته للقرآن الكريم والتي صدرت عام 1979، وهي إحدى أجمل الترجمات. وقد ترجم التوراة أيضاً في صيغة راقية جعلته أحد أبرز مترجمي العهد القديم. وكان إلى ذلك أحد الوجوه المهمة في دار «غاليمار» الباريسية.

جان غروجان من مواليد 1912 في الثلاثينيات من القرن الماضي أجرى فترة التدريب العسكري في لبنان، فزار سوريا وفلسطين ومصر والعراق. كان صديقاً لأندريه مالرو الذي ساعده على طبع كتابه الأول في دار «غاليمار» عام 1946 وكان عنوانه «تحولات». ومنذ ذلك الحين أخذ ينشر في تلك الدار وأصبح أحد أعضاء لجنة القراءة فيها.
إضافة إلى الترجمات التي قام بها للنصوص الدينية الكبرى، تستوقفنا نصوصه الشعرية الزاهدة، وتلك النصوص النثرية المدهشة التي بدأت تصدر في السبعينيات ولغاية التسعينيات وتروي، بطريقتها الخاصة، سيرة وجوه تطالعنا في العهدَين القديم والجديد.

جان غروجان كان ممسوساً بالجمال، وبكثافة قلّما طالعتنا عند مجايليه. هذه الكثافة يعبّر عنها هو نفسه حين يقول: «اللحظة الشعرية هي اللحظة التي تبلغ فيها اللغة كثافة شبه عمياء»... كأنما يقول إنها كثافة قَدَرّية، طالعة من الأعماق، وثمة مَن يوجّهها في الخفية.

ولا ننسى أنّه أسس مع الروائي لوكليزيو عام 1990 سلسلة جديدة في «غاليمار» عنوانها «فجر الشعوب» التي صدرت عنها النصوص المؤسِّسة للحضارات الإنسانية. وظلّ جان غروجان منكباً على العمل والكتابة حتى النهاية وصدرت له في السنوات الأخيرة عدة مجموعات شعرية منها «لمعان الأيام»، و«ضجّة المواكب» التي صدرت العام الفائت. وإذا كانت هذه الكلمات القليلة التي تركها وراءه تعبّر عن شيء فإنما تعبّر عن عذوبة في الرؤية وعن حكمة ينظر من خلالها إلى الأشياء والحياة بتفهّم نادر وبسكينة لا تخلو من كآبة. وهو، في هذا الصدد، يقول: «سواء قرأنا كتاباً أو كتبناه، ينبغي أن يكون قابلاً للذوبان في الواقع. مع قراءة كلّ صفحة، علينا أن نرفع أعيننا نحو العالم أو ننحني فوق ذكرى للتأكّد من صحّة ما نقرأ».
قراءة جان غروجان هي من هذا النوع الذي يوسّع الأماكن ويلمّع الآفاق من حولنا ويساعدنا على فهم العالم وجعله جديراً بأن يعاش.

رجوع