سامية سلوم
(سوريا)

مقدمة:
ابراهيم اليوسف

تأتي رسالة الماجستير للصديقة ـ سامية سلوم ـ لبنانية الأصل، والمعنونة بـ: "الصورة الشعرية عند سليم بركات من خلال ديوانه طيش الياقوت" تحت إشراف د. سامي سويدان، الناقد والمدرس المعروف في جامعة بيروت، شهادة جديدة من قبل ناقدة وشاعرة عربية، لفت انتباهها إبداع شاعرنا سليم، فأحبت أن تدرسه، فكان أن ركزت على إحدى مجموعاته الشعرية التي يبلغ فيها التفكيك ذروته، وكانت المقاربة من هكذا ـ دراسة ـ من قبيل المخاطرة، بل والمغامرة، لا سيما أن الدراسة لم تتناول رواية ما، ولا نصاً سيروياً من نصوصه، بل مادة شعرية هائلة يتهيب قراءتها حتى من يزعم فهم هذا الشاعر المائز....

و أتذكر كيف أن الباحثة سامية سلوم كانت تعيش حالة ـ سليمبركاتية ـ ضمن محور طيش ياقوتي..!! الأمر الذي دفع بها إلى أن تجيء من قريتها المشيرفة على الحدود السورية اللبنانية ( محافظة حمص )، القرية التي سكنتها بعد أن ذرذرت أسرتها الحرب الأهلية في لبنان، إلى مدينة القامشلي، وتمكث أسبوعاً في مسقط رأس الشاعر، تقرأ بسرعة غريبة ما أقدمه لها من مراجع موثوقة، حول سليم بركات، أزعم أنني أحد قلة ممن يمتلكونها، فتسهر الليالي الطوال، تسألني عن معاني ألفاظ كردية، أو دلالات أسطورية كردية، كي تقول على طريقة ارخميدس في كل مرة: لقد وجدتها...

ولا أنسى كيف أن هذه الفتاة المجتهدة طلبت مني أن أدلها على المنزل الذي تربى فيه سليم في المدينة، فمضينا إليه، لنجد أناساً غرباء فيه..!!،
فصارت سامية تسير بخشوع وتؤدة في حرم هذا المنزل وكأنها في معبد أسطوري...! لتأتي بعد ذلك، وطوال السهرة التي أعقبت هذه الزيارة تستعرض أمامي رائحة ذلك المكان، تستقرئه بهيام عال. باختصار، لقد تناولت سامية سلوم احد نتاجات سليم الصعبة جداً، كان يحدوها إلى عالم هذا الشاعر عشق أقرب إلى الصوفية. ولقد استشرت الأخت سامية بنشر دراستها كاملة في موقع عامودة الإنترنيتي ـ بناء على اقتراح الأخ سيروان حاج بركو منذ وقت طويل، فوافقت على ذلك، كي يكون في متناول القارئ والدارس لنتاجات وإبداعات شاعرنا وكاتبنا سليم بركات الذي نعده نقطة مضيئة في مسيرة الإبداع الكردي والإنساني على حد سواء.

وأخيراً أود أن أبين أن هذا المخطوط لما يطبع لضيق ذات يد الباحثة، رغم أنها تشتغل الآن على مشروع رسالة الدكتوراه متناولة خلالها ثلاثة شعراء عمالقة هم: أدونيس ـ سليم بركات و محمود درويش.
تحية الى الباحثة المتميزة سامية سلوم، مع تمنياتي لها بالتألف الدائم.

تمهيد
سامية سلوم

إن القصيدة العربية قد مرّت بمراحل عدة حتى وصلت إلى ما نعرفه اليوم بالشعر الحديث. وفي الشعر الحديث تتميز القصائد بتفردها وخصائصها الذاتيّة؛ فالشاعر له طريقته في التعبير وبها يعرض أفكاره فنيّاً عن طريق الصورة.
وللصورة موقع أساسي في الإنتاج الأدبي إجمالاً شعراً ونثراً ودورها يختلف من مكان إلى آخر؛ في الشعر دورها أساسي وممكن اختزالها في القصّة أو الخطابة أو المسرح أو أي عمل أدبي فهي لا تغير من جوهر العمل وغيابها من العمل الشعري يعتبر غياب جوهري؛ فالعمل الشعري يصبح محل إعادة نظر إن غابت، والموقع الجوهري يختلف بالدور الذي تقوم فيه الصورة من نص شعري إلى آخر ومن مرحلة إلى أخرى خاصة الحديثة (سليم بركات وغيره).

وفي الحداثة تلعب الصورة دوراً محورياً؛ والتحديث في النصوص الشعرية قائم عليها قبل أي شيء آخر، وقد قام التحديث في بدايات الحداثة على اللغة والشعرية والتراكيب والتفعيلة, وفي المراحل الأخيرة باتت الصورة أكثر العناصر التي يهتم بها الشاعر الحديث، يعطيها أولوية على غيرها؛ فهي تحتل دوراً مركزياً أولياً بشكلٍ خاص، وبالأخص فيما يتعلّق بقصيدة النثر، مع غيرها هناك عناصر أخرى تلعب دوراً كالعنصر الإيقاعي مثل التفعيلة.

ونجد عدة عناصر تعطي القيمة الجمالية للنص: عنصر إيقاعي, أسلوبي (الصورة)؛ ومع غياب العنصر الإيقاعي تحتل الصورة الموقع الأساسي في العمل بحيث أنّ أيّ خلل تتعرض له الصورة يضعف العمل.

وفقا لما سبق، وبما أنّ رهان قصيدة النثر قائم على الصورة؛ فإننا ننظر إلى العمل النثري باهتمام استثنائي، فنعطي الصورة الجانب الخاص من الدراسة المستقلة بحد ذاتها. وقد اخترت دراسة الصورة في ديوان "طيش الياقوت" للشاعر سليم بركات، وهو شاعر متميز, وقد وردت دراسات متفرقة حول شعره ونثره في جرائد ومجلات, لكن لم توجد بعد دراسة منهجية جامعية حول شعره، وعلى ذلك اخترت دراستي التي ستكون خطوة أولى؛ أي ليست معارضة ولا مكملة لدراسة أخرى، وقد اعتمدت في دراستي على دراسة الصورة في ضوء بنية النص؛ أي من داخله لا من خارجه. و بنية النصّ العامّة تعطي للنصّ دلالته؛ فيحكم عليه دلاليّاً و شعريّاً في إطاره العام، ولا يمكن اختزاله إلى أجزائه؛ لأنّ جماليّته و دلاليّته مرتبطة بوضعه الكلّيّ (البنية العامّة).

فأفهم المعطى العام للنّصّ من خلال وضعيّته كبنية متكاملة و مترابطة، و لذلك تجري مقاربة النّصّ انطلاقاً من المعطى البنيويّ العام له، ثمّ رأيتها في مقاطع لهذه البنية، و تابعت وضعيّة الصورة في الأداء الجماليّ و الدلاليّ لهذا النّصّ عبر انتظامها الخطّيّ العام. وللوصول إلى دراسة الصورة لابد من وضعها في موقعها الصحيح في الإنتاج الشعري الحديث؛ وعلى ذلك سنقدم للرسالة ببحث في الوضع التاريخي الاجتماعي الذي يفضي إلى الإنتاج الأدبي وصولاً إلى موقع بركات في هذا الإنتاج والصورة عنده ودورها (بشكل مختصر).التطور في ظلّ الصراع العالمي " الرأسمالي ـ الاشتراكي": إن تطور الرأسمالية في العالم ليس إقليمياً، والصراعات الإقليمية تتوازن تبعاً لتوازن القوى عالمياً، وإنّ النظام الرأسمالي لم يُتح بقاء علاقات خارج نطاق العالمية؛ فبرز اللاتكافؤ بين المستويات الإنتاجيّة العربيّة والعالميّة، وتبعت الأولى الثانية، ولعلّ في هذا التفاوت تكمن الأطر التي يجدر وضع الحداثة العربية داخلها … والتبعيّة داخلها تفترض في عمليّة النظر إلى الحداثة رؤية التطوّر الحاصل في هذه البلدان المتقدمة الرأسمالية، حيث تقوم التشكيلة الاقتصادية الاجتماعية للرأسمالية على استغلال البورجوازيين للعمال وعلى الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، وبهدف جني أكبر كمية ممكنة من الأرباح توسّع الرأسمالية الإنتاج، وتدخل فيه منجزات العلم والتكنيك الجديد، مما يؤدي إلى زيادة الإنتاجية، وتوسيع أسواق التصريف أو التفتيش عن مصادر جديدة للخامات.

وتؤدي الرأسمالية إلى زيادة حادة لتمركز الإنتاج، وبالتالي وجود أطراف مستهلكة متخلّفة عن المركز المنتج وتابعة له، وتتّسم الرأسمالية المعاصرة بعالميّة المجمعات الإنتاجية المصرفية والشركات المتعدّدة الجنسية، وبظهور صيغ جديدة من تقسيم العمل، وبتعزّز سلطة أصحاب رؤوس الأموال، وبالاستخدام النشيط للمنجزات العلمية الحديثة؛ فنلحظ أنّ التقدّم التقني حاصلاً في الدول الصناعية الراقية خاصة في غلبة الآلة على العمل اليدوي، حيث أصبح هذا الأخير هامشيّاً، ويشمل الآلات الإلكترونية المتطوّرة، بدءاً من العقول الإلكترونية أو الحواسيب إلى الإنترنيت وإلى مركبات الفضاء التي تشهد تطوراً كبيراً تتكامل فيه عمليّة الإنتاج الكثيف والمتطوّر مع عمليّة السيطرة، وخاصة على الفضاء الذي أصبح جزءاً من الكرة الأرضيّة، أو امتداداً لها.

وإذا كانت القنبلة الذرية قد حسمت الحرب العالمية الثانية لصالح الحلفاء، فإنّ التسابق على التسلّح النووي ورفع المقدّرات بشأنه خاصة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي السابق، قد شكل العلاقة الأبرز لما سمي الحرب الباردة بين المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي، وهذه الحرب امتدت حتى منتصف الثمانينات.
نخصّ الإنتاج العسكري كمجال مزدهر بين القطاعات، ليس فقط عن طريق تطوّر المواصلات، الطائرات الضخمة الخارقة لجدار الصوت، وغيرها … وتطوّر الإنتاجيّة الزراعية عن طريق المطر الصناعي، وإقامة أكثر من موسم زراعي في السنة، وإنّما أيضاً خاصة في التعرّف على الخلايا الوراثية (الجينات) والتأثير عليها، وزيادة الإنتاج النباتي عن طريق متابعة انشطار الخلايا، وزرعها، وزيادة التكاثر الحيواني (حيوانات الأنابيب) وتمّ التوصل، لاحقا، ً إلى الاستنساخ؛ ممّا أثر، من خلال المنجزات العلمية الطبيّة، على الكينونة الإنسانية بأكملها.

بموازاة التطورات السابقة عرفت أجهزة الإعلام، وخاصة التلفزيون مع تحوّله إلى قنوات عالمية على الأقمار الصناعيّة، عرفت نهضة بارزة، فشكّلت إلى جانب المؤسسات الثقافية والعلمية الأخرى (المدرسة والجامعة ونوادي الفن والثقافة... )، أثرت على الناشئة تأثيراً زاد من ضعف مؤسستي الكنيسة والعائلة، فناقشت في الوقت نفسه آفاقاً جديدة للإبداع، كتابة السيناريوهات والمسلسلات التلفزيونية، وتسويقها حسب الحاجات والمتطلبات الرأسمالية الخاصة … وكلّما زاد تقدّم المراكز الرأسمالية اتسعت دائرة السوق لتصل إلى العالمية، وعمليّة الإنتاج الكثيفة تتكامل مع عمليّة السيطرة الاستعمارية بأشكالها المتعدّدة من عسكرية واقتصادية وسياسيّة وفكريّة، وتكون العلاقة بين المراكز والأطراف علاقة تبعيّة، فالعالم يتبع المراكز الرأسمالية الكبرى والمتطورة.

وفي مواجهة الرأسمالية والتوسع الإمبريالي، كانت الماركسية التي شكّلت مركز استقطاب ثقافي عالمي، ورافقتها نشاطات سياسية وفكريّة في أوروبا خاصة وفي البلدان التي بلغتها مؤثراتها، وخاصة بعد انتصار الماديين في الصين عام 1949م.

مع الماركسية بدأت رؤية عالم جديد لا طبقي حتمي مجيئه بعد الرأسمالية كنقيض لها، وهذه الرؤية استحوذت على فكر تيار واسع من المثقفين. وتعدّدت الاتجاهات الثقافية والفكرية المعارضة لهذا التيار، مثل: الوجودية التي أكّدت على الحرية الفردية المهدّدة. وقد اقتربت الوجودية ـ لاحقاً ـ من الماركسية عندما بدا الجهد الفردي للخلاص محدوداً، إن لم يكن مستحيلاً. ومع الإحساس المتزايد مع الذات، والخطر المهدّد لحرّياتها كانت الفرويديّة الأرض الخصبة لمدارس واتجاهات في التحليل النفسي، وشكّلت القاعدة المكمّلة للماركسية (اجتماعي ـ ذاتي) لترتفع عليهما جملة من العلوم الإنسانية الأخرى …
وظلّ الصراع العالمي قائماً بين قطبين هما الرأسمالية والاشتراكية، حتى انهيار المعسكر الاشتراكي في الاتحاد السوفييتي السابق وسيطرة الرأسمالية.
وبعد انهيار الأنظمة الشيوعية المساندة لحركات التحرّر الوطني انتعشت قيم السوق واستلاباته، وبدت النخب الثقافية والسياسية في أزمة تبحث عن بديل عالمي تتمحور عنده نضالاتها.

التطور المحلّي (في الساحة العربية):

كان من نتائج الحرب العالمية الأولى انهيار الخلافة العثمانية، ووجود الاستعمار البريطاني والفرنسي في المنطقة العربية، مما أدّى إلى المواجهة المباشرة للاستعمار وبالتالي التأثّر بالحضارة الأوروبية سلباً أو إيجاباً، رفضاً لها للحفاظ على الخصوصية العربية باسم الأصالة أو قبولاً لها لفهم العدّو، وقد يصل حدّ القبول إلى التغريب عن الماضي العربي وإلى التبعيّة لأوروبا كمركز ثقافي متقدّم باسم الحداثة؛ والعلاقة بين الطرفين علاقة تنافر، وربما هي امتداد تاريخي لما كان يسمى بالقديم والمحدث في علاقة العربي مع الأجنبي الوافد.

و كان من أهمّ نتائج الحرب العالمية الثانية على المنطقة العربية زرع الكيان الصهيوني في فلسطين، مما أدى إلى النكبة وإلى إثبات عجز النظام البورجوازي عن حماية المنطقة، فبرزت حركة التحرر الوطني بشكل كبير، وقويت الدعوة إلى الوحدة القومية العربية لمواجهة العدو الصهيوني، ولمواجهة الغرب الرأسمالي في ظلّ الحرب الباردة بين القطبين العالميين (الرأسمالي ـ الاشتراكي).

و شكّلت نكبة فلسطين عام 1948م فاتحة تحوّلات سياسيّة عرفتها المنطقة بعد الحرب العالمية الثانية، ودارت الأسئلة حول كيفية بناء وإنجاز التقدّم، والموقف من الاستعمار والإمبريالية، والحرب الباردة، والصراع بين الشرق والغرب، ووسائل تحرير فلسطين، وغيرها من القضايا التي كانت مطروحة في بداية عصر النهضة، ولكنّها اتخذت صيغاً مختلفة جديدة، وطرحت كيفية مجابهة الأنظمة التقليدية المتعسّفة والملكيّة المرتهنة للخارج منها بشكل خاص، والتعارض بين القوميّة والدين، والقومية والأقليّات القوميّة الأخرى من أكراد وأرمن …، والتعارض بين الشيوعية والإسلام، والشيوعيّة والعروبة …
هكذا تكوّنت أطروحات جديدة أضيفت إلى تلك السابقة؛ لتبيّن كثافة المهام التي تواجهها النخب الثقافيّة العربيّة، وتحاول أن تجد لها حلاً.
وأهمّ ما واجه هذه النخب في البلدان العربية ـ اجتماعياً ـ رسوخ المؤسسات القديمة التقليديّة المرتبطة بالإنتاج السابق على الرأسمالية، والعلاقات الاجتماعية المرتبطة بها من اهتمامات بالقرابات والعصبيات: قبليّة، عشائريّة، طائفيّة … تعايشت مع المؤسسات الحديثة المرتبطة بالنمط الرأسمالي وتداخلت معها، سواء أكان ذلك في مؤسسات الدولة كالجيش، أو في المؤسسات التعليمية التابعة للدولة، أو في مؤسسات المجتمع المدني، أو القطاعات الخاصة: (الأحزاب، الجمعيات، النوادي، المدارس الخاصة…)، وبالتالي حرمت النخب العربية من لعب الدور الثوري الذي لعبته في أوروبا، فعلى خلفيّة راكدة ومحافظة ودفاعية لفكرويّة أصوليّة أو سلفيّة دينيّة بدت النزعة القومية الغالبة على النشاط السياسي والفكري متنازعة من قِبَل الاتجاهات الوطنية الإقليمية، أو النزعات الفردية الذاتية لدى النخب الثقافية في مواجهة الفكر القومي الذي ركّز بشكل خاص على الوحدة التاريخيّة ووحدة المصير العربي، وساوى بين العرب على اختلاف طبقاتهم (بالعروبة)، ووحّد مصالحهم في استقلال الدول العربية وتكاملها لمواجهة المستعمر. وفي مواجهة الفكر القومي برز الفكر الشيوعي الذي يلتقي مع الشيوعية في العالم، ويركّز على الصراع الطبقي، ويسعى إلى تحقيق الملكية الاجتماعية لوسائل الإنتاج، وإلى إزالة الفوارق الطبقيّة في المجتمع …

كما برز فكر ليبرالي مشدود إلى النمط الرأسمالي الغربي بروابط ومصالح اقتصادية وسياسيّة، هذه الاتجاهات؛ القومية، الشيوعية، الليبرالية، كانت تجد في التاريخ والوقائع الأوروبية بخاصة مرجعيّاتها المحدثة دون أن يحول ذلك والاستعانة أو الاستيحاء من تراث محلي كانت تعدّه القوى المحافظة حكراً عليها …

وقد عبّرت التيارات السياسية والفكرية عن ذاتها بالمجلات الأدبية، مثل، مجلة الآداب التي برزت منذ 1953م ممثّلة للاتجاه القومي الذي اتخذ طابعاً ناصرياً فتبنّت الخط الوحدوي العربي، وشكّلت منبراً تلتقي فيه الأقلام العربية ذات النزعة القومية، مع انفتاح على الغرب خاصة عن طريق الوجوديّة التي تأثّر بها بعض المثقفين ومنهم سهيل إدريس المتأثّر بأطروحات الوجودية الفرنسية، وتعتبر الوجوديّة النافذة العالميّة للاتجاه القومي المتمثل بالآداب.

وقد مثّل الاتجاه الشيوعي مجلة الطريق منذ 1941م، وهي مجلة ثقافية وفكرية وأدبية معاً، ركّزت على المدرسة الواقعية في النقد والأدب، وتبنّت اتجاه الالتزام الشيوعي وقضايا الحركات العمالية عامة، وتمثّل الاتجاه القومي في مجلة شعر منذ 1959م، والتي شكّلت المنبر الأكثر انفتاحاً على الغرب، وكانت أكثر جرأة في تبنّي اتجاهات جديدة في الشعر خاصة، وهي التي عرّفت بكثير من الشعراء العالميين واحتضنت الاتجاهات الأكثر تطرّفاً في التجديد الشعري وخاصة ما تعلّق منها بقصيدة النثر المتأثّرة بالشعر الإنكليزي؛ فمثّلت مجلة شعر الطرف الأكثر حداثة، وبقيت مواقفها الفكرية إجمالاً على تعارض مع الحركة الوطنية والقومية العربية التي عرفت انعطافاً في نكبة فلسطين؛ فإثر ضياع فلسطين أصيبت الأنظمة التقليدية باهتزاز قوي، وبدت ضعيفة أمام شعوبها، ولم تكن قوى التغيير موجودة؛ فتمثّلت محاولة التغيير بالانقلابات السياسية التي تتالت في مصر وسورية والعراق، وتمثّلت شعرياً بالتحوّل الذي عرفه الإيقاع مع السيّاب والملائكة.

ليست العبرة هنا بالجديد الذي قدّماه، فقد سبقهما إليه عديدون، وإنّما العبرة في الانطلاق الذي عرفته حركة التجديد بدءاً من محاولاتهما لتوفّر الشروط التي كانت غائبة بالنسبة إلى سابقيهما، فالشروط السياسية، والتاريخية، والاجتماعية، التي جعلت المؤسسات القديمة ضعيفة وهزيلة وعاجزة عن صدّ الوافد أو عدم استقباله، مما أتاح للتجديدات الشعرية أن تنطلق، وبرز صراع بين التقليدي والمحدث، الاتباعية المحافظة والإبداعية على مستوى الإنتاج الأدبي، وكان ذلك انعكاساً للعلاقة بين المراكز الرأسمالية المتقدّمة والأطراف المتخلفة؛ والعرب تأثروا بالرّواية وبالمسرح، من وضع طرفي تابع للمركز الأوروبي، ولأنّ مظاهر الإنتاج الأدبي القديم كانت عاجزة عن مواجهة الحديث في المسرح والرواية تمّ استقبالهما دونما صراعات موازية للتي جرت بشأن الشعر الذي يمثّل خصوصية الأمة العربية، وكان من الظواهر الأدبيّة الأرقى، وهو تاريخياً مرتبط باللغة والقرآن … وعلى ذلك كان الصراع "حول الشعر " بين العربي والغربي امتداداً تاريخياً لما كان بين العربي والأجنبي، الأصالة والحداثة، القديم والمحدث … فكانت القضايا الثقافية المحوريّة في المجلات الأدبيّة تتعرّض للشعر(الوزن، قصيدة النثر، المدارس الأدبية…)، ولم يجرِ الاهتمام بالمسرح والرواية على المستوى الثقافي العربي بقدر ما كان بالشعر؛ فالرواية " والقصة " عرفت ما بين الحربين اتجاهات واقعيّة بارزة بعد أن كانت رومنطيقية بدائية يغلب عليها بوضوح الاتجاه التاريخي، والمحاولات التي اتخذت طابع المقامة من حيث الموضوعات، واللغة، وأساليب التعبير.

وبعد الحرب العالمية الثانية انفتحت الرواية على تنويعات، مثل: الرمزية، وبدايات مزاجية ذاتية (…) ولكن التحوّل الأكثر أهمية كان الانتقال من موضوع الخبر أو الحكاية إلى تقنيات السرد والأسلوب في الحكاية. واتجهت الرواية، منذ أواخر الخمسينات، إلى الأخذ بما سمّي " تيار الوعي "، ثمّ تمثّلت الحداثة في ذلك الاهتمام الذي كرّس للصوت الراوي فيها. لم تعد الحكاية محور الاهتمام في العمل الروائي، وإنما أصبحت طريقة القصص، وتنظيم وسرد الأخبار، وليس مضمون الحكاية نفسه محور الاهتمام. و أدّت النكسة إلى تهدّم أحلام العرب القومية، وأحدثت للأنظمة العربية ردّة فعل قويّة مماثلة للنكبة، وإنّما مكمّلة لمضاعفاتها، فعرف الشعر نماذج تجريبية متحرّرة إلى جانب صوت الالتزام الوطني والقومي الذي تصدّره شعراء المقاومة الفلسطينية ومن تابعهم في هذا الاتجاه، وتنوّعت التجارب الروائية الملتزمة وغير الملتزمة، فكانت الإنجازات أكثر تنوعاً مع نجيب محفوظ، وقد بقيت في حدود الاعتدال إجمالاً، وبقيت ضمن الكلاسيكية المحدثة، ولكن أعمالاً لغسّان كنفاني، مثلاً، تتكامل فيها شعرية السرد مع دلالية القصص للتعبير عن عوالم إنسانية غير محدودة التنوّع أو محصورة الفضاءات، وقد برز في الستينات تيار يعطي للفردية الذاتية وللصلات الحسيّة والعلاقات الجنسية حيزاً أكبر في العمل الروائي، وتحطمت الحواجز بين ما كان يسمّى شعراً ونثراً، فانسابت أعمال روائية أقرب ما تكون في تعابيرها، إلى قصيدة نثريّة …

ومسرحياً تحطّم الحاجز الذي كان قائماً بين" الخشبة" مكان العرض و " الصالة" مكان المتفرّجين، كما تمّ في عام 1962م، في "حفلة سمر من أجل(5) حزيران"، لسعد الله ونّوس كأثر مباشر لهزيمة 1967م، كما توضح المقدّمة، وكما يتناول العرض في سعي حثيث لإعادة النظر بالأوضاع القائمة والمستتبة، وبالمقاييس المتّبعة.

هناك محاولة للثورة ولبناء مختلف لتحطيم القديم الذي اعتبر مسؤولاً عن الهزيمة والضياع والتخلّف، ولبناء جديد يطلق الحريات ويتيح بناء الأفضل …، وإنّ المسرحية تترجم وكذلك الرواية الناجحة عالمياً تترجم لأنّ جمالياتها عالمية، أما الشعر " العربي " فإنّه يمثّل خصوصية المنطقة العربيّة؛ ومن خصوصياته الوزن، وبالتالي لا يترجم البيت الشعري؛ وما يناسب العالمية من الشعر هو قصيدة النثر، حيث تترجم الصورة …؛ فالشعر الحديث يختلف عن القديم.

كانت عاصفة الصحراء في بداية التسعينات، وقد أثرت على حركة التحرر العربية بشكل كبير؛ فقد كانت الحرب بين العراق وقوى التحالف بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية, وقد نشأ عن هذه الحرب معاهدات سلام بين العرب وإسرائيل بحيث بدت الأحلام والطموحات في التحرير والتقدم مدحورة قائمة على أوهام لم تصمد أمام الاجتياح الغربي للمنطقة، وساد اليأس من التحرر ومن الإصلاح الاجتماعي، مما أدّى إلى انعدام دور الأدب الإصلاحي للتغيير وإلى غياب دور النبوة في الأدب أو القيادة الإصلاحية, وبالتالي ليس هناك أفق للتعبير عن الذات التي أصبحت كلاً وأصبح الكلُّ لا محدودا، فانتفت الحدود بين الأشياء داخل الشاعر وخارجه، وأصبح التعبير قائماً بذاته لا يسعى إلى شيءٍ خارجٍ عنه. ووجدت النخب الثقافية والأدبية العربية نفسها في مواجهة تيار ما بعد الحداثة؛ وكما يرى الدكتور سامي أدهم:" لم يعد من الممكن الإبقاء على الدلالات والمقولات وحتى القوالب والصيغ والقضايا والإشكالات القديمة.

التحدي كبير والعصر اختلف والحضارة السالفة انتفخت وتفجرت وصارت شظايا ولم يعد من المستطاع لملمة فُتاتها واستغلال مقولاتها, أو استعارة مقولات قديمة بمعانٍ قديمة ! وكتابة أفكارنا بواسطة قوالب لغوية قديمة. ويرى أنه " على الصعيد الأنطولوجي , تغيرت الكتابات الذهنية لأن المعاني تغيرت , والكائنات القديمة التي كونت المراجع السالفة قد ذبلت واضمحلّت ولم يعد مقبولاً إعادة ترميمها ورفعها أمام الحداثة. الكائن القديم اضمحل وانحل وتلاشى في المعاني القديمة, والطبيعة الطابعة القديمة منذ أرسطو قد تغيرت ولم تعد تُقبل فيزياء أرسطو وذرّة ديمقريطس وكيمياء العرب ولا العالم المغلق المحدود القديم. لقد فتح العالم وتمدد إلى اللانهاية وأصبح الإنسان الحديث أمام عالم جديد وأرض جديدة وسماء جديدة، وأصبحت الأنطولوجية تعكس منظورات جديدة في الإبداع والتجديد. "

وقد تطورت القصيدة العربية لتلائم مرحلة ما بعد الحداثة في التسعينات؛ وإذا كانت الحداثة قد قامت على التفكيك، والبعثرة، والتشتت، بدل التوحيد، والتكامل، والتماسك، مثل: قصيدة "هذا هو اسمي" لأدونيس التي تقوم على الصور المتشظية التي تتيح احتمالات لفهمها من خلال جمعها بطرق مختلفة, فإن مرحلة ما بعد الحداثة قامت على التجاوز، وليس على الصراع والتناحر، وإنما على التعايش بين المتناقضات، وبالتالي ترك المجال أمام المقاربات الأكثر استبعاداً وإدهاشاً ؛ وذلك نراه في قصائد ديوان "طيش الياقوت " موضوع دراستنا، وهو يعتمد بشكل رئيس في بناء الأفكار على الصورة، ويكسر حدود الوزن كلها وله لغته المميزة، ويراهن فيه الشاعر على لغة جديدة تلائم الوضع التجديدي القائم على تجاوز التقليدي , وهو يعمد إلى التعايش بين المتناقضات، مما يتيح احتمالات متعددة لفهم الصورة عنده، ومما يؤدي إلى غنى نصّه بالإيحاء وإلى ظهور الصور مشتته غير مترابطة في النظرة السطحية إليها, وتبدو متماسكة في العمق، وتؤدي إلى استنتاج مواقف غير نهائية، لكنها ليست مبتذلة، ولذلك تبقى دراستنا للديوان مجرّد مقاربة تفتح طريقاً لفهم نصّه، لكنها لا تغلق الحوار حول النص الذي يتميز بغناه.

مع تطوّر الرأسماليّة, وتقدّم مشروع العولمة تغيرت النظرة إلى الحداثة الأدبية التي صارت جزءاً من حداثة كليّة في المجتمع (اقتصاديّة, سياسيّة...) وأدّت العولمة إلى إنتاج فكر أدبي جديد يجعل الأدب متجهاً نحو الخارج لا الداخل بشكل رئيس، وقد أثّر ذلك على الشعر فجعله يتراجع, وبالمقابل تزدهر الرواية بسبب ازدهار الأكثر تداولاً مع الخارج, وانحسار ما يتداول في الداخل، وازدهرت قصيدة النثر؛ لأنّ لها علاقة بالترجمة ومجال التلقي الأوسع من الأطر المحلّيّة, وبالتّالي تتلاقى مع اتجاه العولمة السائد؛ وقصيدة النثر تعتمد على الصورة في التعبير عن مواقف معيّنة, أو الإيحاء بمواقف معيّنة.

وفقا للمعطيات التاريخية الاجتماعية، ظهر إنتاج أدبي موازٍ ارتبط بالرواية والمسرح كعنصرين جديدين على الأدب العربي، وظهر إنتاج شعري مخالف لما عرفه التراث الشعري الذي يميز الأدب العربي، فتراجع الوزن، وتقدمت الصورة ليصبح تركيب الشعر قائماً على الصورة كعنصر رئيس من خلال "قصيدة النثر"؛ ليلتقي الشعر مع الآداب العالمية التي تتهدم فيها خصوصيات الشعر؛ ليصبح قابلاً للترجمة والنقل إلى لغات أخرى؛ لأن جمهور الشاعر تعدى حدود الوطن الضيقة إلى أوسع شريحة ممكنة من القرّاء؛ فكيف تطورت الصورة الشعرية العربية حتى وصلت إلى ما نعرفه اليوم ؟ وما موقع بركات في الإنتاج الأدبي العربي ؟ وما دور الصورة عنده؟