إبتدْع أيها اليأسُ في مهبِّكَ يأسي
وليكُنْ قِرانٌ يُعجِّلُ الخواتيمَ، والعرسُ نفس
وليكنْ سَهَرُ الغبارِ من عَلِيِّينْ يرمي عليَّ الحِليّ حتى أبدَّدَ بعضي
في امتداحِ الغبار؛ أو أستدَقَّ كالسهمِ حتى
تمهِّد الريحُ بي غدرها وهي ترمي منازلَ الماءِ شتى.
ومن ختامٍ،
من غدٍ أو رنينٍ،
من مجاهلَ تعلو كهندباءٍ، ومن لهاثٍ كأرضِ
يجرِّدُ القلبُ سيفَهُ الرمادَ: هاكم شهوديَ ما بين إبرامِ شكْلٍ ونَقْضِ
يدجِّجونَ البعيد بي أو ببعضي
لكأني فَزعتُ من عبثٍ يُرسلُ الخرابُ في جَرْسِهِ البهيِّ بجَرْسِ
وكأنْ قِرانٌ يعجِّلُ الخواتيمَ، والعرسُ نَفْسي.
وأنا.. إيه يا المُرتَجي من ظلام نديمٍ، ومن دويٍّ نديمِ
مُشْكِلٌ يغمسُ المكانُ فيه رغيفَهُ، ولِومًضي
نمورُهُ؛ فاصعدي من يقينِ الهباءِ، أو من كثيفهِ المهدومِ
إصعدي يا طرائدَ اليأسِ حتى جحيمي
فالغدُ المقامرُ سَكْرانُ، والوقتُ مَوْلى
يتعثَّرُ من خجلٍ بثيابِ النَّدامى، وينحني فَيُوَلِّى
ولهذا أضيقُ مثلما يضيقُ الغبارُ بالريحِ، أو أتقصَّى الجسومَ في هرْجِها
بالجسومِ،
عاكفاً علىَّ من ورقِ السروِ، والتينِ، والبتولا،
مُطْبقاً ظِليِّ اللّبونَ على البرقِ: ياصاحِ، يا برقُ خفِّفْ رفيقكَ، فالغيمُ يقظانُ في سرير العناقيدِ، والأمسُ يركضُ في درعِهِ النّباتِ، سيّانَ أن يسرق النبيذُ من يديه الكؤوسَ، أو ينْقضَ الهواءُ مواثيقهُ الأخيرة. يا برقُ، يا مغْزَلاً دار بين
يديْن لا ترفعانِ إلاّ العويلَ، رفِّق رغيفَكَ، رَفِّقْ هوى نسائِكَ يرفعْنَ طرْفاً
مَلُولاَ
إلى الهباءِ إذْ يَحْلَوْلي،
وتهتّكْ، فالسماواتُ شُبْهَةٌ، والنفوسُ في زَرَدٍ من هَزِيْمِ.

إصعدي يا طرائدَ اليأسِ حتى جحيمي.

وأنتَ؛ أيّ حديدٍ يموجُ تحتَ يديكَ؛ أيَّ جَمشْتٍ
يطحنُ النهارُ في ظلَّكَ المُجرَّح؟ أيُّ ابتهالٍ يفجِّرُ العُنَّابَ؟ أيُّ سديمِ
يرميْك كالندي بمرايا يسرقُ الفجرُ منها إوزّهُ؟ أنتَ؛ مالَكَ تدنو
بحبرٍ من الصدى والرُّجُومِ؟
كنتَ ذا المُغَيَّبَ، حلواً، وقَد
تَتَقرَّى الظنونُ لهوَكَ مُرْخيً على وقارِ الظنونِ.
كنتَ ذا، أو ذاكا
تغسلُ المعاني قواريرَها عن هوىً فيكَ حتى يخوضَ فيها هواكا
بدروعٍ من الشقائقِ. مَرْحَي مُتَهْتَهاً في دَلالٍ مُتَهْتَهةٍ. بَعْدُ لم يَشِ جذرٌ
بما رفعتَ صوبَ الغَصونِ
من مكائدِ الريحِ إذ هي تُرخيِ على انتحارِ الغصونِ
ستارَها المرمريّ. لا، أنتَ مالَكَ؟ روِّعْ مجلس الليلِ، رَوِّعْ مَدَاكَ، واكسرْ
على الندى سيفَ قلبكَ. بلْ مُرَّ مُترْفاً برمادٍ يقنصُ الفجرُ فيه المرايا، وأَمْعِنً
مع المجاهلِ دكّا
في المجاهلِ حتى يغلبَ الرعبُ من رعبهِ الحياةَ، أو استردَّكَ سَفكا
حين يرفعُ البطشُ مثلي محاريثَهُ إليكَ. لا، أنتََ مالَكَ؟ هذا خلافٌ عليكَ
حلوٌ، وهذا
وَجَعٌ يَغْرفُ الحدائقَ. هذا هبوبٌ، وهذي مكيدةٌ من متاهٍ كنُعمى، وإني فُتونُ
نسجَ الموتُ غزلانيَ الصغيرةَ فيهِ، وروّى عبثٌ كلَّ ناريَ، فالأرضُ ليسَ تبينُ.

سُكّرٌ يطعمُ المجاهلَ قلبي، وسُكّرٌ يطويني
على فخاخٍ من الزبيب، وفَتْكٌ يصوغهُ التكوينُ
آن أرمي بما يجعلُ الأفقَ سيّافَ نُعمي، وآن أُرمي بما جن مسنونِ
من بهاءٍ يشقّقُ القلبَ. يا قلبُ أوقفْ إوزّك يخطبْنَ صدري، ورُدًني كالرنينِ
يموجُ في كلّ بهوٍ. تعالَ،
يا عشبُ؛
هيا تعال،
وأوثقْ نمورَكَ؛ أوثِقْ رُماةَ يخضورِكَ الجياعَ؛ أوثِقْ كأمسي
غديَ المجفَّلَ، فالوقتُ نفسي:
قِرانٌ يُعجَّلِ الخواتيمَ، أوعضلٌ من جمادٍ أميرِ
يحزمُ الأرضَ. أمسٌ من الجمادِ الأمير
يحزمُ الهواءَ. أوقِفْ إوزّك ياقلبُ يخبطَنَ صدري، ويعثْر على المديحِ ذُرُوْري.
ثُمَّ، أنتَ، يا شريكُ، هذا خلافٌ عليكَ حلوٌ، وهذا
مداكَ نهْبٌ لكلِّ طيشٍ، وإني فتونُ
ذَهبَ الهدرُ بي، فالمكانُ نهْبٌ كمينُ

أهكذا، أيها المعافى كطين، تدورُ بالأرض حولي؟ أهكذا تتناهى
فكاهةُ الروحِ؟ قلْ للمياهِ مرحى، ولُمَّ ما قدْ تاها
من شموسِ المياهِ إذ تتدلّى عليكَ في رَغَدٍ مُسْتَطارٍ، وقُلْ كلُّ هذا عيونُ
تتقرَّى الذي كنتَ من قبلُ. (هل كنتَ ما يتراءى مُشَعْشِعاً كنداءٍ من المياه؟)
حَطّمْ جَمشَْتَكَ ياقلبُ. حطّم يواقيت قلبكَ يا قلبُ. حطّمْ مساءكَ. حطّمْ
تماثيلَ هذا البهاءِ الذي نسيَ المكانُ ثدييهِ قرْبَهُ. حطّمْ فخاخك في سِحْرِ
صرختيَ الأبديةِ. حطّم قرونَ زهوكَ، وارفعْ منارَ الرمادِ حتى يدلّ قلبيَ قلبي
قد آن أنْ أستريح، وحَسْبي
ذهبٌ وجوادٌ من النَّدى يبكياني.
قد دقَّ من كلّ آنِ
وصيْفُهُ عظَمَ عظمي، وَدَكَّ من كلِّ صوبِ
غديْ حضوريْ عليّْ
ألهذا ياعمرُ تكسو الأغاني
بدروعٍ يرتدُّ عنها إليّْ
ظلامُ عمركَ يا عمرُ، والوحشتانِ: النهارُ والروحُ؟: فليتقاصرْ مَدايَ، وَلْيكُ
فَتْكٌ، فَنْم في هباءٍ مزيّنٍ بالطواويس نقّشَهُنَ الهباءً فوقَ ملاءاتِهِ، وتحَّينْ
هبوبَكَ في قصبٍ يابسٍ، فالرمادُ، هذا الأميرُ
يُحصي خنانيصهُ في خيامكَ؛ يُحصي مِقصّاتِهِ، ويدورُ
بالأباريق يسقي البديدَ من كلّ شيءٍ، ويمحو
ما تحوكُ القلوعُ في الريح. يا قلبُ ضِيقٌ يُفتِّحُ اللآلئ في صدفاتِ الحنينِ،
أَمْ هو بوحُ
يُسرُّ قبرٌ لقبرٍ؛ أنورُ
يرفعُ القناعَ بيني وبينك؟ يا للرمادِ، حشدٌ أميرُ
فَكِهُ البيانِ، يُغوي، فيرتدُّ قلبي عليَّ
بشظايا من النهارِ إذ فجَرتْهُ الظلالُ شظَّتْ عناقيدها؛ بشظايا
من الحياةِ رقَّ هواها فبانَ منها هوايا.
ألهذا يا عمرُ تكسو الأغاني
بدروعٍ يرتدُّ عنها إليّْ
سهمُ كلَّ ظلامٍ؟ عييْتُ، يا قلبُ، ثمَّ عييتُ، يا قلبُ، ثمَّ عييْتُ:
سرقتني الزنابقُ فاشتاقَ جسمي إليَّ، فعدتُ
مَرحاً، تتهادى المرايا
خلفَ خطوي، لكّنني سهوتُ
عن جسورِ الزنابقِ فاختصمتْ ضفّتاي حتى رأيتُ نفْسيَ تُرْخى بهذْرٍ على
فراغٍ كنفْسي
ورأيتُ المكانَ يسدِلُ أمسي
على المكانِ كأنّي فَرغْتُ من عبثٍ يُشرِكُ الهباءَ في شِراكِهِ وقْتُ.
ألهذا يا قلبُ تطوي جسوري
كمثلِ هذا اللّهاثِ يطوي اللهاثَ؟ أَمْ هُوَ بأسي
يشفُّ عن رحمة الوردِ؟. يا قلبُ متُّ
واختصمتْ في رِحاتِ ظلاميَ أرضٌ؛ ومتُّ
وتهيأتُ ثانيةً للهَبوبِ فمتُّ
وتهيأتُ ثالثةً للهبوبِ فمتُّ
وتهيأتُ للحياةِ فشقَّتْ ثيابَها عن صليلٍ، فمتُّ.

كلُّ قلبٍ معي،
كلُّ قلبٍ عليّْ
كلُّ قلبٍ هبوبٌ، وإنني في هبوبٍ يشقُّ بعضي إليّْ
ولهذا شُهُبٌ من نعيمِ الجمادِ تهوي على عُبابي، ويصطاد عمقي صوت
وأنا مقبل كي يبشر الزبد الحي بي، ولكي تتدانى
في رفاتي ملائك اللهو و الصدى. كيف يا قلب شق هوانا
صدفات من الأنين عن خيلاء الرماد؟ . يا قلب هذا هوانا
ليس إلا ضربة الماء في حلبات من الماء، والحاضران مديح وموت

كيف يا قلب عدت
نشأة من عويلٍ مُرَيّشٍ بأنين؟.
كيفَ؟ هذا كميني
مًحْحمٌ كالغضارِ، لكنني لم أُصِبْ إذْ رُمِيتُ فمتُّ.
وككلٍ؛ كنعمةٍ دوَّرتها يدانِ من عسلِ النهبِ أَرْقى إلى غبارٍ مكينِ.
مُشرفاً من مساكب اليأس، أو من هديرٍ كيأسي
عليَّ. بالله، ياقَلبُ هشّمْ سِلالَكَ، وَلْتكُ نفسي
سناجبَ ريحٍ هُرِهْنَ في السرِو فانكشفَ السروُ عن قنصهِ المجنون،
ولأذرفَنَّ المكانَ من قهقهاتي، ومن مساميّ حتى
يعودَ من حوليَ الوقتُ محضَ شرودٍ، ويسردَ العَصْفُ شاني
فليس يُدْرَكُ شكلٌ بغير ذعرٍ، وليس تُغوي المعاني
بغير هذا الشهيق. ياليَ، شتىّ
يدحرجُ الرعدُ أَعضائيَ الذهبيّةَ، شتّى يخُوِّضُ الطينُ بي حيواتٍ، وشتى
يملُ بي شفقٌ خلفَ تلك المناجلِ - تلك الأخيرةِ - تلكَ التي تتلألأ في شهوةٍ
من جُمانِ.

أيُّ قَنْصٍ، إذاً، في الشِّعابِ أو في الثواني؟

أيُّ قَنْصٍ؛ هوتْ وعولٌ فبدّدْتُ بعضي أسىً عليَّ وعدتُ
كي أراني، هنا، في ظريفٍ من الحطامِ، أو ثِقلٍ ليس يُروى وإنْ رواهْ الرمادُ؛
كي أراني رفيقاً من المراثي إذا يزفُّ منها الجناحُ، والبُعْدُ بي يَنْقَادُ.

أيُّ قَنْصٍ؟ سيذرفُ الليلُ قلبي إلي الصباحِ، ويُخفي الأليفَ عنّي الجَمَشْتُ
فَرَهْينُ المشاعِ إنّي، مطوّقٌ باللهاثِ الخفيف للماءِ، والحيُّ حولي حصادْ
والفضاءُ أَسرٌ، فعدْ بي، ياقلبُ، عُدْ بي إلى مشاغلِ الريحِ حيثُ المكيدةُ
حبرٌ، وروحي
نساءٌ يداهْمنَ من حواري المغيبِ هذا العراءا.

سأمضي، ومن كلِّ سمحِ
معي خرزٌ وشناشيلُ؛ أمضي كَثيْفَ قَصْدٍ يشفُّ إذ يتناءى
ومثلي السهولُ تمضي فتنشقُّ عن كُنْهها الأعيادُ:
زَلْزَلٌ أنيسٌ، وغيبٌ يُذَرْذِرُ الجمادَ فيهِ الجمادُ.
وكَلَهوٍ سيرفعُ الشَّكلُ أقدارهُ؛ أو كمدْحِ
سيعصفُ الحلوُ من كلِّ مَقْتَلٍ، ويبثُّ الغبارُ في فَتْكِهِ الإطراءا.

أيُّ قَنصٍ؟ تفرُّ من سربها الأعيادُ
والخفيُّ يلقي المراسي، فللحيّ بدْءٌ ظلالُهُ الأصفادُ.

والنعيمُ؟ حدِّثْ هوايَ. حدِّثْ هريرَ هذا الصباحِ. حدِّثْ مقاماً يضيقُ بالحيِّ. ما من صدىً. ضرباتٌ على الحبرِ. والآن؟. مَرحى زحامَ ما لا يزاحمُ. مرحى. الملاكُ يعبثُ بالقفلِ، والبابُ نزهتنا؛ البابُ همْسٌ من الظلامِ سارتْ بهِ الشفاهُ. لا. أبدٌ من مشاغلِ الماء. خبزٌ هنا. لا تقلْ لي. فكاهةٌ، والقيامةُ أنثى. تقولُ؟ لا. للنعيمِ دمدمةٌ من غضارٍ، وللمراثي النبوغُ. لا. حدّثِ العمرَ: كانتْ يداكَ؛ كانَ النشيدُ؛ كانتْ أباريقُ هذا الأليفِ تسكبُ همسي. نسيْتَ؟ حدِّثْ: مكانٌ غداً. هَرَبٌ. والفضاءُ؟ مرحى. غدٌ للمكانِ. بأسٌ تطأطئ الريحُ من حياءٍ إذا يهُبُّ، وأنْسُ
يدلقُ الغيبَ فوقَ الدروعِ ويرسو
بطيئاً، تموجُ أثداؤهُ الألفُ. أنسٌ كثرثرةٍ من نحاسٍ. وقلبي؟ أوقفً إوزّكَ يا قلبُ يخبطْنَ صدري
وأوقفْ أيا مساءُ المساءا
تعبٌ جهاتي، وللبعيد إذ يتناءى
لأْلأٌ من أمومةِ النّهبِ يُغوي جسوري.
وأنا، إيه يا المُرْتجى من فضاءٍ يضيقُ بالتدبيرِ
تسهرُ الحياةُ من وحْشةٍ عليَّ، وتُهرْيقُني الأقدارُ لمّا رجعْنَ مثليَ ماءا.

لكَ يا قلبُ رُجعي إلى الخفيِّ أولى رُجْعَى
إلى الكثيفِ بانتْ مخالبُ الطينِ فيهِ.
لي يا قلبُ رُجْعى إلى التَّشتِيْتِ النَّبيْهِ
حيثُ ترقي السهولُ ثدييَّ، والأفقُ يشكو إلى العماءِ العماءا؛
ألهذا تسهرُ الحياةُ من وحشةٍ عليَّ، أَمْ أنَّ ماءا
يغرُفُ البرقَ من حبرِ هذا الهبوبِ أو من يديَّ؟ يا للتّيْهِ:
يذهبُ الحيُّ والمواجعُ تبقى
ويبقى الأنين ُ يعدو بأختامِهِ التّذْييلُ.

أيُّ قَنْصٍ إذاً؟ طَبْعُ هذا المكانِ رَطْبٌ، وطيرُهُ التأويلُ
فاعتذرْ أيها القلبُ من سكونٍ يحطِّمُ الغَدُ فيهِ
رخامَ قبري، ودلَّ قلبي عليّْ
فأنا ذلكَ الشّريكُ همَّ أن يُري الأرضَ مِلْكها، وهمَّتْ
تِلْكُمُ الأرضُ ألاّ تُريهِ
كلُّ هذا كمينٌ يليهِ ما قدْ يليهِ.

******