محمد الخضيري

"علي الآن أن أقوم بـ15 دقيقة من الحداد
لفقدان ذات الشعر الأحمر"
شارلز بوكوفسكي، قصيدة ميلانكوليا.

محمد الخضيري03:05

يستلقي الرجل العاري في سريره ويفكر في العزلة. يمسك كأس الجين تونيك وينظر إلى الحائط العالي بعض الشيء. الرجل العاري يفكر في جدار أصم يبنيه حول نفسه، وتصيبه رعشة تجعل جسده ينتفض للحظات قبل أن يتجمد.
داخل جسد الرجل العاري حرائق لا تنطفئ.

03:34

يتحرك في فراشه قليلا وينظر في الظلام إلى السقف الذي تنعكس عليه أضواء سيارات سكيرين يعبرون الزقاق الضيق المحاذي للعمارة. يفكر في سماء كانت ممطرة. هل حقا كانت كذلك؟ لا، لكن ليخترعها إذا في زحمة حبات المطر الصغيرة التي تذرفها عيناه. كانت السماء تمطر قطرات خفيفة وكانا يسيران أسفلها. أمسك يد رنا بقوة، وكانت أصابعهما تتشابك في حب (يضحك لكلمة الحب وهو يمسك بقوة كأسه قبل أن ينهي الجرعة الأخيرة منه، ويصب كأسا آخر من القنينة الموضوعة على المنضدة جانبه). رنا كانت متقدة كعود ثقاب. أمسكت يده بقوة قبل أن تقبل عنقه في الشارع المهجور وتتكئ على كتفه وهما يسيران ببطء. قالت له كلمات لا يذكرها عن الحب والأسرة المستقبلية والأبناء. أخبرته أنها تنتظر الصيف بفارغ الصبر ليذهبا إلى الشاطئ. فكر لحظتها في جسدها الأبيض داخل ملابس السباحة. قالت إنهما سيذهبان إليه في الليل. سيكونان وحيدين في الشاطئ الفارغ إلا من النوارس، وستسبح كسمكة في المياه السوداء الباردة. فكر في أنه سيتابعها ببصره كأي مجنون بحورية خارجة لتوها من أعماق المحيط. اقتربت من أذنه وأضافت:
سأخرج من الماء، وسأهرع إليك. سأنزع ملابسي وسأنزع عنك ملابسك، وسنمارس الحب على الشاطئ. ابتسم ونظر إلى عينيها اللتين بدت فيهما البراءة.
- On va faire des choses treeees sales أكملت وهي تضحك.
- أشياء وسخة مثل ماذا؟، سألها بمكر.
سترى. أجابت في غنج وضحكت قبل أن تضغط نهدها على كتفه وتلف يدها حول خصره. أحاط جسدها بذراعه ومرر أصابعه على نهدها الصغير برفق. ابتسم ونظر إليها قبل أن يقول:
- أنا مجنوووووون. مجنون بك.

03:40

الرجل العاري كان ينظر إلى السقف العالي بعض الشيء، ويفكر في العزلة التي ضربها على نفسه وفي رنا. وضع رأسه على المخدة وفكر في شعرها الأحمر الطويل الذي كان ينسدل علي المخدة، ويدخل أنفه في الليل.

03:52

تقلب في سريره قليلا، وأدار رأسه إلى الحائط. تذكر أنهما كان يجلسان في مقهى "الكؤوس". كانت جميلة للغاية، وترتدي قمصيا أزرق، وتضع عقدا باللون ذاته حول عنقها. أراد تقبيل النمش الخفيف على وجهها. أن يقوم من كرسيه ويعانقها ويضغط جسدها بذراعيه كما فعل في الليلة السابقة، لكنه حافظ على هدوئه وهو ينظر إليها. أخرجت هاتفها النقال وأخذت له صورا. مدته له وأخذ لها صورا. عقدت يديها على شكل قلب وصورها. فكّر: إنها تضغط على قلبي بأصابعها.
صوّرت رنا فيديو لهما في المقهى مساء الأحد المشمس. كان يلعب في هاتفه ويبدو عليه هدوء لم يعهده في نفسه، (حين شاهد التسجيل في ما بعد أحس كما له أن تبدو عليه سكينة المؤمن في دور العبادة)، وكانت جميلة. جميلة للغاية. قال:
- Je t’aime . وأرسل لها قبلة في الهواء.

أجابته:

- Je t’aiiiiiime، وأعطته قلبا آخر. ما لم تعرفه أنها كانت تضغط على قلبه مرة أخرى.
ليلة قبل ذلك كانا في شقته. كانا ينامان في السرير الضيق. حركها اتجاهه عشرات المرات في الليل. لم ينم. كان يداعب شعر رأسها النائم على صدره ويفكر في الأشياء التي نعتاد عليها وتصبح جزءا عميقا من ذواتنا. وفي أنه لن يتركها أبدا.

04:13

الرجل العاري يقوم من سريره. يضغط على زر الإنارة، وتملأ الغرفة إضاءة صفراء باهتة. يمسك الكأس في يده ويتجه ناحية المرآة. يقف أمامها وينظر إلى جسده العاري وعضوه المرتخي. يفكر في رنا وهي تضع حلقاتها التي على شكل وردة فضية. في رنا وهي تضع الماكياج، حين يقف خلفها تماما ويشتم شعرها كأي طفل يكتشف الآخر. كانت تضحك باستغراب وتقول له "أنت مجنون".
الرجل العاري لم يعرف أنها الليلة الأخيرة لهما. بعد قهوتهما في مقهى "الكؤوس" بأسبوع أصبحت الأمور بينهما لا تطاق. أخبرته أنها لا تحبه وأجابها أنه يعشقها. أخبرها أنه ضاجع أخريات وأنها لم تعد تهمه. كان كاذبا. كذباته تحولت إلى حقيقة بعد أسابيع. كانت وجوها بليدة تعبر شقته. يقفن أمام المرآة التي أعتادت رنا الوقوف أمامها.
يعود إلى سريره ويحمل الحاسوب الموضوع إلى جانبه. يشغله ويكتب على الشاشة البيضاء بعدم اكتراث:
" العيون البليدة ذاتها تنظر إليك. الشراشف التي تختفي خلفها الأجساد. انعكاس صورها على المرآة قرب الخزانة، وأنت في الخلف تنظر بدهشتك الأولى. الشفاه الأكثر انتفاخا. الأيادي السمراء التي تضع عليها أحمر الشفاه. الشعر الشبيه بشعرها غير أن اللون آخر. الصور التي يعطينك وتضع في حافظة النقود قبل أن ترميها في صندوق القمامة (بينما تحفظ صورتها). الرعشة الأولى لجسد امرأة تضع رأسها على صدرك. الأريكة الحمراء والحائط الأصفر القديم. رائحة العطر المختلطة برائحة السجائر. رغبة القيء التي اختفت. والابتسامة البليدة ذاتها تطلقها أمام عريك. تبحث في الملامح عن شيء مميز. ندبة صغيرة على ساعد مريم؛ بثور على عنق؛ دعاء؛ وسمرة خفيفة تعلو وجه نسرين. يعبرن غريبات في الشقة السفلية بعمارة قديمة في شارع تجهل اسمه. يبكين دائما في لحظة من الحديث ويسردن لك قصصا قديمة. تدعي حزنا لا يعبر قلبك. يتوقفن ويقبلن فمك. اصطدام الرؤوس ذاته بالحائط. أن تمرر يدك على أجسادهن. أن تلعق حلماتهن. أن تضغط جسدهن إلى جسدك وأن تكون عميقا داخلهن. قبل أن تصل لذتك وتطلق نفسك العميق ذاته. حين تضاجعهن تفكر في طيور متوحشة بغابة استوائية تصدر أصواتا تشبه النعيق. وتستسلم للغياب وأنت تراوح ما بين حركة سرعة وبطيئة. ثم تنفجر..."

04:40

يحاول الرجل العاري كتابة كلمات أخرى لكنه يعجز عن ذلك. ينصت إلى أغنية The wine song لمجموعة the cat emipre يردد المغني كلماته السريعة:
I'm going to die with a twinkle in my eye
'cause I sung songs spun stories loved laughed and drank wine
يفكر الرجل العاري في رنا وفي الفراغ الذي خلفت داخله. في لحظاتهما الأكثر حميمية. حين كانت تدخل الحمام ويتبعها إليه كأي طفل مجنون بأمه. يسترق النظر إلى جسدها العاري أسفل المياه، وإليها وهي تغسل أسنانها بالفرشاة المصبوغة بالأبيض وبأخضر باهت. كانت تضع لباس الاستحمام الخاص به، وتبدو صغيرة داخله. كل ما يتبينه من جسدها المخبأ خلف الرداء هو عنقها وشعرها الأحمر المبتل ومنبت نهديها وقلادتها الذهبية. كم أحب أن يشتم رائحة الصابون في جسدها وينظر إليها وهي تغسل أسنانها وتضع نظاراتها الطبية بدل العدسات اللاصقة.

05:30

الرجل العاري يجلس في الغرفة المغلقة النوافذ ويشرب كأس الجين تونيك الأخير. تضايقه الروائح ، والفوضى التي تملأ المكان. رائحة الأكل ورائحة جواربه المتسخة المرمية أسفل السرير. قنينات البيرة الحديدية، وصورة لمارلين مونرو مرمية على الأرضية. الكتب، كتبه ومجلاته المرمية أيضا على الأرض في فوضى حقيقية تصيبه بالرغبة في أن يحرق كل شيء. لكنه يفكر في رنا وينقل بصره بين السقف وساعة الحاسوب التي تتقدم في بطء.
كم قضى الرجل العاري من الوقت يفكر في كيف أن كل الأشياء التي آمن بها كانت مجرد كذبة؟ كم مرة التجأ للكؤوس التي تمنحه بعض الطمأنينة؟ كم من الوقت أضاع إلى إشراقة الشمس، وهو يفكر في كيف كانت ستكون رنا على الشاطئ الخالي من الناس.
الشاطئ الخالي من الناس وهما يمارسان الحب..

مايو 2010