في السبعين وما زالت جدليته ساخرة وهادئة ومعرِّية

عادل قرشولي

فولكر براونهذا هو سر الجاز:
نغمة 'الباص' تنفلت من الأوركسترا المحنطة.
الطبول تقرع رؤؤس الأغنيات الغبية.
البيانو يشرّح جثة الطاعة.

الساكسوفون يكسر قيود النوتة الموسيقية:

تزلزلي أيتها المفاصل: فنحن نعزف مقطوعة جديدة..

حين كتب فولكر براون هذه الأبيات في بداية الستينات لم يكن قد تجاوز العشرين من عمره إلا بثلاث سنوات. ولم تكد مجموعته الشعرية الأولى التي تضمنت هذه القصيدة وحملت عنوان 'إستفزاز لذاتي' تصل الأسواق عام 1965، حتى أصبح، وبحق، من أهم الأصوات الشعرية التي تمثل جيلاً بأكمله. الجيل الذي تفتح وعيه على مخلفات الحرب العالمية الثانية. فقد ولد براون عام 1939 في مدينة درسدن السكسونية. ولم يكن قد تجاوز السادسة من العمر حين قتل والده في تلك الحرب مخلفاً وراءه زوجة وخمسة أطفال صغار. وكان في العاشرة حين تم تقسيم ألمانيا إلى دولتين. ولأنه ساكسوني من درسدن، ولأن درسدن في شرق ألمانيا، فقد بقي في ألمانيا الديمقراطية حتى رحيلها عن الخارطة. لم يعش براون، إذن، أهوال الحرب والإرهاب الفاشي بشكل مباشر. بل نشأ وترعرع في أحضان مجتمع وضع لنفسه، كمشروع عام، هدف تحقيق العدالة والسلام بين البشر. لذلك نراه، حين يرسم في قصيدته 'تحولات حياة فولكر براون' صورة لذلك الجيل، يعتبره جيلاً حالفه الحظ، لأنه لم يكن مضطراً للقتال في المعارك الضارية.

مع ذلك لم يشأ أن يركن لهذا الحظ وحده، وأن بالقليل الذي ما يقدم له على طبق من فضة. بل أراد ليومه أن يمتلئ حتى حافته القصوى بالحياة والحب والحرية التي أراد المساهمة الفاعلة في صياغتها. وقد صعد على خشبة المسرح الشعري الألماني المعاصر وهو يحمل في جعبته برنامجاً شعرياً مميزاً وناضجاً. كان منذ بداياته لا يريد لقصيدته أن تكون حطباً لنار المجد، ولا للقوافي أن تكون جاهزة ووردية في بوادي الكلمات القاحلة. بل كان يريد لها أن تكون أشبه بسلك التلغراف المتوتر والمستعد باستمرار لالتقاط مؤشرات الواقع دون تزييف. هكذا يعلن دون مواربة في القصيدة التي افتتح بها مجموعته الأولى تلك وأطلق عليها بكل بساطة عنوان 'مقدمة':

دعوهم يكسروا أشعارهم ويحزموها لنار المجد!
دعوهم يولّفوا قوافي وردية كإشارات على طريق بَوادي الكلمات!
قصائدنا صمامات للضغط العالي في شبكات أنابيب الأشواق.
قصائدنا أسلاك تلغراف، متوترة دون توقف، مدججة بالكهرباء.

كانت هذه النبرة الشعرية جديدة على القصيدة في شرق ألمانيا آنذاك. نبرة إقترب براون فيها مع سبق الإصرار والتصميم من المحرمات الأيديولوجية. ورفض القبول بدور الكومبارس في مجتمع كان يعلن في شعاره المعلن إنه ينطلق من الرغبة في تحقيق العدالة بأسمى معانيها وفتح آفاق التفتح الحر أمام الإنسان. رفض الجلوس صامتاً يطبل ويزمر في الجوقة العامة التي تخضع الفرد لنوتاتها المكتوبة مسبقاً في غرف محكمة الإغلاق. وأشار بلا مواربة إلى الهوة التي كان يراها تتسع بين النظرية والتطبيق، أو بمعنى أدق بين المشروع الإشتراكي المتمثل بالطموح وبالحلم الذي كرسته في فكره وأحاسيسه دراساته الفلسفية وبين ما كان متحققاً في الواقع المعيش. بهذا الموقف النقدي الصارم كان يمثل يومها جيلاً أضحت المنجزات الاجتماعية بالنسبة إليه من البديهيات التي نشأ في أحضانها، فبدأ يتململ ويطرح تساؤلات حول حرية الفرد ودوره الفاعل في إطار المشروع الجمعي.الإنجاز الذي حققته قصيدة براون آنذاك هو أنها منحت هذه التساؤلات صوتاً شعرياً صادقاً ومقنعاً يدعو إلى التغيير في الواقع المعيش، ويربط هذه الدعوة بتساؤلات ذات طابع فلسفي شمولي: عن جوهر الإنسان وجوهر التغيير. ولأن فولكر براون خرج يومها من القاع الإجتماعي، إذ عمل بعد حصوله على الشهادة الثانوية في مطبعة و منجم ومصنع، قبل أن يتمكن من الحصول على مقعد لدراسة الفلسفة، فقد رأى بحسه الشعري المتفتح وفكره الفلسفي الثاقب أن الواقع المعيش في ذلك المجتمع الإشتراكي الذي كان يصوغ مشروعه التنظيري على أساس تحقيق العدالة الشاملة والتفتح الحر للإنسان لم يحقق له حريته وفرديته على الوجه الأكمل على صعيد ما هو متحقق.

في مجموعته الثانية 'نحن وليس هم' (1970) نرى براون يهاجم طرفي الصراع: الرأسماليين المستغلين من جهة، وأولئك الذين خرجوا من أقبية النضال ضد الفاشية ليبنوا مجتمعاً مدنياً بأساليب تعلموها في ظروف مغايرة. وأضحى التصلب يدب في عروقهم النضالية.

كانت سخرية براون لاذعة ورؤيته صاعقة ومرآته كاشفة لعورات من نصَّبوا أنفسهم قيٍّمين على حلم بدأ يتحنط في رؤوسهم ويتحول في قراراتهم إلى مجرد شعار. بذلك أصبح كل عمل يكتبه، قصيدة كان أو قصة أو مسرحية، يشكل حدثاً في المشهد الثقافي لتلك الفترة يثير الجدل ويشق الصفوف. ويتعرض للمنع والحجب.. لكن براون لم يأبه بذلك. وظل يحارب على جبهتين.
لم يكن يلعن الإنجاز أو الحلم. بل كان لا يخشى من توجيه قبلة إلى أبناء بلده، لأنه كان يدرك أن ما انجزوه بعد الحرب بنوه بأنفسهم من ركام وأطلال. لكنه كان يشعر، في آن، أن أرواحهم وإراداتهم بدأت تتحول نفسها كذلك فيما بعد إلى أطلال وإلى ركام خامل. أصبح لا يستشعر فيهم بتطلعاته المتوثبة سوى رياح تخلد إلى النوم وسبعة عشر مليون ممثل صامت. لذلك بدأ يرسم لنفسه بشراً في الرأس كما يريد لهم أن يكونوا عليه، كي يبدأ معهم في ترميم الصرح الذي بدأ يتآكل من الداخل، وكي يستطيع أن يحبهم بأحاسيسه لا برأسه:

- ها أنذا أقف متحرراً من كل الروابط: مثل قارب
فوق نهر، شراعه فارغ، لأن الرياح خلدت إلى النوم.
- هذه القبلة: هي آخر ما أملك. أرسم بشراً
كونتهم في رأسي. ومن رأسي أحب. وأنا أخرط ملهاة
من ذاتي لسبعة عشر مليون ممثل صامت.

كان الهاجس الأول لفولكر براون منذ عرفته في مطالع الستينات شاعراً وصديقاً محاولة الغوص إلى العمق، إلى مسارب الكنه، ليكتشف السيرورة ويكشف النقاب عنها للآخرين. وهو يفعل هذا حتى في جسد الحبيبة. إنه يجد فيه حقلاً مغلقاً، يريد أن يسبر غوره بنظرته، وأن ينقب فيه عن الكنز بيديه وأضلاعه، كما يفعل في قصيدته التي كتبها لأنالي، رفيقة دربه الطويل:

إلى جانبي، ليلاً
لا ألمس أيتها الحبيبة
سوى سطح الجسد
ولا أجد في الألياف ما أبحث عنه
ولا تستطيع أن تكشف لي حتى العضة ما أريد

هذه الرغبة في البحث وفي التغيير الدائم هي ما تعلمه براون من جدلية برتولت بريشت الشهيرة.
)وقد عمل بدعوة من زوجة بريشت هيلينا فايغل مستشاراً درامياً في البرلينر أنسامبل). لكنه لم يكن مقلداً لبريشت، بل كان يستخدم منهجه في الكشف عن قانونيات مشروع وواقع جديدين مغايرين يتحرك هو فيهما. قال بريشت في مطلع الخمسينات جملته الشهيرة 'لقد خلفنا مشاق الجبال، وأصبحت تمتد أمامنا الآن مشاق السهوب'. مشاق الجبال كانت بالنسبة لبريشت هي الصراعات الطبقية والحرب والمنافي. أما مشاق السهوب فهي بناء الصرح الاشتراكي اليومي الجديد كما كان يعايشه في انطلاقاته الأولى في خمسينات القرن الماضي. أما فولكر براون فقد أصبح ينظر إلى هذا الأمر في الثمانينات بشيء من الحذر، إذ بدأ يرى أن السهوب التي تحدث عنها بريشت باتت تتحول من جديد إلى جبال، وأصبحت تمتلئ بالهوة تلو الهوة. فهو يكتب سنة 1987 في أقواله البرلينية:

حين تقدمت نحوها شاهدت جدائلها المتألقة
والآن إذ أدير رأسي نحوها أرى صلعتها خلف الرأس

هنا لا يتحدث براون عن إمرأة، بل عن دولة كان يراها تسير في الطريق إلى تدمير نفسها. وهو ينهي أقواله البرلينية تلك بصرخة حزينة تشبه استغاثة غريق، إذ يكتب:

لم يعد في الدفتر سوى صفحة واحدة: والجملة الأهم لم أقلها بعد.
إستعيدي عافيتك، أيتها الحبيبة. وعودي إلى مرحك.

غير أن تلك الحبيبة لم تتعاف ولم تعد إلى مرحها، كما هو معروف، بل وافتها المنية. لكن دفتر فولكر براون يحتوي دائماً على ورقة يعتقد أنها الأخيرة. ورقة خيبت ظن كل من اعتقد أنه سيصمت. حاول كثيرون من النقاد الألمان بعد توحيد الألمانيتين بكثير من التجني أن يستهينوا بالإنجازات التي حققها في ألمانيا الديمقراطية الراحلة كتاب أمثال كريستا فولف وهاينر موللر وفولكر براون. غير أن كل تلك المحاولات لم تفلح. لم يمض وقت طويل حتى عاد براون مع زملائه ليتبوأ ثانية المكانة التي يستحقها في المشهد الثقافي الألماني كواحد من أهم كتاب جيله في ألمانيا الموحدة. وتم انتخابه على سبيل المثال رئيساً لقسم الأدب في أكاديمية برلين للفنون الجميلة. كما منح جوائز عديدة، كان آخرها جائزة جيورج بوشنر، وهي أعلى الجوائز الأدبية في ألمانيا.

يكفي أن نذكر أن أكبر وأهم صحيفتين ألمانيتين متناقضتين فكرياً وسياسياً، هما 'فرانكفورتر ألجيماينة تسايتونغ' المحافظة و'دي تسايت' الإشتراكية اتفقتا في أمر يشق الصفوف عادة على رأي واحد. أكدت 'فرانكفورتر ألجيماينة' أنه 'إن كان ثمة من يستحق فعلاً هذه الجائزة منذ سنوات فهو فولكر براون'. لأن براون، هذا الجدلي، الذي يتسلح برؤية تاريخية شمولية قلما نراها لدى شعراء آخرين، لم يزل يؤمن، كما نقرأ في أعماله الأخيرة، بدور الشعر في العملية التغييرية. وكتبت 'دي تسايت': ' إن جائزة بوشنر ندر أن منحت إلى كاتب يستحقها حقاً مثل فولكر براون، لأنه ما من كاتب ممن حصلوا عليها يمكنه الإدعاء بأنه وريث حقيقي لبوشنر كبراون، ليس بسبب عظمة أعماله وتألقها وحسب، بل وكذلك بسبب أسلوبيتها ومادتها، وبسبب تضافر التعبيرية الحارة والتحليل المتزن، وتمازج القنوط بالسخرية، وقبل هذا وذاك بسبب الحزن العارم على ثورة تمت خيانتها لأنها لم توضع منذ البداية على مدارها الصحيح، مما تسبب في انحرافها المستمر عن مسارها.'

لكي ندرك المعنى الحقيقي لهذه الكلمات ولأهميتها البالغة لا بد لنا من أن نعرف أن هذه الجائزة التي تم إطلاقها سنة 1923، وانها منحت منذ عام 1951 لأهم كتاب ألمانيا، من بينهم على سبيل المثال ماكس فريش، باول تسيلان، انسيسبرغر، انغبورغ باخمان، غونتر غراس، بيتر فايس، وغيرهم... ولا بد أن نعرف كذلك أن فولكر براون كان قد وجه انتقادات كبيرة إلى المسارات التي اتخذتها صياغة الوحدة الألمانية.

لم يتخل فولكر براون يوماً عن مواقفه النقدية ولا عن جدليته الثاقبة.
حتى حين أتى من برلين إلى لايبزغ ليقرأ في حفل التكريم بمناسبة عيد ميلادي السبعين قصيدته 'هكذا تكلم عادل' لم يستطع أن يفعل إلا ما لا يستطيع إلا أن يفعله، فقال فيها:

هكذا تكلم عادل
وقال لي
ها قد هرمت الآن
ونبتت لي جذور
في سهوبكم
أما أنا فقلت
تركتَ إذن خمسة آلاف عام
من أجل تاريخ لا تاريخ بعد لهُ ولا سحر
..
تذكرت يومها ما قاله في قصيدته التي أهداها سنة 1967 لجورج ماورر، الذي كان صديقاً وأباً روحياً لنا، في عيد ميلاده الستين:

هناك حيث تتراكم الأثقال
كسد، يقف هو حين يرى بصيص نور
ويقول: هذا هو
ما يحدث من أجله كل ما يحدث!
وهذا ما يبعده عن يومه
حين ينفد صبره،
ذلك الغريب المرح،
وهو واحدنا.

وتذكرت ما قاله لي ماورر بعد أن قرأالقصيدة بمرح حقيقي: ' يا لها من قصيدة! إنها أكثر الانتقادات التي وجهت لي وداً..'

...

لعل فولكر براون أصبح يدرك في السنوات الأخيرة أكثر من أي وقت مضى أن ثمة ما يتم إقصاؤه عن الخشبة في مسرحية الحياة باستمرار، هو الحرية الحقيقية التي سماها ذات يوم في إحدى مسرحياته 'السلام العظيم'. ولعل اليوتوبيا الواقعية لم تعد هي التي تتحكم برؤيته ورؤياه. لكن تلك الكلمة السحرية ستبقى على ما يبدو هي المحرك الأول والأخير لقصائد فولكر براون ولكل ما يكتب من أعمال. صوته ما زال هادئاً ورصيناً. سخريته جدلية وثاقبة بتعريتها لكل ما يقف في وجه التفتح الحر للإنسان. ومودته معدية في مقدورها ترويض ذئب.
لك يا صديقي، وعبر هذا المنبر العربي هذه المرة، أجمل التمنيات بالصحة والعمر المديد كي نبقى نحلم معاً، ونبقى نؤمن معا بأن لا نهاية للتاريخ. ولا توقف للحياة. ولا استكانة لليد التي تحمل، ولو قلم رصاص، كما تفعل أنت، لتسجل به الشهادة، كما عهدناك، طالما بقي في الأصابع حياة.

****

قصائد لفولكر براون

ترجمها عن الالمانية: عادل قرشولي

06/05/2009

مقدمــة

دعوهم يكسروا أشعارهم ويحزموها لنار المجد!
دعوهم يولّفوا قوافي وردية كإشارات مرورعلى طريق بَوادي الكلمات!
قصائدنا صمامات للضغط العالي في شبكات أنابيب الأشواق.
قصائدنا أسلاك تلغراف، متوترة دون توقف، مدججة بالكهرباء.
قصائدنا تطلع كأشجار لها آلاف الجذور
في أكوام الأسرار على وجه البسيطة العجوز.
وتتفرع إلى آلاف الآفاق.
قصائدنا لابد أن ترينا مروجاً تحت انحناءات جسور الأفكار.
أن تصل الأحلام بقبة السماء.
أن تطرد قشعريرة الخوف عن الجلد.
ولابد أن تُمترس بالشمس صدورنا.

الجـــاز

هذا هو سر الجاز:
نغمة 'الباص' تنفلت من الأوركسترا المتحنطة.
الطبول تقرع رؤؤس الأغنيات الغبية.
البيانو يشرّح جثة الطاعة.

الساكسوفون يكسر قيود النوتة الموسيقية:
تزلزلي أيتها المفاصل: نحن نعزف مقطوعة جديدة،
كل ما أنا قادر عليه وماأنا بحاجة إليه هو: أن أكون أنا أنا-
وأن أكون هذه الأنا هنا بالذات: وأن أكون أنا نفسي هو الذي يغني.
من أنقاض انسجام النغم الرنان المعتم
ومن شجيرة النوتة الموسيقية العارية يتصاعد شيء ما مرفرفاً فوقنا
هو نبضات قلب البانجو وصرخات الساكسوفون:
إنه انسجام أنغامنا نحن: وحدةً متحركة -
كل واحد يعزف أبدع ماعنده كي تتكامل النغمة المشتركة.
تلك هي موسيقى المستقبل: كل واحد مبدع!
لك الحق أن تكون أنت، وأنا هو أنا:
ولن نتحالف إلا مع من يكون هو نفسه،
فريداً في الكُره وفريداً في الحب وفي النضال.
من 'تحولات فولكــر براون'

ولدت يوم أحد وظل الحظ يلاحقني:
لم أنكسر تحت وطأة القنابل، ولم يمتصني الجوع
بكل أنواعه.
نشأت على الحدود بين مدينة وقرية.
أقول إن الحظ يلاحقني، وأنا أدرك كم هو مستغرب مذاق ماأقول.
افتتحت مساحات جديدة، غزلتها بنفسي، ورأيت حقول ساكسونيا
تعانق المصانع المهدمة.
لكنني أدرك، لحسن الحظ، أن كل هذا قليل قليل
وأن يومي لم يمتلئ بعد حتى الحافة القصوى
وأن ماينجزه بلدي لم يزل ضامراً.
ومع هذا أتحدث عن الحظ، فالمعارك الضارية نائية.
الضربات لاتخترق في جسدي المسامات.
لا أتراجع حين أطلق صرخاتي، ودون خجل
تستمعون أنتم إلى ماأقول.

بحث شاق

إلى جانبي، ليلاً
لا ألمس أيتها الحبيبة
سوى سطح الجسد
لاأجد في الألياف ماأبحث عنه
ولاتستطيع أن تكشف لي حتى العضة ماأريد

أبقى على السطح، دون أن أغوص إلى القاع المظلم
حيث ينمو العشب الغريب ويزهر
في المكان الذي لم تصل إليه بعد
خطواتي الثقيلة الظل.
كيف يمكنني أن أقتحم ياترى
هذا العمق؟ أين أجد النظرة
السابرة غور هذا الحقل المغلق؟
أبحث
وأحفر بيديّ وبأضلاعي
منقباً عن كنز لابد أن يوجد في مكان ما
ولابد لي أن أجده يوماً ما، وأن أظل أبحث عنه
دائماً وأبداً.

مسرحيــــة

لم يعد ذلك بسر:
فنحن لم نعد ندع أحداً يخدعنا بعد اليوم.
لم نعد نجلس صامتين بعيون مبحلقة.
لم نعد نطبل إعجاباً على مقاعد التعذيب.
لم نعد ندفع مهللين ثمن لعبة الكبار،
وثمن سلخ الأجساد أو الأرواح في أحسن الأحوال.
الجماهير بدأت تتسلق
خشبة المسرح المضاءة:
وفي كل مكان تجري البروفات بلا شبكة أمان
في الشوارع وفوق المنابر وعلى النوتات الموسيقية.
)لكن آلة البانجو هي الوحيدة التي لم يسمح لها بعد
من الإنضمام إلى الجوقة(
التلسكوبات منصوبة على المشارف
لإكتشاف مؤشرات الزمن قبل فوات الأوان.
الملقنون يبرقون حائرين بين الحين والحين
ويديرون الكلمة كما يشاؤؤن في الفم،
لأن كل واحد يبوح دون وجل بما يفكر به - إننا نحن
من نلعب بأنفسنا مسرحية حياتنا. ولن يستطيع أحد
أن يوقف العرض بعد اليوم.
(لكن آلة البانجو لم تزل تنتظر دورها)
وشيئاً فشيئاً بدأنا نقودها إلى الخشبة
مفهومة كشعار، خفيفة كرداء صيفي يناسب كل إنسان:
تلك الحرية.

التحول

هذه النسمة المفاجئة
في الدهاليز. مكاتب
محطمة. الدم
والمجد؟ والجوع
الذي تتقيؤه الجرائد. على عقبيه
يدور التاريخ؛
للحظة
بكل إصرار.

تغيير ورق الجدران

الإدارة تقول لي
إنها أنجزت من زمن وبكل هدوء
إعادة البناء.
لكن البيت ليس أرحب من ذي قبل
وليس مريحاً هذا الدرج
والغرف الضيقة هل شمسها أسطع؟
ولماذا ينتقل الناس من البيت لا إليه؟

الماربورو أحمر. أحمر هو الماربورو

عليك الآن، أن تنام، وتستريح... وهاأنت مستلقياً لم تزل
يقظاً وعلى شفتيك ابتسامة.
ليس سوى جسدي هذا الذي يدب
على طريق ما، ولكن إلى اين.
أنت الذي أردتَ أن تعانق المجهول.
الآن أعرف كل شيء. إنها الصحراء.
أتقول الصحراء. بل لعلني أقول الرفاهية.
تمتع إذن، تنفس، كُل. إفتح ذراعيك.
لكن حياتي لن تطأ البتة عندئذ
طريقاً إلى تحول.

آه ياشيكاغو! وآه ياتناقض!

هل انطفأ سيجارك ياعزيزي بريشت
في الزلزال الذي فجرناه
بدول بنيت على رمل.
الإشتراكية تذهب، والجوني ووكر يأتي.
وأنا ليس في مقدوري أن أتمسك بما راح بمجرد أفكار
تتساقط على كل حال مثل شعر الرأس. شوارع أكتوبر
الدافئة هي اليوم طرق الإقتصاد
الباردة، ياهوراتسيو. وهاأنذا أدفع العلكة بنهم
إلى الفم لأسد بها الحلق،
فقد تحقق أخيراً مالايستحق الذكر.

القدس العربي
06/05/2009