إبراهيـم نصراللـه

حين وصلت بغداد لأول مرة في مطلع الثمانينات كانت الفكرة الأكثر إلحاحا بالنسبة لي هي رؤية جبرا إبراهيم جبرا، وحين سألت عن المكان الذي يمكن أن أجده فيه، قيل لي: من الممكن أن نتصل به الآن، لكن الشيء المؤكد أننا سنراه مساء في حفل افتتاح المعرض الجماعي لعدد من الفنانين التشكيليين العراقيين.

في المساء كان هناك، يتجول بين الأعمال، يعايشها، يقف طويلا أمام لوحة، يبتعد عنها إلى أخرى وعينه لم تزل على الأولى يسترق النظر إليها بين حين وآخر، لكنه لا يلبث أن يتوقف أمام لوحة جديدة تُسمِّره أمامها، كما لو انها أنسته كل ما رأى.

ولم يكن من الصعب على المرء أن يدرك أن جبرا يعايش اللوحة ككائن حي تماما، يدرك حاجته إليها كإنسان كاتب فنان، ويدرك حاجتها لهذا الحب الذي يبديه نحوها، هذا الحب الذي يستطيع وحده أن يبث فيها الحياة اللازمة لكي تتجاوز إطارها خارجة منه وعليه.

في الطريق إلى بيته، وقد كان يبدي من المحبة للكتاب والفنانين، بحيث يمكن لبيته الهادئ في حي المنصور أن يحتضنهم جميعا، تحدثنا عن علاقة الكاتب بالرسم، بالفنون، وأبدى استغرابه من هذه القطيعة بين الكتاب العرب وأشكال الإبداع الأخرى، حين يقصر الشاعر علاقة قصيدته بالشعر وحده، ولا ييسر لها سبل الوصول إلى كل ما يغنيها، ويعزز حياتها الداخلية، وأفقها بالانفتاح على هذا العالم الجميل.
بعد عامين حين زرت بغداد مرة أخرى، كان أول اقتراح يقدمه جبرا هو الذهاب معا لحفل افتتاح معرض تشكيلي أيضا.

يتحدث جبرا عن الفن كما يتحدث عن شخص قريب، شخص لا يمكن للحياة أن تكون حياة من دونه، وفي حديثه حيوية المحب ولهفته واندفاعه.

والآن، بعد مرور ذلك الزمن أستطيع القول إن سر تفتح جبرا الدائم وحيويته وهذه الروح المتوثبة التي ظلت تفيض عن حدود جسده، يرجع سرها إلى ذلك الغنى في داخله، الغنى بكل جمال وجميل، بحيث يمكنني القول إن جبرا كان مثالا غير عادي على أن انفتاح المرء على الفنون جزء أساس من صبا روحه الدائم.

***

قد لا نستطيع الآن أن نتحدث عن الطريقة التي كان يأوي فيها جبرا لأوراقه كي يكتب قصيدته، أو روايته، أو يرسم فيها لوحته، فتلك المسافة ما بين العمل الإبداعي وصاحبه هي منطقة خاصة، وأكثر خصوصية من أن يدركها أحد سوى الفنان ذاته، لكن علاقة حب جبرا للفنون التشكيلية كانت معروفة ومعلنة إلى ذلك الحد الذي غدت فيه شكلا من الإبداع، وهذا هو المدى الأكثر جمالا للذهاب في الحياة إلى أقصاها.

***

عام 1948 وصل بغداد، ويبدو أن الطاقة العظيمة في داخله، الباحثة عن مخرج، لم تترك له مجالا للإقامة طويلا داخل بيته، أو داخل جسده، إذ وبصورة غير عادية دفعته للخروج للقاء المدينة الجديدة، ومعايشتها، ولا شك أن انخراطه السريع في الحياة الثقافية البغدادية في ذلك الوقت أمر يثير الاعجاب والدهشة معا، ويجعلنا نتساءل فعلا عن سر ذلك التوق العظيم للتغيير؛ واليوم ونحن على مسافة نصف قرن وأكثر من ذلك التاريخ، حين نتأمل سيرة جبرا، نلاحظ أن كل لحظة من لحظات حياته، كما قرأناها في كتبه، وكما عايشناها، كانت لحظة اندفاع.

في عام 1949 يكتب عن (الذروة في الأدب والفن) ويتتبع فكرة الذروة وجوهر معناها في الرواية، الموسيقى، القصيدة، القصة القصيرة، المسرحية واللوحة؛ ويبدو واضحا بصورة باهرة ذلك الانفتاح المبكر لابن الثامنة والعشرين على هذه الفنون كلها وبهذا العمق الذي أدركه الكتاب والفنانون وأثار إعجابهم. يقول الفنان التشكيلي شاكر حسن آل سعيد في كتاب (القلق وتمجيد الحياة 1995): (وأصبحنا نحن الشباب الخمسيني المثقف وقتئذ نجد فيه مصدرا من مصادر الإشعاع الثقافي الذي لم يألفه المثقفون من ذي قبل، وقد عرفنا أيضا أنه كان من خلال ثقافته العميقة الجذور/ وفكره النير ـ يرسم صورة مثالية عليا لطلابه أيضا.)

كان جبرا يدرك جيدا ما لديه، ولعل في هذا إجابة على تساؤلنا عن تلك الطاقة التي دفعته للخروج نحو المدينة بتلك السرعة، كما لو انه لم يترك لنفسه فرصة إخراج ملابسه من حقيبته ووضعها حيث يجب أن تكون. وقد أدرك الوسط الفني الثقافي ما لدى جبرا على الفور: يقول الشاعر والناقد التشكيلي العراقي فاروق يوسف: لقد جر جبرا خيط حريته وراءه من القدس إلى بغداد إلى بيروت، ولقد فعل هذا الخيط في حياتنا الثقافية ما يمكن أن يفعله مصباح مضيء وسط عتمة دامسة. لقد التمَّ المبدعون ممن كانت مواهبهم في انتظار المعجزة حوله مثلما تفعل الفراشات، فكان أن وجدت نوايا التجديد في الشعر والرسم من يقودها في الاتجاه الصحيح .. ومثلما شهدت له الخمسينات أنه قد أحدث تحولا كبيرا في نظرة الفنانين إلى الحياة ونظرة المجتمع إلى الفن، فإن الستينات تشهد له أن رعى الانقلاب الرؤيوي الكبير الذي عاشته تلك السنوات)

في دراسة تالية قدمها عام 1950 كمحاضرة في دار المعلمين العالية ببغداد (ووضِّحت بالصور) كما جاء في كتابه (الحرية والطوفان)، يذهب جبرا نحو (السريالية والمدارس الفنية الحديثة في الرسم) أي يبدأ انطلاقا مما هو نظري، لكن اختيار جبرا هذا، لم يكن مصادفة، إذ أن هذه المحاضرة هي بمثابة بيان فني واضح المعالم واضح التوجهات، فهو يبدأ من السريالية، ويعطيها حظها الأبرز في عنوان وصلب محاضرته، لأن دعوة التجديد تجد كثيرا من أطيافها في اندفاعة السريالية نحو عوالم مغايرة لواقع الفن العربي وكذلك الأدب العربي في تلك الفترة، لذا، يبدو جبرا متبنيا لقول أندريه بيرتون عن السريالية، أكثر من مستعير له. يقول بيرتون عن السريالية: إن كلمة السريالية، أي (ما فوق الواقعية أو ما وراءها) تعبر في رأينا عن الرغبة في تعميق أسس الواقع، والرغبة في الوصول إلى وعي بالحياة أكثر وضوحا من قبل، إلى وعي بها أعنف عاطفة وأشد شعورا، لقد حاولنا أن نصف الحقيقة الداخلية والحقيقة الخارجية كعنصرين هما في طريقهما إلى الاندماج لكي تصبحا في النهاية حقيقة واحدة، إن هدف السريالية الأسمى هو هذا التوحد النهائي، إذ أن الحقيقة الداخلية والحقيقة الخارجية هما الآن في المجتمع الراهن، على طرفي نقيض، وعندنا أن هذا التناقض بينهما هو السبب في شقاء الإنسان.. ولذا أخذنا على عاتقنا أن نجابه هاتين الحقيقتين الواحدة بالأخرى في كل مناسبة ممكنة...)

لم يذهب جبرا في كتاباته وفي لوحاته نحو السريالية، ليكون سرياليا بالتالي، ولكن من الواضح أن نافذة السرياليين المنفتحة على هذا المدى من الحرية هي التي كانت تستهويه، وفي فضائها يجد ما هو باحث عنه وداعٍ له.
في مقدمة المقال نفسه يكتب جبرا ـ وهذا ما جعلنا نعتبره بمثابة بيان فني ـ : قبل أن أخوض في الموضوع (موضوع المحاضرة) أود أن أحدد موقفي أمامكم، لئلا يؤخذ علي ما لست أريد. إنني إذ أحدثكم عن الاتجاهات الحديثة في الفن، كنت أود لو أدافع عنها وأحث عليها، غير أنني سأستعرضها، وأقدمها عارية من زخرف القول. ولعلكم بعد ذلك تشتقّون رأيي في الموضوع، غير أنني أرجو أن تذكروا أنني أردت بث فكرة التجديد في نفس الجيل الجديد، لن أدعي أن الطريق إلى اكتشاف الحقيقة بهذا التجديد ممهد، سهل، واضح. على الجيل الجديد أن يسعى نحو الحقائق مسلحا بخبرته ومعاناته الذاتية، ويهتدي إلى مواطن الجمال في الحياة بعد بحث، وشك، وقلق، ومخاطرة، وعليه أن يدرك أن الجمال ليس هو هذا الذي يطالعه كل يوم في مجلة مصورة وقصيدة مائعة. فمثل هذا (الجمال) لم يوجد إلا لمتعة الذهن الخامل.)

يذهب جبرا بعد ذلك للحديث عن علاقة الفنان بفنه ونوعية الجمهور الذي يجب أن يعمل على تدريب نفسه على الرؤية والرؤيا. وما يجب أن يكون عليه الفن اليوم.
ولعل الملاحظة الأولى أن همَّ جبرا في تلك الفترة كان منصبا على التحريض لتجاوز قواعد الماضي، بالذهاب إلى أفق المستقبل بما يعنيه من تجاوز، ولذا كان عليه أن يبدأ من النظري، الذي سيجد نفسه بعد حين مندفعا لمجاورته بالنقد التطبيقي، حين بدأت بذور التجديد تتفتح في أعمال الفنانين حوله. ولعلنا نستطيع أن نلمح هنا بوضوح، ومن خلال هذه المختارات من كتابات جبرا في الفنون التشكيلية، كيف أن إحساسه بالمسؤولية دفعه للكتابة عن كل ما بدأ يتحقق فعليا على أرض الواقع من أعمال فنية لأصدقائه. إذ أن بذرة التجديد التي تفتحت كان يلزمها رعاية تامة كي تصبح تلك الشجرة العالية التي راحت تكبر وتكبر..

وكما في روايته (البحث عن وليد مسعود) يجمع جبرا إبراهيم جبرا ـ حسب قول الدكتور فيصل دراج في دراسته العميقة (الكرمل عدد 54) جماليات الثقافة والإرادة والتوازن والتسامح ويسكبها كلها معا في فلسطيني غريب).

لكن حقيقة الأمر وواقعيته تقتضي هنا أن نقول إن الحياة الثقافية العراقية كانت في صلب عملية البحث عن أفق جديد للفن والأدب، وبعض تجليات هذا البحث قد سبقت وصول جبرا بقليل، وبعضها رافقته، لأن الحقيقة تؤكد دائما أن رغبة التغيير لا تصدر إلا عن أناس يعون الواقع، فنيا وإنسانيا، وبغير هذا الوعي لا يمكن أن يكون التغيير جزءا من قاموسهم، وفي الحالة العراقية في تلك السنوات، كانت الحاجة للتغيير أكثر من كلمة يمكن أن تسكن القاموس وحده. وهذا ما يؤكده جبرا نفسه: كان لقائي ببلند الحيدري وحسين مردان وجواد سليم وشاكر حسن وبدر شاكر السياب وعبد الملك نوري ونجيب المانع وقحطان عوني ورفعة الجادرجي فيما بعد ـ والعديد من المبدعين الآخرين ، عندما أنظر إليه الآن تاريخيا، من ذلك الضرب من اللقاءات المصيرية، لا في حياتنا كأفراد وإنما في تاريخ فكر بأكمله. فالتفاعل الذي تم في الحال بين الشحنة التي تملأ نفسي من سنين ، وبين الشحنة التي رأيتها في هؤلاء المنفتحين على أمل التجديد دون تحقيقه بعد، أطلق الشرارة، الدفعة، التي كانت بشير الخصب في الشعر والقصة والرسم والعمارة طوال الخمسينات والستينات)) (أقنعة الحقيقة وأقنعة الخيال ص129)
إن لقاء الوعيين أو الرغبتين شكل في النهاية الشرارة التي فجرت فكرة التجديد حيث (الفنان العربي مجابه بوضع متخلف يجب أن يتخطاه هو أولا قبل أن يستطيع الآخرون أن يتخطوه، وان هذا التخطي لا يكون بالترقيع والترميم وإنما بالتغيير الجذري.. ولكي يحقق الفنان هذا كله، كان عليه أن يدرك لا محنته فحسب، ولا محنة الأمة كلها فحسب، ولا محنة الإنسان عموما فحسب، وإنما عليه أن يدرك أيضا ضرورة البحث عن الوسائل التي تستطيع بمضائها أن تصور هذه المحنة: أي عليه أن يقرن بين أزمة الإنسان وأزمة الأسلوب، بين محنة الأمة ومحنة الفكر ..)) (أقنعة الحقيقة وأقنعة الخيال ص130.)

ولكننا نتساءل الآن: أين جبرا إبراهيم جبرا في تلك الفترة، مبدعا، بعد أن تحدثنا عنه داعيا ومنظرا ومحرضا تجديديا؟

لا نستطيع إلا أن نتحدث عن الفترة السابقة لذلك، نعني فترة وجوده في فلسطين، وكتابته لروايته (صراخ في ليل طويل) عام 1946، وهي رواية تحمل في جوهرا مشروعا جديدا على صعيد البنية الفنية للرواية العربية بصورة مبهرة إذا ما قورنت بما كان يكتب في تلك الفترة، رغم انه كان كتبها بالإنجليزية، ونشرها فيما بعد بالعربية في بغداد.
لكن الملاحظ أيضا أن رسوم جبرا كانت تحتل مكانة أساسية في حياته الإبداعية تجاور اهتمامه الأدبي، إذ بدأ الرسم عام 1941 إضافة لكتابة الشعر، ومن عام 1944ـ 1948 ساهم في تأسيس/ وكان رئيسا لنادي الفنون في القدس، وإذا ما أردنا تتبع إنتاجه التشكيلي والأدبي (المعروض) و (المنشور) فإن ذلك يكون حسب الترتيب التالي:

  •  عام 1951 يشارك في معرض (جماعة بغداد للفن الحديث) التي أسسها مع الفنان جواد سليم بسبع لوحات.
  •  عام 1955 ينشر كتابه الأول (صراخ في ليل طويل): روايـة.
  •  عام 1956 ينشر كتابه الثاني (عرق وقصص أخرى): قصـص.
  • عام 1959 ينشر كتابه الثالث (تموز في المدينة): شعـر.
  •  عام 1960 ينشر كتابه الرابع (الحرية والطوفان): نقـد.

لقد كان أول ظهور علني إبداعي لجبرا هو الفن التشكيلي، إذا ما استثنينا المقالات التي كان ينشرها متفرقة في الصحف والمجلات. وهذه الملاحظة تشير إلى أن علاقته بالفن التشكيلي لم تكن على هامش تجربته، على الأقل من خلال إحساسه بذلك، ففي غير مناسبة يؤكد ضرورة الرسم له على المستوى الروحي، وينظر إليه مع الكتابة كعنصري إنقاذ.

أما الملاحظة الثانية فهي أن روح جبرا كانت ممتلئة بالشعر بصورة كاملة، وممتلئة بالرواية بصورة كاملة، وكذلك بالقصص وبالنقد أيضا. ويهيأ لي أنه لم يسبق أن نشر مبدع عربي، وربما أجنبي، كتبا بهذا التنوع في بداية حياته، ولعل جبرا نفسه كان ممتلئا بفكرة تقديم جديد في كل شيء، يتحدى ويريد أن يكون قدوة لكل من حوله، وإلا كيف لنا أن نفهم، أنه ينشر رواية ولا يعقبها برواية أخرى تعززها فورا، بل يذهب للقصة، ومنها ينتقل إلى الشعر، ثم إلى النقد، وأظن أن تأخر نشر الكتاب النقدي كان سببه اطمئنانه إلى أن هذا الجانب قد شُهِد له به، ومنذ البداية، بحيث كان يلزمه أن يطرح تطبيقا لرؤاه النقدية في كتبه الإبداعية، وقد ظل طويلا يدعو زملاءه وأصدقاءه الفنانين والأدباء لتطبيق تلك الرؤى.

لقد كان جبرا مسكونا بفكرة هذا (التكامل) الذي يفيض ليعبر حدود (الكمال).
يجيب جبرا على سؤال طالما طرح عليه:

يقولون لي إن تجاربي الأدبية متعددة ومتنوعة، في الشعر ، في القصة، في الرواية، في النقد، وفي الكتابة بالعربية والإنجليزية، ثم يسألونني: في أي مجال أجد نفسي أكثر من غيره؟ ليس ثمة من مفاضلة بالنسبة إلي. إني أجد نفسي فيها جميعا، أو إنني أجد أجزاء من نفسي في كل منها..
أنا بالطبع لا أتوقف لأرى في أي المجالات أجد نفسي أكثر، ولو فعلت، لكنت كمن يريد أن يفرض الحظر على حركة بعض الأعضاء، أعضاء الجسد الذهني، والذي أعيش له كاملا، والرسم أيضا بعض من هذا الجسد، وحتى الترجمة، فأنا في الأغلب لا أترجم إلا ما أحس أن له صلة ما بلوعاتي المزمنة..
وأنا ما شعرت يوما أنني بتنوع مجالاتي، أبدد نفسي، أو أضعفها، بل بالعكس، أجد في ذلك المزيد من القوة والتماسك، كأن في كل مجال إبداعي زخما يصب في المجال الآخر..)) (أقنعة الحقيقة وأقنعة الخيال / ص 104-105)
بين حاجة جبرا للتنوع الذي تُعزز فيه الكلمة اللون، ويعزز فيه اللون الكلمة، وبين نظرة الآخرين له كمجدد ونظرته لنفسه أيضا، أكثر من خيط، إذ أن الضرورتين تلتقيان، تتقاطعان حينا وتنفصلان، وقد تتوازيان أحيانا، كما تتوازى الحرية مع الواجب، لكنهما في الحقيقة فعلان شكّلا في النهاية صورة جبرا الذي نعرفه.

ولعل من الأشياء الملفتة في تجربته حين ننظر إليها اليوم، أن هناك اتفاقا على أنه المحرك الفعلي لمسيرة الحداثة في العراق، هذه الحداثة التي ما لبثت أن مارست تأثيرها في بقية العالم العربي، بحيث يمكن القول: رغم أن جبرا لا يعد من الشعراء الرواد، في إطار التصنيف النقدي، إلا أنه منهم فعلا، ورغم أنه لا يعد من الرسامين الرواد إلا أنه منهم فعلا، ولا شك أن رواية جبرا ومنذ الأربعينات كانت الانفتاح الأكثر تطورا في الأدب العربي على أفق الحداثة، وكذلك نقده وترجماته.

كما يسجل لجبرا إبراهيم جبرا وحتى اللحظة الأخيرة من حياته، رعايته لكل إنجاز فني وأدبي، ولنا أن نقرأ رسائله للصديق ماهر الكيالي مدير عام المؤسسة العربية للدراسات والنشر، لنتبين كيف كان يوصي بطباعة الترجمات حول الفن التشكيلي (حوار الرؤية، الفن الأوروبي الحديث، النحت الحديث، ما بعد الحداثة التي ترجمها فخري خليل وقدمها جبرا وراجعها، وإلى ذلك كتاب مئة عام من الرسم الحديث، والانطباعية) ومساهمات هادي الطائي في ترجمة كتاب (التكعيبية)..

إن الكثير مما قدمه الآخرون احتفى به جبرا احتفاء غير عادي، كما لو أن مسؤولية إنجاز هذا الكثير كانت ملقاة على عاتقه، ولكنهم أراحوه من هذا العبء.

كما يمكن لكل من عرفه أن يلمح أن علاقة جبرا إبراهيم جبرا بإبداع الأجيال الشابة كانت بلا حدود، ولم يكن يبخل عليهم أبدا وهو يكتب عن أعمالهم بحرارة ويعايشهم بتواضع نادر، بل شبه مفقود في ساحاتنا الثقافية العربية، ويعترف بهم مبدعين يضيفون لتجربة الكتابة والإبداع، وهو أمر لا يكاد يُسمع من كبار كتاب عالمنا العربي.

***

ولكن ماذا عن هذه المختارات من كتابات جبرا في الفنون التشكيلية؟
لعل ما سبق كان محاولة لتأكيد الضرورة القصوى لمعنى هذه الكتابات، إذ أن جبرا إبراهيم جبرا لم يكن ناقدا فحسب، ولعل النظرة إليه كناقد تشكيلي سيسلب هذه الكتابات أهم ما فيها، لا لشيء، إلا لأنه كان من صناع هذا التيار العريض الذي أحدث انقلابا عظيما في تاريخ الفنون التشكيلية ومسيرتها في عالمنا العربي، إنه واحد من أبرز أولئك الذين شكلوا تيار الإحياء، بعد أزمنة طويلة من المراوحة أو الموات الفني.

وتبرز أهمية هذه الكتابات في أنها إضافة لكونها فعلا فنيا، هي شهادة نادرة على تطور حركة فنية بأكملها، فقد رافق جبرا الظواهر الكبيرة في الفن التشكيلي كما يرافق الماء الشجرة في صعودها إلى قمتها وتفرعها، وعايش ربيعها خضرةً، ولذا يمكن لمن يقرأ نقد جبرا إبراهيم جبرا التشكيلي أن يلاحظ كيف يتجدد بتجدد هؤلاء الفنانين ومراحلهم، حتى لكأن كل دراسة جديدة عن فنان ما، هي بمثابة فصل جديد من حياة وتطور هذا الفنان. فقد شهد جبرا ولادات بذور فنية وأدبية، ورافقها خطوة خطوة إلى أن غدت صروحا كبيرة عالية. وهذا شيء نادر في حياتنا الثقافية العربية. ولعل ما يضاعف من جذرية كتابة جبرا هذه، أنه ظل يتابع ويشارك في الحياة التشكيلية بالحماس نفسه الذي بدأ به، فكأن أي شيء يمكن أن يُتعب المرء أخيرا إلا الجمال. ولذا كان جبرا نادرا في هذا فـ (الناقد إذا خلا من الحب.. خلا من الفهم) حسب تعبيره، ولم يكن جبرا من أولئك الذين يمكن أن يتوقفوا عن الحب، أو يغلقوا أبوابهم في وجه الجمال. حتى ليمكننا القول: الجمال مهنته. فعلى الدوام كان متحمسا للجديد، وإذا كان لنا أن نحاول تصور حماس جبرا، الذي لم يكن باستطاعتنا أن نعايشه شهودا في أواخر الأربعينات، فما علينا إلا أن ننظر إليه كيف كان يتعامل مع الفن في التسعينات. حيث لم يكن يتوقف عن إبداء ملاحظاته حول كل لوحة يقف أمامها، إما معجبا بجديدها الذي تقدمه، أو معيدا لها لأصولها التي تعود لفنانين آخرين.

* * *

بقي أن نقول: لقد قدم جبرا إبراهيم جبرا الكاتب الكبير كل ما قدمه وعينه على ذلك الإرث الحضاري الكبير لتنوع وغنى الثقافة العربية، وهو لا يخفي إعجابه بنموذج المثقف العربي القديم حين يقول: ((يخيل إلي أن الكاتب العربي القديم كان في معظم الأحيان، ولا أقول كلها، أخلص إلى نفسه وإلى رؤيته فيما يقول وفيما يكتب من كاتبنا العربي اليوم، لم يكن الكتاب القدامى، إذا تمثلناهم في أحسنهم ليقفوا عند حد شكلي فيما يريدون أن يقولوه، ولذا كانت عندهم الخطابة والقصة والمقامة والرسالة والحكاية والأمثولة وغيرها. كانت كلها وسائل للجهر أو للتضمين أو الترميز لقول ما يلح على ذهن الكاتب استجابة لعصره وظروفه، واستجابة لحاجته النفسية والعقلية. (أقنعة الحقيقة وأقنعة الخيال ص 189))

لقد كان على الدوام من المؤمنين بأن الفنون تكمل بعضها بعضا، ويعزز بعضها بعضا، ويأخذ بيد بعضها بعض نحو ما هو أجمل وأعمق، وهو الذي شارك وحاور وكتب ورعى وصادق الكثير الكثير من الفنانين والأدباء، وجسّد ذلك التنوع في الأشكال المختلفة التي أبدع من خلالها.

ويبقى جبرا إبراهيم جبرا واحدا من الكبار الذين تكمن فيهم حكمة الأشجار التي تعطي بلا حدود: الكبار الذين يعلموننا كل يوم أن معنى الشجرة يتسع أكثر، لا بما تعطيه من ثمار فحسب، بل حين نرى رجلا نائما في ظلالها، وعصفورا يبني عشه ويغني فوق أغصانها، وطفلا يتسلقها بفرح؛ قد تكون هذه الأشياء ليست من المفردات التي نستعملها حين نصف شكل الشجرة أو نبحث عن تعريف واضح لها، لكنها في الحقيقة جزء من أفق وجودها وفاعليته.

* كان من المفترض أن تقدم هذه الورقة في المؤتمر العالمي حول جبرا إبراهيم جبرا والذي كان مقررا أن يقام في مدينة بيت لحم في أواسط نوفمبر 2000 .