- حاورها - عدنان حسين أحمد

سعدية مفرّح إن من يقرأ قصائد سعدية مفرّح يقطع الشك باليقين بأنه أمام شاعرة مرهفة تهز قارئها من الأعماق. فالنص الشعري الذي تكتبه يستغور النفس البشرية، ويبحث في طياتها ومنعرجاتها عن أقانيم الوجد الصوفي الشفيف من دون أن يغض الطرف عن توهج الذهن، واشتعال الذاكرة في أقصي درجات عنفها، ومساءلة الوجود عبر قوانين الذات وجنوح الأنا التي ترفض الانصياع للمسلمات الجاهزة. وأكثر من ذلك فإننا لا يمكن أن نغفل فيوض المشاعر والأحاسيس الدفاقة التي تغمرنا بها الشاعرة سعدية مفرح وهي تستبطن ذاتها بوصفها أنموذجاً كونياً صادقاً ينبغي أن يقول ما يريد بعيداً عن المصدات والمتاريس الاجتماعية التي تكبح جماح عواطف المرأة، وتجمّد الدماء في شرايينها الدافئة. إن هذا الصدق في التعبير، وبسالة البوح، وعمق المكاشفة هو الذي دفع بالشاعرة سعدية مفرّح إلي واجهة الاهتمام ودائرة الضوء التي تستحقها عن جدارة. فهذه الشاعرة هي التي صنعت نفسها بنفسها، وهي التي حرضت الآخرين شعراءً ونقاداً وقصاصين وصحفيين لأن يكتبوا عنها، ويحاوروها، ويدبجوا عنها المقالات الطوال. وربما تكون هي الشاعرة الوحيدة في الكويت التي نالت حقها من النقد والدراسة والتحليل والحوارات الصحفية. فلقد بلغ عدد المقالات والبحوث التي كتبت عن تجربتها الشعرية أكثر من (100) مقالة، بينما تجاوزت الحوارات الصحفية التي أجريت معها الخمسين حواراً. أما عدد الكتب التي تناولت دواوينها الأربعة، وتجربتها الشعرية عموما فهي أربعة كتب نقدية رصينة. ولاستجلاء تجربتها الحياتية والشعرية التقتها (الزمان) وكان لنا معها هذا الحوار:

الوجع اللذيذ

*هل لك أن تتحدثي لنا عن المصادر والمكوّنات الثقافية التي صنعت من شاعرة؟ وكيف تشكلت العلاقة الجنينية بينك وبين النص الشعري تحديداً؟ وهل تفجرّت موهبتك الشعرية بفعل القراءات المبكرة، أم بفعل ضغط تجربتك الحياتية، أم أن هناك دوافع مبهمة لم تتلمسي الطريق إليها حتى الآن؟

ــ لا أستطيع أن أضع إصبعي علي نقاط محددة شكلت تلك العلاقة بيني وبين الشعر، ولكن الشعر كان هو أول معني جميل ومفرح وبسيط وغير مكلف تجسد أمامي في طفولتي المرهقة بفعل اليتم والحاجة والعزلة والانكسار الذاتي والعائلي، كنت أريد أن أكون شاعرة لأنني كنت أريد أن أنتصر لذاتي وأتميز بشيء ما في خضم مجتمع ينظر لي، نتيجة لملابسات معينة، بشيء من الدونية، وكان الشعر وحده القادر علي انتشالي من هذه اللجة المزعجة، لم يكن يهمني في ذلك الوقت المبكر من عمري إن كنت أملك الموهبة الشعرية أم لا، حتى الآن أنا غير متأكدة من أنني أمتلك ذلك الشيء السحري الذي يسمونه الموهبة، ولكنني كنت أعتقد أنني أستطيع كتابة قصيدة ما دمت تلميذة متفوقة في دراستي إلي حد أراحني كثيراً ووفر لي أولي أدواتي تجاه تحقيق حلمي الذي كنت أظنه صغيراً حتى عندما تنامي من بين يدي وفي خضم أعوام عمري التي تضاعف تاريخها أكثر من مرة. لم تكن شروطا أو معطيات ولكنها الرغبة العارمة في القراءة. كنت أقرأ كل شيء وأي شيء تقع عليه عيناي، ولم أكن أتجاوز الثانية عشرة أو الثالثة عشرة عندما قرأت كتب الجاحظ وأبي حيان التوحيدي ومقدمة ابن خلدون وأجزاء كثيرة من ألف ليلة وليلة وغيرها من الكتب التراثية. كنت أحب أن أغوص في حكايات قديمة واصنع من مادتها أساطير جديدة تعينني علي ممارسة حكاياتي الخاصة. وكان المتنبي وجعا لذيذاً لي منذ قرأته أول مرة. كنت أتماهى مع قصائده في تجلياتها المختلفة، وأنساق وراء أحلامه وآماله الكبرى في السلطة والشعر وما بينهما من عناصر نحرت تلك الأحلام والآمال وكونت له ذلك المجد الشعري المستحيل. وأجدني الآن أعي أن هذا كله لا يكفي لصنع شاعر أو ربع شاعر ما لم يكن مهيأ لذلك بطبيعته، ولهذا لا أستطيع أن أحدد أية عوامل اختيار معينة لمرجعيات كونت لحظتي الشعرية، فلحظة الشعر لحظة ملتبسة وغامضة ورغم ما قلناه ونقوله عنها فهو قول ناقص إن افترضنا أنه حقيقي!

أجنحة الشعر

*قلتِ في سيرتكِ المنسية أو المؤجلة حسب توصيفك: (إنني اخترت، وفي فترة مبكرة من حياتي، أن أكون شاعرة أو كاتبة علي الأقل). كيف تجسد هذا الإحساس المبكر لديك، وما هي الشروط والمعطيات التي حفّزت حدوسك ولوامسك الاستشعارية بأن تكوني كذلك؟

ــ لم تكن تعنيني المسألة الإبداعية في شيء، ولم أكن أعي بالتأكيد أي آفاق يمكن أن أطير نحوها عبر أجنحة الشعر، وأعرف أن الشعر لا ينبغي أن يجيء لمجرد قرار يتخذه المرء بضرورة مجيئه، ولكنه بالنسبة لي ربما جاء هكذا .... أردت بالشعر أن أعالج نفسي من عقدي الشخصية ... لماذا الشعر؟ ربما لأنني تصورت وما زلت أتصور أنه الوحيد القادر علي ذلك بما يملكه من وجود سحري في واقعنا الفردي والجمعي أيضا. ولا أدري إن كان قد نجح في ذلك معي أم لا لكنني أتشبث بأمل أن سينجح ذات يوم للدرجة التي أعترف بها، وأتلمسها عبر كل نص جديد، وعبر كل كلمة جديدة.

أقنعة متعددة

*ما حدود البوح الذي تتوقف عنده الشاعرة سعدية مفرّح أثناء انغماسها في لجة الكتابة؟ وهل تشعرين أنك مقيدة، وأن الرقيب الذاتي ما يزال يقظاً ومتأهباً لكبح جماحك كلما هممتِ بتجاوز الخطوط الحمراء؟ وهل من الضروري أن تحتفظ المرأة الشاعرة بصندوق للأسرار كما كانت تفعل أمهاتنا، وأن تعيش حياةً غير معلنة استجابة لتقاليد المجتمع وأعرافه الضاغطة؟

ــ لا حدود للبوح علي الإطلاق، علمت قلمي ألا يقف عند حد، ووضعت خطاً أحمر أمام أي رقيب يمكن أن يضع خطا أحمر أمام قلمي ويقف بيني وبين الورق، حياتي مليئة بالرقباء في كل تفاصيلها اليومية، تاريخي الشخصي عبارة عن تراكمات رقابية تزداد سنة بعد سنة، ذاكرتي محاصرة وروحي محاصر وجسدي محاصر، ولذلك كان عليّ ألا أخضع لأي حصار إضافي، أكتب ما أود كتابته وأعبّر عن ذاتي بكل ما أوتيت من قوة وصدق، لكنني في المقابل أتحفظ كثيرا عند النشر، ليس لأنني لا أقوي علي نشر كثير مما أكتبه، ولكن لأنني أريد أن أستمر في النشر، ولأنني محكومة مثل كل الكتاب بظروف منابر النشر التي تتحكم بنشر هذا النص أو ذاك. ليس لدينا حرية مطلقة فيما ننشره، حتى في تلك الصحف والمنابر التي يعتقد الآخرون أنها توفر مثل هذه الحرية، خاصة أن الرقيب الصحفي يتخذ لنفسه أقنعة متعددة، فهو رقيب ديني تارة، وهو رقيب سياسي تارة أخري، وهو رقيب اجتماعي تارة ثالثة، وكل تارة من هذه التارات تنقسم علي بعضها وفقا لكل بلد وكل نظام وهكذا، كما أنني، علي صعيد آخر، لا أعتقد أن مسألة النشر توازي قضية الإبداع بحد ذاته، ومن يدري. ربما في لحظة قادمة سيكون كل ما كتبته وأكتبه صالحا للنشر في المنابر التي أستطيع النشر فيها.

ألم الانتظار

*قلتِ في أحد حواراتك الصحفية: (إنني أشعر بالغربة حتى وأنا بين أصدقائي وأفراد أسرتي) هل أن ما تعانيه الشاعرة سعدية مفرّح هو غربة أم اغتراب؟ ألا تذكرنا هذه الجملة بما قاله أبو الحيان التوحيدي بأن (أغرب الغرباء من صار غريباً في وطنه). هل تعانين من اغتراب روحي أم من غربة مكانية أم أنها غربة وجودية وهي أشد وطأة من الغربتين السابقتين؟

ــ أعاني من وطأة كل أنواع الغربة، وبشكل يومي مباشر، أحاول أن أجعل من قصيدتي وطني الخاص، ومؤخرا اكتشفت أن الأصدقاء يمكن أن يؤدوا الدور ذاته، أحب قصيدتي وأنتمي لها، وأحب أصدقائي في كل مكان، أحاول أن أخلق جغرافيا تحتمل كينونتي وتتسع لمعاييري الخاصة في الحياة. أحاول من دون أمل كبير، ولكن أيضا من دون يأس كبير، أحاول وفي المحاولة متعة ما يوازي ألم الانتظار.

*كتبتِ قصيدة (تغيبُ فأسرج خيل ظنوني) في ملجأ أثناء احتلال النظام العراقي للكويت. كيف تفسرين لنا هذا التناقض. فالقصيدة تنطوي علي أجواء حلمية شفافة، بينما واقع الحال (في أثناء كتابة النص) محمّل بالمحن والفجائع المتلاحقة. هل نستطيع أن نثقل هذه القصيدة بمحمولات رمزية لنشير من خلالها إلي غياب الوطن في جوف التنين؟

ــ لا أدري، كيف كتبت هذا النص بالذات .. .لقد كنت في ملجأ بالفعل عندما كتبته، ولحسن الحظ أنه جاء بهذا الشكل الشفيف بعيدا عن أصوات الطائرات ومضادات الطائرات التي كانت تصم آذاني في تلك اللحظات، ربما كانت هروبا؟ ربما كانت اقتراحا جديدا للحياة؟ ربما كانت إشارة رمزية لغياب الوطن في تلك اللحظات المخيفة في جوف التنين.


الإمساك بالنار المضيئة

*هل تفكرين في كتابة نص غير مسبوق، وكيف تنظرين إلي سطوة النصوص الأولي؟ ألا تعتقدين أن هناك ظروفاً ملحة للتخلص من هيمنة الأشكال والمضامين القديمة المستنفدة التي تشكل عائقاً حقيقياً أمام الشاعر الذي يكتب بنفس حداثي؟ وكيف تقيّمين (موت الكورس)، البيان الذي أصدره قاسم حداد وأمين صالح، وما تضمنه من آراء وطروحات جديدة من بينها تجاوز النص الأول، ومساءلة الواقع، والغوص في أعماقه اعتماداً علي رؤية الشعراء الأحياء؟

ــ لا أريد أن أسجل مجدا أدبياً غير مسبوق ولكنني لا أريد أن أكرر ما كتبه الآخرون، أريد أن أعبر عن ذاتي بالوسيلة التي أحبها وربما لا أجيد غيرها، ولا أعتقد أن رهافة الكون الشعري المفرطة في بساطتها يمكن أن تحتمل ما ينبت حول تربتها الشفيفة من نظريات. كل النظريات تدور في دائرة مفرغة حول لحظة الشعر من دون أن تجرؤ علي الإمساك بها أو الاقتراب من نارها المضيئة من دون أن تحترق! نعم يمكننا تجاوز النص الأول والنص الأخير أيضا ولكن من دون أن نلغيه، لا نص يلغي نصا آخر مهما تجاوزه، ولا ممارسة شعرية يمكن أن تهيمن علي أخري مهما خلقت من فيض الشعر الجديد. ولكن دعني أخبرك في نفس الوقت أن الشاعر الحقيقي، بغض النظر عن أي تصنيف نقدي أو غير نقدي يمكن أن يخضع له، أو يندرج تحت شعاره، لا يمكن أن يلغي أي لحظة من لحظات تجاربه أو لتجارب غيره السابقة، ولا يمكن لشاعر أن يتكون ذاتياً، كما لا يمكن لنص أن يتجاوز نصا سابقا حتى وهو يسعى لهدمه، لا شيء أبداً قادر علي إلغاء النص الحقيقي، القصيدة لا تموت، قد تتواري، قد تختفي تحت ركام من القصائد اللاحقة ولكنها لا تموت، فهي تحجز، علي الأقل، مساحتها الخاصة في تاريخ الإبداع بغض النظر عن موت الكورس حولها أو استمراره في ترديد أغنيتها.

ذهول المغامرة

*تكتبين شعر التفعيلة، وقصيدة النثر، لكنك تشعرين بحرية أكبر من خلال الثانية، فلماذا لا تتبنين قصيدة النثر، وتنقطعين إليها بعيداً عن الأشكال الشعرية المطروقة التي يقيّد حركتها الوزن والقافية؟

ــ هذا ما أفعله حاليا، أشعر أن قصيدة النثر لها من الرهافة ما يمكن أن ينقذ روحي من شكوكها المثيرة، أشعر أنني أستطيع أن أتواصل عبر قصيدة النثر مع روحي أولاً، وأنني سأكون أكثر إخلاصاً لذات الشعر بعيدا عن أية زوائد أو شوائب يمكن أن تتكون نتيجة أية التزامات أخري لغير الشعر. أشعر فعلا بحرية أكبر مع قصيدة النثر وأشعر أنني من خلالها أضع يدي علي محض اللحظة الشعرية غير المثقلة بسوي هم التكون الإبداعي. أجدها أكثر إخلاصا للحظتي الشـعرية الحالية برهافتها المفرطة وأبعادها الموغلة في الصدق اللانهائي، ولكن هذا لا يعني أنها خياري الأخير فأنا أبحث دائما عن التغيير وأحاول أن أخوض غمار التجريب حتى لو كتبت قصيدة عمودية مثلا، أعرف أن قصيدة النثر ليست هي القصيدة الأخيرة كما أنها لم تكن القصيدة الأولي، وأنا بطبيعتي منفتحة دائما علي ذهول المغامرة عبر القصيدة.

تحولات القصيدة

*هل تعتقدين أن قصيدة النثر سوف تتحول إلي نص كولاجي تذوب فيه مختلف الأجناس الإبداعية، بما فيها السمعية والبصرية؟ هل أنت مع تقويض هذه الحواجز التي تفصل بين هذه الأجناس الإبداعية أم تقفين ضدها، أم أنت علي الحياد؟

ــ لسنا مسؤولين عن لحظة الشعر في مستقبلها بهذا الشكل المباشر حتى وإن تحددت ملامح تلك المسؤولية في إطار الحدس أو التوقع أو التمني علي الأقل، وهذا لا يعني أنني علي الحياد لأنني لا أملك خصوصية ذلك الموقف، ولا أعتقد أنه ينبغي علي أي شاعر أن يقف علي الحياة في معركة تحولات القصيدة ومراحل بناء تاريخها المستمر، ولكنني بشكل عام ومع هذا، أعتقد أن أي تحول يمكن أن يلم بقصيدة النثر سوف يخلق قصيدة جديدة ولكنه لا يلغي قصيدة النثر، شخصيا أنظر لأي تحول في الحياة بشكل إيجابي علي أنه إضافة لتلوينات الحياة، والقصيدة أحد أهم مكامن القدرة علي استجلاب تلوينات جديدة في مساحة الحياة.
ومن المثير معرفة أن القصيدة العربية كانت دائما تتميز بروح قادر علي التجاوز وهضم الجديد وتمثله، حتى وإن تحت شعار أو تسمية غير التسمية المعتادة كقصيدة أو كشعر، ومن يقرأ في كتاب المواقف والمخاطبات للنفري أو غيره من كتب الصوفية مثلا يرصد تاريخا مغيبا في ثقافتنا العربية وفي مسيرة القصيدة العربية كله لشكل النثر فيها، صحيح أن لقصيدة النثر العربية الجديدة مرجعية غربية وفقاً للوعي النقدي الراهن، ولكن الصحيح أيضا أن هذا الشكل من الشعر لم يكن غريبا في محضه بغض النظر عن المصطلح الذي يندرج تحته.

تبعات الدهشة

*قلتِ عن قصيدة (تغيبُ فأسرج خيل ظنوني) إنها قصيدة العمر، وهذا يعني من بين ما يعنيه أنها قصيدة مكتملة، بينما يقول أدونيس إن (اكتمال هو نقص). أليست القصيدة هي سفر دائم علي الرغم من وجود محطات استراحة، ولكن ليس ثمة وصول. ألا تعتقدين أن الكتابة تشبه حرباً مسعورة ليس فيها انتصار محدد أو خسارة ملحوظة؟

ــ ليست قصيدة مكتملة، ولا يمكن أن تكون كذلك، حتى أنها فنيا تعاني من بعض الهنات، ولكنني أحبها، ربما لأنها أنقذت لحظتي الإنسانية عند كتابتها من التهاوي، ومن الخوف، والخيبة، والإحساس بالصدمة، ومن تبعات الدهشة و تداعيات الذهول. والكتابة، بالمناسبة، ليست حربا مسعورة ولكنها حالة حب ليس فيها انتصار محدد أو خسارة ملحوظة. ولعل هذا واحدا من أسرارها التي تمنحنا اللذة قدر ما تمنحنا الوجع.

مجاهل اللغة والتاريخ

*تحتفي بعض قصائدك بالمرجعيات والإشارات والإحالات التاريخية مثل حكاية بدر بن معشر الغفاري وتداعياتها المعروفة أو الموجودة في بطون الكتب، وهي حكاية أو واقعة تنتمي إلي الماضي. ألا تعتقدين أن الشعر أو الإبداع عموماً ينبغي أن يتعاطى مع الحاضر أو المستقبل؟

ــ لا ينبغي علي الشعر أن يحدد وجهته مسبقا، لكن هذا لا يعني أنه ينبغي عليه أن يخبط خبط عشواء في مجاهل اللغة والتاريخ. أحيانا يشعر كاتب القصيدة أنه بحاجة لأن يعود إلي نقطة معينة في التاريخ كي يفهم تداعيات القصيدة التي تكونت للتو بين يديه، وأحيانا يشعر أنه بحاجة إلي نسف تلك النقطة بعينها لكي يستمر في كتابة القصيدة. لا شيء محدد أمام الشاعر ولا مظلة ينبغي أن يجلس تحتها وهو يكتب قصيدته الخاصة، سواء أكانت هذه المظلة مستلة من متحف الماضي أو موجودة بحكم لحظة الحاضر، أو مرسومة وفقا لتوقعات المستقبل. وليس علي الشعر سوي أن يتعاطى مع الحياة ومع الإنسان في كل التجليات بعيدا عن أي أجندة مقترحة.

كأس المعنى

*تعتمدين في قصيد (إثم البلاد) أولي قصائد (كتاب الآثام) علي الصياغات القرآنية في تعزيز البنية التحتية للنص الشعري، وترسيخ نسقها الدلالي. ألا تخشين من الصياغات الجاهزة والمستنفدة أو المطروقة في الأقل، أم أنك تنوين إعادة صياغتها ضمن أنساق دلالية جديدة؟

ــ لا أخشي ولا أنوي، ببساطة شديدة أنا أحب قراءة النص القرآني، أقرأه كثيراً وفي طفولتي حفظت منه أجزاء كاملة، وما زلت مسحورة بذلك النص المثير والمغري، حتى أنني أحب قراءة سور قرآنية بعينها. وفي كل مرة أقرأها أنسل من ذاتي وأدهش من الطريق الذي تذهب بي فيه كل مفردة، تفيض اللغة في النص القرآني من كأس المعني حتى يندلق ماؤها من علي الحواف، ولذلك أري أنني أفدت من الصياغات القرآنية من دون أن أقع في شرك الاستعارة المباشرة، حتى أنني لم أكن أنتبه لوجود لغة قرآنية في نصي قبل أن ينبهني إليها الآخرون. لقد تلقيت القرآن جماليا منذ البداية، فكانت المفردة القرآنية في كثير من الأحيان أساسا لمعجمي اللغوي، وعلي هذا الصعيد أتذكر أنني عندما كنت علي مقاعد الدراسة كتبت نصا شعريا يبدو أنه كان محتشدا بالمعجم القرآني رغم أنني أتناول فيه موضوعا أعتبر في ذلك الوقت، كما أتذكر، خارجا عن السائد الديني والأخلاقي، ولم أعرف المشكلة التي منعت علي أساسها تلك القصيدة من النشر ولا المفارقة التي أخذ البعض يتحدث عنها كسبب مباشر لمنع قصيدة من النشر في ظرف تاريخي منفتح في ذلك الوقت.

*ألا تعتقدين أن هناك قصيدة نثر مختلفة كتلك التي يكتبها شعراء من طراز أدونيس، عباس بيضون، سركون بولص، سليم بركات، أمجد ناصر عن قصائد النثر السائدة والمألوفة والتي أربكت القارئ إلي حد كبير لأنها لا تتوفر علي الشروط الفنية لقصيدة النثر الحقيقية؟

ــ الذي أعتقده فعلا أنه لا ينبغي لقصيدة النثر الناجحة أن تكون سائدة أو مألوفة، كل قصيدة نثر، بل كل قصيدة تريد أن تكون قصيدة متجاوزا عليها أولا أن تفكر في تحقق لا يداهن السائد ولا يتوافق مع المألوف، وعلي كل شاعر أن يخلق قصيدته الخاصة وفقا لتلك الشروط الخاصة علي حده أيضاً. وأنا أري أن كل الشعراء الذين ذكرتهم نجحوا في تكوين شعريتهم المتميزة بذاتها والمتمايزة عن غيرها عبر قصيدة النثر لأنهم يملكون من الموهبة ما يكفي لتحقيق هذه الشعرية ويملكون من الوعي ما يكفي للاحتفاء بهذه الموهبة، ويملكون من اليقظة ما يكفي لعدم خذلان تلك الموهبة علي حساب العمل علي إراحة المتلقي وتقديم ما لا يربكه مثلا.

آفاق غير قابلة للاحتواء

*في قصيدة (كأس مكسورة.. للآخرين) ثمة نفس سردي راسخ، وبنية قصصية واضحة تعتمد علي نهاية مفاجئة. هل هي محاولة مقصودة للإفادة من فن السرد وتوظيفه في النص الشعري؟ وما هو رأيك في تجربة الشاعر قاسم حداد الذي أفاد من مختلف الفنون الإبداعية في نصوصه الشعرية؟

ــ أحب تجربة قاسم حداد، وأعتبر نفسي قارئة جيدة له، ولعل في صداقتي الشخصية لهذا الشاعر الجميل ما أضفي كثيراً من تجليات الصداقة الخاصة التي ربطتني مع تجربته ..ولعل في الجغرافية التي ننتمي إليها معا ما يكرس من قاسم بالنسبة لي ولجيلي كله في منطقة الخليج العربي بالذات معني شعريا متجدداً في محيط من الشعر والنثر الذي كان يصر عليه شعراء المنطقة من مجايلي قاسم من دون أن يفلح ذلك المحيط الهادر في إغراق التجربة المتفردة لهذا لشاعر في خضمه، بل لقد أضفي هذا الوضع الخاص الذي عاني منه وتمتع بخصوصيته وتميزه قاسم حداد وبعض زملائه في البحرين مثل أمين صالح الكثير من عناصر الانفتاح نحو آفاق غير قابلة للاحتواء، ما فتح أمامنا بالتالي باب الاقتراحات الشعرية مشرعا علي مصاريع القصيدة في أقصي تجلياتها وأقسى شروط هذه التجليات، والقصيدة التي تشير إليها ربما تكون اقتراحا من هذا النوع، لكنها ليست اقتراحي الأول ولا اقتراحي الأخير، ولعل ما تتميز به من نفس سردي لم يكن ليتحقق في صورته الكاملة إلا عبر هذا النقص الذي رشحه لتجاوز النص السردي المغلق نحو القصيدة المفتوحة علي آفاق أرحب.

معنى الغياب

تتكرر مفردة الغياب كثيراً في مجموعتك الشعرية الرابعة (مجرد مرآة مستلقية)إلي الحد الذي تؤكدين فيه حضور الغائب، وتستدرجين القارئ للسقوط في غواية الفضول لمعرفة هذا الغائب. هل هو امتحان لفراسة القارئ أم لعبة فنية تنطوي علي عنصر التشويق الذي يعوّل كثيراً علي الجماليات والمحمولات اللغوية للنص الذي تكتبه سعدية مفرّح؟ وهل ينتابك الإحساس بالغياب علي الصعيد الشخصي، أم أنه غياب الآخر علي الصعيد المجازي؟

ــ ليس في المسألة أية لعبة رغم أنني أحب هذا النوع من الألعاب عادة، ولكن الغياب الذي تجلي في هذا الكتاب بالذات لم يكن هو الغياب الأول بالنسبة للقصيدة التي أكتبها، لقد تجلي معني الغياب دائما في كل ما أكتب ربما لأني أشعر دائما أنني غائبة، وأن حضوري نفسه لا يتحقق لدي الآخر إلا عبر هذا النوع من الغياب، أغيب عن الآخر وعن الجغرافيا واقعيا ومعنويا، بالغياب يتحقق وجودي ومن خلال غيابي أتيح للآخر أن يكتشف حضوري. الغياب بالنسبة لي ليس مفردة شعرية مفضلة وجميلة وموسيقية أيضا وحسب، ولكنها أولا كلمة تعنيني جدا لأنها تنجح دائما في توصيف وجودي، وفي اقتراح ملامحي، وفي تقرير آفاق قصيدتي.. الغياب جرح العذاب، وليس لذاكرتي أن تغيب .. أصر علي ذلك.

ضحية المفارقة

في قصيدة (ثلاجة) ثمة أسي كبير ومرارة لاذعة. إذ كيف (تتبعثر الأشياء وتنتهي صلاحيتها من دون أن يفتحها أحد) هل اشتغلت بوعي مسبق علي بنية التضاد أو التقابل في هذا النص الشعري الصادم؟

ــ لا ... نادرا ما اشتغل علي قصيدتي عبر وعي مسبق، أعني عبر وعي محدد تجاه لحظة هذه القصيدة أو تلك، ولكنني علي أية حال أحب لعبة التضاد، وتسحرني المفارقة، ربما لأن حياتي كلها مبنية علي لعبة من هذا النوع أدت بي أن أكون ضحية للمفارقة. كل أشياء عمري تبعثرت وانتهت صلاحيتها من دون أن يفتحها أحد، لم تكن مغرية لأحد والأغرب أنها رغم هذا لم تكن متوفرة لأحد. هل تري أن هذا النص الشعري صادم؟ ولكنني أراه مجرد تنويعة ذاهبة في غيها لمحاولة التفسير وتفكيك أواصر المشكلة. لم أعمل علي أن يجيء صادماً، ولكنني أحب أن يصير هكذا، أحب أن ينصدم أحد ما بمجرد لعبة رغم مرارتها تبقي لعبة، فصحيح أنها تتمتع بشروطها الخاصة، ولكن لا يعنيها كثيراً أن يمارسها أحد أن يطبق حذافير الشروط!!

محظوظة مع النقد والنقاد

كيف تعامل النقاد مع تجربتك الشعرية؟ وهل هناك من غاص، وتعمّق، وحلّل بنية نصوصك الشعرية بعيداً عن مناسبتها؟ أعني هل هناك من فكك اللغة الشعرية، ومستويات الدلالة، والعلاقات التي تكتنف البنية الشعرية؟

ــ أعتبر نفسي محظوظة مع النقد والنقاد، فقد حظيت كتبي بكثير من الاهتمام النقدي علي اختلاف التجارب والتجليات، وهناك الكثيرون منهم من غاص وتعمق وحلل وشرح، قريبا وبعيدا عن مناسبات القصيدة مادة النقد، ولكن دعني أفشي سراً صغيراً وأنا بصدد الحديث عن النقد والنقاد، وهو أنني صرت في الآونة الأخيرة أتشكك كثيراً بقيمة أي نقد تطبيقي يمكن أن يشرح قصيدة ما، فمن واقع تجربتي الخاصة لا أشعر أنني أستفيد كشاعرة من النقد بغض النظر عن أهميته ومدي نجاحه في تفكيك اللغة أو الدلالة أو العلاقات التي تكتنف البنية الشعرية أم عدم نجاحه، ولكنني علي صعيد آخر أستفيد كثيرا من الكتابات النقدية الناجحة كقارئة، وهنا تتساوي لحظة قراءتي لنصي مع قراءتي لنصوص الآخرين في حال تلقيها عبر كتابة نقدية ناجحة. وعلي هذا الصعيد أشعر أن قلة رائعة من الكتاب والنقاد هم من نجحوا في التعامل مع نصوصي عبر الغوص فيها، أما الآخرون فغالبا ما أشعر، وهم يتناولون تجربتي، أنهم يكتبون عن قصيدة أخري غير قصيدتي، وقد تكون أجمل وأكثر اكتمالا من قصيدتي.

ذكوري كيف تنظرين إلي المشهد الشعري الكويتي المعاصر، وهل تعتقدين أن الشعراء الشباب من جيلك هم الذين تبنوا مشروع القصيدة الحداثية. وهل لكِ أن تحيطينا علماً بأبرز التجارب الشعرية التي تدور في فلك الكتابة المغايرة عن الأنماط السائدة والمألوفة؟

ــ المشهد الشعري في الكويت يمثل أحد تجليات المشهد العربي العام علي صعيد الشعر، وهناك أسماء جميلة جداً تحرس المشهد الحديث وتحدد ملامحه مثل دخيل الخليفة وصلاح دبشه وابراهيم الخالدي ونشمي مهنا وعلي الفيلكاوي وغيرهم، ولكن الغريب أن المشهد الشعري الراهن في الكويت هو مشهد ذكوري جداً ليس علي صعيد الأسماء المنتجة للقصيدة حسب ولكن أيضاً علي صعيد الخطاب المنتج عبر هذه القصيدة أيضا. ومؤخراً أدرت ندوة صحفية حول الإبداع الجديد في الكويت والأصوات الشابة فاكتشفت أن كل الأسماء النسائية الجديدة تفضل كتابة القصة القصيرة.


إقرأ أيضاُ