فاطمة ناعوت
(مصر)

فاطمة ناعوتحين أرسلَ لي الشاعر علي المُقري رسالةً على الموبايل يقول فيها: "سندعوكِ إلى صنعاء قريبا!"، قلت في نفسي: أنصفني الشعرُ وخذلتني العمارة. درستُ في كليتي: هندسة عين شمس قسم العمارة، معظم الحضارات القديمة، ومن ضمن ما درسنا العمارتان الحضرميّة والإغريقية القديمتان. وظننتُ دومًا أنني سأزور هاتين البقعتين بصفتي المعمارية، وتخافت الحُلم مع الزمن حتى طمره الانخراط في العمل الهندسيّ. وبنقرة إصبع طار بي الشعرُ إلى صنعاء وتعز وعدن.
سأحاول أن أقصر كلمتي على الأسبوع الثاني من الرحلة، لأن الأصدقاء المشتركين في مهرجان ملتقى الشعراء قد أغنوني كتابةً عن الأسبوع الأول المتضمن المهرجان الفعلي. غير أن دعوةً كريمةً قد وُجِّهت لحلمي سالم ولي من قِبَل خالد الرويشان وعبد العزيز المقالح للبقاء في اليمن أسبوعا آخر بعد عودة الوفد المصري، للتجول في مدن اليمن المختلفة وإحياء عدة أمسيات شعرية في صنعاء وتعز وعدن. وقد كانت رحلةً من أثرى وأجمل ما مرَّ بي.
وأول ما تلمسه من الشعب اليمني، إضافة إلى طيبته وجمال روحه وابتسامته الدائمة، هو الحب الشديد لمصر والمصريين. يكفي أن تكون مصريًا حتى تُعامل باحتفاءٍ ومحبة. كذلك ولعهم - ولا أبالغ إن قلت تقديسهم - لجمال عبد الناصر. وأذكر أن مقطعا من قصيدتي : " المُتعَب"، قد سبب لي حرجا بالغا، وقد جاء فيه: " ثَّم سبيلٌ للنجاة / بغير الحاجةِ إلى البرابرة /أو البكباشيّ طويل العنق"، فما كان أحدٌ يلتقيني بعدها إلا وسألني: هل تقصدين عبد الناصر؟ وهل هذا ذمٌ فيه؟، وكنت أجيب إنه لا ذم ولا مدح، لكن القصيدة تتناول حال الانتظار التي يحياها البشر منذ الخلق، وعلى كل امرئ أن يحيا خارج أسر حُلمٍ قد يتأخر أو لا يجيء. لم يكن يعني أحد كل هذا، فقط يعنيهم الاطمئنان أن أحدا لا ينال من معبودهم ناصر.
الشاعر محمد الشامي، مستشار ثقافي بوزارة الثقافة، وهو منصبٌ (إقصائي)، كما قال لي، يناله كل مشاكس بغرض عزله فعليا عن الحراك السياسي. شخص شديد الجمال والغرابة، اكتفى بمصادقة نفسه عن الناس، فتسمعه أحيانا يقول بشيءٍ من النرجسية المحببة: وداعا، سأذهب للجلوس مع محمد الشامي. لكنها الخدعة، فهذا الرجل يحب البشر ويحبونه إلى درجة أنه يهرب من هذا الحب المزدوج طوال الوقت، إلى درجة أنه قد يتشرنق في منزله بالشهور الطويلة وعبثا يحاول أصدقاؤه استدراجه. كان يرافقنا طوال الرحلة ويجتهد في تذليل أية صعاب، زميل حلمي سالم في آداب القاهرة قسم الصحافة. كتبتُ فيه:" محمد الشامي/ يقلبُ ساعتَه/ فينشقُّ الجبُّ عن وجه يوسف.". ولهذا قصة: فقد كان يقلب وضع ساعته ليذكر نفسه بأية مهمة تخصني أو تخص حلمي سالم حتى ينجزها. كان حنوه علينا وكرمه معنا يخجلنا. أما شفافية روحه فلا أذكر أنني قابلت أحدا يماثله فيها. كنا في طريقنا من صنعاء إلى تعز، ورأينا في نهر الطريق قطة لا تستطيع الحراك ربما لأن سيارة صدمتها فكسرت قدمها، صرخت ونبهت السائق كيلا يدهسها، لكنه غامر وتخطاها، ولما نظرت إلى الخلف وجدتها مازالت تحاول الحركة، صرخت في السائق وصرخ الشامي من أجل أن يتوقف لنلتقطها ونسعفها أو على الأقل ننقلها إلى جانب الطريق، لكن السائق مضى ساكنا. فما كان إلا أن انفجرت وانفجر محمد الشامي في البكاء قائلا للسائق: كم أنت غليظ القلب! وظل متعكرا حزينا طوال النهار.
محمد الشامي فقد ابنا له في حادث سيارة. ولهذا كان يصرخ فيّ وفي حلمي سالم طوال تجوالنا في شوارع صنعاء وتعز واليمن: اطلعوا على الرصيف أرجوكم!!! وكنا نستجيب فورا - برغم خلو الشارع من الحافلات - فقط من أجله. أذكر أيضًا أننا تحدثنا عن انتشار الخضاب والحناء بين اليمنيات، فما كان إلا فوجئت بفنانة تشكيلية حبشية تأتي إلىّ في الفندق وترسم لي الوشم على يديّ وذراعيّ وساقي، بتكليفٍ من محمد الشامي.
قادري أحمد حيدري، مستشار ثقافي بمركز الدراسات والبحوث، ومدير تحرير مجلة "دراسات يمنية". ماركسي قديم ونموذج رفيع للمثقف اليمني الكريم الذي يجتهد أن ينفي عنك أي إحساس بالغربة. قارئ شغف لكل كتّاب مصر، وصديق لمحمود أمين العالم وفريدة النقاش وغيرهما. له إصدارات فكرية آخرها " البردوني ساخرا"، وكتاب عن التأسلم السياسي. رافقني إلى سوق "باب اليمن" تحت الأمطار الغزيرة لأبتاع حاجياتي، وهبني مظلّته ورفض مشاركتي فيها، وأعادني إلى الفندق بينما يرزح تحت البلل.
الشاعر حسن اللوزي، وهو رئيس اللجنة الثقافية بمجلس الشورى، نموذج فريد للمثقف، صباحا يرتدي البذلة والبنطال، وفي المساء حين يذهب إلى مقيل المقالح ( المقيل هو مجلس يلتقي فيه الأصدقاء لتبادل الشؤون الثقافية ويتناولون فيه القات وهو أوراق شجر تشحذ الذهن كما يقولون)، يلبس الزي اليمني التقليدي: مشدٌّ فوق الرأس، مِعْوز، وهو قطعة قماش مطروزة تلف حول الخاصرة وحتى القدمين، الجنبية، وهي خنجر في جعبته مشدود إلى حزامٍ مذهب عريض، والجنبية تقدر قيمتها تبعا لعرضها ودرجة خطوط التعرج بها.
عبد العزيز المقالح، بوابة اليمن الثانية، مستشار الرئيس للشؤون الثقافية ورئيس المركز اليمني للدراسات والبحوث. أغني من أن أتكلم عن شعره أو تواضعه أو رقيّه. لكن المدهش أن لا يمني واحدا يجهله أو يجهل بيته. حين دعانا إليه كنا نسأل الصبية والأطفال والباعة في الطرقات عن بيت المقالح فيدلونا. في مقيله اليومي يجلس مع أصدقائه جلسة عربية على الأرض ويتناولون في كل مرة عملا للقراءة والدرس، وقال لي أنهم اختاروا ديواني "قطاع طولي في الذاكرة" وكان ثمة عرس في العائلة فقرءوا منه.
د. عبد الوليّ الشميريّ، سفير اليمن في مصر ورئيس منتدى المثقف العربي. أصرَّ على التواجد في صنعاء ليحتفل بها عاصمة ثقافية مع الوفود العرب. حين دعانا على الغداء، قاد سيارته بنفسه ولم يكلف سائقا بالأمر. حتى يقصينا عن جو الرسميات والتشريفات. وكان يملأ لنا الصحون كلما فرغت بيديه. وكذلك د. عبد الكريم الرصّاع، كان كذلك يصرُّ على إطعامنا بنفسه في الوليمة التي أعدها لنا في أحد المخابز الشعبية الجميلة بعدن، والتي فيها يشوون الخراف على الطريقة الخليجية.
خالد الرويشان، وزير الثقافة والسياحة، روائي وكاتب أيضًا، له إصدارات مهمة آخرها" ريشة في الأفق" عن المقالح. هناك ألف سبب يجعل هذا الوزير ناجحا، ليس أولها معجزة مهرجان الشعر في صنعاء. وهناك ألف سبب جعلني أعلن في الصحافة والتليفزيون اليمني أنني أحسد المثقف اليمني على هذا الوزير. هذا الرجل فعل شيئا بسيطا جعلني أفكر طويلا: كان ثمة شاعر شاب لا أذكره الآن يلقى شعره على المنصة، وتحشرج صوته قليلا أثناء الإلقاء، فما كان من خالد الرويشان إلا أن همس لأحد رجالاته بشيء، فوجدت هذا الرجل - الذي قد يكون نائب وزير مثلا - يهرولُ إلى المنصة ويصبُّ كأسَ ماءٍ ويضعه أمام الشاعر الشاب. ولا تعليق لدي سوى أن مبررًا قويًّا وراء ولع المثقفين والمبدعين اليمنيين بهذا الرجل الذي يعرف أسماء شعراء بلده، صغيرهم وكبيرهم، ويمد لهم يدَ العون البيضاء ليطوّروا مشاريعهم الأدبية، بل يستضيفهم في منزله، يستمع إلى إبداعاتهم ويأكل معهم. وفي المحافل الثقافية يصرُّ أن يأتي اسم المقالح قبل اسمه. أية بلاد هذه التي تقدّم الأديب على الوزراء!!!
أما الكلام عن الشعراء اليمانيين الشباب فلا نهاية له ولا ابتداء : أحمد السلامي، محمد حسين هيثم، علي المقري، عادل قحطان، محمد علوان، سعيد الشدادي، هدى قبلان، نبيلة الزبير، وغيرهم من المثقفين والمبدعين الحقيقيين الذين يدركون معنى الثقافة الحقَّة ومن ثم كانوا عونا جميلا لوزيرهم. بينهم حبٌّ حقيقي لمواطنيهم ولإخوانهم العرب، وقبل هذا يمتلكون حبا جما للشعر على تياراته. هل نندهش إذن من نجاح تلك التظاهرة في صنعاء !؟
تعز، إحدى المدن رائعة الجمال في اليمن، معظم بيوتها على الجبال. بها جبل هائل يدعى " صبِر"، بكسر الباء. أقمنا في فندق "تاج شمس"، ومن شرفته العالية يمكنك أن تشاهد البيوت على الجبل وتندهش طوال الوقت، أي معماري بنى هذا. قال المقالح "لابد أن تصعدي فوق الجبل لتري السماء فوقك وأسفلك، ولما صعدت فهمت ما يقصد، في الليل تبدو أنوار البيوت المتناثرة أسفل الجبل كأنها قطع نجوم مضافة إلى نجوم السماء فوقنا، فكانت السماء تحيط بنا بالفعل. فوق الجبل قلعة مهيبة على الطراز المصري تدعى "قلعة القاهرة". حين عرف عاملو الفندق أن شعراء بين النزلاء، صادقونا وجاء بعضهم للاستماع إلينا " حلمي سالم وأنا" في الأمسية التي أحييناها في مركز السعيد الثقافي بتعز.
عدن، تلك المدينة الرائعة، مطلّة على البحر الأحمر الذي بدا مثل حوض سباحة لهدوء مائه وصفائه. الجبل يحيط بالبحر دائما ويتداخل معه في تشكيلات بديعة أصعب من أن توصف. في إحدى المناطق يأخذ الجبل شكل فيل يسقط خرطومه في الماء، وبالفعل تسمى تلك البقعة خرطوم الفيل، وهو المكان الذي تم فيه تصوير الفيلم الأمريكي "آدم وحواء". ألقينا الشعر في جامعة عدن وكانت القاعة ممتلئة وبعدها أقمنا حفل تأبين للشهيد الرنتيسي.
صنعاء، التي عدنا إليها بالطائرة بعد رحلتيّ تعز وعدن. من أجمل معالمها "دار الحجر" وهو دار عالٍ قديم مبنيٌّ على قمة جبل المحويت. حيث ترى السحب تحت قدمك والصقور معلقة على جدران الجبل بالأسفل، ساكنة سكون الريح قبل العاصفة. هذا الدار كان "علي المقري" قد أرسل لي نموذجا له قبل عام. ولم أتخيل أنني سأدخل هديته هذه بعد أن دخلتني.
في أحد المطاعم في صنعاء كنا نجلس مع المقالح وعدد من المثقفين ومعنا وزير الثقافة، وعلى طاولة أخرى - بالمصادفة - كان يجلس وزير الشباب ومعه أيضا مجموعة من أصدقائه من الشعب، وعلى طاولة ثالثة كان وزير الاقتصاد والحال مماثل. جاء الجميع بدون حراسة ولا موتوسيكلات ولا ارتباك في المرور ولا باقات زهور. ولما أعربت عن دهشتي للشاعر محمد الشامي همس لي: في بلادكم الوزراءُ مساكين، فهم لا يعيشون. وأجبته بحزنٍ حقيقي: ليس الوزراء وحسب.

***