عابد إسماعيل
(سوريا)
abed63@scs-net.org
2003

  • النص الجديد قادم بقوة
  • هواية مدرسية
  • أقل من نافذة
  • ضد الرومانسية
  • مرايا دمشق
  • مخيلة
  • أغنية في شارع العابد
  • ابتهال
  • سرافيس
  • تشكيل
  • نصعد مع أول غريق
  • طريدة
  • على علو شاهق
  • مفلس حدائق أنا
  • يتيم حقيبة الكتف
  • بطاقة بريدية
  • رأس الريح المقطوع
  • خماسية الراوي
  • شفافية
  • ديك الجن الدمشقي
  • غيمة في الطابق الرابع
  • كورال
  • باتجاهِ متاهٍ آخر
  • النص الجديد قادم بقوة

    عابد إسماعيل(ساعة رمل)، مجموعة شعرية جديدة، للشاعر السوري عابد إسماعيل، صدرت حديثا عن (دار الينابيع) في دمشق، وهي الرابعة له، وفيها محاولة لكتابة تفاصيل حياة لأشخاص وأماكن تقف على حدود التلاشي، في لغة تتخلى عن بلاغتها لتقترب أكثر من نثرية تحاول ان تفرد مساحة لهذا (الموزاييك) الخاص بها. حول المجموعة، كان هذا اللقاء.

    * أول ما يتبادر إلى ذهني هذه الإحالة إلى بورخس التي يقترحها العنوان. قال مرة الشاعر الأرجنتيني الكبير إن الكتابة ليست سوى لعبة مرايا أدبية. هل في إحالتك هذه لعب على مرآة ما؟

    الفنّ عامّة، وبخاصة الشعر، لعبٌ حرّ على أكثر من مرآة. لا يوجد نص بريء، أو كتابة عذراء. وبورخس محق تماماً. إذ إن المقولات القديمة عن كتابة تنبثق من الذات، أو تكون مرتبطة بإلهام ما، أو تمليها (عبقرية) فريدة متفرّدة لم تعد قائمة الآن. على الأقل في وعيي أنا. الشاعر الأميركي ت. س. إليوت، أحد أهم روّاد (اللعب على المرايا) في العصر الحديث، لم يكن يطيق الأنا الرومانسية، أو تلك المنطقة الغائرة في قيعان النفس، التي سمّاها فرويد اللاوعي، واتجه إلى مفهوم آخر، يرى في الذات المبدعة بوتقة مركّبة تنصهر فيها (ذوات) أدبية كثيرة. من هنا فكرته عن (المعادل الموضوعي)، وقصيدة (الأرض الخراب) أكثر الأمثلة قسوة. قد يكون في العنوان (ساعة رمل) إحالة ما، لكنها، تظل في النهاية، مع الأسف، (ساعتي) أنا، ودقائقها التي تهبّ، أو تنفجر، هي دقائق تخصّني، كثيراً أو قليلاً. أنا ألعبُ، ربما، على كل المرايا التي سبقَ ونظرتُ إليها، أقصد تلك النصوص التي قرأتها، قديماً أو حديثاً. أحبّ أن أتخيّل، على أي حال، أن تلك هي ساعتي، ورملُها دقائقُ حياتي المتطايرة في كل اتجاه.

    * تفترق عوالم ومناخات قصائد المجموعة الأخيرة افتراقاً واضحاً عما يكتبه اليوم أبناء جيلك من شعر في سوريا، على الأقل عما قرأته أنا من هذا الشعر. أولاً من أين تأتي قصائد عابد إسماعيل؟ من أين منبعها إذا صحّت التسمية؟ ثانياً، وبالرغم من عدم اقتناعي بمقولة الأجيال، أين تضع نفسك؟ ابنُ أيّ مرحلة أنت؟

    من أين تأتي القصيدة؟ دعني أقول ثمة منابع كثيرة. في معظم النصوص التي يكتبها أبناء جيلي في سوريا، وجدتُ ميلاً طاغياً إلى كتابة ما يُسمى القصيدة الشفوية، أو قصيدة الصّوت، التفاصيل، الحياة اليومية، إلخ. ولمستُ أنّ ثمة لغة شعرية بدأت تتخشّب، وتصيرُ نهباً للنمطية والنمذجة، وبالتالي التشابه. وكأنها تغرفُ من قاموس واحد. شممتُ رائحةَ استنساخ في الأساليب والرؤى والمفردات. وشعرتُ أن هؤلاء يكتبون من اللمسة الأولى، ويظنون أن كل ما يلمسوه يصيرُ شعراً. لذلك اتجهتُ إلى نصّ يقوم على معايير مختلفة، إلى حدّ ما. تمسّكتُ باللمسة الأولى، أو ما يسمى التجربة، لكنني أيضاً أبرزتُ دورَ المجاز الشعري والإحالة الشعرية. ووجدتُ أنني أكتب قصيدة تحترم جداً تفاصيل الحياة ومفارقاتها، وترصدُ ملامح البشر وتواريخهم، وأمكنتهم وأحلامهم ومواعيدهم، وفي الوقت ذاته، تُعلي من شأن المخيلة الشعرية العظيمة للأسلاف، بعيدين وقريبين، وفي أكثر من ثقافة، أو لغة. من منّا لم يقرأ ويتأثّر بالبسطامي، أو النفّري، أو أدونيس، أو شوقي أبي شقرا، أو عباس بيضون، أو قاسم حدّاد، أو أنسي الحاجّ، أو وديع سعادة، أو ويتمان، أو رامبو، أو إليوت، إلخ، وإن بدرجات متفاوتة؟ مع ذلك، أحلم بقصيدة تستطيع، بالطبع، تجاوز هذا التقليد الشعري، وخاصّة الرّاهن منه. كما ترى، لا يوجد منبع واحد، إذن. أما أين أضع نفسي! فأنا أحلم أن أكون نقشاً صغيراً في هذا الموزاييك المذهل الذي نسميه (شعر الحداثة)، وأميلُ إلى ما يقوله الشاعر الإنكليزي شللي، بأنّ جميع الشعراء يشتركون في كتابة قصيدة واحدة، هي دوماً في طور الكتابة والنمو. وشأني شأنُ غيري من شعراء جيلي، أنتمي إلى مرحلة يغلب عليها الهزائم وسقوط قيم وأيديولوجيات كبرى. وإذا أردتني أن أستخدمَ استعارةً ما، أقول إنني بامتياز ابن الزّمن صفر.

    متاه آخر

    * في ديوانك هذا (ساعة رمل) تتخلى كثيراً عن تلك اللغة الشعرية التي عرفناها في مجموعتك الأولى، كأن ثمة هماً يقودك إلى تخفيف العبارة من كل شعرية، وانحيازك اليوم إلى جملة أكثر (نثرية)؟

    ملاحظتك صحيحة تماماً. في مجموعتي الأولى، (طواف الآفل) وربما الثانية (باتجاه متاه آخر) بدا لي أن هاجسي الأول هو تصعيد الجملة الشعرية إلى أعلى ذروة بلاغية ممكنة. كان ثمة شغف خاص بالعبارة الشعرية المشغولة جيداً، المتكئة، بإفراط وطيش أحياناً، على المجاز والتجريد، دون إعطاء المعيش والمرئي والمحسوس، أو المفارقة (Paradox)، فرصة كافية للحضور. ورغم أنني لم أهجر هذا الأسلوب نهائياً في (ساعة رمل)، إلى أنني حاولتُ أن أستغلّ طاقةَ (النثري)، والشفوي والمباشر، وأقتنص من العاديّ لحظات (شعرية) غير عادية. كما نوهت سابقاً، القصيدة عندي تطير بجناحين: لحظة حياتية مكثّفة، ولغة تعتني بالمجاز والاستعارة. كما تعلم، كتبتُ الديوان الأول والثاني خلال إقامتي في مدينة نيويورك. ربما كنتُ أجدُ في المخيلة، عندئذٍ، بديلاً عن الوطن، وفي الكتابة (writing) بديلاً عن الكلام (speech)، وفي الاستعارة (metaphor) بديلاً عن الواقع (reality). في هذه المجموعة محاولة لاستنطاق واستجواب مكان آخر، ولحظة أخرى. دمشق، بهوائها ومائها وغبارها حاضرة بقوة في (ساعة رمل). شوارعها وناسها وأشباحها وطيورها المحنّطة تجدها مبعثرة في أكثر من قصيدة. إذن، اختلفَ إيقاعُ الحياة، واختلفت، بالتالي، النبرة. وكان لابدّ من التخفّف من التجريد والكِهانة والنبوءة، لصالح الزقاق، والنافذة، والرّصيف، والمقهى.

    * تبدو الكتابة عندك وكأنها تقترح خرائط لأمكنة وأشخاص وعوالم. هل الشعر، بهذا المعنى، يصبح دليلاً في هذه المتاهة.

    في هذه المجموعة محاولة لرصد حيوات بشر يقفون على حافة التلاشي. حيوات متلكّئة، مشوّشة، ومكسورة. أحاول رصدَ الكائن الإنساني في عزلته المطبقة، وسعيه الدؤوب لكي لا ينقرض. كما أنني أرصدُ كائنات هشّة، ممزقة، تولد وتحيا وتموت في نفس البقعة، في قبو أو قصر، أو نصّ، لا فرق. أرصدُ الهلوسة والهذيان والحلم. هل سمعت بقصة الأعمى الذي يحمل مصباحاً دائماً كي لا يصطدم به المبصرون! هذا هو الشعر بالنسبة لي. إنه ليس قنديلاً غايته الإنارة، بل الكشف عن عتمة العالم. الشعر، كما أراه، مرتبطٌ بتلك البصيرة التي تزيح الغشاوةَ عن عمى المبصر. إنه عينُ بورخس وهي تستقرئ تضاريس المتاهة، وتفكّ شيفراتها المتشابكة. إنها القصيدة التي تُكتب لكي تفضح عمى المبصرين، وتؤكّد رؤيا الجحيم. ألا تتفق معي أن الشعراء ينتمون إلى نسل العميان، وقصائدهم قناديل يحملونها كطلاسم لحمايتهم من عين (الواقع)؟ بهذا المعنى، تختلف نصوص الشعراء عن نصوص المبشّرين والساسة والجنرالات. مفردات هؤلاء ثابتة، فولاذية، ومطمئنة، ومفرداتنا خائفة، مذعورة، ومرتابة.

    * في إحدى قصائد الكتاب تقول (لا ترمني بذكرى)، ومع ذلك هناك جزء من القصائد التي تحاول أن ترمم ذكريات عدة. أي موقع تحتله الذاكرة في عملية الكتابة عندك..؟

    الذاكرة عندي مرتبطة بالندم. والماضي كابوسٌ أحاول دائماً أن أصحو منه. الذاكرة مرتبطة بالرثاء، الذي أراه، جوهرياً، جوهر الكتابة. كل كتابة هي محاولة لإعادة تدوين الذاكرة. وعبر هذا التدوين، كما تلاحظ، تزدادُ الصّدوعُ حدّةً، والكسور تهشّماً، لأنّ ثمة اختلافاً، دائماً، بين ما كان وما هو كائن. من هنا الشعور بالندم. نندم لأننا نقبضُ على الصدى فحسب. والشعر محاولة يائسة لتدوين صدى الأشياء. كالميت الذي نحاول أن نبعثه من جديد عبر مرثية أو نعوة. إننا (نزيد) في موته كلما أوغلنا في استحضار أو (تدوين) حياته. من هنا الندم. والذاكرة (memory) صدى يستحضرُ النصب التذكارية (memorials)، وشواهد القبور، والمواعيد المشطوبة، ورسائل الحبّ، وكلّ هذا كتابةُ ندم، أو تدوينُ ذاكرة قائمة على الندم. والنسيان هو الوجه الآخر لهذا التدوين. ألا ترى معي أن الميت لا يُوارى الثرى إلا عندما يُوارى قصيدةً ما؟ مرثيةً ما؟ نعوةً ما؟ وقصيدتي (غيمة في الطابق الرابع) مثال على هذا النعي. يهمني من الذاكرة عطرها، وما تتركه على الأصابع من صدىً أسمّيه نوستالجيا. إنها مسكُ الجنازة، الذي يظلّ عالقاً على ثياب المشيعين، ضدّ إرادتهم، لردحٍ طويل من الوقت.

    * أنت الآن في مجموعتك الرابعة، ماذا يعني لك الشعر كي تستمرّ في هذه الرحلة؟

    يعني لي حياةً أخرى، ولكن دون أملٍ بالخلاص. إذ لا خلاص في اللغة. الكتابةُ، كما أراها، هي ارتكابٌ متواصلٌ لإثم الوجود. ثمة سرّ غريب وراء الاستمرار في الكتابة. هل هذه آلية دفاع ضد شعورنا بالفناء؟ أهي الطريقة الوحيدة لإلحاق الهزيمة بالعقل؟ ألا يعني الشعرُ، في إحدى وجوهه، فعلَ وجودٍ خارج المنظومة والعرف والتقليد؟ أليس الشعر ضرباً من العبَث كما يقول الشاعر الأميركي ولاس ستيفنس؟ أليس شيئاً كالهواء، لا طائل من ورائه؟ إذن، أنا ألهث خلف هذا السّراب، وأعي أنه سراب، وأسعى للانتماء إلى هذا العبث، وأعي أنه عبث. هي رحلة فحسب حيث الوصول مستحيل. وهنا سرّ اللعبة، هنا مكمن خطورتها وجمالها وعدميتها.

    * كيف ترى إلى الكتابة الشعرية العربية الراهنة، وبخاصة إلى المشهد الشعري في سوريا؟

    أعتقد أن حسّ التجريب والبحث عن هوية أو أسلوب هي أهمّ ما يميّز النصّ الشعري الراهن، وخاصة أنّ الكتابة التي تتكئ على حامل أيديولوجي أو عقائدي سقطت، مؤقتاً على الأقلّ، وسقط معها شعراء الأيديولوجيا في كل البلدان العربية. إلاّ أنّ غياب المعايير ترك آثاراً مدمّرة على الكثير من التجارب الشعرية العربية الجديدة. هناك من ينظّر لقتل الميتافيزيقيا ويقدّم بدائل غرائبية، لا تقلّ سوءاً عن النصّ الميتافيزيقي الذي يسعى إلى هدمه. وهناك من يتعصّب للشفوي والارتجالي وأحياناً المحكي، ويرى فيه النمط الوحيد الأوحد. وهناك من ظلّ أسيراً للقاموس الرومانسي، يجترّ نرجسيته بطرق وأشكال مختلفة. النصّ الجديد، إذن، ما يزال صرخة في عراء. لا حامل له سوى الفراغ. لا شيء يسنده سوى نبض الشاعر. شعرٌ يقيم على حافة الخطر. لا أحد يعترف به، لا أحد يقرأه، لا أحد يوليه بالاً. والكارثة أن نفس الأسماء التي قرأناها في الكتب المدرسية ما تزال مهيمنة، وكأنّ الشعر العربي ختم رسالته الأزلية مع هؤلاء. ثمة إقصاء لكل جديد، ولا يرى البعضُ من أعداء قصيدة النثر في الأبناء الجدد سوى زمرة من القتَلة، أو مغتصبي عروش. مع ذلك، أنا متأكّد أن النصّ الجديد قادم بقوة، وما نبرة الإقصاء القوية التي يعلنها بعضُ أساتذة النحو والصرف والعروض في وجه النص الجديد سوى دليل على قوته. في لبنان، كما هو الحال في سوريا ومصر والخليج العربي والعراق وبلدان المغرب، ثمة أصوات شعرية تشقّ طريقها بصمت، تخوض في أمواج عالية، وتضيء شمعةً هنا، وأخرى هناك، في أرجاء هذا الليل الدامس.

    (ادفنوني واقفاً، أمضيتُ حياتي كلها راكعاً على ركبت)
    مانوش رومانوف- قائد غجري

    أقلّ من نافذة

    وجوهٌ مجهولةٌ
    تلتصقُ بالزجاج

    عيونٌ شاخصة
    تحدقُ في الفراغ

    سحابٌ يمرّ
    لا لون له

    ظهيرةٌ تتطاير
    أمام خطى مقوسة

    بياضٌ شديد السّواد
    يشعّ من حدقة النهار

    مارةٌ كثر
    مدججون بالهتافات
    يسرعون إلى حتفهم

    حقائق نافقة
    تتوزّع في الساحات

    سماءٌ مقصوصة
    تطفو على الماء

    حبٌ مكسور
    يخرج من الحديقة

    أعمدةٌ بطيئة
    تورق بالشائعات

    أشباحٌ لا مرئية
    تخرج من بوابات دمشق السبع

    طيورٌ محنطة
    صفراء وخضراء وزرقاء
    تبسط أجنحتها أمام المتحف الحربي
    كأنما على وشك أن تطير.

    مرايا دمشق

    أتراه الصباح
    يمسكني من يدي
    ويقودني إلى دهشة
    رماها هدهدُ سليمان
    في وجه الأخرس؟

    أم أتراه الليل يجنّ
    خلف سور المتحف
    يطير، ثم يحط، ثم يطير
    ويتركُ ريشةً سوداء في مهبّ القلب؟

    أترانا كنا نحتاج إلى المزيد من التسكع
    كي نقول إن القطط
    هي روح المدينة
    وأن السماء ستمطر ذهباً ذات يوم
    فوق جسر فكتوريا
    وتغسل عظامنا بأكثر من بريق؟

    وأننا ذات يوم
    سننتظر نيزكاً يهبط على بئرنا
    في حديقة الجاحظ
    ويضرم ماءنا بالرنين؟

    هل كنتَ حقاً تحتاج إلى الحزن
    كي تقف كالنافورة في ساحة الأمويين
    وتذرو الكآبة مثل الرذاذ فوق ثياب الظهيرة؟

    هل كنتَ تحتاج إلى كفكَ المقطوعة
    كي تضع قاسيون في غرفة الضيوف
    وتسقيه كل مساء بالندم؟

    وهل كنتَ تحتاج إلى المطرقة
    كي تدهن الكهرباء بالحواس الخمس
    وتهدم الأب الذي صار جداراً؟

    تلك الحياةُ التي تقفز من الباص
    وتعبر شارع العابد
    وتحتسي قهوةً سوداء
    وتقرأ الجريدةَ (…)
    ثمّ تميل مع النرد
    ومع صراخ الدولة على رقعة الشطرنج
    هي حياتُنا …

    الحياةُ التي تسير في آخر الليل
    وترى بأم عينها البراميل المثقوبة
    والبنادق المصوبة إلى ظهورنا
    وسماعات الهاتف المتدلية على الأرصفة
    كأنّ جريمةً وقعت للتو
    هي حياتنا …

    الحياة التي تمر أمام البرلمان
    مدججة بالتصفيق …

    الحياة التي تدخل غرفة النوم
    بنظارتين سوداوين
    ومسدّسٍ على الخصر …

    الحياة التي تنتظر كالطابور
    أمام سينما الكندي بانتظار الفيلم أو اللغم…

    الحياة التي تدور في الشوارع مثل كلب
    يبحث عن نباح بعيد أو قريبٍ

    والحياة التي تنتظرُ الحياة
    مثل نصف انحناءةٍ على الجسر
    هي حياتنا …

    كنا نتبادل الحدائق مع الحرس
    وننحت قوس قزح في الماء
    ونخلط الريح بالنقاش الحاد
    ونمحو عواطفنا مثل حرّاس المقابر

    نصعد إلى ركن الدين على عكازي الحبّ
    ثم ندور حول ضريح الشيخ سبعاً عجافاً
    وننزل هابطين إلى درك الروضة
    تنتظرنا الثورات المترمّدة في المنافض
    وصور الموتى المتلاشية مع دخان الأراجيل

    هنا الراهب يرسم خطاً في الرمال
    ويدفع ثمن قهوته الباردة و يخرج
    بعد أن يقرأ نعوته المنضدّة بأحرف مائلة
    ويبتسم، سعيداً بوشايةٍ جديدة.

    هنا البياتي يشعل السيجارة من السيجارة
    والقصيدة من القصيدة
    ويحترق بدوره كطائر العنقاء.

    هنا النواب صامتاً
    بعد ثلاثين عاماً من الصراخ

    هنا نحن جميعاً من الألف إلى الياء …
    يلفنا الدخان والنقاش والحريق والطريق والهزيمة
    والحلم والخيبة والصحو والبرق والجن والإنس
    والشعر والنثر والتين والزيتون والمحاربون والقتلى
    والضبابُ والبلور، وأبواب دمشق السبعة ….

    ثم نهبط أكثر فأكثر إلى ساحة المرجة
    تلفحنا الأرصفة بعصا الكبت
    فنشرب حائط القلعة
    ويشربنا قبو المخفر

    ثم نهبط مع شعاع الخوذة
    ومع التحية العسكرية
    ومع الفجر المتأبّط فأساً
    ونقرأ الفاتحة على عظام النهر-
    النهر الذي رأته ميدوسا
    -أوعينُ النحت-
    فصار حجراً يمشي.

    حتى الصرخة صارت حجراً
    والليل الذائب فوق سميراميس
    والريح التي تهبّ …

    ما أجمل الريح
    حين تصير الريح حجراً يهبّ!

    وكنا نهبّ حجراً إثر آخر
    ثم نسقط في بئر المدينة

    نسمع عظامنا تُطحنُ
    ورغباتنا الدفينة ترنّ
    ليرةً إثر أخرى

    ثم نهبط ونهبط …

    يندلع من خطانا حمامٌ فاحمٌ
    ونحن ننبش الأفق المكوم
    أمام الجامع الأموي:

    كم نجمةً دفنّا هناك،
    كم موعداً ناقصاً!-

    ننبش تلك الغيوم المحلوجة كالقطن
    ونحلم
    جميعنا نحلم
    بأحذية بيضاء
    ومطرٍ أبيض

    ونرى خيولاً تمرّ
    وسنابك تقدح شرراً
    وسيوفاً تلمعُ

    ونرى دماً يسيل
    وحلاجاً أمام مقهى النوفرة
    يحتسي الكولا مع الألمان.

    لمَ الكولا يا سيدي بين سدرة المنتهى
    وصريف هذا النور؟

    لم الصمت يلمعُ كالذهب
    بين أسنانكَ؟

    لم المئذنة تخلع عليكَ ظلّها
    وتحنو حنوّ فأسٍ على جذعٍ؟

    لم الحميدية
    تنهض من نومها الحجري
    وتطلق سراح أشباحها في وجهنا
    ونصير- أنا وأنت- شبحين من مطرٍ
    ننقش تعاويذنا على شجر الليل

    ونحفر للنسيان بئراً عميقاً
    أمام مبنى البريد- كي لاتصل الرسائل-
    ثم نتجه شمالاً إلى مقهى الحجاز
    في دمنا أكثر من قطار عابرٍ
    في شرودنا صفيرٌ بعيدٌ
    وفي صحونا سكّة الحديد
    التي تلمعُ بمسافرين لاقوا حتفَهم.

    ولِمَ لا نحنّ إلى الحديدِ الجميل
    ونرى مطراً أبيضَ يهطل
    فوق مبنى البريد
    ويعيد تشكيل الوجوه
    المنقوشة على هواءٍ بريءٍ
    أمام محطّة الحجاز؟

    ذاك مقعدنا الطائر
    وتلك عظام الظهيرة
    مكشوفة أمام مبنى الوزارة

    تلك مزقة من سماء
    تترسّب في كعب الكأس

    ذاك هيكلنا العظمي
    يحاور النادل الأبيض
    بعد سنةٍ على الموعد

    تلك يدك في يدي
    تضغط على الثواني السريعة
    وعلى خفقٍ الذكريات بين الأصابع

    تلك غيمتنا على الجسر
    لا تهطل من أجل أحد
    وتذهبُ إلى هبوبها مثل وداعٍ بديهي

    تلك عواطف الساعة السابعة
    تهطلُ على محرسِ الإذاعة
    وعلى الخوف المتدحرج
    مثل خوذة الرقيب

    تلك ميدوسا ترى أعماقنا على حقيقتها
    وتنحتُ لكل عاطفةٍ بريداً
    ولكل طيرٍ سهماً طائراً

    ثمّ تنحتُ الهواءَ والماءَ
    والطينَ والنارَ

    ويصير النحتُ دقائق تجري
    أو بياضاً خفيفاً يهبّ على العناصر

    نحتٌ يسيرُ في قبره
    مثل ميتٍ يسيرُ في نومه
    يمرّ يومياً من أمام المنصّة
    مدججاً بالتصفيق

    مثل مساءٍ يمسكني من يدي
    ويقودني إلى دهشة
    رماها هدهدُ سليمان في وجه الأخرس.

     

    أغنيةٌ في شارع العابد

    من دلّ تلك الريح على قامتي الإسمنتية
    تولول مثل ثكلى

    وكالإهانة تربّتُ على كتفي
    تحت انهمار النشيد!

    أنا الأخرس الواقف بينكم وسط الساحة
    تحت انهمارِ النشيدِ
    ….

    وتمتمة المحجّبات في الغرف المقفلة؟

    من أسقطَ قمراً بين ذراعيّ
    وأضاءَ عزلتي بالمناشير
    ثمّ أحاطني بالريبة
    وبالليل الثمل في آخر الليل؟

    من أدخلَ البلادَ في رأسي
    تزهرُ بالولولة
    وتنزلقُ كالرمل من بين أصابعي
    وتنأى- كما يحلو لها- فوق الهشيم
    مثل وحي على وشك الهبوط؟

    من أين لي أن أديرَ ظهري للهزائم
    وأحجبَ الشمسَ بالاحتفالات
    رافعاً رايتي البيضاء فوق المصير الحزين
    مثل شهيدٍ يمشي في نومه؟

    من لي حارساً سوى الكآبة
    تتفقّد طفولتي النحيلة على حافة النهر
    ثمّ تسكنُ بؤبؤ العين
    مثل شعاعٍ لا أراه؟

    من لي سواكَ
    يحملُ البراري إلى غرفة نومي
    ويُجلِسُ ساقيةً على طرف السرير
    ويتساقط نيزكاً إثر آخر فوق جنوني!

    من لي سواي
    أبعثرُ التمتمات في القصائد
    وأضمّد جرحى الكنايات
    وأخلدُ للعابرين في المعاني
    ثمّ أرمي بئري من النافذة
    على رأس الدولةِ

    وأرمي حياتي أيضاً
    مثل أسيرٍ مكبّلٍ بالمفاتيح؟

    ليس لي سوى عزلتي
    على يمين القصيدة و يسراها
    أحصي خريفَها الجميلَ:
    كم ورقة سقطت في الكناية
    وكم صدىً ضاع في الرّمز

    وكم شبحاً مرّ دون أن يلقي التحية
    وكم حباً أزهرَ في الممرّ
    وكم خوفاً نبتَ تحت الأظافر
    وكم صدىً حملته الريحُ إلى أبعد غرفةٍ …

    ليس لي سوى الساحة
    تحت انهمار النشيد
    وولولة المعاني في دفتر الإنشاء-

    حياةٌ من نشيد طويل
    ومن حقيبةٍ نسيها الفقيدُ في قاعة الدرس
    ومن باحة طويلةٍ- أطول من الحلم-
    يربضُ فيها المستحيلُ كالدابّة

    حياةٌ من الصرف والنحو
    ومن أستاذٍ مائلٍ كحروف العلة
    يهشّ بعصاه على المعاني

    حياةٌ على درّاجة نارية
    تلمعُ كالمراهق-

    أنا الأخرس الواقف بينكم وسط الساحة
    تحت انهمار النشيد … النشيد.

     

    سَرافيس

    نحن كائنات السَرَافيس السريعة
    بخمس ليرات نصعد جلجلة الوقت
    وبخمس ليرات نهبط على بئرنا
    ونكتشف الحادث المروع للكينونة

    بخمس ليرات تزهرُ ممراتنا بالمعزّين
    وأقاربنا بأظافر بلّورية

    أشكالنا الشعثاء تزهر على المقود
    مع السائق الضاغط على السرعة
    الضاغط على عنق الوجود
    ونسرع كالبرق إلى حتفنا

    نهبط نصعد
    مدروزين بالأرصفة
    وبالأبواب الطائشة
    والثرثرة المعدنية لأكثر من عابرٍ

    أعماقنا تنام على ندمها
    وتلمعُ كنقود مزيفة

    شرودنا يندفع كنافورةٍ مختلةٍ
    ويسفحُ الغموض على أكثر من رصيفٍ

    رؤوسنا محشوة بصرير الأفق-
    الأفق المصاب بارتجاج الشمس.

    صوت فيروز يرنّ في حزننا
    وحزننا يبرقُ من ساعاتنا

    ألف ذكرى تبرق على عجل
    وتترك وشمَها على عدّاد السّرعة

    سَرَافيس سَرَافيس سَرَافيس

    يعرفنا الصيفُ من غيومنا السريعة
    والبوليس من تلفّتِ أرواحنا

    يعرفنا اليأسُ من مواعيدنا المشطوبة
    ومن رذاذٍ خفيفٍ يهطل على حزننا

    مقوسةٌ ظهورنا
    ونحن نهبط نصعد

    مقوسةٌ سماؤنا
    ونحن نطوي أكثر من غيمةٍ في جيوبنا

    مقوسة أرواحنا
    ونحن نعبد أكثر من حادثٍ …

    ولنا عمرنا القصير جداً في الحدائق

    نبتسم لشارات المرور
    وللشاحنات الذاهبات إلى حروب مجهولة

    دمُنا وديعةُ الدولاب لدى السائق
    وديعةُ الكاسيت لدى الحادث

    دمُنا على أصابع النهار-
    على ثياب السائق ونظّارتيه.

    وحوشٌ فولاذية تندلع من أفكارنا
    أشجار جرداء تهرب من ذكرياتنا

    من عراء إلى عراء نهبّ مع المارة
    ثمّ نصل منتهى صحونا
    تحت جسرٍ مجروحٍ بالتمائم -

    ما أقربها- حياتنا- إذن إلى إهانةٍ تبكي.

    بيدين من رملٍ
    نقبض على الماء.

    نرى مصيرَنا معلقاً على لوحة الإعلان
    يضيء وينطفئ …

    مثل ذهابنا وإيابنا في المأساة.

    مثل ريحٍ صافيةٍ يجرّها قاتل
    مثل قمرٍ يشيخ في مصحّ
    مثل عصافير تطير من اللوحة …

    سَرَافيس سَرَافيس سَرَافيس

    تطلقُ وعولاً في الدفاتر
    وقتلى في الإذاعات
    ومعزّين في القصائد.

     

    نصعدُ مع أوّل غريق

    تلك النار المتأججة
    ارفعها بكلتا يديك

    ارفع صدى النيزكِ
    وارمهِ ثانيةًً
    مثل حجرٍ في بئر.

    ذكرياتٌ قرب بابك
    تنتظر مثل حشدٍ من الرّيح

    قرب عظامكَ
    يجلسُ الأبدُ مثل حطّابٍ

    بروقٌ كثيرة تحت وسادتك …
    مالَه الزمن يشتعل بين يديك!

    اللوحة …
    ذاكَ الارتجافُ البلوري في القلب
    تلك الطيور الملونة على امتداد الصّراخ.

    قمرٌ يتسول تحت النافذة
    يتسوّل يدكَ الممدودة إلى العتمة
    ينحتُ قمراً آخر في عقل الشرفة.

    ثمة لغمٌ خلف التلعثم
    وصراخٌ يطفو على القماش
    وفراقٌ بين الكلمةِ وأختها.

    هذا المشي المفتون بالحدائق
    هذا العابر بين مرايا الريح
    هذا الوهم الملموس
    يعود إلى برجه في أعلى الزرقة.

    صورٌ كثيرة تتجمّع في رأسك
    غروبٌ يتسلل إلى دفتر الإنشاء

    وممحاةٌ
    تضغطُ بكل ذكرياتها على القصيدة.

    يا للماء الناهض والسماء الهابطة ...
    يا للحزن الذي يلوي معصمكَ ...
    يا للقطيعة المنقوشة على غيمٍ سريع.

    بقميصٍ مشجّر ودراجةٍ نارية
    تصنع صيفكَ اليتيم قرب النبع

    ذكرياتٌ تعبثُ بالمياه …
    هذه المواعيد
    التي تسرع إلى محوها كحادث سير.

    برقٌ بعيد على المنضدة
    وفراغٌ مائل خلف النقاش
    وجهٌ شفيف في المرآة
    ونسيان صغيرٌ يطير من النافذة.

    بالأمل وحده نغسل روح الحجر
    نتخيلُ الهواءَ بيتاً
    والغيوم ضيوفاً
    وأمّنا شفافية تمشي على قدمين

    نراقص ظلّ الظهيرة
    نرى الأب ساطوراً
    والجدّ حبلاً
    وخالتنا حنيناً يمشي على قدمين

    نزدحم بالغرف الموصدة
    وبالرياح المزدحمة بغرفنا

    نعصب شرودنا بالتسكّع
    والبراري بنايات ملسوعة

    نوردُ الفخاخَ ابتساماتنا
    ثمّ نتبخّر على مهلنا مع أوّل غريقٍ صاعد.

     

    على علوٍ شاهق

    1

    أيها القادم بلا خطوات …
    روحكَ سوداء كالقبّعة
    وظلكَ أبيض كاللغز
    أخافُ منك

    أنتَ أيها الواقف خلف المنعطف
    يدكَ على الزناد
    وعينكَ على كلّ شيء يتحرك.

    2

    أخاف من رنّة الهاتف
    ومن صوتٍ يلمعُ في الظلام
    ….
    ومن السمّاعة البيضاء
    التي توشكُ أن تنفجر.

    3

    أخاف من الرفوف
    ومن الكتب النائمة على الرفوف
    ومن مئات العناوين
    التي تتبادل العناوين في السرّ …

    جميعهم في غرفة الضيوف
    أحفاد هاملت بأظافر بيضاء
    وظهور محنية أكثر من المعتاد!

    4

    الفراغ الذي تكادُ تلمسُه
    وهذا الرخام المريض الذي يئن
    تلك الستائر التي تخفق خفيةً
    والكؤوس التي تتهشّم لوحدها
    والردهة الطويلة مثل كابوس
    وأزرار الكهرباء التي تبحث عن أصابع
    والإصغاء الشديد الذي يمشي طوال الليل
    وتلك العزلة التي تنقّط على رخام المغسلة.

    5

    أخافُ من سكوت الحائط
    ومن صليل سكوته،
    ومن قبضة الباب التي تُدار لوحدها
    ومن خطواتٍ خفيفة لا تترك أثراً سوى
    مرورها الخفيف.

    6

    أخافُ من الغيب
    الواقف تحت الجسر
    مثل عاطلٍ عن العمل:

    تلك ابتسامته النحاسية
    وذاك كتابه الأسود
    وها هي مفاتيحه الثقيلة التي نسيها
    في يدي.

    7

    أخافُ من الموعد
    ومن وردة الخيبة التي تتفتحُ في داخلي
    ومن حارس النسيان الذي يدير وجهَه
    وأنا أحفر قلبي على خشب المقعد
    ثمّ أغادرُ …

    تاركاً قلبي يدقّ على المقعد.

    8

    أخاف من الرصيف
    ومن حيرة تلاحقني
    ومن عاطفة غامضة
    تنبتُ كالظِفر-

    ومن كفّ مقطوعة
    تديرُ المفتاحَ في قفل الباب.

    9

    خلف الباب أراكَ
    واقفاً في المرآة
    روحك سوداء كالقبعة
    يدُك على الزناد
    وعينك
    على كل شيء يتحرك.

     

    يتيم حقيبة الكتف

    حظوظٌُ على دراجةٍ نارية
    مصيرٌ مختومٌ في حقيبة يد
    وتلك البراري
    مطويةٌ في خياله كرسائل بيضاء.

    يجيء مع النبع نحيلاً
    مثل همسةٍ في جنازة
    لا يفكر بالنهاية
    لا يفكر بالبداية

    رصيفه لا يقبل الهدنةَ
    مثل رمال بديهية ترافق الأملَ
    إلى فخّه في الحكاية.

    لا أمل له بشيء.
    ولا يحب العرافة
    ولا برجه الترابي
    و سيان لديه
    مات الملك أو عاش الملك

    مخلوق لأول حفرةٍ قادمة
    يحب صوت عبد الباسط
    متشحاً بالسواد
    ليس لأنه يحبّ المآتم

    إذ لا يعنيه من الكفن
    سوى الوقوف على الحياد تماماً
    على طرف القبر تماماً
    وهم يهيلون التراب على الجثة
    لا قبل و لا بعد،
    في نقطة الصفر تماماً.

    لغيابكَ رنينُ يدين مهجورتين
    تلوحان لربيعٍ يغادرُ الصالةَ-

    نقطةٌ في آخر السطر
    وكفى.

    مدٌ على الحرف،
    آهة تتفتح،
    حذف المعنى من الكلمة
    وهي تدخل القلبَ كالسهم.

    أو قل أصابع تكفكف ذكرى عنيدة.

    لا، لا شيء يبقى.
    حتى العصافير على الشرفة تجفل
    في نهاية الجملة
    أو قل الشمس تغطس في التأويل
    وتتركُ بعضَ وشمٍ على اللام أو الهاء

    وقل تسافر الحيرةُ في الوردة
    قبل أن يذبل الوداعُ على القبر
    ونحملُ الذبولَ إلى غرفة الضيوف
    ونتبادل القهوة المرة
    وأحاديث شتى عن الفقيد.

    بلا ندمٍ
    تعصرُ السوادَ من الشّعر
    والحكمةَ من قميص يوسف …

    تركنُ إلى طيشكَ
    وإلى النيازك
    تتهاوى سريعةً فوق قبر الكنايات.

    لا أحد يرى ظلك خلف متراس اللحظة
    لا أحد يرى خطوتك وهي تعبرُ النهر-

    جوهرك سجائر تحترق
    مثل الوجود على أهبة الانطفاء.

    لا أحد يخرج من الماء
    مدججاً باشتعال اللون

    لا أحد يخرج من اللون
    مدججاً بالحواس الخمس

    والأشجار تتنزه على حافة النهر
    أو حافة الشعر:

    خذ الأحمرَ الغامض
    أو الأخضرَ النافر
    أو الأزرقَ الشاهق

    وارسم الانتباهَ بكل علوّه
    وارسم الحيادَ المترامي كالسهل
    وارسم السوادَ يرنّ كالدرهم في صحن العدم

    وكن داكناً
    يا ابن حقيبة الكتف
    يا صغيرَ اللقطة اليتيمة
    والرصيفَ البطيء

    ودع الشمسَ لشؤونها المشتعلة
    والقمر لاختلاساته الفضية
    والأرض لدورانها الفلسفي

    دع المساء وحيداً خلف الستائر
    وحيداً مع المرأة الوحيدة
    ومع المزهرية وسط السكوت
    وتلك الرغبة المكشوفة مثل هيكلٍ عظمي.

    هذا أنتَ،
    شبحٌ على شرفة مائلة
    وقصيدةٌ في مجرى ماء
    ويدان غائبتان عن الوعي.

    ليس هذا التوتر من أجلكَ
    ليست تلك الوردة من أجلكَ
    ليس من أجلكَ هذا الانتظار

    لحزنكَ مشيّعوه البيض،
    ولفرحكَ أيضاً…

    لمسائكَ مريضُه الوحيد،
    ولصباحكَ أيضاً…

    وأنا وأنتَ بين هذا وذاك
    نسيانٌ فحسب.

     

    رأس الريح المقطوع

    قيل سمعته
    يد الضوء تمشط شعر الهواء.

    قيل خيانته
    فأسٌ تهوي على اللغة

    أو بورخس يرمق العدم
    بعينين زجاجيتين.

    قيل خطواته
    فخاخ على مدى السرد.

    حياته هذا النهر الجافّ
    أين يصبّ؟

    مرايا مهشّمة
    وشبهات كالمرايا …

    قيل عزلته
    سماء تحمل مقصاً.

    قيل قلبه!
    إياكَ والبراري
    ورأس الريح المقطوع
    محمولاً على طبق.

    حجرٌ يكاد ينفجر
    صدىً ينام على الرف
    أيام مستديرة تعلوها صرخة
    قمرٌ منحوتٌ
    قرب عاطفةٍ مؤقتة.

    أيها الشبح
    الليلُ ذاكرةٌ بيضاء.

    قيل نومه
    وسادةٌ محشوة بالسّهول.

    قيل صحوهُ
    نحصيه على أصابعنا
    وننقصهُ في كل مرةٍ سحابة

    خطواته خطواتٌ
    تتقدم بثقة نحو الهاوية.

    قيل بيته
    أحجارٌ تغادرُ مع الذكريات
    إلى رذاذ المحو …

    له الضوءُ الأبيضُ
    والخنجرُ المغسولُ بالنظرات
    والغيومُ التي لا تهطلُ

    وتلك الكآبة التي
    ترفرفُ فوق السرير.

    قيل الهواء …
    الهواء طويل القامة على السفح
    والنهايةُ جرسٌ أخرس.

    قيل الدقائق المهرّبة داخل الأيقونات
    والشخص الوحيد المبلل بالمتاحف

    قيل يباغته الباب
    وقبضة السكين المرمية مع الشعاع
    في صحن الشفق …

    يباغته القميصُ الملونُ
    وحبلُ الغسيل
    والمسافاتُ التي تلون فراشاته
    وتلك السماء المسكوبة
    فوق رؤوس المارة

    والشجرُ المقوسُ يباغتهُ
    وهذا الانحناء أمام الحزن

    للسيّد الحزن
    لحذائه اللامع بين الحقائق.

    قيل حزنه
    سبع لحظات متوترة
    تنقط كقطرات الماء
    فوق حجرٍ مصقول

    قيل روحه
    إيقاعات خضراء
    وزرقاء
    وبيضاء

    أوتار العازف
    أو رفيف أصابعه فوق حطام اللحن.

    شفافية

    يجرفها المطر حيث يشاء
    تلك الروح التي يدفنها الجبليون على التل.

    تحاول الطيران إلى الأعلى
    باتجاه بياض عجوز
    تحاول التوغل في اللا شيء
    والتراب الطري
    لكنها تتلاشى
    إلى ومضةٍ خاطفة في مقلة العدم.

    روحٌ على الرف
    زجاجٌ جريحٌ
    وشفافيةٌ تفورُ مثل ثيرانٍ هائجة.

    العرباتُ المحمّلة بأقواس قزح
    تفرغ حمولتها أمام بيتكَ
    وتمضي وشأنها مع الصرير.

    الحيادُ حكمتك الوحيدة
    والمجهولُ صندوقك العائم.

    تطلق الأمهات بكائهن الطويل
    وينقضّ الحزنُ على رقرقة أساورهنّ-
    أمهاتٌ يهدهدن دفاتركَ الباكية.

    كل الجهات شقيقاتك الباكيات
    كل المعاني طائراتك الورقية
    كل السواد قميصك المنشور.

    أمهات يأتين من الشفق
    تزهرُ ولولاتهن في المساء الرهيب.

    يأتين من ضباب مسنن
    يحنو على جثة.

    النجوم عن بكرة أبيها
    تهوي على سريركَ

    تمزجُ الحديدَ بالقشعريرة
    والفجرَ بشعاع طائش

    توصدُ الطفلَ على حلمٍ ناقص
    والنهارَ على عربات تمر

    …….

    صباحكَ يشعّ مثل أسنان نهريةٍ
    ليلك الأبيض لا يحجبُ البرقَ
    لا يثني الرّعودَ عن احتلال النافذة.

    هي النهاية-
    خطواتك التي تقتربُ أو تبتعدُ
    يدكَ الضارعة إلى أزلٍ مسلّح.

    من قيامة في غرفة النوم
    إلى حلم يميل مع الشرفة
    إلى شمس مصلوبة على حائط
    إلى حياةٍ تنتظرُ الحياةَ.

    شمسٌ تتشبّث بالأفق
    وتغوصُ أعمقَ في البئر

    قمرٌ منقوشٌ على هواءٍ مراهقٍ
    نومٌ تحت سماءٍ من فولاذٍ
    بابٌ منسوفٌ
    ووسادةٌ تشبهُ اللغمَ.

    غيمة في الطابق الرابع

    إلى عمّار عمّار في آخر ثانية


    لا أملكُ سماءً أفرشها أمامك كي تمشي فوقها
    ولا نهراً أطلق فيه سراح روحك
    ولا غيمةً تمطر فوق نومك....

    منذوراً للبياض في هدأة المصل
    وثرثرة الطبيب قرب حياتك.

    أكان للكوريدور أن يحمل نومك
    إلى مثواه الطويل في الياسمين
    وللعناية المشددة
    أن تقبض على سرب الفراشات في صمتك؟

    أكان للذكريات أن تذهب إلى النهر
    الذي جفّ - يجفّ بطيئاً في غرفة الإنعاش-
    وللأبدية أن تعلق أجراسها فوق رأسكَ؟

    أكان للأفق أن يحطّ على يديك
    وللشمس أن تدخل السيروم
    وتشيبَ مثل الشاش حول زندك؟

    أكان للنبع أن يكبو في غرفة الإسعاف
    وتكبو الحقيقة قرب بابك
    ونكبو نحن كالأشياء حول ظلك؟

    ذاهبون معاً إلى السواد
    يا صديق البياض
    نسوق النجوم إلى حتفها
    والطفولة إلى هبائها
    والقصائد إلى نومها الطّويل في المصبات.

    كأن الحياة قصيرة كرمية النرد
    كمنظرٍ عابر من سيارة عابرة.

    هي الحياة صفراء كورقة التحليل
    تحطّ على مقصّ الطبيب.
    جميعها- الحياة- ترفرف كالبنج في الرأس.

    مقبلٌ هذا البياض على قهوةٍ مرّةٍ
    ومقبلٌ هذا الكلام على سكوتٍ طويل.

    نهارٌ مبعثرٌ قرب الدَرَج.
    عزلةٌ بين المسكّن ورنين الهاتف.
    جهاز الكلام الذي لا يعمل.
    جهاز الأكسجين القليل.
    جهاز الحياة العاطل عن الأمل.

    نصفُ نظرةٍ بيننا
    تقسمُ الحياة إلى نصفين:
    نصفٌ للهباء المسجّى في الطابق الرابع
    ونصفٌ للطفولة التي ترقد
    على بعد مترين من الهباء.

    سريعٌ زوال الصّدى
    عن حافة بئركَ
    سريعٌ زوال الزوال.
    سريعةٌ لحظاتك السريعة
    في دفتر الوقت،
    سريعةٌ هي الساعة
    التي تجنّ باتجاه الصّفر.

    إنه جنون البياض.
    الماء ابيض،
    والروح بيضاء،
    والأمل المنذور للانحناء أبيض.
    الأبيض أبيض،
    والليل حول صمتك أبيض.
    أبيض هو الانتظار
    ولون المواساة أبيض.
    بيضاء تلك الظهيرة
    التي تنهار كالأخت على درفة الشباك.
    والمدى اللابس ثياب الطبيب أبيض أبيض.

    والبياضُ وسادتك
    التي تطفو مع الذكريات
    على موجةٍ عابرة.

    ذكرياتك التي تهبّ مع البحر
    إلى جهة الملح
    وأغنيتكَ التي تهبطُ
    على نقّالة عرجاء
    في مصعدٍ واقفٍ.

    أبديةٌ تسير في الكوريدور
    وأخوةٌ يتقاسمون الهزيعَ الأخيرَ
    مع البكاء.
    شقيقاتٌ يصادقن الصدى
    ورفاقٌ يتمتمون فوق آلةٍ حدباء.

    ظهيرةٌ عمياء تعرّش على ثياب المارة
    وصباحٌ يتيمٌ يبكي قرب بابك.
    وهذا الليل يلحق بالنهار
    قابضاً على دقيقةٍ من صحوك.

    هنا عذوبةٌ تفيضُ مع اللوعة
    وتبكي على عذوبتها.

    عالٍ هو قبرك
    عالٍ غيابك المحمول على الأكتاف
    عاليةٌ نجومك
    وسماؤك عالية
    أحلامك التي تفرّ من القبر عالية
    وشمسك عالية.

    من جوهر الريح أتيتَ،
    من هدهدة أمنا الماء،
    من انحناءة نسمة على رعشة،
    من غيهب قرب نهر،
    من شجر قرب فأسٍ،
    من اللاشيء الذي يبكي.

    من الرّيح إلى منتهى الرّيح.

    من الطّابق الرابع في مشفى المواساة
    إلى سحابةٍ تسبح في السماء السابعة.
    ومن نصفِ نظرةٍ بيني وبينك
    إلى نصفِ ظلامٍ
    يهبط على عجلٍ فوق درَجٍ يدلهمّ.

    نهاركَ الذي يذبلُ في القلب
    نهارك الذي يهرول إلى مغيبه الأخير
    نهارك الذي يبكي مثل أحد عشر كوكباً
    نهارك المكسور على طريق المدرسة
    نهارك الذي يمضي وحيداً إلى النهر الذي جفّ.

    نهاركَ!

    … نهارٌ فاحمٌ… فاحمٌ… كفستانِ أمّك.

    الثانية والنصف ظهراً، المواساة 5 \6\2001

     

    كورال

    للصمتِ يمشي على رؤوس أصابعه
    للذهاب والمجيء في الممرّ دون جدوى
    للتمتمات على المغسلة
    للذكريات الباردة فوق الرفوف
    للموسيقى تطلع من شقوق الحائط
    للجسد يشتعل داخل اللوحة
    للحزن يلمعُ كالمقصّ في يد الآفل
    للانتظار يقلّم أظافره في المرآة
    لوحش الفراغ الرابض في الهواء
    للتربّص يتكئ كالقنّاص على حديد الشرفة

    للضباب يضربُ بكفّه
    على خشبِ الصّالة
    فنسمع البياضَ يرنّ
    ونرى المصابيحَ تذوبُ في التهليل

    لأشباحنا تخرج من النصّ
    مصفّدةً بالتأويل

    لعبورنا الخفيف
    بين الكمائن

    للجار يرفع فأسَه
    ويهوي بها على عظام اللحظة

    للقمر الراكض في حقول الغيم
    لكنيسة الراكض خلف أيامه
    لمستشفى المساء المدّد على السفح

    لمشيئةٍ بيضاء- هي مجرد هفوة-
    تحلّق فوق المصير
    وتصنعُ بجناحيها روحكَ


    لكَ
    ولي
    ولها
    كلّ هذا العراء الجليل.

     

    هواية مدرسية

    الصبي -الذي قتل أباه-
    يركض دون توقف
    يركض
    وتركض معه الحقول والغيوم والليل
    ويركض …

    تركض معه الظلال
    ويركض البيتُ الذي غادره

    يركض النهر
    ودفتر الرسم
    والامتحان

    يركض الصبي
    وتركض معه الذاكرة
    ومرآة منتصف الليل
    والطيور التي تحلق في النوم
    تركض الأشياء والأسماء

    ويلمع نصلٌ في خياله
    تلمع الصرخة
    والشمس التي نهضت من الصرخة
    والدم الذي سال …

    في خطواته نصلٌ
    في يده القابضة على الريح نصلٌ
    نصلٌ يركض …

    يركض في دمه إلى ما لانهاية.

     

    ضد الرومانسية

    أنا من أنا؟
    أنا من طار مع النسمة
    إلى جهتها- الوهم.

    أنا من صادق الحفرة
    ومشى مع السيل حتى النهاية.

    أنا عشرة نوافذ مقفلة
    في وجه الريح.

    كسرٌ في العظم أنا
    شيء يتشكل من اللا شيء
    كآبة على شكل كتابة.

    وأنا زاوية حادة سقطت
    عن الرفّ

    غمغمة تنسجها الأم بصنّارتها

    ذاكرة القفل أنا
    لمعانٌ في عمق الليل
    لمعانُ القفل أنا.

    وأنا أفق يسيل من اللوحة
    أخضر أسود أزرق أنا

    رفرفة فوق القبر
    إكليل منسي
    يد ذبلت تلويحتها

    وأنا خمس دقائق ناقصة
    من الموعد
    نافورة في عقل الحائط
    همسٌ يتجمّد في كأس

    وأنا منولوج صائت
    في صمت الأخرس

    برية وصخور ووحوش
    وسماء في عين الأعمى

    أنا ريشٌ وفريسة
    وسباق الرّيش مع الذئب …
    ….

    أنا ريشٌ يتطاير.

     

    مخيلة

    القصيدةُ مسمارٌ
    نعلق عليه تلك المشاعر الخرساء-
    مشاعرنا.

    نعلقها…

    نعلقها مشاعرنا لتجفّ.

    مشاعرنا التي تتأرجح
    بين الظل والضوء
    بين الوهم والوهم

    تتحول- في غفلةٍ منّا-
    إلى غيوم سوداء
    في قصائد الشتوية التالية.

    ابتهال

    إلهي! بنجومكَ الكثيرةَ
    تعمي عيوني عن رؤيتك.

    تشق لي طريقاً في البحر
    بضربةٍ واحدةٍ من مجدافك
    وتضيء شواطئي
    بآهةٍ طويلة من بهائك.

    هذه صلاتي يا ربّ،
    لا يزوّر صبحَها ديكٌ،
    ولا يعكّر صفوَها جارحٌ.

    أرفعُ ذنوبي إليكَ
    كما يرفع العتّالون أكياسَهم
    إلى الطابق العاشر أو العشرين …

    أرفعها ذنوبي إليك …
    ذنوبي-إلهي-

    التي لا تزالُ تهوي كالنيازك
    فوق سندان سرّكَ.

     

    تشكيل

    هو ظلي الذي يزداد بياضاً
    يوماً وراء يوم …

    ظلي الساطع تحت الفأس
    ظلي الذي يمشي بدوني …

    ظلي الأكثر نوماً تحت العجلة
    الأكثر وضوحاً
    من شمسٍ داخل ثلاّجة.

    طريدة

    يا نفسُ اهدئي
    واعتصمي بحبلٍ مشدودٍ
    أو متاهٍ شاقّ.

    اهدئي يا نفسُ
    وكوني مسافة.

    كوني سهماً
    أو قوساً

    كوني وعلاً يعدو
    كوني سفحاً للوعل
    كوني طريدة.

    مفلسُ حدائق أنا

    يا حب
    بيني وبينك نافذة
    وخيط أزرق رفيع
    يحطّ عليه قلبي.

    لا ترمني بنظرةٍ
    أو حتى بومضة

    أكثر من شخصٍ أنا
    وأعماقي هذا الصحو المتطاير
    فوق البيوت

    مواعيدي ترتدّ إليّ
    مثل أصداءٍ في بئر

    لا ترمني بذكرى
    تفضحُ انتباهي

    ولا بابتسامة
    تخطفُ روحي

    لا بندم يحفر وشمه
    على كفّي

    ولا بنبعٍ
    يغفو بين ذراعي

    لا ترمني حتى بوردة!

     

    مفلسُ حدائقَ أنا

    وقليل حيلة أمام هذا الضباب
    المغسول بالمواعيد …

    يا حبّ
    حطّ …

    حطّ على خيطٍ أزرق رفيعٍ
    يحطّ عليه قلبي.

    بطاقة بريدية

    بمشطٍ أسود
    ومرآة زرقاء
    يذهبُ إلى الأبدية
    حاضناً نبعَه بين ذراعيه.

    خماسية الرّاوي

    عن التمثال الذي هوى

    1-المذبح

    كأشباحٍ يفلها حديدٌ ماجنٌ
    كنا ندورُ حوله
    رافعين الأيدي باتجاه سماء
    تتدلى من حبل الزرقة كقميصٍ؛
    شاهقين نتناثرُ في الفراغ الشاهق
    مثل صيفٍ طويلٍ من الطاولات المقلوبة.

    تارةً ننحني بأعماقنا
    لنمسح نظراتنا الكابية عن قدميه القويتين،
    وتارةً نستقيمُ بظهورنا،
    رافعين أثقالاً من هتافات،
    كانت قد رمتها في الطريق إلينا
    وحوشٌ وأسلاكٌ مكهربة.

    كنا ندور حوله كدواليب سريعة،
    قاطعين طرقاً وأصقاعاً،
    غارقين، حدّ مجاز حادّ،
    بتلك الرقصة المجوسية
    التي تتحول بين يديه
    إلى عاصفةٍ من سكون.

    كنا غرقى شظاياه وابتهالاته،
    أسرى ظلاله التي تتناسخ وتتكرر،
    تعلو وتنخفض،
    تشفّ وتلمع،
    في طقس أبيض من كماشات سريالية.

    كان وقوفه أحدب، ثقيلاً،
    وصمته أجوف، نافر التقاطيع،
    وقته يسيلُ معدنياً من الوقت،
    ويشعّ مثل رصاصة.

    تارةً ينتبهُ
    لما يشيعهُ انتباهُهُ من انتباهٍ في أحداقنا،
    وتارةً، ككتلةٍ، يتقدّم،
    موزعاً لحظاته الفولاذية
    على سكونٍ خفيفٍ
    يتحول بين يديه إلى مرايا.

    كان يجيزُ لمراياه المقعّرة
    أن تُصّوبَ من بعيد
    عاكسةً جنوحَ الحشد
    وآلامَه الخشبية

    باحثاً، بعينين كئيبتين،
    عن كئيبٍ سواه،
    يجيزُ لمرايا الحشد أن تُصوّبَ من بعيد،
    مفتونةً بساعات الرّمل البيضاء.

    وإذ يشردُ مع أشجارِهِ وظلالهِ،
    تتشرّدُ الكآبةُ في إثره،
    مقتفيةً أثرَ خطواتٍ مقطوعةٍ
    تتسعُ لتهويمات حبره،
    حاضنةً، في غفلة من صمتهِ المسلّح،
    تقاطيعَ وجهه.

    وإذ يرمي ببروقه
    في صحون اللّوعة
    ينبجس هاجسٌ ساحرٌ
    يقوده من قدميه الثقيلتين
    إلى حافّة البوح،
    صائغاً لزجاجه الطائر
    طيوراً زجاجيةً،
    مالئاً مدافنه اللا مرئية
    بتأويلات النيازك وإبرها الذهبية.

    وإذ يرمي بالمعاني إلى فراغ المنصّة،
    يهوي نيزكٌ في كأسه،
    حائكاً بأنواله السريعة
    فيضَ ذاته،

    وإذ يرمي بعينيه في مدى الصالة،
    يرانا، بيدقاً إثر بيدق،
    وقد استوينا على رقعة الخلق،
    ترهجُ نفوسنا كأظلاف الماعز،
    أمامنا تمتد سهولٌ من حرائق
    اختلطَ فيها صراخٌ بحمير الوحش،
    بثعالب حالكة،
    بهدوء مفخّخ،
    بوهم مكسور،
    بأشجار هاربة،
    بأرضٍ تتشقق،
    بخوذةٍ تلمعُ،
    بوهمٍ يشعّ كالوشم حول معصم المأساة.

    وفوقنا،
    كحدادٍ مفتونٍ بسواده،
    يستوي شخصُهُ،
    شاهقاً كفكرةٍ،
    صلداً كنقشٍ محفورٍ،
    يقبضُ على المصير الحزين
    بيدٍ تقبضُ على السّراب…

    تارةً ينقرُ بسبّابته على السكون المشدود،
    وتارةً يرمي بنواياه الملغومة
    في الهواء البريء،

    ينهضُ من نومه
    مجروحاً بالكوابيس
    وسطوع القفل.

    وإذ تتلفّظ شفتاه بإلهامٍ مكتوبٍ،
    نتشابك، نحن، بالأحداق
    مشدوهين
    نحدق بمربّعات السيرك،
    مأخوذين بما نسمع من صليل
    لا يحرّكُ فيه عبدٌ ساكناً،
    ولا يثقلُ فيه دهرٌ كتفاً بعصاه.

    هدوءٌ موقوتٌ
    على أهبة أن يتحرّر من صمّاماته
    وينفجر،
    مالئا مهجَ النهر بصليل سكران.

    وهو، كحاكمٍ تحتكمُ إليه الحكمةُ،
    يدعو كوابيسَه إلى ليلٍ طارئٍ

    ليلٌ أبرمهُ قاتلٌ مع قتيل
    لم يبق من عراكه مع الصّدفة
    سوى قميصٍ منتفخٍ،
    وفمٍ على وشك الصراخ.

    له البابُ حين يوصَدُ البابُ على الدّم
    وله الرعبُ حين ينطقُ الصخرُ:
    اعبروا النهرَ الذي لا ماءَ فيه.

    وكنا نعبرُ …
    آسفين على دمٍ سفحناه جزافاً،
    ونحن نناقشُ علاقةَ الحشدِ بالنشيد،
    والموت بالقافية،
    عابرين إلى ما يقطع الهتافَ إلى نصفين،
    نصفُنا يهاجرُ إلى نصفَنا.

    وكنا، كحشدٍ،
    نصفقُ لنصفنا الذي مضى،

    ونشيدُ بكل مسمار
    نسيهُ حذاءٌ في حزننا،
    ناظرين إلى المنصة،
    غير عابئين بما يسنّه الصمتُ
    من أضراسٍ مخلوعةٍ،
    وظهورٍ محنيةٍ،
    وأقدامٍ مجدولةٍ بالسلاسل،
    أبداً تسير باتجاه القفل ولا تعود.

    وكنا نصفق، بين الفاصلة والفاصلة،
    كي يقال فهمنا ما يقال،
    واستوعبنا انتصار البلاغة على نفسها،
    وأدركنا تماماً لماذا يُجرّ الفاعل
    ويُنحرُ الفعلُ
    وتُعتقلُ الصفةُ
    ويُحذَفُ الموصوفُ
    ولماذا يرفرف المحو في مرايانا،

    ولماذا يكون النحو أكثر حلكةً
    من الحدث الذي يحتويه.

    ولماذا تُطرد الصحراءُ من صحرائنا،
    ولماذا يهجّرنا الإنشادُ من حناجرنا
    ولماذا يكون الحرفُ حرباً،
    والصمتُ مطارقَ
    لا صوتَ يجمعُ بينها إلاّ النشاز.

    وكنا نصفق للنشّاز الذي احتل المنصّةَ،
    وللغموض الذي احتل تفاصيل الحكاية،
    وضلل الراوي عن أحداثه،
    وبعثرَ الحدثَ المفخّخ.

    2-الحدث

    وبمطرقة من حديد أصمّ
    ينحني على الصور البيانية،
    التي هي، أصلاً، فحوى خطابه،
    ويروح يرقق شحمَها،
    ويفصل لحمَها عن عظمِها،
    ويعرضها كجزّار على الحشدِ المبرمج،
    ومن ثمّ، كغموض سيّدٍ،
    ينبري بترتيل المعاني التي لا معنى لها،
    كي يُقال فهمنا ما يقال،
    وانتبهنا لكل بارقةٍ افترت بها أسنانُ البلاغة.

    وكلما أسهبَ صوتُه في الشيوع
    من بيت إلى بيت،
    بالغنا أكثر في المديح،
    ورقّصنا الكراسي التي ترقّصُ جالسيها
    فوق الكراسي،
    موقظة أفكارهم من سهوها الصوفي،
    ونفوسهم من مسننات الكشف.

    وكنا نوغل أبعد في كراسينا،
    مستنطقين- كحالمين- هواجسها المتينة،
    والرعب الذي أدّى
    إلى انخساف الأرض تحت أقدامنا،
    وانهدام الأفق فوق رؤوسنا،
    متسائلين:

    لِمَ الجهاتُ
    لِمَ البابُ الوحيدُ
    لم النوافذ
    لم أي شيءٍ
    ما دام هذا القبو مسرحنا
    وما دام الخطاب قبرنا المفتوح
    وما دام الحضورُ مشيعين عفويين
    والنصّ نسياناً نهائياً؟

    3-الحرس

    لم الجهات دوائر تمشي
    والباب الوحيد
    طرقاتُ ريح
    لا تريدُ الدخول ولا الخروج؟
    لم النوافذ لافتات
    رسُمَ عليها الليلُ بالطباشير؟
    لم كل شيء غائب في حضرة التأويل:
    حتى القصائد آخذات في النحول،
    والممثل واحدٌ منا،
    والمنصة رقعة الشطرنج،
    فيما الحضور بيادق تمشي
    وفق مشيئة الراوي.

    راوٍ رسمَ النهارَ
    على شكل مربعات بيضٍ وسود
    وقالَ: سيروا باتجاه الدائرة
    دوروا حولها دهراً خفيفاً
    متأملين مركزها المشعّ
    لكن احذروا سطحَها ومحيطَها
    واحذروا أوتارَها
    فالدهر دائرةٌ وأنتم قطرها.

    واحذروا الحرفَ الذي لا روحَ فيه،
    واحذروني،
    أنا الراوي الذي نصبَ الفخاخَ لتسلسل الأحداث،
    ضللتُ الحكاية عن نهايتها،
    وقيدتُ نهرين منتحرين إلى حتف الفواكه،
    واخترعتُ خاتمةً مزيفةً لمأساة لم تكتمل،
    ووصفتُ للأعراس أحزاناً مؤجّلة،
    واختلفتُ مع الشخوص حول توظيف المكان،
    وحول حاجة الأحياء للموتى،
    تُركوا على أحوالهم،
    سعداءَ بالعطل الترابية،
    وبما توقّعه النيازكُ على شواهدهم
    من كلامٍ عابر.

    سعداء بالسرد
    الذي لا وهم يكتبه،
    لا حقائقَ تسندُ شكله

    سردٌ عليل،
    ومحوٌ قاتمٌ يضيءُ ذاتَه،
    وبياضٌ يضلل الراوي عن مآربه.

    وأنا الراوي الذي اختلفوا عليه،
    وتناقشوا حول كل حادثة رواها،
    وحللوا كل ظن من ظنونه،
    وفككوا عواطفه إلى عناصرها البدائية،
    وأتوا بالمساطر والمجاهر
    لقياس كل وتيرةٍ،
    واستجوبوه،
    أخذوا أحلامَه إلى التحليل،
    ولوّنوا ليله بالتأوّه،
    وتناوبوا فيه الحراسة،
    متأهبين لكل خاطرة تمرّ،
    ولكل شاردة وواردة،
    فصار داخله عمومياً،
    وخارجه اسطبلاً فسيحاً
    من سلاح وحرس:

    حرسٌ على النوم الذي يمضي سريعاً
    حرسٌ على اليقظة
    حرسٌ على ما لم يحدد وقتَه بعد
    حرسٌ على الحرّاس أنفسهم

    حرسٌ هي الكلمات،
    تفرزها القواميسُ المؤبدة،
    مدبجةً بأحرف من أبد،
    مبوبةً حسب تسلسل الشبهات،
    إذ لكل اسمٍ شيؤه
    ولكل شيءٍ صورةٌ
    عكستها مرآةٌ
    لا إطارَ لها و لا فراغ.

    وللأسماء أن تسعى
    لئلا تسقط في التشابه،
    لكن التشابه هو القانون،
    والاختلاف جريمةٌ تُعاقب بالتشابه.

    إذ لكل اسم سرّه
    ولكل سرّ ليله
    ولكل ليل شهرزاده
    ولكل شهرزاد حكايتها
    ولكل حكاية نهايتها
    ولكل نهاية بدايتها التي لا تنتهي-

    وهكذا إلى ما لانهاية.

    4-الخطاب

    وبمطرقة من حديدٍ أصم
    ينحني على الصور البيانية
    التي هي أصلاً فحوى خطابه
    ذاهباً غادياً في طريق المشيئة
    غير مبال بما يكنه الميكروفون للحشد
    من نشاز معدني
    ومن هوس تكنولوجي
    يُحصي عددَ النبرات في صوته،
    وماهية كل غنةٍ تجرحُ لفظَه،
    ومتى وأين يكون إدغام،
    ومتى وأين يكون الوقوف أجمل.

    وإذ يوزّع ابتساماته على الحشد المعكوس،
    ينوّع شكل إيقاعاته
    موحياً بحكمة صلبة
    لها وقع حافر على إسفلت جاف.

    وإذ يشطحُ باللغة،
    حالَ تُترجَمُ اللغةُ إلى مقاطع في عقله،
    يومي بيده
    كمن يطرد ذبابةً استفحلت
    قائلاً لنا بصوتٍ صريحٍ
    يشي بدرسٍ عضال:

    معاذ اللغة أن أكون صديق الدولاب
    تحملني البهجةُ بين قرنيها كثور خرافي
    لا يرى من وحوش البراري سوى عويلها
    متوجساً
    متألقاً هكذا على فم الغفلة
    حنوناً بينكم
    تطاردني النظّراتُ من هتاف إلى هتاف.

    معاذَ كل دقيقة
    أمضاها الهلعُ بينكم
    أن أقف، هنا، بينكم،
    حالماً بأكثر من حوار
    يأخذُ فيه القاتلُ دورَ القتيلِ.

    معاذَ هذا الجدل الدائر بينكم
    حول صلاحية البوليس لشحذ الشهود
    واختزال الجريمة إلى ظروف وملابسات
    أن أتطرّق إلى فحوى القطيعة
    بيني وبين المعاني
    أو بين المعاني وبين البديع،
    أو بين البديع وسائر محسنات القول
    من طباق وجناس وفخاخ ومسدّسات.

    إذ كنتُ وما زلتُ ضدّ الوضوح بسائر أشكاله:
    فثمة وضوح يفضح القائل رغم نواياه
    وآخر يفضح نوايا العبارة رغم سياقاتها
    وآخر ينسفُ حسنَ الوصال بين معنىً نأى
    ومعنىً آثرَ أن يظلّ قريباً من السطح،
    يغوي الحقيقة إلى فخّهِ،

    وثمّة وضوحٌ لا يجيزُ للفصاحة
    أن تحتدم عنوةً بين إشارةٍ ومدلولها،
    وهذا روحُ الغموض وأصله.

    وهو سلاحُ الكئيب ضد الكآبة،
    ودرعُ الغريب ضد الغرابة،
    وأصفى ضباب يجودُ به المناخُ على العناصر.
    فلم لا يكون الغموضُ صميمَ المقال،
    وفحوى العلاقة بين الممثل وبين المنصة؟

    ولم لا أكونُ الممثلَ، هنا،
    واقفاً بينكم،
    حاملاً فأسَ الخطابة عالياً،
    أهوي بها على أسماعكم،
    نائحاً، مادحاً،
    ساحباً الظهيرةَ من رسنها
    إلى قبو الحقيقة،
    فاكاً لجامَ المتاهة،
    مطلقاً سراح المعاني بينكم،

    فاتكاً، سارقاً، عاشقاً،
    غانماً، خاسراً، هالكاً،
    ذاهباً، راجعاً …

    لمَ لا أفكّ الطلاسمَ عن ضريح الهواء،
    مترجماً بياض الهبوب،
    رامياً بالرموز إلى مهبّ الشروح،
    صارخاً بالبديع:

    لتحرس تلك البنادق أبوابك،
    ولتكن لرموزكَ أوسمةُ الشبح ولمعانه.

    أنت البديعُ الذي يحلو له
    أن يضرمَ المنصةَ بأحداق العبيد
    وهم يرفعون قبضاتهم عالياً
    في الهواء الطلق
    كناية عن مديح حصيف
    سرعان ما يتقشّر تحت وهج الذهول.

    وأنت البديعُ الذي استشرى،
    قابضاً على حزمةٍ من بنات آوى،
    عارفاً سلفاً أن المعاني هي أفق جنونه،
    وأن المشيئة التي تعصفُ بالحضور
    هي مشيئة الدولاب،
    وأن الخطى بين بيتٍ وبيت
    هي القيود التي لابدّ من شحذها
    وصقلها وصهر بريقها،
    مراراً وتكراراً لئلا تصدأ …

    إذ للخطى أنواعها،
    فمنها ما يقودُ الطليق إلى الطلقة
    ومنها ما يدلّ المروّضَ إلى سركِه
    ومنها ما لا نراهُ غالباً
    وهذه أكثر ما تشيعُ بيننا.

    كأن يسير عبدٌ بينكم
    على رصيف الطاعة
    واثقاً من أقدامه المقطوعة؛

    أو كأن تفتح امرأةٌ شباكها على خدَر الليل،
    واثقة من الجحيم في ثغرها؛

    أو كأن يحلق طائرٌ عالياً في أفقه،
    واثقاً من ريشهِ،
    ومن لسعات الضوء في روحه.

    وثمة خطىً أخرى نراها ولا نراها،
    لها صليل بغالٍ
    تُجر عنوةً إلى إسطبل الحكاية .

    كيف لا،
    والمعاني التي لا ترونها
    هي الأكثر سطوعاً في بهيم الساعة،
    أنتم الحشد الذي أراه ولا أراه،
    واقفاً هكذا بينكم،
    أداوي نهاري بعتمةٍ تدلهمّ،
    وليلي ببرقٍ حنون

    هنا
    فوق منصةٍ مكشوفة
    للفراغ …

    فراغٌ من كل حدب،
    يبرق ريشَه المعدني فوق الرؤوس
    يعلو وينقضّ،
    حراً تماماً،
    رشيقاً تماماً،
    يرمي حمولته الصديقة
    فوق كل شبر آهلٍ،
    لا يميز صفاؤه الحليقُ
    بين ليلٍ جمّدت قوائمَه الغفلةُ،
    وبين ظهيرةٍ مجنونةٍ
    طار جنزيرُها الجميلُ.

    فراغٌ وقصفٌ وزوابع
    ومنصة مكشوفة على هتافٍ عالي الدقة
    وأنا الواقف هنا بينكم
    محاصراً بحراسي الحيارى
    أداوي الخسائرَ بالكلام
    وبما تمليه عليّ البلاغةُ
    من سموم بيانية
    ومن رموز سريعة
    ترتقُ، دون هوادة،
    جروحَ الخيال وأوجاعه.

    وأنا التائه بين الكمائن،
    لي ولعُ الفراشة للضوء
    والذئب للعصيان،
    أقود حراسي الحيارى
    من حفرة إلى حفرة،
    سعيداً بالضباب الذي يلفّ أقداركم،
    وبالظلام الثقيل
    الذي يضرب أوتادَه حول أسواركم،
    ناصباً راياته السوداء فوق كل بنايةٍ،
    وفوق كل قصيدة.

    وأنا الواقفُ هنا على حافة الهاويةِ،
    متأملاً صورتي
    تتشكلُ في مرايا المتاهة
    هتافاً إثر هتافٍ،
    أقفلُ خطابي بخاتمةٍ جرداء
    لا أثرَ فيها لاستعارةٍ أو تشبيهٍ.

    خاتمةٌ مصنوعةٌ من عظام اللحظة،
    تتناثر فواصُلها كأظافر مقصوصة،
    لا معنى يسندُ رمزَها،
    لا نزيفَ يؤرّخ جرحَها،
    لا ريحَ تحرس نارَها،
    لا خطاب.


    5-الطريق

    قافلاً خطابه بنشازٍ فصيح،
    يغادرُ المنصة،
    جاراً خلفه حراسه،
    ساحباً معه الدهشة من نظراتنا،
    سارقاً التصفيق من أصابعنا،
    خاطفاً أفواهنا من كلام جريح
    كنا ننوي قوله جهاراً،
    دابغاً أقدامنا بقيود متينة
    لا نراها،
    مالئاً أسماعنا ببنادق
    تُصوب إلى ظهورنا
    ونحن نغادر الساحة،
    شبحاً إثر آخر،

    سافكاً، ساحراً، ساهماً،
    سائباً، سادراً، سارحاً

    ذاهباً في سواده
    ما شاءت له صروفُ الهزيمة
    نحن الذين كنا نصفق دون أكفّ
    ساهمين بأقدارنا
    محمولةً في عربات الجيش،
    مأخوذين تماماً بصليل الكنايات
    التي تقطع هتافاتنا إلى نصفين.

    كنايات تؤلب بعضَنا على بعضنا
    ضاحكة من أهوال الطريق
    ومن أقدام مستقيمة
    تسيرُ دائماً باتجاه القفل ولا تعود…

    أقدامنا التي تضربُ في التيه
    واثقةً من جهات الحديد
    مكشوفةً للهذيان المغير
    للرّمل
    لأسئلة الكهرباء
    للدم الراكض
    للحاضر
    لأسنان اللغة
    للخلاء البهيم

    ديك الجنّ الدمشقي

    بهدوءٍ شديد
    ضع السكينَ على العنق
    وبهدوءٍ أشدّ
    أبعِد البريقَ عن البؤبؤ
    ثمّ حزّها

    حزّ تلك الغيبوبة الصافية
    المسجّاة كالضوء فوق الكفن

    ونادِ الفراشةَ
    ترفرفُ لهنيهةٍ فوق الذهب

    وضع النصلَ بين أسنانك
    أغنيةً طويلةً
    لحزنٍ طويلٍ

    وعد أيها الحبّ إلى الناي

    لا وقتَ للرفرفة الآن
    الليلُ أعرج على المنحدر
    والنجمةُ المجنونةُ داخل الأيقونة
    وعذابكَ بلورة الانحناء

    وكن شاهقاً
    فوق بياض دمشق …

    لستَ حدّاد البراري
    كي نقولَ صكّ لنا جبلاً
    تسقطُ فوقه سماءٌ باكية

    وابسط لنا سهلاً
    يعبرُ منه المنتحرون
    بعرباتهم الزرق
    وأكفانهم الطائرة

    وبدّل غابةً بقصيدة
    ونهراً بنحيب طويل
    كي نعبرَ نحن
    إلى الضفة الأخرى …

    لستَ سوى جنّي الثلج
    بقدمين من ثلج
    وعقلٍ من ثلج
    فوق هذا السّواد الطويل.

    *********

    صدر للشاعر:

    • طواف الآفل دار الكنوز الأدبية 1998 بيروت
    • باتجاه متاه آخر دار الكنوز الأدبية 1999 بيروت
    • لن أكلم العاصفة دار الكنوز الأدبية 2000 بيروت

    وفي الترجمة:

    • قلق التأثر، تأليف هارولد بلوم دار الكنوز الأدبية، بيروت 1998
    • نظرية لانقدية، تأليف كريستوفر نوريس دار الكنوز الأدبية، بيروت، 1999
    • سبع ليال، تأليف خورخي لويس بورخس دار الينابيع، دمشق، 1999
    • خريطة للقراءة الضالة، تأليف هارولد بلوم دار الكنوز الأدبية بيروت، 2000
    • بورخس (مذكرات)، تأليف ويليس بارنستون دار المدى، دمشق، 2002
    • الحادي عشر من أيلول، نعوم تشومسكي دار الكنوز الأدبية، بيروت، 2002
    • نصف حياة، تأليف ف.س. نايبول دار المدى، دمشق، 2002
    • ادفنوني واقفاً، تأليف إيزابيل فونسيكا دار البلد، دمشق، 2003
    • ساعة حياة، تأليف ويليس بارنستون دار المدى، دمشق، 2003
    • فن الكتابة، توني بارنستون وتشو بينغ دار المدى، دمشق، ‏2003

    في النقد:

    • ولاس ستيفنس: تخيل صوفي أسمى (أطروحة دكتوراه باللغة الإنكليزية)، جامعة نيويورك، 1995.

    إقرأ أيضاً: