جميع هذه النصوص كتُبت في الولايات المتحدة الأمريكية (نيويورك- بروكلين و مانهاتن- بين 21\6\1994 و أواخر شتاء 1995)
اقطعها ...
اقطع شجرةَ الليلِ من جذعِها
و امسح بياضَ فأسكَ
بنجمةٍ يجرحُ وهجُها شعورَ النّهر
ثمّ طف حولَها
طف كراقصٍ يطوفُ حولَ أحزانِه
أو كريحٍ تطوفُ حول أنقاضِها
و غب برهةً إلى نفسكَ
مستجوباً أخرسَ أيامكَ
الذي ينحتُ صرخةً في الحجر
و قل، قل هذا العراءُ لي،
لي بكلّ آلاتِه و أرواحِه و مراياه.
نيويورك 15\ 9\ 1995
أنتِ من الحدودِ التي تتحرّكُ مع الرّمالِ إلى مصبّها في المراثي. ما تزال المشيئةُ هناكَ شاشةً بيضاءَ و الفراقُ إبرةً في الفمّ. القطيعةُ غيمةٌ تنخفضُ و تحرفُ القمرَ عن مدارِهِ. ما يزال الهاربون من ظلالهم يصلون تباعاً إليكِ، يحملون في أكياسِهم مناظرَ محروقةً و حياةً محدودبةً ظلّت تسودّ بفعل بروقٍ انطفأت لتوّها فوق أحجاركِ.
لا الأقدامُ المقطوعةُ التي نذهبُ بها إلى الحربِ و لا حتى طريقُ زرقاءِ اليمامةِ يؤدّي إليكِ. ما أطولَ المسافةَ بيننا إذن، لولا النظّارتان، و درّاجة الفقيد!
بحديدِ منتصفِ اللّيلِ، بدولار العربةِ الأخيرةِ، بالطيورِ التي تواصل الهجرةَ من قفصٍ إلى قفص، نذهبُ إليكِ.
رياحٌ بلونِ المرضِ تحملنا على ظلالهِا المقوّسةِ و تسيرُ بنا باتجاهِكِ
ذكرياتٌ كثيرةٌ من نفسِ فصيلةِ الدّم تذهبُ معنا ...
وحدهنّ النسوةُ المفتونات بالأجراس يدخلنَ بيتكِ المفتوحَ للأشباحِ
و يرجمن زواياه الحادّةَ بالخطى السّريعةِ و دبابيسِ الشَعر.
حين صداكِ ارتطمَ بحافّة قلبي و ارتدّ مع النسمةِ إلى جنونِ الهاويةِ، وحدها الدّوامات كانت تتخايلُ في الغرفِ و تملأ الحيطانَ بالصّواعق التي تتفتّحُ الآن.
هكذا يكون انتظاري:
برقٌ يصرّف بأسنانِه
حروفَ رسالةٍ لم تصل
غيمةٌ تلحقُ في اثرِ نهر
نهرٌ يميلُ على امرأة
هامساً في روحِها:
الضّوء ... الضّوء
هكذا يكون الحبّ:
ساعةٌ معطّلة
حيث تبعثر حياةٌ دقّاتها
و يفقدُ طقسٌ عقَله
حيث الأزلُ -بقبعةٍ بيضاء و قميصٍ أزرق-
يتخايلُ في أقصى الصّالون
حاملاً على طبقٍ من نحاس
صرخةً ظلّها الشّمس.
ليست السّاعةُ الجداريةُ التي تدقّ الآن، أو الرّعدُ الذي تركناه يجفّ على الشّرفات، ليس الهواءُ الأسودُ الذي يحرّك بمزاجِه الستّائرَ، أو المشنوقُ الذي يبقّعُ بخطواتِه نومَنا، بل مرآةُ الدرّاجةِ العابرةِ التي كشفت لنا -في برهةٍ خاطفةٍ - عن السكّينِ الحادّةِ الموضوعةِ بإهمالٍ بين المزهريةِ
والكفّ المقطوعةِ.
رثاء:
على غموضِ الصّحو انقضّ باشقُ الرغبةِ
اختطفَ الرّعدَ من صداه و الريحَ من أجراسِها
فكّ الوقتَ من ساعاتِه و السّاعات من دقّاتِها
وفي فضاءٍ لا نهايةَ له أكثرَ بداهةً من المرايا
حلّق بعيداً و عالياً، ضارياً و دموياً...
ذائباً كصرخةٍ لا تلوي على قفرٍ
لا تعني أحداً على الإطلاق.
ما الفائدة أن يهبطَ الضبابُ عن الجبل
مادامت الحفَرُ ستتّسعُ بعد حين
و تفضحُ كعادتِها فخاخَنا؟
... ضبابٌ يربطُ
رسغَ السّماء برسغِ الأرضِ
و يقودهما معاً إلى سريرِ الرّيح ...
يمتصّ صمتَ المرأة التي هجرت
يصفّي أفكارَ الرجلِ الذي يرسمُ
نهاراً ذائباً في الهواء
(متلوّناً كالظّهيرةِ بأجراسِ بائعِ المثلّجات)
يحملُ البريدَ المتأخّرَ
إلى الثوراتِ العاصيةِ في الجبال
يمسحُ عن ساطورِه
أرواحَنا العالقةَ
يكتبُ وصيتَه الأخيرةَ و يختفي
كأنّه لم يكن.
سرعان ما تتبخّرُ إلى غبشٍ تلكَ الحجارة التي حفرنا يوماً أسماءَنا فوقَها. غيمةً غيمةً رأيناها تقطعُ الأفقَ المصقولَ جيداً كعدسة. و إذ ننسى القطيعةَ تضربُ أطنابَها في زوايا البيتِ، يسودّ الماضي كشمسٍ في محبرة، لنعودَ و نحفرَ أسماءَنا من جديدٍ فوقَ حجارةٍ نتخيّلها. نرى إلى حياتِنا كمن يرى إلى وداعٍ في فيلم.
لم تكن حجارةُ البيتِ الذي ربّانا
مرايا فحسب للرّيحِ التي نزحت
أو للمشيئةِ التي تركناها تروحُ و تجيء
تحتّ بأقدامِها نومَنا
هذه الحجارةُ هي آلهتُنا
عبدناها طويلاً على الأدراج
و في الممرّات
فوقها نقشَنا سهرَنا
و ركعنا طويلاً أمامَ آلامِها
بانتظارِ أن يتكلّمَ خرسُها
و يندلعَ -كالنسيان- من النوافذِ و الأبوابِ
- و من أصابعِنا أيضاً -
تأهّباً لزجاجٍ جريحٍ يشيعُ جنوحَه الأبويّ
من حجرةٍ إلى حجرةٍ.
انتظرنا طويلاً ذلك الرّجل الذي
تجمّدت روحَه
و صارت كأساً من الكريستال
يسقط فوقَها تأوّهُ المعنى
فتملأُ بنجومِها عتمَنا
كنا ننتظرُ انبلاجَ كلمةٍ
تنوّرُ بنحوها أحلامَنا المقطوعةَ
ترصّع أفكارَنا بأعشابِ النزهةِ
تطيرُ من الشبّاك
و تصنعُ - أثناء طيرانِها -
ظهيرةً من ثلجٍ
لا أثرَ لغرابٍ فيها.
ما أطولَ هذا اللّيلَ الفولاذيّ و ما أعتمَ زمهريرَه! لكأنّ القططَ التي فرّت من سوادِه لم تترك نيزكاً واحداً إلاّ و صنعت من بريقِه سهماً جارحاً لأحداقِها:
هنا فوقَ هذه المنضدةِ
تضعُ براريكَ و أحزانكَ و تمضي ...
تمضي إلى حيث لا فكرةَ تلمعُ في سحابةٍ
لا صدى يذوبُ بين ضفّتين
تمضي مع الظلالِ إلى كهوفِها
و مع السّكونِ إلى قبورِهِ الصمّاء
لا حياةَ لترسمَ بهزائمكَ تعرّجاتها
لا جريمةَ لتطلقَ دروبكَ في أثرها
أفكاركَ كلابُ صيدكَ
خطواتكَ فرائسكَ
أبداً -فخاً وراء فخّ -
تقودُ شمسكَ
أبداً تصنعُ حتفكَ.
نسخة أولى:
في ممرّ طويلٍ من المرايا المتعاكسة كان يرى صورتَه تتناسخُ و تتعدّدُ. مزقةٌ من سماءٍ لامرئية وجدت طريقَها أخيراً إلى كعبِ الكأسِ. الوقتُ حناجر ترتفعُ بالسّهولِ حدّ النهار المغسول بالمرايا. كان قد قرّر أن يحطّمَ المرايا جميعاً- نهاراً نهاراً و كآبةً كآبةً- ماعدا واحدةً تركها تعكسُ وجهاً تناثرَ وجهَه إلى آلافِ الوجوهِ.
نسخة ثانية:
أأنتَ الذي استجوبَ الغيمةَ و فكّكَ دكنتَها إلى رذاذٍ خفيفٍ؟
أأنتَ الذي أجبرَ الطقسَ على بوحٍ اختلطت دبابيسَه بنظراتِ المارّة
و هم يجرّون أثقالَهم خلفَهم ناحرينَ للصّباحِ ضرباتِ أقدامِهم؟
أأنتَ الذي يمشي في الكرنفال وحيداً
جارّاً الرّيحَ من رسنِها إلى إسطبل في أقاصي الرغبة
محيياً، بابتسامةٍ خلف القناعِ، المنشدينَ و رجالَ الدّولة،
حادباً على امرأةٍ تتكئُ على روحِها طوالَ الوقتِ
لا تتلفّتُ إلاّ إلى نفسِها؟
نسخة نهائية:
أنظرُ إلى النهرِ، لا أرى سوى المرايا تعكسُ بعضَها بعضاً. لا أرى سوى وجوهي المتكرّرة تطفو مع السّيلِ حتى النهاية. أصرخُ: إلهي، ماذا لو نشفَ النهرُ، من سيدلّني على حياتي؟
في منتصفِ الليلِ
كانت الخنساءُ تستيقظُ كعادتِها
تحمل رسائلَها المكتومةَ و تخرجُ ...
رسائل فتحناها مراراً
على مرأى من أقارب لنا قتلوا منّا ستةً
انتقاماً لأكتافِهم التي تقوّست بعصيّنا
كانت تداومُ على نقصانِها
و هي تركضُ بمراياها و أقمارِها
تتمتمُ بلا انقطاعٍ دون أن تبدّلَ من خطوتِها
أو تنفضَ النباحَ عن ثوبِها ...
\ اللواتي و قفنَ وراءَ الشبابيكِ
رمين مطارقَ أعماقهنّ في الهدوءِ المرصّعِ بالضآلةِ
و جفّلنَ ضحكَها \
تارةً كانت ترتّب أيامَها
و تارةً خيطانَها
تتركُ وجهَها يطيرُ إلى القمر
و ذراعيها تجدّفان في الرّيحِ المشطوبةِ
لكنّ الرّيحَ لم تكن لترجعَ حرفاً واحداً من ولولاتِها.
أيّة مشقّةٍ أن تكون نهباً للعلانية، تصعدُ إلى المنصّةِ و تلعبُ الدّورَ بإرادةِ من يهدر أرقامَ الهاتف؟ كان صيفاً من صحون الأجرّ، و كنتَ المحمول ضدّ مشيئةِ النظرات، تتضاءلُ تحت الأضواءِ الكاشفةِ، و تذوبُ حولكَ الفروقُ، ... و تتآلفُ الجهاتُ إلى ذئابٍ و خيالاتٍ زرقاء.
كلّ غروبٍ كنتَ ترى الأشجارَ
تغادرُ الحديقةَ و لا تعود.
لقد صار بيتكَ مكشوفاً للنيازكِ
و باعةِ السّلاح
الشمسُ تحفر صمتكَ بإزميلها
الصمتُ يملأُ نومَكَ بالرّيشِ
و الأحلامِ المطروقةِ
حياتُكَ التي خلت تماماً من الفؤوس
تتقدّم ببطيء باتجاهِ اليابسةِ
و ما من ريحٍ هناك
ترمي بأجراسكَ بين الحفر.
- من وراءِ نافذتِه نظرَ الأعمى إلى الثلجِ الذي يغطّي الجهات و قالَ، رافعاً قبضَته إلى الأعلى: بهذا البياضِ الشاسعِ، بهذا الخنجرِ الذي يرهفُ تحتَ نورِ الشّمسِ، سأقتحمُ سوادَكم و أوقظكَم واحداً واحداً، عالماً أنني لن أرى البياضَ بعد اليوم، و لا الشّمسَ التي ستغربُ بعد حين، و لا الغربانَ التي ستصنعُ من نهارِكم ليلاً طويلاً سأكونُ في علوّهِ النجمةَ الوحيدةَ.
- و هكذا، لم يكن من عادةِ الأعمى أن يدورَ سبعَ مرّاتٍ حول الضجّةِ ويقف. كان يكفيه أن يسمعَ قرعَ محاريثَ في الفضاء، و يرى المناجلَ تتلامعُ من بعيدٍ على امتدادِ أيامه المحصودة. وحدها أحلامه كانت تقف على نسقٍ واحد، تفوحُ من زهورِها البلاستيكيةِ- و ربّما صواعقها- رائحةُ الثأر.
- الآن حيث اسودّ الثلجُ
و ازرقّت رؤاهُ الذاهبةُ إلى حتفِ البياض
يسمعُ -الأعمى- الدقائقَ تصلّ و الغيومَ ترتفعُ ...
صحنُه الفارغُ لم يكن ليتّسعَ لأكثرَ من نيزكٍ يهوي.
سماءٌ رماديةٌ نستبدلها بعدسةٍ زرقاء
نستبدلُ القمرَ ببالونٍ أبيض
و الغموضَ بنايٍ فادحٍ
في الدّجى الأصمّ للمقاعدِ
نفلحُ الغيبوبةَ بالعواء
ننحتُ الغزالَ في الصّخر
و نرشّ الأبدَ بالشصوص
أمّا الخلاء فندهنهُ برعاةٍ
وعدوا أن يتحوّلوا
تحت قوسِ قزح
إلى وعولٍ من زجاج
تركضُ في برّيةٍ لانهايةَ لها
من المرايا الراكضة.
سأقولُ أخيراً وداعاً لهذا الرّعب، و أمضي كأيّ يُقَادُ إلى حتفِهِ، سأقولُ وداعاً لطَرَقاتِ البابِ عند الفجرِ، تسحبُ شقيقي من نومِه، و هو لم يلمس حلمَه بعد، لم يرمِ بشبّاكٍ إلى صدفةٍ، أو بحياةٍ إلى حيلةٍ، سأقولُ وداعاً لتلك الفخاخِ التي نصبَها المهرّجون ساعةَ انكساري و مازالوا يلمّعونَ غموضَها بآلاتِهم؛ وداعاً للمرض، و للنهارِ الذي لا يزال أصفرَ، للسنينِ التي يجرّها قاتلٌ، و للرّيحِ التي تقودها مطرقة ...
أيّها الوداعُ السّقيمُ بالسّاعات
اذهب بي إلى حيثُ الإيقاعُ الملتاثُ
يوقظُ الجسدَ على مصابيحَ تفرطُ في وشاياتِها
حيث الطفولةُ أحدوثةٌ تضمّها الخديعةُ إلى مواقيتِها
و النواقيسُ الطعينةُ هندسةٌ تقسّم الفيافي
إلى نعالٍ من نهايات
اذهب بي أيها الكمينُ الأنثويّ
يا من تترصّدُ -في كلّ شبٍر من الرغبةِ-
الأشرعةَ بأنوائكَ
لاقني عندَ كلّ مغيبٍ
افقدني عندَ كلّ متاه.
صبيحةَ قادَ البرقُ سرباً من الآلهةِ إلى سريرِ الجهات، و هوت النجومُ تشقّ بسكاكِينها وسائدَ الغيوم، استيقظَ الطفلُ على تويجٍ حرّ، و راحَ يتلمّس بأصابِعه النهرية النداءَ الشفيفَ للحياة. البسملاتُ التي قالتها الأمّ صارت خرزاً أزرقَ على قميصِه، المدرسةُ التي شادها في خيالِه الوهمُ صارت نحتاً سريع الزّوال، أمّا الطّريق الذي تقاسَمته دفاترُ الرّسم بفهارسِها و مراياها اللازوردية فصارت عدساتٍ بيضاء لم تجد ماتؤرّخ له سوى النسيان.
إنها حياتُه، إذن، ...
قميصٌ معلّقٌ على حبل
قطعةُ ثلجٍ في كأس
ساعةٌ ذائبةٌ على حائط
قاربٌ مكسورٌ في بريّة
نيزكٌ يقطعُ سبعَ سماوات
ثمّ ينطفئ
سهمٌ يستعدّ للانطلاق
نحو مقلةِ الشمس ...
ورقةٌ بيضاء فحسب.
لم نكن نفقهُ السرّ الذي يجعلُ الجنرالَ
يعلّق نجومَه الثلاثةَ على صدرِهِ
متجوّلاً -بعد الهزيمةِ بشهور-
من منصّةٍ إلى منصّة، مردّداً:
يا رائينَ حكمةَ المخفيّ في المخفي ّ
يا المترجمينَ صريفَ المحاريثِ
على جيرانٍ يفتحونَ الغياهبَ
بمقصّات الرّيح
أنا خصومةُ المقامِ للرّمز
ابتهالُ البلاغةِ لسماءٍ
يسقفُها الرعاةُ بقرونِ الماعزِ
أنا القميصُ الذي ينتفخُ في المصبّ
فلماذا تدلقونَ النهارَ على لحيتي
و تصرخونَ في نومي صراخاً
يجعلُ الرّوح منّي
تمشي -حدباءَ- على قدمين اثنتين؟
أرجّحُ أن هذا الطقسَ المصقولَ كمرآة
هو الذي قادني إلى الخيطِ الأرجواني
في كنزةِ المساء.
و كلّما يلمعُ نولٌ
أتحسّس حياتي التي يجهّزونها لخيطانِهم.
النسّاجُ يقلّدُ الكهرباءَ
وينسى إبرَتَه -للمرّةِ الخامسةِ-
في ثوبِ الوهم
قلتُ للنسّاج: هذا مائي،
ارتقهُ،
و لا تدع إبرةً ترنّ
و تجفّلُ ببريقِها عزلتي
و لأنّ الرّتقَ قد بانَ في البياض
و بردت المأساةُ في نهايةِ السّرد
أعترفُ أنّ الذي لم أدوّنه
هو السّرابُ الذي دخلَ النصّ
في هيئةِ مقصّ و لم يشعّ.
مربّعاتٌ يهدرُها مهندسونَ
في كلّ مكان ...
أما من خطّ مستقيمٍ
يقيسُ ميلانَ الشّمس؟
صراخ يحجز المدى
داخلَ دائرة؟
لهفة كالمثلث في قاعة الدّرس
تهوي و تتكسرّ أضلاعها؟
يد تتعقّبُ صرخةً
رسمت بالمسطرة حياتي؟
حياتي التي استبدلت ظلامَها
ببياضِ الشّاشة؟
في المتحفِ حيث تركَ أصابعَه
تشير إلى الإلهِ الذي يعرضُ أسنانَه
على زوّارٍ من برونز أنشبوا عيونَهم
بالتواريخ البرشاء التي نحتها اللصوصُ
في الهواء
كانت ظلالُ الناجين من الحجر
ترفرفُ كالفرائسِ فوق الأعمدةِ و الذّكريات
عظامٌ في كلّ مكان
هياكل و أصدافٌ في غرفةِ الجلوس
قوارب محطّمة و بقايا أشرعة في غرفةِ النوم
أمواجٌ تتلاطمُ بين رفوفِ الكتبِ و الأسرّة
خواتم و حليّ على الأدراج و العتبات
وحدهُ الصّمتُ، وحيداً على الشّرفة،
كان يحاولُ أن يعيدَ الذّهبَ المخطوفَ
إلى مكانهِ في الابتسامة.
قلنا نرمي الصبيَ في الماء
ننقعه جيداً بعصيرِ الضّوءِ
نجفّف روحَه بأكثر من صاعقة
و ننتظرُ حتى يتحوّلَ جسدَه
إلى ذهبٍ مصبوبٍ
و بكاءَه إلى رمحٍ صائتٍ
و على مقاسِ حذائِه
نصنعُ قدماً من ريحٍ
مهللّين:
أيّها الإلهُ البلّوري
لتتَمَالك في هذه البرهةِ بياضَكَ-
إن هو سوى سديمكَ الهرطوقيّ
و نحن فيه مضاءُ الطّعنةِ.
بعد الجنازةِ بقليل -بعد فناجينِ القهوةِ والبسملاتِ وشطحاتِ المكنسة -لم يكن يُسمَع من بعيد سوى صوت آلةِ الخياطةِ في الطابق الثاني و وقعِ خطواتٍ متردّدةٍ في الممرّ.
لمن الاحتفال إذن؟
صوتُ المؤذّن \ قراءةُ القرآن
ثيابُ الحداد \ أكاليلُ الورد
حجارةُ القبر \ السّماءُ القريبةُ من القبر
العجلاتُ الخشبية ...
النهارُ النهار الذي يبتعد؟
لمن هذا الغيابُ الفاحمُ المعلّقُ كثوبٍ
الذكرياتُ الطاعنةُ في السن
صوتُ الزمهريرِ في قميصِ الصّديقِ
الوجومُ الكامدُ في وجوهِ الرجالِ
صدى الولولات \ الثرى
...
و واريناهُ من الغبارِ إلى الغبار؟
"لا حقيقةَ إلاّ هذه المسامير"
قالهَا و هو يتأمّلُ السّماءَ الصافيةَ
التي تدرزها النّجومُ باستعاراتِها ...
من حينها لم يطرق بابَه طارقٌ
لم يكلّمه صديقٌ
لم تزهر شجرةٌ في حديقةِ دارهِ
لكنه لم يتراجع قطّ عن إيمانِه ذاكَ
هو الإسكافيّ الذي يحفظُ عن ظهرِ قلب
كلّ مسمارٍ في نعلِ حذائِه ...
و أنا ...
ليتَ لي بلاغةُ الإسكافيّ
الذي أصابتهُ نوبةٌ من المساميرِ
فراح يهوي بمطرقتِهِ فوقَ حذاءِ المشيئةِ
التي- بساقيها الراكضتين-
قلبَت كراسي حياتِه رأساً على عقب.
في الليلِ أسمعُ نحيبَ المرآةِ فأوقظُ المرأةَ الغائبةَ التي تنامُ إلى جانبي. أقول: هذا هو الضوءُ الذي تُصنَعُ منه أساوركِ، هذا هو الكأسُ الذي تشرق منه أصابعكِ. هذه هي التنهّدات، الأغلاط، القهوة، ... الصّمت الذي نهضَ ليراكِ صار صرخةً، الصّحو الذي جرّب أن يسرقَ يأسكِ صنعَ غيمةً، الشّمس التي حاولت أن تقلّد هجركِ انشقّت عن المغيب وصنعت مغيباً في النهاية.
و لأنّكِ تهجرين
يصبحُ للنهارِ طعمَ المرارةِ في الفمّ
و ينتبهُ الحصى في النبعِ
إلى كلماتي التي تختبئ وراءَ معانيها
و يحطّ طائرٌ على شعاعٍ نازلٍ
أهجسُ أنّه صمتكِ
و أسمع صدىً من هنا
و صدىً من هناك
فلا أعرفُ وجهتي
و لا أين طارَ بيتكِ - الذي هجّ من أحجارِه -
و لا أين أجد شهودي
- الذين يدوّنون أخبارَ السّماءِ بعكاكيزهم-
و لا أجد طللاً أبكي عليه
و لا من يحزنون.
لهذه النهاية تحديقةُ ذئبٍ يطوّحُ بالنيازكِ نحو جهاتٍ تشفّ كلّما سرّح الزجاجُ أوهامَه ناحتاً المشيئةَ في الصّخر وفق هبوبِ الرّيح، ... الرّيح التي ترفع كأسَها عالياً للصّمت، و تملأ الدروبَ بالمقابض والنباح.
هذه الرّيحُ لا تجد من يؤاسيها
لا تجد من يفتح لها باباً أو كنايةً
كأنّما خرجت لتوّها
من مطرقةِ الحدّاد
تهوي و تعلو
تعلو و تهوي
مالئةً الجوّ
بحديدِ الكراهية.
حافرٌ على الأرضِ القاسية. يالشجونِ المرساةِ في زمانٍ يلتهبُ فيه الضّرسُ، و يقضمُ الفأرُ ملاءةَ السّماء! ياللمقاعدِ الغرقى والخطواتِ المثخنة! ياللحائطِ النبيل و الرّوح التي تنتظرُ الخالقَ على ساقٍ من الجمر!
أمّا الصّديق، فلطالما حلمَ بذلك اليوم
الذي سيكون فيه مفلساً من كلّ شيء
يتحدّثُ و يكتبُ (ينامُ و يستيقظُ)
تحت تهديدِ السّلاح
هكذا وحيداً في عزلتِه
لا صديقَ ليخونهَ
لا عدوّ ليعلّمه الرّمايةَ
على كلّ شيءٍ يتحرّك
مع ذلك لطالما حلمَ
بمسمارٍ يعلّق عليه روحَه
و قصيدةٍ تفكّ أسرَه من كلّ ذاك.
1
قد لا نبحث عن البيت في ذكريات المارّة، أو في الخطوات الخائفة التي تحكم قمراً إلزامياً يعود إلى أكثر من ضفّة؛ قد لا نبحث عنه في اليدّ التي تدوّن نصّاً لكنها تظلّ ملغزةً إلى حين. و خلال بدايةٍ معينةٍ، يبدو لي أنّ السّير بين علاماتٍ، تارةً تظهر و أخرى تختفي- بعيدة كانت أم قريبة - هو حصادُ التضادّ بين اللغم و القدم التي قطعت تلك المسافة بالضبط، دون التخلي عن التداعيات التي كانت أصلاً سبباً في الخوف، مادام الممرّ، جوهرياً، هو خطّ التماس الوحيد بين ومضتين. وفقاً لذلك، و كما يحدث أحياناً، تبتعدُ الممرّات كلما اقتربت الخطوات، و هذا ما يجعل العلامات، على اختلافها، ضفافاً مفتوحةً، ليس إلاّ،
2
في الرّبيعِ القصيرِ لمعنى القصيدةِ
كلّ الطيورِ التي تحطّ على سياجِ الحديقةِ
تجد طريقَها إلى معنى القصيدة.
لكنّ الطيورَ سرعانَ ما تطيرُ
بحثاً عن استعارةٍ تليقُ بالطيور!
هل من قصيدةٍ لا تطيرُ طيورُها
في الرّبيعِ القصيرِ لمعنى القصيدة؟
أجل، ثمّة ظلامٌ يتوهّج في الشفافيةِ الصّامتةِ لشاعرٍ يُقتَلُ. هو ذا بؤبؤه الذي يتوسّل و قد لامسَه نورٌ، هو ذا حنانهُ البرّاقُ، توجّساتهُ، لبوناتهُ الطائرة. لا، لن يعرفَ الأثرياءُ الذين يتجادلون في الغرف أنّ المساءَ الذي غطّى التلالَ بنصالِه هو تارةً صراخَه و تارةً روحَه التي ما عادت مقروءةً منذ حين، و التي لا تعرفُ أن ترحلَ إلاّ إلى رحيل.
مع ذلك لكم حلُمَ - في أوقاتِ وحدتِه -بالصّعودِ
إلى أعلى قمّةٍ في الهمالايا، راغباً بأن يفقدَ عظامَه هناك
متحوّلاً في البدءِ إلى طائرٍ جارحٍ ثمّ إلى هواءٍ صرفٍ
و أخيراً إلى جوهرٍ عارضٍ
يندغمُ بالشّعاعِ تارةً و بالظلّ تارةً
فقط ليقولَ للفضوليين
و عابري السّبيلِ من الملائكة:
أنا الوهم.
كنّا نستدلّ على الصّمتِ
بساعةِ الحائطِ
التي كانت دقّاتها تذكّرنا
أنّنا كنّا نستعدّ للذهابِ إلى المشفى
والتعرّفِ على أقارب لنا
سبقونا إلى غرفةِ الانتظار
حيث العملية الجراحيّة
و الضمادات السّريعة
و نحن لم نستطع أن نمنعَ أنفسَنا
من التنصّتِ
و النظرِ كثيراً باتجاهِ الكوريدور
الذي سيخرجُ منه الطّبيبُ
و ربّما النقّالة.
بحركاتٍ لائبةٍ و زقزقاتٍ مجنونةٍ
تتقاطعُ في الهواء النافر
(راسمةً صلباناً و لغاتٍ كثيرةً)
قادنا الانتظار المفجوعُ
إلى الأمسيةِ المقطوعةِ من جذعِها
تلكَ الأمسيةَ- بعيونٍ خاطفةٍ و صمتٍ منحوت -
لمحنا الفأسَ تهوي و ترتفع
فوق سطوعٍ يخصّنا
سطوعٌ يقذفُ النهارَ العاري
إلى مراهناتٍ و مواعيد ...
كان الأسفُ يتصاعدُ من أعماقِنا
المقيّدةِ إلى ظلالٍ تقمّصَها الفراغُ
فيما حدقاتنُا تتسارعُ سهماً وراءَ آخر
باتجاهِ سرابٍ توارى سريعاً كأفعى في دغل.
صليلُ الموتِ في أذنيهِ
دقّاتُ ساعةِ الحائطِ
عباءةُ الشّيخ البيضاء
البسملات ...
... هكذا كعادتِه، أراد أن يتحدّث إلى الموتى في شؤون الحياة. كان يجلسُ على موائدِهم، يشربُ ماءَهم، يأكل خبزَهم، يقرأ جرائدَهم، يخوضُ حروبَهم؛ و مراراً انتقلَ إلى جوارِهم
ومراراً شيّدت له التماثيل، لكنهم -و في الموعد المحدّد - كانوا يغادرونه إلى أعمالهم، حاملين أكفانَهم على أكتافِهم،
ضحكاتهُم ما تزال ترنّ في أذنيهِ حتّى هذهِ اللّحظة ...
هو الذي ليسَ لديهِ ما يفعله الآنَ
سوى أن ينزعَ الصّدى من أيامِه
المساميرَ الصدئةَ من عذابات كفّه
يضعَ رأسَه على الوسادةِ
متجاهلاً الدورانَ الدائمَ للمزهرية
و تعاقبَ الأسودِ مع الأبيضِ فوق أرضِ الحجرة
كان النهارُ يترقرقُ صافياً في خيالِه
فيشعرُ برغبةٍ جامحةٍ بالفرار
و الالتحاق بغيمةٍ عاليةٍ تبتعد.
ما من باصٍ إلاّ و ركضنا خلفَه، ما من شاحنةٍ إلاّ و اختفينا في غبارِها، ما من مرآةٍ إلاّ و دخلنا فضّتها المظلمةَ، باحثين عن وجوهنا التي تغبّشت وعن المناظرِ و الضحكات و ثيابِ العرس. ما من ساحةٍ إلاّ و شيّعنا فيها فقيداً، و مشينا خلفَ النعشِ، تسوطُنا رائحةُ المسكِ و ولولاتُ الأهل. ما من وداعٍ إلاّ و أوصدنا في وجهِه البابَ و أوصدَ في وجوهِنا كلّ الجهات.
لا، يا حبّي، لا مفتاحَ تحت المكنسة
أو على الرفّ أو تحت الوسادة
و كلّ الكراجات التي التقيتكِ بها صارت مطارات الآن-
الآن حيث لا قطارَ لننتظرَه
أو شاحنة لنركضَ وراءَها
لا أملَ لنتمسّك بحديدِهِ
أو غدٍ نتعلّقُ بحبالهِ
و أنا يا حبّي ابنُ جبل
أحمل ثأراً قديماً في دمي
و جراحاً كثيرةً في روحي ...
أيّها الحبّ، يا سيّدَ النزلةِ،
أما من فاكس في هذا الظّلام؟
عرفناهُ
من رائحةِ الحدودِ العالقةِ في ثيابِه
و الغيمةِ الطائرةِ فوق ظلّه
.....
من جهاتٍ منتحرةٍ في عينيه
و خطواتٍ تتلفّتُ في خطواتِه
عرفناه من وقعِ حذائِه على الدّرَج
و بريدِه المختومِ فوق قلبه
من كفنِه الأبيضِ تحت إبطِه
و سمائه المصلوبةِ على قميصِه
عرفناهُ من شَجَنِ أمّه الرّاسب بين تقاطِيعه
و صرخاتِ أبيه المكتومةِ على شفتيه
عرفناه إبرةً إبرةً
و ضماداً ضماداً
لكنّه -يا لأختامِنا الكثيرة -
لم يكن ليعرفَ منّا واحداً.
هدوءٌ أبيض
نرى من خلاله الهواجسَ التي كانت ترتجفُ
و تسطّر على الصفحاتِ التي تركناها لتبردَ
حروفاً لطالما ردّدناها في نومِنا ...
و جاءت أمهاتٌ لنا بأحلامٍ و خرافاتٍ بيضاءَ
نفضنَ عن الشّراشفِ
زقزقاتٍ كثيرة
و طلاءَ أظافر
كنّا نظنّ أنّ الفجرَ الذي
نسي ألوانَه في ورودِنا قد انتحر
لكننّا في اليومِ التالي كنا نغادر
مثل عصفٍ من أرواحٍ عمياء
تسرحُ مذعورةً في الأبدية.
يقيناً لولا هذه الأفكار التي تلمعُ كالسّكاكينِ على الرّفوفِ، و تلك الصّور التي تهتزّ كالمشاعرِ على الجدرانِ، لولا الأعلام المنكّسة في السّاحات، و الشائعات التي تشيعُ كالسّواد من حيّ إلى حيّ، لولا الحقائق المذبوحة في الصّدور، و الرّصاص الطائش الذي يأتينا من كلّ اتجاه، حاصداً في طريقِه أمسَنا و شمسَنا، ما كنا لنفقهَ سرّ هذا البياض الذي ما يفتأ يسوَدّ و يطحنُ بأضراسِه زجاجَ العالم.
كراسٍ كثيرة نحنّ إليها
و نحن نقتلُ ضيوفَنا بفؤوسِهم
طعناتٌ في كلّ مكان
ريشٌ كثيرٌ
و لا وقت لدينا لأكياسِ النايلون أو الخيطان
نريقُ ما نريقُ
و في نهايةِ اللعبةِ
يأتي الحفّارونَ بالفؤوس
و المودّعون بالجهات
يحملون جثثَنا على الأكتاف
و أرواحَنا على النّصال
...
يحدثُ كلّ هذا و نحن نرتّبُ الكراسي
للضّيوف الذين سيصلون عمّا قليل.
هكذا إذن يا وداد ... كلّ شيء ما يزال على حالِه: نوافذُنا المفتوحةُ صيفَ شتاء، أبوابُنا التي تركناها دون قفلٍ أمام الرّيحِ المكسورةِ، مكواةُ الحديدِ التي استعرناها في رأسِ السّنة، شجرةُ التوت التي انتقلت مراراً من مكانِها، شبحُ أبي في عزّ الظهيرة يتخايلُ تحت عرّيشةِ العنب، خالتي التي خرجت تجمعُ عيدانَ الزّوفا ( و ربما البرق) و لم تعد ... أمّي التي لا تزال تجادلُ الريحَ كلّما تقطّعت حبالُ الغسيل و طارت ثيابُنا و أعيادُنا ... كلّ شيء ما يزال على حالهِ إذن، ماعدا صورنا المعلّقة على الجدران، تميلُ إلى الاصفرار يوماً وراء يوم، دون أن يلاحظَ ذلك أحد ...
أيتها الأختُ البعيدةُ
لم نكن أوفياءَ لدمعتكِ
حين خرجنا مع توابيتِنا الواحدَ تلو الآخر
تحملنا على أكتافِها أيامٌ من حديد
و توارينا إلى سرابِها حظوظٌ من تراب
حظوظُنا العمياء، أيتها الأختُ، لم نروها لأحد
رأيناها تتحرّكُ مع النهرِ إلى مصبّه
و تنسى سوادَها في مياهِه
عمياء ... أيتها الأختُ التي
-أبداً في السنةِ المهجورةِ-
يغفو الفضاءُ على زندِها
و يصحو الحجر.
قد يحدث أن ترفرفَ لمستكِ فوق السّرير
-أنتِ التي هجرتِ منذ حين-
و يتحوّلُ الندمُ إلى زهرة قثّاء
يتسرّب إليها سمّ الرغبة المستحيلة
و قد ينبلجُ و جهكِ من المرآة
أو من البلّورةِ التي لا تزال أطيافُها تتخايلُ
على الستائرِ و الأبوابِ ...
و قد يتقوّس يومُكِ
و أنتِ تبعثرين شرفاتكِ للصّدى
و تضيقُ حياتكِ حجراً إثر حجرٍ
و يتصخّر وجهُكِ في المرآةِ
و تشيعُ مواعيدكِ
و قد أفتحُ عينيّ و لا أجدكِ -
لا أجد سوى درفةِ الشّباك
التي قسمَها برقٌ محبوسٌ
إلى مصيرين اثنين.
أرمي الصّدى في الماء
دوائر لانهائية تتشكّل في سماء القصيدة
أعماقنا ذاتُها أخيلةٌ
تتجمّع خلفها غيومُ القصيدة
الكلمات التي تهوي
ليس لها أجنحة
الشاعرُ الذي يسمع طرقاتٍ على بابِه
ليس هو الصّدى
أرمي الصّدى في الماء
أخيلةٌ من كلّ حدب
تتضافرُ -مسعورةً- لتصنعَ زوالَ القصيدة.
1. حياتي قطعةُ نقودٍ يتدوالُها العامّةُ
حين أموتُ سوف أبحثُ عنها في كلّ مكان
لن أجدَها ...
و لن أجدَ معطفي
الذي يرتديه رجلٌ آخر غيري
يسيرُ وحيداً تحتَ المطر.
2. خرجَ من تابوتهِ المثبّت بإحكامٍ بالغٍ من جهاتِهِ الأربعة دون أن يلمسَ أو يقتلعَ مسماراً واحداً. مشى بيننا بخيلاءِ الهالكِ، مطلقاً صفيراً متقطّعاً بين الحين و الحين. و حين ضقنا ذرعاً بذهابهِ و إيابهِ، نهضنا (نحن المشيّعين) محاولينَ أن نلفتَ انتباهَهَ إلى وجودِنا، لكنّه في لمحةٍ غابَ ... مع ذلك كنّا مصمّمين على فتحِ التابوتِ المسجّى أمامَنا و التأكّدِ أنّ مارأيناه لم يكن وهماً بل حقيقةً.
3. قال لنا: ها قد حضرتُ، فرحنا نبحثُ عن حضورِهِ في كلّ مكان، لكنّه لم يكن قد حضرَ بعد. قلنا: غب لعلّك تحضرُ وقت تغيبُ، فنذهبُ لنشهدَ غيابكَ وقت تحضرُ. قال: كيف لي أن أحضرَ و أنا لم أغب بعد؟ و حتى عندما أحضرُ يظلّ في نفسي شيئاً من الغياب، و بالقياس، حضوري يخفي غيابي، و يفقدُ حضوري غيابَه و غيابي حضورَه طالما أنني سأحضرُ حالما أغيب. قلنا: حضرتَ لكي تثبتَ غيابكَ، و سوف تغيبُ لكي تثبتَ حضوركَ، فهل أنت حاضرٌ أم غائبٌ؟ و هل يحضرُ من يغيب طالما كان الغيابُ نقيضَ الحضور؟
شبّاكٌ مفتوحٌ
اخترقه فجرٌ فاحمٌ
بعدَ عامٍ اكتشفنا
أنّ الصّديق الذي واريناهُ
ترك خريفاً خشبياً في دارِنا
الآن و قد اخترقَ نيزكٌ قبرَه
يتذكّر النبعُ الغيمةَ الأولى
التي نسجَها النهارُ العابرُ
و شعّت دمعتُها مثل زرّ
أما حياته فلم تكن سوى شمسٍ زائفةٍ
يستعدّ لتهريبِها رجالٌ يعبرونَ الحدودَ
على بغالٍ من خشب.
في وضح النّهارِ كان وجهكِ المكشوفِ للسكّين يدفعُ ضريبةَ انتحارِه للزّجاجِ الذي صبّ مراياه في خصركِ و صنعَ من صروفهِ فضيحةً لا تُردّ. نعرفُ ذلكَ من حقولِ دوّار الشمسِ التي ملأت خيالاتنا بجهاتٍ لا حصرَ لها...
و أنتِ ...
ليتكِ أعدتِ لي الليلَ مع رسائلي
أعدتِ لي قمري المائل
زهوري الذابلة
غيومي الدّكناءَ
خطواتي إلى بيتكِ
أعيدي لي ذراعيّ حول خصركِ
رقصةَ النارِ بيني و بينكِ
انبلاجَ الصّبحِ في ثوبكِ
ارتعاشَ سورِ الحديقةِ
أعيدي لي حقولكِ لأنبتَ فيها دوّار شمسٍ
و أُطلقَ كواكبي في إثركِ.
من ضلعِ الطقسِ ولدتِ
و انحنى قوسُ قزح ليأخذَ بيدكِ
الشّمسُ فردت عراءَها البرتقالي
لتعبرَ وصيفاتكِ من الغيوم ...
و أنا الذي كنتُ أنظرُ بعينينِ عمياوين
فتحتُ كفّيّ لرياحٍ تخيّلتها
و لصاعقةٍ
لم تكشف عن صحني سوى قروشَكِ الباكية.
أنتِ النائيةُ كصدىً في بئر
كبياضٍ في دفتر الرّسم
كالجالسةِ تحت شجرةٍ جرداء في حوارٍ مسرحي
حيث أقصى ما في عزلتكِ
نهدٌ يتوارى مع الثلّج.
في البحر هوى قمرٌ
ساحباً معه إلى القاعِ
نصفَ قريةٍ نائمة
الأصنامُ التي خرجت من الصّخور
حاملةً فوانيسَها الحجريةَ
مشت معنا على شكل نسق باتجاه الشاطئ
كأنّما لتشهدَ النهايةَ المحتومةَ
و كلّما ارتفعت موجةٌ
حملت معها نورساً أو صرخةً
صنماً إثرَ صنمٍ خرجنا من مياهِنا
ناظرينا إلى ساعاتنا التي تعطّلت
موقنين أنّ الحلمَ الذي راودنا
لابدّ أن يراودَ أصناماً أخرى غيرنا
لم تستيقظ بعد.
بريشِها الأزرق و منقارها الأخضر، بزقزقاتها الأرجوانية و بؤبؤها العسليّ، تحلّق المشيئةُ فوق قرميد الضّوء، ناسجةً للهواء الطّلق فوقنا أفقاً دامياً من الإشارات، متناهيةً بنفسها وراءَ تلالٍ شقراء، لا يسند علوّها اللازورديّ سوى عينين باكيتين ...
ساعديه إذن على العزلةِ
أنتِ أيتها العزلةُ
التي خرجت من صخرتِها للتوّ
و تسببّت بضبابٍ كثير
ساعديه على ظلّه
بات أكثر واقعيةً من شخصِه
و أكثر سواداً
ساعديه على أفكارهِ خرجن إلى القصائد
يصطدن من الكنايات عويلهنّ
و من السّماء حدادها الطّويل
ساعديه ياصنوهُ
يامنتصفَ ليلهِ
ياصداه.
لم تُبقِ هذه الرّيحُ العاتيةُ من نهاراتِنا سوى العظام
لقد كنست تلالاً تعبنا طويلاً في سقايتها
كنست سهرنَا عن حجارةٍ دبغناها بمواعيدنا
كنست مواعيدنا عن ليالٍ شتلنا نجومَها بأحداقِنا
هذه الرّيحُ التي تروحُ و تجيء
لن تسمعَ بعد اليوم
حرفاً واحداً من اعتذاراتِنا
لن تهدأ مقدارَ جفنٍ
حتىّ نخرجَ من كهوفِنا
و نطلقَ سراحَ الطبيعةِ
التي أسرناها بأسرِها في أقفاصِنا.
بطرف ثوبكِ الطّويل رددتِ النهارَ إلى أوّلهِ و بحفيفهِ الأبيض حللتِ و شيعةَ البكاء على كائناتِ الذهولِ النحيلةِ فخفّت الجاذبيةُ عن الأشياء و انسربَ خيطٌ رفيعٌ من إبرةِ الصّمتِ و حرّكَ مغزلَ الإله الذي راحَ ينسجُ آخرَ نهاراتِه مصغياً إلى وقعِ خطواتكِ تتردّد من نهرٍ إلى نهر و من زوالٍ إلى زوال ...
كنت أستجيرُ من الدوّامةِ بالسّراب و منكِ بالمتاه
أعمدُ إلى عماي لئلاّ يعميني المشهدُ عن زوالكِ
أهجسُ تفاصيلكِ في كلامِ الغيرِ
و ضنى صفاتكِ في أحابيلهِم ...
مشاعاً كان زجاجُ هجركِ
و هذا النابُ القافلُ على روحي
و كذا الحقائبُ و الركّابُ المطفأون
مشاعاً كانت مكواتكِ الخرساء
قدّاسكِ الليلي
نفائسُ مهاراتكِ التي طوّقتها بذراعين مخلوعتين
ها هنا أقايضُ أوجَكِ بالتوحّش
و ثوانيكِ بإسفنجة الانتظار
محتدماً بشرفاتي حولكِ
مضرماً ذهبي بأخباركِ
و ضماداتي برياحكِ الهوجاء.
لم يعد لي غير راديو أزرق
يبثّ أخباراً لم تحدث
أضعهُ في سطلِ الماء
كلّما نشبت حربٌ
و عادَ أقاربي من الجبهةِ
محمولين على نقّالات
ليس لي سماءٌ لأجلسَ تحتها
ماسكاً الزرقةَ من شعرِها
و ربّما من روحِها المكويةِ
بأكثر من ريح
ليس لي دهشةٌ
لأرميها على البلاطِ كيفما اتفق
و أجمعَ نثارها لاحقاً
في سلّةٍ أو قصيدةٍ
لي فقط راديو أزرق
أضعهُ على الرفّ
و أتركُ إبرتَه الفوسفوريةَ
تغوصُ أعمقَ و أعمقَ
في جمجمةِ العالم.
مباهج لا تعودُ إلى أحد
تقضُمها في الطّريقِ إليّ أحزانٌ
طبعت صهيلَها على صوّانِ الوقت
صهيلٌ قيّد الشجرَ الساهرَ
إلى قمرٍ من نحاس
و سلّم مفاتيحَ الزرقة
لهواءٍ يتقلّدُ فيه المرئيّ أسلحةَ الغيب
أسلحةٌ تضرم النهارَ الجامدَ بأقواسٍ فولاذيةٍ
و ترقّق المجاهيلَ ببروقٍ
تضيقُ بها حجراتُ الرّيحِ
وقتٌ يشدّ رسنَ الرّيحِ إلى درعِه
و يرمي عظامَه في الظهيرةِ المتدليةِ
من عنق النّهارِ كقلادة
أحزانٌ تقضمُ في الطّريقِ إليّ مباهجَ
تهوي بسواطيرها فوق أضلاع الرؤيةِ
و ترمي بأقدارها ( غيمةً غيمةً)
في بئرٍ مفتوحٍ من أسرارٍ خرساء.
إنّهم الموتى، مازلوا يحتفظونَ بأوراقِهم السّرية و مناشيرهم، بأعشابهم الصفراء التي تتسلّق النوافذَ و الجدرانَ، بطيورِهم الملونة التي تحملُ البريدَ من النسيانِ إلى النسيان. مازالت قبضاتُهم مرفوعةً في الهواء، وصرخاتُهم تدوّي في آذاننا كأنّما سقطوا للتوّ. هاهم يغادروننَا تاركين نصفَ ثوراتهم بلا بيع. و لكن غداً سيعودونَ، حاملين على أكتافِهم صناديقَ من أزل، مالئينَ ساحاتِنا، من جديد، بالمناشير و القماش الأبيض.
للمعركةِ التي لم تقع ولم تدخل القاموسَ
و لم تُؤرّخ في لوحةٍ أو قصيدةٍ
بنينا الثغورَ المنيعةَ و شيّدنا القلاعَ التي لا تقُهر
للجنديّ الذي لم يسقط و لم نعرف اسمَه
و لم يذهب إلى الحرب
أقمنا التماثيلَ الكثيرةَ
و وقفنا من أجلِه دقائقَ صمتٍ طويلةٍ تحت المطر
للهزائم التي لم نكن نخطّطُ لها
و لم يكن منها بدّ و لم تتأخّر
قطعنا هتافاتنا من حناجرِها
و ثبّتناها بالمساميرِ على الجدران
احتفاءً بحاضرٍ لم يحضر
و ماضٍ ليس في تابوتِه سوى الحياة.
أظافر في الحديقة
أظافر خضراء مقصوصة على الدّرج
أظافر على حافّة السّرير
أظافر في كلّ مكان
و في كلّ زمان
و لا أثرَ لدمٍ أو مقصّ
لا أثرَ لحلاّقٍ على شرفة
أو سكّين في درج
لا أثرَ لنهرٍ في نوم
أو خوذةٍ في مصبّ
أظافر خضراء مقصوصة
تلمعُ في الهواءِ الطّلق
و لا أثرَ لخطوةٍ في زقاق
أو برقٍ على نافذة
مع ذلك
ثمّة عينٌ زجاجيةٌ على الطّاولة
تمعنُ في شفافيتِها
تعودُ إلى موتٍ ينامُ في المرآةِ منذ سنين.
إلى متى سوف تنتظرُ ذلك القطار
الذي لن يأتي و ينقلَ الموتى
إلى بيوتِهم خلفَ الزّجاج؟
إلى متى سوف تنتظرُ موتاكَ
الذين لم يستيقظوا بعد
لم يحلقوا ذقونهَم
و لم يتقلّدوا سيوفَهم و دروعَهم
و لم يذهبوا إلى الحرب؟
إلى متى سوف تضغطُ على أصابعكَ
-التي لا تقبض سوى الرّيح-
ندماً على نجومٍ تجلدُها بعصاكَ كلّ ليلةٍ
وتبقى تسرحُ في خيالكَ
لا تشربُ الماءَ من يديكَ
لا تشكرُ الأرواحَ التي ترفعُها على نصالكَ
لا تسقط شاقوليةً فوق قبرٍ من قبورك؟
على هذه البقعةِ من الأرض
أُصيبَ بطعناتٍ ثلاث في ظهرِهِ
فعادَ إلى بيتِه
يحمل جروحَه إلى غرفةِ الضّيوف
غارزاً نظراته في وجوهِنا
كأنّما يبحثُ عن قاتلٍ بيننا
هارعاً إلى درجِ الخزانةِ
(حيث تعوّدت يدُهُ أن تتخايلَ
كلّ ليلةٍ منذ مقتلِه)
ساحباً علينا مسدّساً كاتماً للصّوت
مفرغاً ثلاثَ طلقاتٍ في الهواء
موصداً البابَ وراءَه
عائداً إلى نفسِ البقعةِ
التي تلقّى فيها طعناتنا ...
لكنّ صراخَه كان كافياً
لأن يسافرَ إلى نومِنا
و يوقظنا واحداً واحداً
نحن الذين حملَنا جثّته على أكتافِنا
و عدنا بها إلى بيوتِنا ناقصين.
نهزّ شجرةَ الحزنِ الوحيدة
تتساقط ذكرياتُنا كالنجوم
نحفرُ زوايا البيت
نعثر على سماءٍ مقلوبةٍ
تعكسُ براميلَ لا حصرَ لها مليئة بالثقوب
نحفر أعمقَ و أعمقَ
نصطدمُ بأسماكٍ متحجّرةٍ
و زوارق صيدٍ أرجوانيةٍ تآكلَ خشبُها
نحفر الجدرانَ
نعثرُ على غيومٍ امتزجت بروقهُا بأواني المطبخِ
و على أعشابٍ بحريةٍ خضراء و زرقاء و صفراء
تسلّقت الشرفات و النوافذ
أمام العتبةِ
نعثرُ على طائرٍ مقتولٍ
يفردُ جناحيه للضّوء
كأنّما على وشكِ أن يطير.
طيوفٌ كثيرةٌ تتراقصُ حولكِ، تنشر بروقَها فوق حبالكِ، تغرق تماماً في غياهب صمتكِ، ماعدا طيفٍ واحدٍ راحَ يفكّ أزرارَ ثوبكِ، يزيحُ السماءَ الثقيلةَ عن كتفيكِ، يخطف النورَ من يديكِ، و يسقي النباتات الطّويلةَ في غرفةِ نومكِ، يفتح نوافذكِ على مصراعيها، لتدخلَ النجمةَ المتأخّرةَ و تبني عشّها في أعلى غصنٍ من سهركِ ...
نائيةَ المسافات و غيرَ مرئيةٍ
يحدودبُ صحوكِ وسطَ المزهريات
فأسمعُ روحَكِ تتحطّمُ فوق السّطوح
كبلّورٍ لا براءَ منه ...
الضّواحي تعاندُ هبوبكِ
والبياضُ يعاندُ ليلكِ الذي خَفّ
خذي الملحَ و ضعيهِ على الجرح
ناوليني الليلَ و احلمي بي قليلاً
عودي من الضّلع
عودي من السّرب
هدهدي الحقيقةَ، خذي المفتاحَ،
و اقطفي الضبابَ
قلبي ساعةُ يدكِ.
اختفى
لقد قتلوه
وربّما وضعوه في شاحنةٍ مكشوفةٍ
على مرأى من قتلى آخرين
كانوا يديرونَ وجوهَهم
باتجاه العجلاتِ السّريعةِ
و يغمضون عيونَهم
تحسّباً لصوتِ المكابحِ
الذي سوف يدبغُ عمّا قليلٍ
الإسفلتَ الأسودَ بخطّ أحمر
إيذاناً بانتهاءِ المهمّة
و صعودِ القتيلِ
إلى أعلى صخرةٍ في الحديقةِ
ليأخذَ مكانَه بيننا
كواحدٍ من آلافِ التماثيل.
أعيشُ لأخدمَ الموسيقا الملوّنة
لأفتحَ القفصَ لظلّ السنونو
الذي حرّر لتوّه الجليدَ من لمعانِ الرّقص
لأمسحَ الطّاولات من الآثار المضلّعة
لحياةٍ توشكُ أن تهبّ
أعيش لأتركَ أثراً ما
كأنّ أهزّ مفاتيحي في الظلام
و أستدرجَ الضيفَ المتأخّر إلى حتفِهِ
كأن أخدمَ الزاويةَ الحادّةَ
و أنزعَ الصّفةَ عن الموصوف ...
و لكن ثمّةَ من يسرقُ غيابي في غيابي: يقتحمُ بيتي، ينهبُ لغتي، يفكّ صمتي، يضعُ نظّارتي، يرتدي معطفي، يسحبُ مسدّسي، يصوّبُ نحوي-
ثمّةَ من يحملُ غيابي في حقيبة و يمشي متنكّراً بين الناس
باحثاً عنّي في كلّ مكان.
من طبعِ الحجرِ الذي نقذفُه إلى الأعلى
أن يبتكرَ جناحينِ من ضوء
و يحلّقَ كحمامةٍ هادئةٍ
متناسياً الجدارَ الذي ربّاه
و اليدَ التي نحتتُه
مائلاً في طيرانهِ صوب قوسِ الشمس
(التي تمنحه آثامَها)
ليصيرَ من حينها تفّاحةً على غصن
تتحوّلُ -بفعل الشّعاع- إلى استعارةٍ
ثمّ إلى تشبيهٍ
و أخيراً إلى فكرةٍ جرداء يسطع سوادُها في كلّ اتجاه.
وراء المغيبِ ثمّةَ شمسٌ منقوشةٌ
ترنّ عند أبوابنا
يلتقطها العابرُ في صمتهِ
فيتحوّلُ النهارُ إلى حصانٍ
و البرقُ إلى عربةٍ
و الهبوبُ إلى مسافاتٍ سوداء.
و طغى على الوادي الذي جنّ جرحى كثر
احمرّ الضبابُ الذي اخترقَ السّفحَ على إثرِهم
كنا نهبطُ التلالَ المتعرّجةَ
كمن يجدّفُ في نهرٍ
أو يفلحُ بغنائِه الأبديةَ
رعاةٌ كثر يحصونَ أجراسَهم
خرجوا آنئذٍ لاستقبالِنا
أما الأشعّةُ المحمولةُ على ظهورِ الحميرِ
فكانت تميلُ باطّرادٍ إلى كسوفٍ مبكّرٍ
بفعل المناجلِ التي رفعناها عالياً
تأهّباً لأيامٍ رأيناها
تصفرّ كالسّنابل في خيالِنا المحصود.
خوفاً من الجليدِ الأزرق و العزلةِ المرتقبة
خوفاً من قصائدِ الثالثة صباحاً
و مئات الصورِ الرّاسبةِ في درجِ الطّاولة
قرّر أن يهشّم حياتَه المعلّقة أمامَه كمرآة
و يصنعَ من نثارها قصيدةً
تكون أكثر خداعاً من ضوءِ الموشور
لكنّ حياته المرئية
كانت عصيّةً على التكرار
تتنكّر بالزّوبعةِ
و تتجوهرُ بالوهمِ
تنسربُ خفيةً من بين أصابِعه
وتنشفُ كخلاءٍ
كنسيانٍ محفورٍ يحتشدُ بالمرايا
و الحروبِ المهجورة.
أصمتُ لأنّ طاولتي مستديرة
و دهانها يتقشّر
تحت وطأةِ القبضاتِ المضمومةِ
و الأحداثِ العابرةِ
أصمتُ لأنّ طفولتي خضراء
أمسّها بيدٍ وارفةٍ
و أتذوّقها بمنشارٍ حادّ
أصمتُ لأنّ مصيري بئرٌ
أستبدله ليلاً بريحٍ تصفرُ
و نهاراً بصمتٍ يتداولهُ موتى
ضيّعوا -في الطّريق إلى الجنّةِ- مفاتيحَهم.
عبارةٌ لم تفارق خيالُه قطّ
تطنّ وتتهادى مثل ذبابةٍ
يتضاعفُ حجمُها في الضّوءِ الباردِ
فيتبدّلُ لونُها من أزرق إلى أبيض
ثمّ إلى بنيّ، فأرجواني و أسود...
و حتى عندما تلاشت الرغبةُ
و صارت الصرخةُ إبرةً في اللغة
ظلّت الحياة -تماماً كما يعرفها- تنقّطُ طوال اللّيل
فوقَ رخامِ المغسلةِ
برتابةٍ لا مثيلَ لها.
لا يأتيه نومٌ، بالمعاولِ جرفوا الليلَ من حياتهِ، المصابيحُ لم تعد تقتفي آثارَ أشباحِه، بابُه الموصدُ لا يفضي إلى صباح. الناظرُ من مسافة يتخيّلُ نوافذَه أرواحاً متأجّجةً و أحياناً غيوماً عمياءَ للتمويه ...
كيف سيأتيه نومٌ
و هذا الظلّ في منتصفِ الغرفة
يتخايلُ ذهاباً و إياباً
كأنّما يبحثُ عن جسدٍ ليتقمّصه؟
كيف سيأتيه نومٌ
هو الذي ما عادت تمرّ فوقَه غيمةٌ
إلاّ و يحسبها جنازةً
ما عادت تصافحه يدٌ إلاّ و يحسبها قفّازاً
ما عادَ يلمحُ ريحاً إلاّ و يحسبها فخّاً
ما عادَ يسمعُ خبراً إلاّ و يحسبهُ حرباً
كيف ... هو الذي ما عادَ يجيؤه نومٌ
إلاّ و مسدّسه في يدِه
و عيناه مسمّرتان على الباب؟
كيف سنفكّ غموضَ الرّجلِ
الجالسِ على مقعدٍ وحيدٍ في حديقةٍ وحيدةٍ
لا ينتظر أحداً و لا أحدَ ينتظره؟
كيف سنفكّ لغزَ الابتسامة
المعلّقةِ على شفتيهِ كوردةٍ مقطوفةٍ
كيف سنتقاسم ثيابَه
التي صارت-بعد غيابِه- نهباً
لنجومٍ تسكرُ؟
كيف سنقتربُ منه و نوقظهُ من شرودِه
هو المسافرُ في قبرِهِ من بيتٍ إلى بيت
و من أبديةٍ إلى أبدية؟
لا شيءَ يحميه من الصّباح
لا السّتارة و لا فنجان القهوة
و لا حتّى المزهرية
التي تفصلُ الحقيقةَ عن دخانِ السّيجارة
كان يعرف سلفاً أنّ الخواءَ
الذي اخترَعَه على شكلِ هوامشَ بيضاء
في القصيدةِ التي لم ينتهِ بعد من كتابتِها
سوف ينفجر يوماً في وجههِ
و يطيحُ بالدقّة المتناهية لأبياتٍ
تعبَ طويلاً في صقلِها
لم يكن يحتاج لسنّ ذهبيةٍ
كي يستدرجَ النجمةَ إلى ندمِه
و لا إلى نظّارةٍ سوداء
ليشرحَ النظرات التائبة
لامرأةٍ تخونُه كلّ ليلة
كان يكفيه نافذةً مفتوحةً
و صباحاً متلألئاً
يتأهّب للدخولِ إلى قلبه.
فجأةً أحسّ بثقلٍ يجثم على صدرِهِ، قرّر أن يفرغَ الغرفةَ من الأثاث: أخرجَ الطاولات، الكراسي، المقاعد، السرير، الصور، الكتب، النباتات، الرفوف، الستائر، النوافذ، الأحلام، الخيبات، العزلة، ... و ما أن انتهى، وقفَ في منتصفِ الفراغ، و تنفّس الصعداء. لكنه شعرَ بالثقلِ ذاتِهِ مايزالُ يجثمُ على صدرِهِ!
هل كان عليه أن يفرغَ الغرفةَ من الفراغِ أيضاً؟
في وحدتهِ، في صمتِه الأكثرَ صلابةً من الجلاتين،
كان يرتّبُ أثاثَ غرفتِه دون أن يلمسَ كرسياً واحداً
يقلّبُ ألبومَ صورِهِ دون أن يفتحَه أو ينظرَ إليه
يقطعُ صحارى و محيطات دون أن يمشي خطوةً
ينتصرُ على أعدائِه دون أن يطلقَ طلقةً
يقفلُ راجعاً إلى بيتهِ
ينهي قصيدتَه
دون أن يكتبَ حرفاً واحداً.
لقد سمعتُ الصراخَ ...
سمعتُ صوتَ جليدٍ ينهار
و صدى عينٍ تتكسّرُ في المرآة
رأيت تلويحةَ اليدّ
تطيرُ وراء القطارِ كالحمامة
و أشرعةً زرقاءَ و صفراءَ و بيضاءَ
تتشرّد في السّاحات العامّة
كأنّما تبحثُ عن سفنٍ محطّمةٍ
أو رياحٍ محبوسةٍ في الصّخور
رأيتُ الماءَ يرتفعُ على الشّاطئ
يقترب أكثرَ من الحياة
من الكآبةِ الشّائعةِ في الكلام
من الكلام ذاتِه الذي سرعان
ما كان يتحوّلُ إلى طعناتٍ
ثمّ إلى صراخٍ يزدادُ وضوحاً
كلّما اقتربنا
و أمعنّا النظرَ بتمثالِ الإلهِ
المصنوعِ بكلّيته من الرّيح.
أنتَ، يا من تسبّبتَ بأن يهجرني ظلّي
و تنقصَ روحي عشر دقائق
و يذوبَ مصيري على قميصي
كما يذوبُ سرابٌ في قفر
ماذا أقولُ للنسيان الذي يؤثّث حياتي
و للهياكلِ العظميةِ
التي تملأ غرفتي بنقاشاتِها البيزنطيةِ؟
ماذا أقولُ للانحناءِ الذي تركني بلا عصاً
أتكئُ عليها
و للأجراسِ التي شيّعت دربي
و أيقظت في رنينها التماثيلَ
التي لم يغمض لها جفنٌ
منذ أن صارَ للقمرِ سمعةٌ
و للروحِ أسرارٌ ضائعةٌ؟
ماذا أقولُ للسّوادِ الذي يحتشدُ أمام ناظريّ
و يملأ الجوّ بغربانٍ لم تسرق من النهارِ العابرِ
سوى بياضِه المسحور؟
من ذا الذي يمشي على الماء، ناسياً قدميه على الشّاطئ ، ذاهباً مع المدّ إلى نهايتِه، غير عابئٍ بأقدامِنا التي خرجت لتوّها من الجماد و صنعت صيفاً قصيراً تحت المطر؟
ربّما اقتربت النهايةُ ولم ننتبه، ولم نتحرّر من الفوسفور الذي يرافق عادةً الطيورَ الغريبةَ إلى حيث تركنا نساءَنا يتعذّبن تحت سقوفٍ قويّة ...
هذا هو الضوءُ الذي احتاجَ إلى أظافرَ كثيرةٍ كي يشعّ
و الأجراسُ التي احتاجت إلى كنائسَ كي تجد من يصدّقها
و الحياةُ القصيرةُ المرهونةُ برميةِ نرد ...
و لم نكن مرضى أو مصابين بالهلال، غير أنّ المعابدَ التي خرجنا منها بظهورٍ محنيّةٍ
و أرواحٍ مبحوحةٍ قفزت من الميتافيزيقيا و صنعت لغاتٍ في اللغة ...
و تلمّسنا الكسورَ على ضوءِ الشّموع و سمعنا العزلةَ بين الضمادات
و رأينا الكآبةَ تنوّر الغروبَ الذي كان يتشكّلُ على مهلهِ فوق التلال
من يومها حفظنا أشعاراً مُرّةً
و لم نكن لنصدّقَ أقدارَنا
و هي تسقي زهوراً اصطناعية فوق قبورِنا
نحن المقطوعينَ من شجرِ الوحشةِ
المجروحينَ بأكثر من مساءٍ يجنّ في الكنيسة.
حصانٌ يبكي في الصّورة
صمتٌ يذوب في الكأس
ذهبٌ يطير من الصّحن.
أنا اللّغةُ التي لا يكتبها أحدٌ
و لا تذهبُ إلى احتفالٍ أو مأتمٍ
لا تسكنُ في قصيدةٍ أو شاهدة
ولدتُ في كهفٍ لم تزره الحزانى
بقبعاتهنّ المائلة و مناديلهنّ السّود
لم يكتشفه الهباءُ باسطرلاباته البعيدةِ و زنابقِهِ
يهبّ عليّ الحنينُ فأصغي إلى التوريات
تشيعُ البياضَ لدى الدّفاتر
و النسيانَ لدى الشعراء
و أدركُ -بعد فواتِ الأوان- أنّ نهاري القصير
قد شارف حقاً على نهايتِه.
قالت: لقد سئمتُ النهاياتَ في الحبّ، أما من بدايةٍ تبدأ و لاتنتهي؟ جسدي خمسُ قاراتٍ متشابهة، ظلّ يابسٌ في طريق، باقةُ زهورٍ في عيادة، صدىً على حائط، سفينةٌ تبحرُ في مرآة، نهاران بثلاثة أجراسٍ وغريقٍ، روحٌ تمشي على ماء، صباحٌ بوجهِ وعل، دراجةٌ ناريةٌ تقطعُ الصّمتَ، سنونوٌ أزرق في غابة ...
أما من جسدٍ، أتقمّصه، يطيرُ بي، يطيرُ و لايحطّ، و إن حطّ لايحطّ في قفص؟
ما من مبرّر إطلاقاً أن تحملي جثّتكِ في حقيبة
و تخرجي زرقاءَ إلى الناسِ باحثةً عمن يصدّقكِ...
تكرارٌ لن يقودَكِ إلى أيةِ بدايةٍ ...
و سوف يفضحُ نواياكِ الضوءُ الذي لا ترينه
و الذي يطلعُ من خطواتكِ
حيث بدونه لن نعثرَ لكِ على ظلّ
و لن يكون لديكِ اسمٌ
أو سلالةٌ نجرّدها من فيئِها
فتهوي أمام أعيننا بلا عصافيرَ أو مرثيات
الآن حيث انتصفَ الصقيعُ
و من دقّات السّاعةِ بدأنا نحدسُ ارتفاعَ ليلكِ
و عددَ النجوم التي رمت بأسرارِها في فساتينكِ.
إنها حياةٌ مقلوعةٌ من جذورِها
تطلّ على مقبرةٍ
تختلطُ غيماتهُا برقّاص السّاعة
و بالصّرخةِ التي اخترعت لتوّها العزلةَ ذات الحراشف
الصمتُ يذوب بمعزلٍ عن الصّياغةِ
و النسيانُ يطلعُ سهواً من الصفحات
إيقاعاتٌ خشبيةٌ في الهواء
تشطفُ الدرجَ من آثارِ الغائب
و تُبقي الزّمنَ المرّ على حاله في الثلاّجة
الأظافرُ تطولُ قبالةَ المشهد
و النجومُ العالقةُ في السنّارات تثبُ إلى حتفِها
في الهدوءِ الماكرِ للمياه يهوي ظلٌ
مبيضّاً كشهابٍ في كأس
أشباحُنا التي خرجت لتوّها من الصّخور
(حاملةً فوانيسَها المطفأة)
لم تترك وراءَها على الرّملِ سوى أقدامٍ خفيفةٍ
تسير دائماً باتجاهِ الأمام و لا تتقدّم.
لصناعةِ قصيدةٍ ما
يلزم الكثيرُ من الضوءِ المشتولِ
و الديكةِ المنحوتةِ
يلزم إزميلٌ لحروفِ العلّة
و مبردٌ لأدواتِ التعجّبِ
جارورٌ لألوان الطّيف
و ممحاةٌ لأحلامِ اليقظة
و لن ننسى حبلَ غسيلٍ أزرق
نجفّف فوقَه فكرةً أو فكرتين
و بريّةً شاسعةً
نطلقُ فيها غزلاناً كثيرة
و أسراباً شعواءَ من حميرِ الوحشِ
و لا بأسَ بإلهٍ يحمل عصاً
يهشّ بها على كائناتِه اللّجوجةِ
و إنسانٍ وحيدٍ
يقفُ على حافّة العالم
حاضناً شمسَه المريضةَ بين ذراعيه.
... هي الكنايات
حادّةٌ و ضاريةٌ ككاميراتِ المقتول
سريعةٌ و مباغتةٌ
كطلقاتٍ نعرفُ أنها أصابت هدفَها
من الرّيش المتطايرِ في سماءِ الغرفةِ
بيضاءَ في اللحظة التي يعرضُ فيها غريقٌ أسنانَه
على نحّاتين لا يفرّقون كثيراً
بين الصّراخِ
و روحِ الحجر.
و نحن على الحافّة، نصوّر بكاميراتنا البئرَ الذي ينشف، هوى هلالٌ، قلنا إنّه في إثرِ صيد. الصّور التي التقطناها على عجلٍ لم تكن تُظهر سوى أرواحٍ طليقةٍ، مثخنةٍ بالصّدى، و بقايا رياحٍ تلمعُ عظامُها بيضاءَ بين الأنقاض.
لوحة1
غضاريف معلّقة من السّقف، يتدلّى منها بسملاتٌ مدبوغةٌ
كان قد سمعها تُتلى و تسبقُ النصلَ إلى العنق.
لوحة2
في البهو المرصوفِ بالقبَل و العدسات يلتقي غائبٌ بحاضرٍ
لا يتبادلان التحيةَ، لا يتكلّمان ...
كلٌّ يحدسُ ما يضمرهُ الآخرُ للآخر
كلٌّ يتحسّسُ خنجرَه تأهّباً للحركةِ المفاجئةِ
كلٌّ يرى الآخر بعينٍ لا تخطئ
بطعنةٍ لا تصيب إلاّ في المقتل.
لوحة3
ليشهدَ الحدادُ أننّي شقيقَه في الأغنية، ليشهدَ البحرُ أننّي صديقَه في الملوحةِ، ليشهدَ الاحتفال أنني الرّثاءُ و رثاءُ الرثاء، و خاتمتي ارتطامُ المشهدِ بالأهلِ و أيامي فرائس.
ليكن نصف حياتي كمائن أنصبها في طريقِ العابرينَ إلى الإنسان، ليكن للغرباءِ على موانئ حرّيةَ النهايةِ و هم يشدّونَ الرحيلَ إلى الرّحيلِ بخيطانِ الزّرقةِ، ليكن لهم انقضاضُ البروقِ على دمي و أنا أقطفُ للمرئي فاكهةَ الغيبِ، و أنا أرمي حظوظي قرشاً قرشاً في كيسِ الوقت،
إذ صار لنا طرائدنا يا مساء، صار لنا لغاتٌ يحبسها الصّمتُ، و أقدارٌ تلمعُ كلما لامسَها التاجُ، صار لنا مطارق لا تفكّ قيودَ الأسيرِ عن الأسيرِ، لا تطلقُ للمفاتيحِ بداهاتها، لا تحلّ للضّوءِ مسافاته، لا تدقّ لليلِ أجراسَه العمياء،
صار لنا ظلامٌ يشطرُ النهارَ بساطورِه إلى برهتين اثنتين: برهةٌ تقصّ حريرَ السّهرة و أخرى تعلنُ بدءَ المتاه:
متاهٌ بخفّين من وهمٍ، يرمي خطاه في متاهٍ حنونٍ رافعاً هواءَ الفضيحةِ فوق المذاهبِ، مطرّزاً الثرثرات بنجومهِ الزرق، شاحذاً المنازلَ بآلاتِ الظلّ ، عائداً إلى حيّنا دون أساورَ أو مطربينَ، هابطاً هبوطَ الظهيرة فوق بلادٍ تلمعُ أحزانُها كلّما لامسَها التاجُ،
متاهٌ عميقٌ له حنوّ الرّذاذِ على العشبِ، يرفو لنا ثقوبَ المياه و نرفو له أسرارَه؛ لبروقِه ترّهاتُ المرايا و هي تؤلّبُ الظلّ على ظلّه، و هي تتقاسمُ مع السّماءِ حروبَ السّماء،
متاهٌ يتربّص بالخطى، بالعابرين، بروحِ النهرِ، يكمن للمنشدينَ في ألحانِهم، يدفعُ بظلالٍ بريئةٍ إلى مهبّ ظلالٍ بريئةٍ، لا يؤرّق نومَه حلمٌ، لا يعكّر صحوَه صحوٌ -حاضرٌ كأسيرٍ بين الطلقةِ و صرخةِ الأسير - يولولُ كعماءٍ يرفعه الباعةُ فوق صناديقِ الكرفس كالرّايات،
متاهٌ -كالنسيانِ- ينبلجُ من جهةِ الهذيان نحيلاً، يخلطُ الدهشةَ بالسّرب،
والحزنَ بهدوءِ النهر، ليس له مضاءُ الطّعنةِ في اللّيلةِ التي نحتَها الراقصُ في الصّخر، ليس له إيقاعُ القدمِ الجانحةِ، أو الخصرِ المائجِ بأحداقِ الشهوةِ،
هنا في المكانِ المعلّقِ على هيئةِ الخلاء، في الزّمانِ المدوّرِ على هيئةِ المبراةِ، ترى إلى حياتِكَ تفرّ من قفصِ الغفلةِ، و ترى إلى بغلِ الحقيقةِ يقفزُ فوق الملوحةِ، و خوفكَ يتمرأى في العجلةِ، العجلة التي تدلّ على حياتكَ، حياتك الواقفة كالصّالون بانتظار الخادم،
هنا، في الزمانِ\ المكانِ، يمرّ المتاهُ سريعاً، يجلدُ الأرضَ بكرباجِه، يعلو
ويهبطُ، كأنّما ليملكَ الأرضَ أو ليفتحَ بوابةَ اللّيل. و حين يهبطُ المتاهُ تطلقُ الأفراحُ نيرانَها على الاحتفال، و يسحجُ الخوفُ المدينةَ بروحِ الذئبِ، لنمشي في جنازاتِ أيامنا، رافعينَ الذبولَ فوق الرؤوسِ، مسترسلينَ كالإشاعاتِ وراءَ خطانا، نرى إلى أعدائِنا ينحرونَ السباقَ أمام الخيولِ، يسوقونَ السّكوتَ إلى لغةٍ، و اللّغةَ إلى تصفيقٍ، و التصفيقَ إلى صندوقٍ محكمٍ، .... يسوقون هذا و ذاكَ، و يطفئونَ الصّالةَ،
متاهٌ لاعتقالِنا، رقيقٌ كصباحِ الفؤوسِ، كغروبٍ يعمّمه النباحُ على الحيّ، يمرّ حنوناً كالبريدِ؛ و حين يمرّ المتاهُ، يتطاير ريشُ الظهيرةِ و تشيعُ اللحظاتُ كأعماقِ المتحف،
متاهٌ يرافقُ الشاعرَ إلى أزهارِهِ مثل حيوانٍ يقتحمُ السّياقَ و يدمي المعنى،
مثل حربٍ بذراعٍ واحدةٍ و نظّارتين سوداوين تدخلُ الحجرةَ و تضيءُ الجثّةَ.
.... \ متاهٌ\ ...
طرائد تشبهنا كثيراً أو قليلاً تمرّ يومياً من أمامِ المنصّةِ
و تغيبُ أبداً في النيغاتيف.
1
هواءٌ جافّ و طريقٌ يقطع الصحراءَ . وضع صلاح الدين عكّازيه جانباً، فتح كيسَه، رمى بالنهار ليرةً ليرةً، لكّنه لم ينتظر أن يسمعَ الرّنين ....
2
قال معاوية: لي طاولةٌ فوقها هاجسٌ، و قرب الهاجسِ يوجد محبرةٌ، على الورقةِ أكتبُ ما أشاءُ، متناسياً الهاجسَ الذي على الطّاولة ...
3
يقولُ يزيد: أضيق من حذاءٍ هذا المدى، هنا نولدُ و هنا نموتُ، طيوراً في محلّ الأحذية.
4
رفع يوسفُ فأسَه بكلتا يديه، رفعَها عالياً، و دون أن ينظرَ إلى الأسفلِ، هوى بها على شيءٍ غامضٍ له ملمسُ العنقِ ! ... دمٌ لطّخَ نظّارتيه.
5
على نفسِه أغلقَ سيبويه البابَ. أمامه فرَشَ أحرفَ التشبيه. تفحّصها حرفاً حرفاً، و نصلاً نصلاً، و حين لم يعثر بينها على مرآةٍ تعكس حزنَه، ابتسمَ ابتسامةَ من اكتشف خيانةً و خرجَ دون أن يراه أحد.
6
نظرَ الحلاّج كعادته في المرآة، أغلقَ النوافذَ، أسدلَ الستائرَ، أقفلَ البابَ، و خرجَ. طوالَ الطريق كان يفكّر بما حدثَ: كيف نظرَ في المرآة، كيف أغلقَ النوافذَ، كيف أسدلَ الستائرَ، كيف أقفلَ البابَ، و كيف خرجَ. كان في الحقيقة مايزالُ يفكّر بذلك الرّجل الذي تركهُ في الغرفة، ينظرُ في المرآة، يغلقُ النوافذَ، يسدلُ الستائرَ، يقفلُ البابَ ولا يخرج
7
هذه يدُهُ اليمنى و تلك هي اليسرى
و ها هو الحجّاجُ يتابعُ سيرَه سعيداً بهذا الاختلاف.
تلكَ الشجرةَ لم يكن العصفورُ، لكنّ خريفاً منوّراً بالمناجل أتى، قلنا إنّها استدارةُ الضّجرِ ورسومه التي يفوحُ منها نسلُ الأبّ.
إنّها المثقلةُ بقُبَل البارحةِ، الزّبدُ اعشوشبَ على جسدِها، الطريقُ إليها نحتٌ نسيهُ الماءُ.
ما نزال نخلطُ اللعبَ بالأشباه، و المراهقةَ بحدّ السكّين؛ نطاردُ الصّواعقَ في السّواقي و نقطفُ البرقَ عن حفيفِ البياضِ. لنا نفوسٌ مشعشعةٌ
وآفاقٌ لاتُرى، جراحُنا الكثيرةُ صارت فيما بعد زهورَ الوادي.
في أعلى الضّوء اكتملت السهرةُ؛ قمرٌ و امرأةٌ تماوجا بنفسِ السّهولة. كنّا نظنّ أنّ التفاحةَ التي اجتذبت إليها الندمُ لاتزالُ تخبّئ الشرارةَ.
هل كان لي أن أعلّقَ الزرقةَ فوق العتبةِ و أستدرجَ الأسماكَ إلى صيفٍ من زجاج؟ هل كان لي أن أصكّ الطيوفَ كالنقد و ألوّنها بالولولة؟
الآن ينفرطُ حزني إلى رسائلَ لا تصل . لم يعد انتظاري عصافيرَ سوداء على سياج، بل تماثيل منحوتة من أحزانِ الحرَس.
الغائبُ هنا نقطةٌ في نهايةِ السّطر، يصيرُ فيما بعد جملةً بالطباشير، ثمّ هواجس كثيرة تضيق بها أحرفُ الرّسالة. الموتُ هنا صدى الغائبِ: قبل ذلك كانت الحياةُ صوراً تذكاريةً و مظلاتٍ ملوّنةٍ على شاطئ.
إنّه النهارُ يتورّدُ على السيّاج، إنّها تمتماتُ الخلاء في المكانِ الذي غيّبَ اللصوصَ و حرّكَ الستائرَ التي ما تزال تتمطّى خلفها الوساوسُ، إنّه الوضوحُ بكلّ غموضِه ما يزال يتجمّعُ فوق الهضبةِ كقبضةٍ. هناك لن يجدَ النهارُ منجلاً بجوار الدقيقةِ السامّةِ، و لن تجدَ السّاعةُ الجليديةُ موعداً بجوار الغيبوبةِ، ثمّة حاضرٌ يستوحدُ بالفخاخِ، غير آبهٍ لغدٍ يلهثُ بين المعادن، و لماضٍ أصفى ما في بلّوره ظلمةٌ تتصدّعُ.
أمّا نحن فكنّا مستعدّين لأن نكون أشباحاً تلك الليلةَ، نقفُ على أبوابِ المدنِ الكبيرةِ بانتظار العائدين إلى أسمائهم ناقصين، نحن الذين انقضى على سهرِنا أبواباً مقفلةً، و لم يبقَ من عتمنا زهرةٌ تدلّ على ذبولنا. مع ذلك، ليس شعوراً بالوحشة ما يقودنا إلى نافذةٍ هادئةٍ، ليست وجوهنا التي تركت ملامحها تتكرّر في الالتفاتات. بالحداد ذاته كنّا نطوّق الشفقَ الذاوي؛ الشفق الذي انفصلَ عن الماء و صنعَ ممرّاتٍ من ورد تزدحمُ بالمواعيد،
لم يعد للحقيقةِ هباءُ الطفولةِ أو رائحةُ الحذر؛ كان زماناً سريعاً كالحيَل؛ الغرباء الذين خرجوا من خيالنا كالضّيوف عادوا يوماً و احتلّوا العتبات. نذكرُ كيف فارقَنا الوهمُ، كيف صار الصباحُ صندوقاً، و الأملُ عربات تصطكّ.
تلك كانت نوافذنا المحدّقة التي سرعان ما انطفأت كذؤاباتٍ منسيةٍ، أو كمصائر معلّقة. قلنا، لن يكون لنا بعد اليوم شتاءٌ نرميه كيفما اتفق، و لا خفاءٌ نضمّه إلى صدورِنا كرسائل معطّرة، لن يكون لنا الشهر الثاني عشر من سنةٍ تتناقصُ باستمرار. من غيابِنا يشعّ الحاضرُ كفرسٍ، و على شجرةِ حياتنا تلتمّ العصافيرُ و تصنعُ البريّةَ.
مناجل من رحيلٍ على أكتاف العائدين من غدٍ أملس. تفّاحٌ يتلوّن برهائن النبيذ. أقاليم لخساراتٍ أرحب من النظر. أمّا الحياةُ فكانت تتساقطُ من بين أسنانِنا كقطعِ الثلجِ، و تمرّ سريعةً كأيّ غيبٍ يقطع بدرّاجته الناريّة ذلكَ الزمنَ الترابيّ الذي أراهُ من وراء نافذتي، يسيرُ إلى حتفِ المياهِ، جليّاً، واثقاً كحدّ السكّين.
غدٌ معلّق لصقَ الصخبِ الهابطِ من فكرةِ اللهو. غمامٌ و أطفالٌ غامضون يضرمون الجهةَ الثانيةَ للأبواب. صباحٌ يتلألئ كالأصفاد. غبارٌ و حلباتٌ شتّى لها تراتيُلها الجحيمية. شهبٌ أمسكت بالعابرين. ماءٌ بمقابضَ فولاذية فاضَ عنه الوقتُ. صلصالٌ ينقّبُ فيه الجاهلونَ عن شذراتِ السرّ. عوالم و لغاتٌ وحطامُ زمانٍ. ثكناتٌ على عتباتِ الفقراء. فقراء حول ظلالَ العسكرِ يمتدحون جذورَ الهندسةِ و براعمها المهيّأة لساعاتِ الجرف.
رياحٌ على كلّ مائدةٍ. نساءٌ يتعرّين ويكشفن للصّواعقِ عن أثدائهنّ. عصيانٌ تحت القوسِ المتعثّر باللجّة. مشيّعون و نهاياتٌ تطلقها الحدائقُ على نحوٍ محكم. حكمةٌ تئنّ و تفوّضُ العارفين على أمورِ اللذّة. قضبانٌ تتفتّح في انتظارِ الخطى التي تضربُ الفراغَ بنبوآتها السّكرى. انشغالاتٌ تملأُ الموتى بسهولٍ نازفةٍ. صيفٌ مذعورٌ. غدٌ معلّقٌ من أمسِه، يبسطُ ظلالَه على مجازاتٍ تهربُ. مصائر تطلّ على أرصفةٍ يبدّدها دهاءُ الغائب. اغتيالاتٌ تتوسّط الرنينَ الفاتنَ لهبوبِ المادّةِ. خرائط و محتلّون ينصبونَ الهواءَ سياجاً و يرفعونَ الاحتمال أعمدةً و النورَ سقوفاً. فراغان يمهرها الطيشُ بعذوبةٍ انبجس منها أسلحةٌ غامضةٌ و نرجسٌ يتهاوى على بابِه النحو و تتخاطفُ قناديلَه المياهُ. حصارٌ شريدٌ لفمٍ مرصّعٍ بالبلاغةِ ...
وأنا الماسكُ برسنِ الفراغِ، الهاربُ بملوكي إلى شعوبٍ ترتجلُ الملهاةَ
وتنهبُ الشكلَ من أشكال نهاياتٍ يكيّل لها الهباءُ نهاياتها، أذوبُ كماءٍ عضالٍ وسطَ مديحِ الأتونِ، هاتفاً في وجهِ الرّيح السّهلةِ: هذا حريقي أدلّه إلى ركضٍ حرّ، أدلّ جيراني إلى موتٍ هادئٍ و أيامي إلى عصيانٍ أعمى. هذا حريقي هيّأته لهواءٍ سقيمٍ، رصّعتُه بأغانٍ يرفعها الفناءُ فوق تماثيل منحوتة من حرّاس و حلاّقين، منسيّة بين الأسنانِ النورانيةِ لنهارٍ مشبوكٍ بشبهاتِ القومِ.
ستذكرون نشيدي، إذن، تهذي على ركبتيهِ محاريثٌ تؤجّج حزنَ السّهولِ بأجراسِها، بقناديلَ يرفعها النهرُ كصيادٍ أعمى، مرتجلاً الزرقة كنبيّ يقود أزلاً و عواصفَ.
ستذكرون يقيني يكمّ رياحاً خفيت و استسلمت لفراشاتٍ تلهو. ستذكرون بيتاً من نزهاتٍ جديراً بهجراتٍ تتفتّح كصواعق على مقابض أبوابٍ أثقَلَها الملكوتُ بأنفاسِ الحكمةِ. ستذكرون دهراً يتفتّح في الذهولِ، مثقلاً بأعمارٍ تتواترُ، ملوّحاً بفؤوسٍ و جهات. ستذكرون ربيعي تجرّه الدباباتُ إلى حقلٍ يضجّ بثمارِ الغفلةِ، ملوّناً اللغةَ بأنصاف رجالٍ تدهنهم الوحشةُ بظلامٍ مكتنزٍ بالموت. موتٌ يضع كرسيّه تحت غموضٍ يجلو له الوميضُ مرحَه، و يسهرُ البريقُ على عمائِه مثل خريفٍ على مشارفِ البيانِ يهيّأ للأسرى براهينَ الهزيمةِ. أسرى يجتهدونَ بأباريق تطفحُ بآقاصٍ و قنّاصين. يجتهدونَ بأسلاكٍ مكهربةٍ و أزلٍ نحيلٍ يجادلُ العاصفةَ. ستذكرون أسراي يقتسمونَ الحاضرَ منصّةً منصّةً، هاتفينَ كموتى:
ليترجّلَ الليلُ عن صهيلِهِ الترابيّ
و ليضرمَ الحاضرُ ساعاته بمواعيد مرجومة
و ليمهّدَ المكانُ أرواحَنا لقصفٍ نظيفٍ
وليكن بعدنا مكانٌ لا أثرَ لمكانٍ فيه
مصبوغٌ بدروعِ العبثِ و مرايا النار
ليكن بعدنا نرجسٌ غامضٌ و خواءٌ جليلٌ.
إلى الذي إلى هاويةٍ
يقودهُ وميضُ القصيدةِ
و يأذنُ له الكلامُ بمجاهيلَ
تذوبُ فيها مرايا الكنايةِ
أما زالَ لحبركَ رفقةُ البياضِ
و لمصادفاتكَ هزائمُ الطّريق!
سكّينُ الماءِ لن تصفدَ الشّعاعَ
المحطّاتُ لن تنتظر
و أنتَ، يا من تركتكَ الصدفةُ روحاً
تتسلّل إليها الينابيعُ
و تشرب الضواحي نخبَ أقداحها
هل خطاكَ في الرّهان
أم خطاكَ في الحديد؟
لا يكاد يفتح البابَ و يدلفُ متلفّعاً بأحزانِه، مضيئاً الرّدهةَ بالأفكارِ والجيوشِ المهزومةِ إلاّ و ينخطفَ الصمتُ من حوله، و تبدأ صفائحُ الجليدِ بالذّوبانِ عن الكتبِ و الذّكريات، و تفيضُ الأماكنُ البعيدةُ التي دبغَها الفراقُ بالأهلِ و المياه، ...
سلاماً للعائدةِ من صحبةِ المدار
الغريبة لحظةَ السّقوف
الشاهقة برهةَ النبيذ
سلاماً لهذه الصّحراء التي طارت كيمامه
و أنتِ تخطرينَ بلا نهاية ...
تخطرينَ و نحن نحرثُ النورَ
و نبذرُ الجهات.
أمن أجلِ ياقوتٍ استحوذَ على الأحداق
يحيكُ بأنوالِه طيشَ نهار جنّن الحريرُ غزلانَه
كنا نرفعُ أرواحَنا كؤوساً لرقصةِ الجلنّار
و نثخنُ المعنى بأباطيلَ ترهجُ بطعناتِ التفّاح؟
ما أكثرَ الحدائقَ عندما ترهقينَ الزجاج بثوب العرسِ، عندما تتشعّبُ الأوهامُ في المنديلِ الأبيضِ و تطيرُ الجوارحُ مع أوّل نبأ يتخفّى على هيئةِ قاربٍ في رحلةِ النّهار الطويلة!
السّوادُ الذي تبدّدونَه على المائدةِ
يخرجُ من الجدَلِ و يصيرُ مظلّة
أقدامُكم التي بدأت تتناقصُ كلما ابتعدت
تصير فيما بعد صمتاً يملأ حجراتنا بالرّخام
هذا هو البابُ الذي لن يطرقَه أحدٌ
هذه هي الخطى التي انتشلناها من الماء
و التي ما يفتأ صداها يعودُ
و يملئ ردهاتنا بالودائع
الهلالُ يكشفُ مصدرَ الطّعنةِ
البحرُ يخفقُ كنهايةٍ معلّقة
العيونُ تحدّقُ
و تصنعُ من السكّين صباحاً يتلألئ
... ثمّ جمعنَا عظامَنا و ألقينا بها في العاصفة
العاصفة التي ماتزال تعصفُ دون هوادة.
نحن غرباءُ الحجراتِ المستقيمةِ، أبداً نتفقّد ظلالَنا في الأمكنةِ التي تضيقُ بنا باستمرار، نخرجُ إلى الزّحام، مبتعدينَ حتى آخر نورٍ في العتمة ...
و من رصيفٍ إلى رصيفٍ نطاردُ الأزمنةَ البعيدةَ المحمولةَ في الشّاحناتِ وعرباتِ الجيش. أقدامنا تتشابه و تتناسخ كلّما رفع الجزّارون سواطيرَهم وهووا بها على أعمارٍ من مجازات. أبصارُنا نرفعُها باتجاهِ الطوابقِ العليا والمصاعدِ الهاربةِ. أرواحُنا الكثيرةُ نتركُها معلّقةً هناك، تتلوّنُ بالنوافذِ
ومصابيحِ الغاسولين حيث الطيّور المتأجّجة تغدو و تروحُ في خيالِ المدينةِ المصنوع بكلّيته من الحجر.
و كنّا -إذا اشتعلَ السهلُ بالأجراس و رأينا الغرقى يخسفونَ في النهرِ- نلبسُ ثيابَ الحدادَ، و بالتيهِ الشّاردِ للحقولِ ننفخُ الندامى عن قدّاسِ الشّمع. كنا ندقّ المصاغَ للضّيوف و نرشّ الزقاقَ بالمودّعين. وحده الهدوء كان يصعدُ إلى السّطح و يغرزُ رمحَه في الظلام. في الصباح التالي، كان الجيرانُ ينزلونَ من الشّعاعِ و يرمونَ قبعاتهم في الهواء الطلق. أما الحقيقة فكانت تمضي و شأنهَا ككلّ غيمةٍ، ككلّ صرخةٍ تهبّ من النسيانِ و يتردّد صدَاها من حيّ إلى
حيّ.
حين كسرَ العارفُ بمطرقتهِ جرّةَ الرؤيا، و انداحت المقاماتُ، فلاةً فلاةً، تملئُ الأرضَ بالمرايا، انبجست شمسُ الظلموت، واهبةً التيهَ مهاميزَ البدء. حين بدأ الماءُ ينحسرُ و صخرةُ الفرقان تهرقُ بياضَها، انفكّ القيدُ عن القيدِ، و انحلّت بيارقُ القفلِ ، و سرى الغربُ شرقاً (والشرقُ غرباً) مالئاً النهايةَ بأبواقِ القيعان.
ماذا نفعلُ إذن بهذه الأسنان التي لا تضيءُ المعجمَ؟
ماذا نفعلُ بالمفرادات التي كنّا قد تبادلناها على المغسلةِ خشيةَ الزلزال؟
بالمخيلةِ وحدها كنّا نشحذ آلاتِ الحلاقة
حيث الكلمات التي لم نقلها
ماتزال تغبّش عيوننَا بالندم.
لا ريحَ هنا تصرّف مشاغلَ هؤلاء المارّة و سكاكينهم، لا شمسَ تسوطُ ظهورَهم و نحاسَهم، تلمّ عظامَهم عن حديدِ الأسرّةِ و مداخلِ المدنِ. إلهي ... امنحني نظراتكَ الثاقبةَ و حقدكَ عليهم، امنحني قفازيكَ النهريتين و فأسكَ النورانيةَ، لأقطعَ هذه الشجرة-حياتهم- التي قوّس الركوعُ جذعَها، و جفّل التسبيحُ آخرَ زيزانِها.
النيازكُ التي تهوي و تضيء المدافنَ التي كان قد نحتَها الأجدادُ في الصّخرِ قبل وفاتِهم هي أفكارُنا وقد ارتدّت إلينا - نحن الأبناء. فوق أضرحتِهم نرى وجوهَنا معكوسةً، تتمرأى في الوصايا و الشواهدِ المعدنيةِ. حولَ معاصمِهم نرى ساعاتنا تتفتّحُ كالمواعيد، عالمينَ تماماً أنّهم في نومهِم -بمقلٍ ترابيةٍ و سيوفٍ خشبيةٍ- يحلمونَ بنا و بالسّفر بعيداً إلى حاضرٍ أصفى ما فيه مشيّعون يتأهّبون لتوثيقِ الخريفِ بقناديلِ الغرقى.
بقليلٍ من الغرقى في الفهارس، بالحناجرِ الزرقاء لنهرِ الأبديةِ، تماماً في ساعةِ الجليدِ المنفردةِ، كنّا نسحبُ الريحَ إلى النّهر، و بصراحةِ من لا قبرَ له، نشعلُ فخاخَها بالسّرنمات. في ذاكَ الهلاكِ السّريعِ للإنسان كنا نضرمُ القطيعةَ في المياه، مودعينَ أرواحَنا الرافلةَ بالإفلاسِ في بنوكِ الظهيرةِ؛ و بجليدٍ لا أثرَ لشمسٍ فيه، نسوقُ الحياةَ إلى حتفِها، سارحين تماماً كالرّهائن فوق هذه الأرضِ المشبوكة أفكارها بحوادثِ السّير.
بدلاً عن الصديقِ الذي واريناه
عدنا بالزّهورِ إلى البيت
الأهلُ أشاحوا بوجوهِهم
كنا نستدلّ على الغيابِ
بالثيابِ المنتفخةِ في غرفةِ الجلوسِ
للحظة
بانت الأمّ في هيئة ظلّ
الشموعُ التي أحاطت بالصّورة
كانت دليلُنا إلى الحكايةِ
ما إن غادرنا
رأينا ظلالنَا أطولَ منا
الصمتُ مشى وراءَنا إلى حين
و كذا البيتُ و النهارُ و التوريات
طوالَ الطّريق كنا نسيرُ صامتين
معنا سارَ البيتُ الذي غادرناهُ
و سار الجبلُ بطيورِه و شمسِه و ذئابِه
سارت الأمسيةُ ذاتُها التي أضاءَ فيها أكثرُ من وجهٍ
و ابيضّ فيها أكثرُ من قاربٍ
الأمهاتُ غادرننا أيضاً
حاملاتٍ صررَ الرّيح المملوءة بضحكاتِنا
كان وداعاً يحلمُ فيه الصّيفُ
الصّيف الذي تركناه ليبردَ
بين بيوتٍ ربما لن نقيمَ فيها بعد اليوم
و لن نتعثّرَ بأصدائِها
حين افترقنا
كان كلّ منا يحمل نبعَه بين ذراعيه
و لم نلمح طوالَ الطّريقِ سوى آثارِ خطواتٍ
كنا -دون أن ننتبه- نمحوها بخطواتنِا.
حزينٌ كدرّاجةٍ ناريّةٍ ماتَ مراهقُها.
إبرةُ الزقاقِ تقودني إلى الفرار
و التحيّةُ تبردُ في الرّسالةِ.
الركضُ مهرةُ الرّيح
و السباقُ نضوةُ القفر.
قضمةٌ واحدةٌ و أفرّ من هولي
إلى سكونٍ يتدلّى رعداً و ثريات.
نهارٌ مبثوثٌ بين الفضائحِ
يشمّ مليّاً حذاءَ الشهر.
لهوٌ ليس يُدرَكُ بغير قنصٍ
حوارٌ ليس يُسمَعُ بغير دمّ.
صنماً وراء صنمٍ
تتقدّم نفسي من نفسي
و تعبدُ الومضةَ.
غرقى يقفزونَ من أصابعي و يغيبونَ
حيث النوارسُ تجهّز آلامَ الطقسِ.
الهواءُ عدسةُ النهر
الهواءُ المكبّر فوق المدينةِ سماءٌ مقلوبةٌ
الهواءُ مبالغةُ الصّمت.
اعتذاري زهرةٌ بريئةٌ لكآبةٍ تتعرّى
على مرأى من نوافذ تتعدّد.
هم الذين أقاموا على الحافّةِ
محدّقين بحاضرٍ يتلاشى
يسوقونَ ضحاياهم إلى صدىً
يشعّ مثل ظهيرةٍ شفويةٍ تسوقُ ظلالَها
إلى مرايا العدمِ و تستدرجُ الهباء.
كنتُ إذ أعبرُ هذه الشوارعَ، محاصراً طوالَ الوقتِ بمرايا لا وجودَ لها، أحلمُ بوجهٍ أسرعَ من النسمة، يخدعُ وجوهاً كثيرةً، و يصبحُ منذ تلك البرهة وجهي. كنتُ إذ أحلمُ، أحلم بمرايا كثيرة توقظُ في الطريقِ إليّ وجوهاً تتقافزُ حولي كالنجومِ و تأخذني إلى سوادٍ بعيدٍ لاأثرَ لنجمةٍ فيه أو ندم.
لي إذن أن أقودَ خطاي إلى التهلكةِ
و أوقظَ العمقَ المسنونَ
للشفافيةِ المحفورةِ على درفةِ الخزانةِ
لي أن أراقبَ السطوحَ المائلةَ للمرايا
و أتأمّلَ الخطى البيضاءَ للرّيحِ
لي أن أرتدي الملابسَ السّوداءَ في الكرنفالِ المعدنيّ للحبّ
و أقترحَ المرأةَ الزرقاءَ سماءً مهدورةً فوق الحشدِ المعكوسِ
لي أن أرفعَ خنجري المسموم عالياً في الهواءِ الطّلقِ
و أنسلَ الصرخةَ من سكونِ الضحيّةِ، هاتفاً:
أمن أجلِ هذا يا لويس بورخيس
يكفّ القلبُ عن الخفقانِ و يتقوّسُ ظهرُ العالم؟
كانت اللّذةُ، بأجنحِتها المنقوشةِ على القيثارةِ و غيماتِها التي تخفّ، تحملُ الضوءَ إلى المشطِ، فيما المرأةُ التي سأمت القفّازات تنحتُ العذابَ في الصّوان
الكراسي التي تركَها المشيعونَ تصفرُ في البهو ماتزالُ تحملُ العطرَ إلى الرعاةِ و تقيّدُ البرقَ إلى مفتاحٍ في الممرّ
أما السّرير فكانت تسفوهُ الأشباحُ إلى غرفٍ أخرى أصفى من الرّيح، يكثرُ فيها الهدوءُ و تسبحُ الوجوهُ المنوّرةُ بالقُبَل إلى آخرِ صبحٍ في العتبات.
في هذا الليلِ
هذا اللّيل الطّويل الذي من أكفان
سوف أخرجُ مع هذا السّواد
و أمشي أشبهَ بالمطرود
تحت سماءٍ شاسعةٍ من الأخطاء
مقتفياً أثر مصيرٍ لن يتأخّر
لن أكونَ وحدي
في هذا الهجيرِ الذي يوشكُ أن يتجمّد
سوف يخرجُ معي موتى كثر
مصنوعينَ من الفراغِ ذاتِه
تذوبُ فؤوسَهم كلّما استرسلوا
و ما إن يثبَ الشعاعُ من أقدامِنا
و يفصلَ الأحذيةَ عن أرواحِ المارّة
سوف نرى السّماءَ لأوّل مرّة
تتخايلُ كالسّراب في حجرِاتنا
و قد صنعَت من السّديم قميصاً
و من الغيبِ زحّافةً تجرّها كلابٌ زرقاء
خرجت لتوّها من الذّهول.
وأنا أعبرُ هذا التيهَ، مسربلاً بالفراغِ و هذياناتِ الظلّ، لم تكن لي ذكرى تحفرُ برقَها على حائطٍ، و لا غيمة تفصلُ حزني عن أحزانِ المارّة؛ كان لي فقط حدسُ الضحيّةِ و هي تستسلمُ بكلّ مالديها من براءةٍ لفكرةٍ تلمعُ في خيال القنّاص، ربّما للمرّةِ الأخيرةِ.
كأسرى مصفّدينَ بالصّليلِ نعبرُ جسرَ بروكلين
نصيرُ أشباحاً بمجرّد أن ننسى الأدوارَ
و نرمي الأقنعةَ على البرّ
بين مانهاتن و بروكلين كنّا نتبادلُ الوجوهَ
ننسربُ بلا خطواتٍ وراءَ بقعِ الدمّ
و في طريقِ العودةِ نحملُ الشموعَ على الأكفّ
و الأقدارَ على الأكتاف
مدركينَ تماماً أنّ اللّيلَ وحده يفوحُ من السّفن.
كوكاكولا ...
أقدامٌ تجرّ فخاخَها على الرّصيفِ
و تسحلُ العدم.
النهارُ محاربٌ اجتذبَ إليه العتمةَ
و سرّحَ الظلامَ
لم ينم الحديدُ تلك الليلةَ ...
لكنّ غجراً من كل حدبٍ جاؤوا
يتبادلونَ الدروعَ مع التماثيلِ
و الأحلامَ مع صفيرِ القطارات
تارةً يقايضونَ ذكرياتهم بالخناجر
و تارةً بصناديقِ البيرةِ
يتزاحمونَ على العتباتِ كلّما هبّت ريحٌ
و حملت معها نشارةَ البابِ
كلّما أومضت فريسةٌ
و أضاءت بريشِها أسنانَ النهر.
ضع الرّنينَ في الأيقونةِ
نظّف صحنَ اللّحظةِ
دقّ جرسَ القاعِ
حرّر نمرَ الشرارةِ
أطلق النسرَ إلى الأعالي
و القيثارةَ إلى الشلاّل
جفّف خدمَ الرّعد
رصّع الحصانَ بالسّهل
و الرمحَ بحدقةِ الصّيف
املئ الركضَ بالوعول
و الثلجَ بنصالِ الرّيح
و إلى خفاءٍ متوّج بالحروب
ارسل بريدَ الحافّة.