زياد الدريس
(السعودية/باريس)

(1)

غازي القصيبيبدأت العلاقة الثنائية بين غازي القصيبي ومنظمة اليونسكو في عام 1999م، ثم أصبحتُ طرفاً ثالثاً في هذه العلاقة حين صدر قرار تعييني مندوباً دائماً للمملكة العربية السعودية لدى اليونسكو في عام 2006م.
بدأت عرى العلاقة الثلاثية باتصال سريع من الدكتور غازي على هاتفي الجوال بعد صدور قرار التعيين، وبادرني هكذا:

- ألو.. سعادة السفير، معك غازي القصيبي.
- أهلاً.. معالي السفير والوزير والخبير.
- بمناسبة وصفك لي بـ(الخبير) لا بد أن أجلس معك جلسة خاصة قبل أن تغادر إلى باريس، وأعطيك (خبرتي) في اليونسكو ودهاليزها، من خلال تجربة الانتخابات السابقة.
- الخبرة الفانتازية حصلت عليها من رواية "دنسكو"، بقي لي أن أعرف منك الخبرة الواقعية.
- (دنسكو) شبه واقعية.

أردت أن أغيّر مجرى الحديث بعيداً عن جدليات (دنسكو) النقدية، فقلت:

-المهم أن تكون "سونيا" بطلة الرواية، شخصية واقعية، أريدك أن تدلني في أي دهاليز اليونسكو هي؟!.
-أجابني فوراً: السيدة سونيا هي الفانتازيا الوحيدة في الرواية .. للأسف يا زياد لن تجد سونيا في اليونسكو!.
-قلت له في ختام المكالمة: هذه صدمة.. فأنا من أهم ما دفعني لقبول العمل في اليونسكو هو البحث عن سونيا، والانتقام لك منها.

ضحك، رحمه الله، ثم اتفقنا أن نلتقي من أجل درس (الخبرة الواقعية). والتقينا بعد تلك المكالمة، التي جرت في إبريل/نيسان 2006م، أكثر من مرة، لكنه لم يعطني الدرس الموعود إلا في إبريل 2009م!!.

(2)

الدكتور القصيبي في منزل الدريس.. وكان اسم "غازي القصيبي" قد عاد، عام 2008م، يرن من جديد في ردهات اليونسكو. ما الذي عاد به؟!
قالوا: إن القصيبي الذي لم يعتد الهزيمة، لن يقبل بما جرى له عام 1999م، وسيعاود غازي "غزو" المنظمة في معركة انتخابات 2009م، ليحقق في اليونسكو انتصاره. وبدأت الأسئلة تتوالى عليّ من السفراء العرب وغير العرب: هل حقاً أن غازي سيعاود الترشح لمنصب مدير عام اليونسكو في هذه الانتخابات؟.
كنت أفرح بالأسئلة، ولا أريد أن أجيب عنها حتى لا تتوقف.
في شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2008م كنت في السعودية. اتصلت بالدكتور غازي وطلبت أن التقيه، فاتفقنا على موعد في جدة.
أخبرته عن الشائعات والأقاويل التي تلوكها جدران المنظمة عن إمكانية عودتك إلى الترشح في انتخابات عام 2009م. ضحك، وهو يعبث بسبحته الصغيرة بين يديه الكبيرتين.

قلت له، بإصرار مفاجئ: لكنني أريدك أن تعود، يجب أن تعود إلى اليونسكو.
طالعني باستغراب ودهشة من لهجتي، فبادرته: دكتور غازي، قبل أن تكون مرشحاً لمنصب رئاسة اليونسكو، أنت شاعر وروائي ومثقف وكاتب.
واليونسكو بُنيت أساساً لتكون بيتاً لك ولأمثالك، لا لتكون بيتاً لبيروقراطيين أو خبراء (استراتيجيين!). أريدك أن تغزو اليونسكو، هذه المرة، حاملاً راية الشعر والإبداع والانسانوية.
باختصار: أريدك أن تقدم أمسية شعرية في منظمة اليونسكو. تردد في الموافقة، مستنداً إلى أنه لم يعد راغباً في تقديم أمسيات منبرية شعرية جديدة، رغم إغراء اليونسكو. أبديت له إصراري على الدعوة، ووعدته بأن أجعلها، مع زملائي في المندوبية الدائمة، أمسية تليق به وباليونسكو معاً.
وافق، بعد مجادلة وقلق .. ربما من فشل يونسكي آخر!
حددنا موعداً للأمسية الشعرية، يوم الثلاثاء 7 إبريل 2009م. تطايرت رقاع الدعوة داخل اليونسكو وخارجها، وتطايرت معها الأسئلة والشائعات بصورة أقوى، وقد اقتربنا من الانتخابات أكثر:
(غازي القصيبي يعود إلى اليونسكو. غازي القصيبي يفتتح حملته الانتخابية بأمسية شعرية! هل يلتوي غازي القصيبي على المرشح العربي "فاروق حسني" كما فُعل به من قبل؟!).
كنت أستمع إلى كل هذه الأقاويل ولا أجيب عنها بما أعلم .. حتى لا نخسر الإثارة التي ستغلف الأمسية الشعرية وتزيدها وهجاً.. فوق وهج الشاعر والشعر.
وفي أحد أيام فبراير الباردة تلقيت اتصالاً دافئاً من شاعرنا أبي سهيل يخبرني فيه أن حرمه المصون أم سهيل أبدت له البارحة رغبتها في أن تصحبه إلى باريس، وأنها قالت له: أنت دائماً تسافر في مهمات من دون أن أثقل عليك، لكنك هذه المرة ستذهب إلى باريس لتزور اليونسكو وتلقي فيها شعراً .. فهل أملك أمام هذه الإغراءات الثلاثة أن أمتنع عن مرافقتك؟! فقال لها أبو سهيل، بمنتهى الحصافة واللباقة، دعيني استأذن مضيفنا أولاً. قلت، من فوري، يا أبا سهيل.. أنت وأم سهيل في عيوني.
أجابني: لا لا خلِّ أم سهيل برا، أنا حطني في عيونك بس، وأم سهيل في عيوني أنا.
قلت له: بعد هذا العمر... وما زلت تغار عليها؟!.
رد بشقاوة: لا ليست غيرة، لكنني أعرف أن عيونك بالكاد ستتسع لاستيعابي.. أنا الضخم!
ضحكت، وأجبته: أنت كبير.. لا ضخم.
في خضم هذه البهجة التي كنا نعيشها ونترقب ذروتها، جاءني اتصال قبل الأمسية بعشرة أيام، يفيد بأن غازي القصيبي أصيب بوعكة صحية شديدة. خفت أن تكون هذه هي الهزيمة الثانية للقصيبي من اليونسكو.. يا لهذه اليونسكو؟!.
بعد يومين أجابني على الهاتف قائلاً: "لا تخف، سآتي إلى الأمسية بإذن الله، وعكة بسيطة وتعدّي". لكنها لم تكن لاحقاً وعكة بسيطة أو أنها من النوع الذي يمكن تعديتها!.
وصل عريسنا المنتظر إلى باريس قبل الأمسية بيومين، وشرّفني في حفل عشاء في منزلي مع نخبة من المثقفين العرب المقيمين في باريس، كان فيها غازي، كعادته دوماً، نجماً متألقاً بموسوعيته وبديهته وفكاهته الخاطفة. وقبل أن يخرج سألني: هل أنت متأكد من أن أحداً سيحضر إلى الأمسية غداً؟! قلت له: ما يهمني هو أن أتأكد أنك أنت ستحضر إلى الأمسية غداً!.
قبل الأمسية بساعة، كانت القاعة الكبرى في منظمة اليونسكو، توشك أن تكتظ بحضور ثاني أمسية شعرية عربية تقام في تاريخ المنظمة (الأولى كانت أمسية الشاعر الراحل محمود درويش، عام 2008م).
افتتحتُ تلك الأمسية الشعرية بكلمة، نشرتها بعد ذلك في صحيفة الحياة، تحت عنوان (غازي في آخر غزواته)، وبالفعل تحقق العنوان، وليته لم يتحقق، فكانت تلك الأمسية عام 1430هـ 2009م، هي آخر أمسية شعرية، وآخر مشاركة منبرية له في حياته، رحمه الله. بل إن الصديق الكاتب والروائي أحمد أبو دهمان كتب عن الأمسية أيضاً، في صحيفة الرياض، تحت عنوان (القصيبي يسجل وصيته في اليونسكو)!
ما حكاية هذه العناوين الجنائزية؟!
هل كان غازي القصيبي بهذه الدرجة من الشفافية، بحيث يعلم أصدقاؤه بقرب وفاته؟!
مكث غازي القصيبي أسبوعاً في باريس ليس لديه همّ، كما كان يردد، سوى الاسترخاء بعد الوعكة والتهرب من جولات التسوق مع أم سهيل.
في أحد لقاءاتنا في ردهة فندق البريستول، سألته: لماذا اختار هذا الفندق تحديدًا؟ فقال: هذا هو الفندق الذي كنت أقيم فيه طوال أيام انتخابات اليونسكو عام 1999م، وقد تعودت عليه وألفته مذاك. قلت: ظننتك ستكرهه لأنه يذكّرك بالهزيمة!.
قال: لو كنت أريد أن أنسى الهزيمة أو أخشاها، لما جئت إلى اليونسكو مرة أخرى. قلت له: بالفعل، فأشباح الهزيمة في اليونسكو اكثر منها في البريستول. ثم ختمت هذا الحوار الاستفزازي بالقول:
كفى بالمرء نبلاً أن تُعدّ "هزائمه"!.
لاحقاً.. وفي لقاء ثنائي آخر في مكتبي هذه المرة، سألني عن أوضاعي العملية هنا في باريس وعلاقاتي مع الجهات المعنية؟! لم أشكُ له كثيراً، كما يفعل صغار الموظفين مع كبار الموظفين عادة (!)، لكنني حدثته عن الجميل والقبيح وعن الدعم والخذلان وعن الأبواب المفتوحة والأبواب المغلقة.
قال لي، بنبرة أبوية،: وهل كنت تتوقع يا زياد أن يقف الجميع معك ويفتحون لك كل الأبواب، أو أنك كنت تصدق كل ما يقال عن العمل الجماعي والأهداف المشتركة والرسالة الواحدة لخدمة الإنسانية أو حتى لخدمة الوطن؟! كان يجب أن تعرف بأنك كلما ازددت نشاطاً ازدادت المقاومة ضدك، وأن كل نجاح تحققه سيخلق لك عدواً جديداً. أكثر الناس راحة وطمأنينة هم الذين لا يعملون!
وأوجزت موعظته البيروقراطية تلك في عبارة كتبتها لاحقاً وأرسلتها إليه:
إن لم تعمل سيعتب عليك الذين يعملون، وإن عملت سيسخط عليك الذين لا يعملون!

* *

في ختام أمسيته الشعرية اليونسكية التي حضرها قرابة 1000شخص من الجمهور الفرنسي والعربي، وتجلى فيها بقصيدته المطولة "سحيم" مستثيراً بها آذان وجدران اليونسكو، للوقوف ضد الطبقية والعبودية، ومستنجداً بقيم الحرية والمساواة وحقوق الإنسان .. في معقلها، أو معتقلها! في ذلك الختام رأيت كيف تكالب الناس على غازي .. يريدون توقيعه أو التصوير معه. كانت هذه هي المرة الأولى التي أرى فيها سعودياً "نجماً" من غير الفنانين أو اللاعبين، يتحاشد عليه الجمهور بهذه الصورة.
كانت أمسية يونسكية خالية من الدنس .. مليئة بالونس!
نجحت الأمسية الشعرية الكبرى: شاعراً وجمهوراً ومقراً وتنظيماً، وخرج غازي منها وهو يردد: هذه أمسية العمر.
رحم الله ذلك العمر المكتنز بالسمو والعطاء، وغفر الله له ذنوبه كلها... وآخرها: حزننا عليه.

(3)

في عام 1999م، انهزم غازي القصيبي في اليونسكو بـ 34 صوت ..
في عام 2009م، انتصر غازي القصيبي في اليونسكو بـ 1000صوت!

كاتب المقال سفير المملكة العربية السعودية لدى اليونسكو.
مقتبسة بتصرف من مقالة مطوّلة نشرها الكاتب في العام الماضي في رثاء الفقيد.

ايلاف- 2011 الأحد 14 أغسطس

******

غازي القصيبي "أسطورة" لا تزال حاضرة

عبدالله آل هيضه
(السعودية)

(في ذكرى الرحيل الأول كيف رآه الكتاب الشباب في بلده)

الدكتور القصيبييدخل يوم الخامس عشر من آب/أغسطس حاملا ذكرى الرحيل الأولى للأديب والسفير والوزير الدكتور غازي القصيبي، "إيلاف" حاورت وسلطت الأضواء على رجل لا يزال حضوره واقعا في مجالات عدة، فحضوره لم يترك "أثرا" فقط بل تجاوز مرحلة الآثار، وخلد اسمه في وجدان وعقول طائفة كبرى من العالم.

غازي القصيبي الاسم الكبير على المستوى العالمي؛ يذكر معه اسم سياسي ودبلوماسي كبير، يذكر معه الأدب والثقافة والاقتصاد عربيا.
هو كذلك سعوديا وأكثر، لكن يضاف إليها صراعات وتهم تلقاها من عدد من تيارات محافظة، فعلى الرغم من كل ما كان يثار ضده إلا أنه يكتسب شعبية كبرى بين أقرانه من جيل وأجيال تلته على مدى تاريخ الدولة السعودية الحديثة.
يحل اليوم الخامس عشر من شهر آب/أغسطس في ذكرى رحيل أولى للكبير غازي القصيبي، يحل هذا التاريخ وغازي لا يزال في قلوب محبيه ومعجبيه بل حتى في خواطر مناهضيه.
أديب زرع الورد في "حديقة الغروب" وشكل أطرا جميلة وراقية في حقول الأدب، انعش الأدب العربي بالعديد من المؤلفات والتحف النادرة، هو غازي وحده من يستطيع صنع المعجزات وتحويل خطوط التقليدية في كل شيء، في "شقة الحرية" غير مسار الرواية السعودية وجعلها أول "السيل" في غيث متكرر.

القصيبي مؤديا للقسم أمام العاهل السعودي الراحل الملك فهدهو سياسي واقتصادي بارع، دافع عن وطنه "في عين العاصفة" وعن كل هموم أمة عربية طالما انتقدها، هو من أبكته فتاة فلسطينية كتب بها قصيدة كانت سببا في توجيه غضب المجتمع الدولي عليه وهو السفير الدبلوماسي حينها، كان القصيبي على أعتاب باب "اليونسكو" كأول سعودي لم تنجب الأمهات مثله.
رجل وطني بكل ما تحمله مفاهيم المواطنة؛ رغما عن كل أعدائه أثبت أن الوطن هو همه الكبير والأول، جادلهم في قضايا الحداثة رغم تكفيرياتهم، وقارعهم الحجة بالحجة. تغنى بالحداثة والحرية، رجل سبق عصره ومات مؤسسا ومعبدا طريقا في أكمل معاني الحياة بشتى فروعها.
عرفته الوزارات السعودية، هو "معالي الوزراء"، كان همه تشتيت أسوار البيروقراطية، همه وطن، ومواطن بشقي الجنس الذكر والأنثوي، حيث أعاد هيكلة العديد من أنظمتها بنفوذه الكبير وحضوره القوي المقنع، يعرفه الجميع وهو قريب من الجميع، صغارا وكبارا بكل الأطياف.
غازي القصيبي.. عرفت السعودية به، وعرف هو بها..

عام على مرور غازي .. كيف هي الحال من بعده ؟

الكاتب علي القاسمي في حديث "إيلاف" قال: لا يزال هذا الـ "غازي" يحتل مساحة أنيقة ملفتة في ذاكرة أكثر من جيل ، عام من الفقد بالفعل ، لكنه عام أيضا من التعمق والانغماس في حياة وتفاصيل وتجربة الرمز الوطني.
غادر الرمز المكان لكنه لم يغادر القلوب والأرواح حتى تلك التي اختلفت معه ذات زمن مضى وحين لم يكن هناك إلا صوت واحد يتسيد المكان. يعترف الجميع بأن بصمات الفقيد مشاهدة وملموسة وملفتة في نفس الوقت، وقد يحاول القادم إلى الكراسي التي تسلم زمامها، وقاد دفتها " الرمز" أن يسير بذات الطقوس وينهج المنهج المستقل المنفرد الذي ابتدعه ونظمه ونجح فيه " غازي ".
يقول القاسمي يكفي أن "أبا يارا" وهو يكمل العام على الم رحيله لا يزال بكاريزماه الأنيقة، وحضوره الصريح الآسر يدغدغ مشاعر شريحة كبرى من عشاقه ومحبيه.
الكاتب والشاعر شتيوي الغيثي قال لـ"إيلاف" الحال من بعد غازي كما هي الحال في وجوده. غازي أدرك بدايات التحولات التي كان يناضل من أجلها طيلة سنواته الثقافية والوزارية. لكن لا يمكن أن تتم الأمور بليلة وضحاها.
الغيثي قال أن غازي ناضل من أجل إنسانية مواطن هذا البلد فهل عساها تحققت؟ البعض منها تحقق ولكن الأكثر مازال في طور التحقق وأكثرية القضايا الإنسانية والثقافية ما تزال ساكنة سكونا أزليا.

القصيبي مؤديا للقسم أمام العاهل السعودي الراحل الملك فهدالروائي فائق منيف في حديث لـ"إيلاف قال: بعد عام من الفقد، افتقدت المكتبات نتاجا جديدا من القصيبي الذي عرف عنه غزارة التأليف مع الاحتفاظ بأسلوبه البسيط الشيق، وافتقدت الصحافة تعقيباته على بعض أخبارها وانتقادات كتابها فقد عرف عنه إطلاعه على جميع ما ينشر حول أي جهة أو وزارة يتولاها، وافتقده شباب الأدباء الذين كانوا يستأنسون بتعليقات منه على نتاجهم كما كان يحدث سابقا في مقالته الشهرية بالمجلة العربية.
وافتقدته سهام المنتقدين الذين ورثوا مناكفته من سابقين لهم أصبحوا أصدقاءه ومحبيه فيما بعد، ولكن الوارثين استمروا في تحميله اللوم على كل ما يظنونه تغريبا وتخريبا
أضاف منيف، أن الأدب والبلد افتقدتا شخصية جمعت بين علو الهمة والأخلاق النبيلة فوصل في كل مجال إلى قمته. أما في مجال الإدارة فالقصيبي كان في فترته الأخيرة قد ابتعد عنها وإن احتفظ بها اسما، لم يكن القصيبي الشاب الذي كان يتحمل أعباءها، وهو ما ذكره قبل ذلك في كتابه حياة في الإدارة عندما اعترف بأثر السن على الإنتاجية.
الكاتب حمزة كاشغري قال لـ"إيلاف" أن غازي لا يموت، كل ما في الأمر أن المكان أصبح خالياً و عصياً على الامتلاء بسواه !
مستفيضا كاشغري، أن الفقد أظهر شعور، نلمسه في كل الزوايا، في رفوف المكتبات، في صفحات الجرائد، في قرارات الوزارة .. !

لماذا لا يزال حضور غازي أكبر من مجرد "آثار" مقارنة بغيره؟

الكاتب علي القاسمي قال أن هذا السؤال يشعل مناطق عدة في مسيرة العمل الوطني الجاد، ومعاينة الناتج النهائي بمنجز ماثل أمام الأعين، وشفافية لا يتقنها إلا مسئول مثقف ومواطن مخلص بحجم " غازي ". وأشار إلى أن حضور الراحل مختلفا؛ لأنه حمل راية الاختلاف منذ خطواته المبكرة، وليس اختلافا يذهب بنا وبه إلى محطات اختناق وصراع، لكنه اختلاف يثبت يوما بعد يوم أنه كان من أجل الارتقاء، ولمصلحة وطن ومواطن.
وأضاف القاسمي أن غازي كان مختلفا أيضا لأنه دوّن تجربته وأخرج محتويات حقائبه المتعددة للملأ حتى يعرف كل باحث من أين أنطلق؟ ولماذا؟ والى أين وصل؟، كان يلخص تجاربه واحدة تلو الأخرى لنكتشف دون مساعدة من أن هذا الرجل لن يمر مرور الكرام، وسيحفظه الجيل جيدا في زمن يجهل فيه هذا الجيل أسماء مسئولين يتقاطع معهم في متطلبات واحتياجات حياة.
باختصار كان مختلفا "لأنه وحده أراد ذلك ولم يستسلم لكل حجار الطريق، لذا كان من المستحيل أن يظل مجرد أثر لا يكشف وينكشف إلا حين نستدعي من التقويم تاريخا طارئا".
الكاتب شتيوي الغيثي علل ذلك كون أن غازي كان مثقفا إلى كونه كان إداريا وقلما تنجح مثل هذه التجربة الاستثنائية وفق وصفه. وقال أن غازي كان نزيها إلى أبعد الحدود في أوضاع كانت مربكة لأقل الناس نزاهة ومن الصعب الثبات على ذلك.
أما غازي فكان نزيها إلى آخر لحظة من حياته. كان الإطار الثقافي العروبي هو الذي يحرك غازي.. أي لم تكن تحركه القضايا الصغيرة أو القضايا الشخصية. كان همه وطنيا في أوضاع غير وطنية.
الروائي فائق منيف قال السبب يكمن في أن غازي كون بخلقه النبيل مجموعة من المحبين والأصدقاء المخلصين في كل مجال يبدع فيه، فأصبحوا يحملون كلماته وأفعاله في كل مجلس ودائرة. على عكس من قد يرزق الإبداع في الأدب أو الإدارة لكنه لا يهتم بحسن تعامله مع محيطيه، فقد يبقى أثره ولكن يغيب ذكره ولا تذكر محاسنه. لذلك بقي ذكر القصيبي طريا لم يجف حتى بعد عام من وفاته رحمه الله.
حمزة كاشغري: غازي لم يكن مجرد "أثر" أثناء حياته مثل غيره !غازي لم يكن ظلاً، و لكنه كان الشجرة.. الشجرة الوارفة التي تُرمى - كما يجيء دائماً في الأمثال - بالحجارة، و ترمي الناس بالثمر طوال الوقت !غازي سيظل طويلاً و طويلاً جداً في الذاكرة.. لأنه عاش طويلاً هناك !

أين تجلى حضور غازي القصيبي الوطني.. في الوزارة أم السفارة أم بين الكتب؟

القصيبي مؤديا للقسم أمام العاهل السعودي الراحل الملك فهد علي القاسمي أجاب "في كل موطن تجلى غازي، وأين ما حل لا بد وأن يضفي على طلته حضورا مبهرا يحرج من قبله، ويتعب من بعده، وأحاول بذاكرتي أن أمر على هذا العملاق في محطاته الوزارية و"السفارية" والكتابية فأجدني مشدودا له في جل محطاته، وأن برع بعطره هنا، أحضر عطرا جديدا له هناك".
في محطاته الوزارية كان يحمل هم "مواطن" فأشتغل به كثيرا حد التضحية بالكرسي، والمواطن خير شاهد. وفي محطاته عندما كان سفيرا حمل هم وطن فاندمج معه حد الذوبان والصدام مع أهل البيت، والوطن خير شاهد. وفي محطاته الكتابية يحضر برونق لا مثيل له، تقرأ له فتشعر أنك أمام عملاق كتابيا كما هو الحال حينما تشاهده وجها لوجه.

الغيثي: " في كل هذه الأمور كان غازي حاضرا.. كان إداريا في وزارته وكان دبلوماسيا في سفارته، وكان المثقف بين الكتب ، ولا أعتقد أن مثل غازي يمكن أن يقيم خارج إطار زمانه الذي جاء فيه، وهو زمان صعب جدا وحساس جدا ومتحول كثيرا، ومع ذلك فقد كانت تجربة غازي ثرية كأثر الناس ثراء في التجارب السعودية".
فائق منيف قال: أن القصيبي كان قياديا قبل أن يكون إداريا لذلك أبدع في مجال الإدارة رغم اختلاف مجالات أعماله الإدارية، وأبدع في مجال السياسة لأن طبيعته الشخصية كانت تتلاءم مع الطابع الدبلوماسي الذي يعتمد على حسن التصرف في المواقف الحرجة، ولباقة الحديث والرد، وتكوين شبكة من العلاقات العامة. واعتبر أن غازي أبدع في الكتب لأنه كان يحسن استغلال وقته ويمقت الكسل فألف العديد من الكتب.

وأضاف منيف أن من زايا غازي أيضا توثيق ما يفعل وينجز وعرضه أدبيا بصورة شيقة لذلك لم تمت أعماله وتذهب طي النسيان بل أصبحت تاريخا موثقا. "كانت له إخفاقات في مسيرته لكنه لم يستكن ويلن بل تعلم من الأخطاء فيها، واستغل بعضها كفكرة لكتاب كما حدث مع ترشحه لليونسكو. كان يحيل هزائمه إلى مشاريع كتب ووسائل نجاح، ويدون نجاحاته، وهذه أسباب تجلياته في جميع أعماله".

كاشغري قال: الناس تعرفه هذا و ذاك، فغازي يتعدد و يتفرد، فالشباب المثقف لم يكد يفوت كتاباً واحداً لغازي، ويحفظ مقاطع من شعره، ومن نثره، و من رواياته، يحفظها بكل تلك الذكريات الجميلة .
وأضاف أن الناس تعرفه في الوزارة، و الآباء يترحمون على وزارة الصحة في زمنه، و في وزارة العمل، حاول و شهد له الناس بين هذا و ذاك باليد النظيفة البيضاء.

غازي وتاريخ لا يحصى:

القصيبي مؤديا للقسم أمام العاهل السعودي الراحل الملك فهدغازي القصيبي توفي في مثل هذا اليوم وذلك بعد صراع طويل مع مرض السرطان، غيبه فيها عن أداء مهماته كوزير للعمل تنقل فيها من الرياض إلى أميركا ثم الرياض ثم إلى البحرين قبل أن يعود إلى الرياض حيث توفي.
ونال القصيبي ليسانس الحقوق من جامعة القاهرة، ثم حصل على درجة الماجستير في العلاقات الدولية من جامعة جنوب كاليفورنيا. أما الدكتوراه في العلاقات الدولية فنالها من جامعة لندن وكانت رسالته فيها حول اليمن، كما أوضح ذلك في كتابه الشهير "حياة في الإدارة".

عمل غازي القصيبي مديرا للمؤسسة العامة للسكك الحديد في السبعينات قبل ان يتولى وزارة الصناعة ويطلق قطاع الصناعات البتروكيماوية السعودية. ولتشجيع الشباب السعودي الذي لا يهتم سوى بالوظائف السهلة العالية الأجر على العمل في الوظائف التي تعتبر في نظره غير محترمة، عمل القصيبي عام 2008، وكان يومها وزيرا للعمل، في مطاعم عدة كاسرا حاجز العيب لدى السعوديين في جدة لمدة ثلاث ساعات
وصراحة القصيبي وجرأة كتاباته جلبت له أيضا الكثير من المتاعب، على الأقل مرتين خلال عمله. ففي 1984 عندما كان وزيرا للصحة تم إعفاؤه من منصبه هذا بسبب قصيدة "رسالة المتنبي الأخيرة إلى سيف الدولة" التي انتقد فيها الفساد والامتيازات التي كانت تحظى بها الطبقة الحاكمة في عهد الملك فهد.
وفي عام 2002 اعفي أيضا من منصبه كسفير للمملكة في لندن بسبب قصيدة "الشهداء" التي أشاد فيها بالفلسطينية آيات الأخرس التي فجرت نفسها في سوق في القدس ما أدى إلى مقتل اثنين من الإسرائيليين في الوقت الذي كانت فيه الأجواء مشحونة بسبب أحداث 11 أيلول/سبتمبر 2001 في نيويورك. وبعد عودته إلى الرياض عين وزيرا للمياه والكهرباء الأمر الذي يدل على دعم القصر الملكي له.

وخلال عمله كسفير للسعودية في البحرين عند غزو العراق للكويت عام 1990 كتب القصيبي مقالات ينتقد فيها الحكومات العربية والمجموعات الإسلامية التي تأخذ على السعودية تحالفها مع الولايات المتحدة متسائلا كيف يمكن لأحد الدفاع عن صدام حسين. ويعتبر كتابه "أزمة الخليج: محاولة للفهم" دراسة جادة لمعرفة أسباب هذه الحرب ودوافعها وسياساتها وصنع قراراتها والنتائج التي تمخضت عنها.
وللوزير الراحل نحو 20 رواية، فضلا عن كم كبير من المشاركات الكتابية والمحاضرات وغيرها.
ومن اشهر رواياته "شقة الحرية" (1996) التي كانت ممنوعة من التداول في السعودية، وتحكي قصة مجموعة من الشبان المختلفين التوجهات والأفكار يسكنون معا في القاهرة أثناء دراستهم الجامعية هناك لتفصل الرواية حالة التيارات الفكرية لدى الشباب العرب في الفترة الملتهبة من التاريخ العربي 1948 - 1967. وهذه القصة مستوحاة من التجربة الذاتية للكاتب نفسه أثناء فترة دراسته للقانون في جامعة القاهرة والتي وصفها بأنها فترة غنية جدا.
وبعد فشل القصيبي في الوصول إلى رئاسة منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونيسكو) عام 1999 أمام المرشح الياباني كوشيرو ماتسورا، أصدر روايته "دنسكو" التي ينتقد فيها هذه المنظمة الدولية من خلال قصة مرشحين من عدة قارات يتنافسون للفوز برئاسة منظمة تسمى دنسكو.
وبعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر حذر القصيبي من "صراع حضارات"، مدينا في الوقت نفسه زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن الذي وصفه بأنه "إرهابي" و"وحش بشري". وقال في حديث للبي.بي.سي "نخشى أن تتحول هذه الحرب على الإرهاب، التي ندعمها بلا أي تحفظ، إلى حرب لأميركا والغرب على الإسلام".
ومن ابرز الأعمال الأخرى للقصيبي "العصفورية"، "سبعة"، "هما"، "سعادة السفير"، "سلمى"، "أبو شلاخ البرمائي".
ومن مؤلفاته في الشعر "صوت من الخليج"، "الاشج"، "اللون عن الأوراد"، "أشعار من جزائر اللؤلؤ"، "سحيم"، و"للشهداء".

ايلاف
2011 الإثنين 15 أغسطس