طلال سلمان
(لبنان)

القصيبيلم تيسر لي الظروف فرصة اللقاء مع الأديب ـ الكاتب ـ الشاعر ـ الدبلوماسي ـ الوزير غازي بن عبد الرحمن القصيبي... وبقيت علاقتي به من موقع القارئ المتابع لما ينشره او ما يكتبه عنه زملاء كثر عرفوه في المملكة او في مواقع عمله كسفير.
بعيداً عن تظاهرة التقريظ واستذكار وجوه الإبداع التي شاركت فيها جمهرة من الكتّاب والصحافيين داخل السعودية وخارجها، أريد ـ ببساطة ـ ان أنوه بحس الفكاهة في كتابة القصيبي، مستشهداً بمقتبسات من حكايات أوردها في كتابه «الوزير المرافق» وهي تحمل انطباعاته الشخصية «عن عدد من رؤساء الدول والحكومات الذين أتيح لي ان أشاهدهم عن كثب، من خلال مرافقتي للملك او ولي العهد في زياراته بلادهم، او من خلال زياراتهم هم المملكة».
هنا فقرات «ضاحكة» من هذا الكتاب، الذي يتبدى فيه غازي القصيبي أقرب الى رسام الكاريكاتور الذي فرض عليه ان يكون في الحاشية الملكية، فامتنع عليه ان يرسم الداخل، فمضى يرسم الخارج، ملكيا ورئاسياً، مقدما لوحات كوميدية عن عالم البروتوكول الذي يمكن ان ينقلب، في لحظات، من ذروة المهابة الى وهدة المضحكات.

في البيت الأبيض: حيوا الزعيم!

كنا في قاعة من قاعات البيت الأبيض نتناول المرطبات، قبيل حفل الغداء. ظهر رئيس البروتوكول في وزارة الخارجية وطلب منا ان نقف في صف واحد بحسب التسلسل البروتوكولي لأعضاء الوفد. بقينا مصطفين كالجنود، بضع دقائق، حتى انفتح باب القاعة وظهر جندي ضخم يرتدي زياً مزركشاً، وصرخ بصوت جهوري هز القاعة: سيداتي، سادتي... رئيس الولايات المتحدة! ودخل «الامبراطور» يحف به الحرس والأعيان. لا ادري لماذا تصورت ـ لحظتها ـ ان مدفعاً صغيراً في مكان ما من القاعة سوف يطلق احدى وعشرين طلقة، وتبدأ أوركسترا صغيرة مختفية تحت احدى الطاولات بعزف «حيوا الزعيم»!

«في ذلك الغداء التفت عضو في مجلس الشيوخ الى القصيبي، فقال له:
ـ لقد كنت في هذه القاعة نفسها قبل شهرين عندما أقام الرئيس حفل غداء تكريماً لشاه العراق.

ـ تقصد شاه إيران؟

ـ لا. لا. انني أعرف الشاه محمد رضا بهلوي جيداً. وهو صديق عزيز لي. انني أقصد شاه العراق.

ـ لكن العراق ليس فيه شاه، ولم يكن فيه، بحسب علمي، شاه في أي يوم من الأيام.

ـ لكنني رأيته بنفسي في هذه القاعة!

ثم يضيف القصيبي فيقول عن العلاقة بين نيكسون وكيسنجر: كان نيكسون امبراطور واشنطن إلا ان كيسنجر كان في حقيقة الأمر «نائب الامبراطور». كان الجميع مبهورين بتصرفاته وكلماته ونظرياته. أذكر اثناء حفلة العشاء التي أقامها لنا، ان موظفين كبيرين في وزارة الخارجية الأميركية كانا يتحدثان في الطاولة التي الى جانبي:

ـ يا الله! كم هو عظيم هذا العشاء! انظر الى الذوق! انظر الى الترتيب.
ـ هذه طريقة الوزير! انه يتقن كل شيء! انه يعمل كل شيء بروعة وبأسلوب فريد.
هذا كله في وصف حفلة عشاء عادية أعدها متعهد أطعمة، ولعل كيسنجر كان آخر من يعرف بتفاصيلها التي أذهلت الموظفين الكبيرين.

[ للمقارنة، يصف القصيبي لقاء رسمياً مع كارتر:

«كنا في قاعة من قاعات البيت الأبيض نتناول المرطبات قبل حفل العشاء عندما لمحت شخصاً ضئيلا في بذلة زرقاء يعبر بهدوء من جانبي. وقد كانت دهشتي عظيمة عندما تبينت ان هذا الشخص لم يكن سوى الرئيس نفسه دون ان يسبقه إعلان، ودون ان يرافقه حرس، ودون ان تشعر القاعة بدخوله.
الطريف ان كارتر طلب البحث قانونياً فثبت له انه يحق له ان يوقع باسم «جيمي» بدلاً من اسمه الكامل جيمس. كذلك فقد تخلى عن نشيد «حيوا الزعيم» لفترة،
ثم عاد النشيد يواكب دخول الرئيس.

المهاتما والصبيتان العاريتان... نياما!

[ بعيداً عن واشنطن، يقدم غازي القصيبي «بورتريه» متميزاً للسيدة أنديرا غاندي، ويقول: «الصورة» امرأة قوية الشخصية، متعطشة للقوة، شديدة الدهاء، حديدية الإرادة، قاسية القسمات، لا حد لطموحها او لعنادها. «الأصل»: امرأة في الرابعة والستين، ضئيلة، ضئيلة، تتحدث بصوت هامس يكاد لا يُسمع..

ويسأل القصيبي غاندي عن نهرو وما قرأه عنه، لا سيما عن سفره بالدرجة الثالثة الذي كان يكلف الدولة أضعاف أضعاف التكلفة لو انه سافر في مقصورة خاصة في الدرجة الأولى.

ترتسم ابتسامة خفيفة على الفم الرقيق: ـ هذا صحيح! كانت أجهزة الأمن تضطر الى ان تخلي الدرجة الثالثة بأكملها من كل الركاب. كان من الاسهل والأرخص ان يسافر في مقصورة خاصة. علاوة على هذا، كان غاندي يصر على أغذية «بسيطة» أينما يذهب. صحيح ان هذه الأغذية كانت «بسيطة» لكنها قد لا تتوفر دائماً. كنا نشعر بالقلق عندما ينزل غاندي ضيفا في بيتنا.

ويسأل القصيبي: سيدتي، آسف، إذا كان هذا السؤال محرجاً! لكنني قرأت مرة ان غاندي كان يصر على النوم وبجانبه فتاتان جميلتان عاريتان. هل هذا صحيح؟!
شبح الابتسامة مرة اخرى: لقد كان هذا خلال فترة من فترات حياته، عندما قرر ان يعتزل الجنس نهائياً. أراد ان يثبت ان بوسع المرء أن يقاوم النزعة الجنسية برغم الإغراء الشديد. لا شك في ان هذا كان تصرفاً غريباً.

[ أما عن الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة، فيروي، على هامش لقائه، قصة سمعها عنه تقول: ذهب إليه أحد وزرائه وطلب منه ان يقبل استقالته من العمل نظراً لمرضه وتقدمه في السن. ورفض الرئيس بإصرار. قال انه لو مات كمواطن عادي ودُفن كمواطن عادي فلن يشعر بموته أحد، أما إذا مات وهو وزير وشيع الى مقره الأخير وهو وزير، فستكون هناك وحدات من القوات المسلحة وموكب مهيب.
أي انه سيموت «بما يليق به من تكريم».

[ أما عن الملكة إليزابيت، فيروي القصيبي حكايتين عن مائدتها: الأولى حين تعذر عليه حضور العشاء على متن يختها الراسي في ميناء الدمام. وجاء رئيس المراسم يعتذر للوزراء السعوديين لان طاولة الطعام في اليخت لا تتسع إلا لعدد محدود من المقاعد. وهكذا وجدت نفسي «منفياً» للمرة الثانية. كانت الأولى حين كنا في زيارة رسمية، ودعت الملكة الوفد، وأخبرتنا المراسم ان الدعوة ستكون مقتصرة على أعضاء الوفد من الأسرة الملكية. أما خلال زيارة ثالثة، وكان بصحبة ولي العهد، فقد كان ترتيبه الثاني في الوفد فما كان ممكناً استبعاده. وهكذا وجد نفسه الى يسار الملكة. وجرى الحديث عن العائلة والقيم، فتحدثت عن جدتها الملكة فيكتوريا:

ـ كان بوسع الملكة فيكتوريا ان تزور أقاربها المنتشرين في أوروبا بسهولة. أما الآن فقد اصبحت هذه الزيارات العائلية متعذرة سياسياً. هناك مشاكل سياسية في كل مكان. إن أفراد عائلتي القريبين يبلغون ثلاثة وثلاثين. أما إذا أضفنا الى هؤلاء أحفاد الملكة فيكتوريا وأولادهم، فسوف يبلغ العدد المئات.

من ريغان العلاّمة؟ إلى عيدي أمين والأقزام!

[ بين الحكايات واحدة عن جهل الرئيس الأميركي ريغان. وقد روى له وزير خارجية فرنسا، ميتران كلود شيسون، قصة جرت خلال زيارة للسادات لواشنطن. كان السادات يتحدث مع ريغان عن الأوضاع في الشرق الأوسط، وذكر صدام حسين. وبعد قليل أعاد ذكره مرة اخرى. وهنا قاطعه ريغان والتفت الى مساعديه: ـ حسين؟ من هو حسين هذا؟ هل فيكم من يعرف حسين هذا؟!
أما أطرف ما يرويه القصيبي، فيتصل بتفاصيل زيارة اصر عليها عيدي أمين خلال حرب تشرين ـ رمضان (1973) للسعودية، ثم سوريا، وهنا ينقل عن الرئيس حافظ الأسد ما مؤداه:

ـ كنت في غرفة العمليات، وكانت المعركة محتدمة وضارية على كل الجبهات. فجأة وصل عيدي أمين الى دمشق وأصر على مقابلتي. قال إن لديه نصائح مهمة لا بد ان استمع إليها. حاولت ان أتهرب من المقابلة لكن دون جدوى. أخيراً اضطررت الى مقابلته. وضاع وقت ثمين في ظروف قتالية حاسمة.

وروى الرئيس الأسد كيف عرض عليه عيدي أمين، بين ما عرضه، ان يزوده بحرس خاص من أوغندا، جميعهم من الأقزام. قال لي: هؤلاء الأقزام نافعون للغاية. وحجمهم يساعدهم على حمايتك حماية ممتازة. بإمكانهم ان يختفوا تحت الكرسي الذي تجلس عليه، أو تحت الطاولة، ثم يظهروا فجأة من تحت قدميك.
ضحك الرئيس الأسد عالياً وهو يردد: تصور أقزاماً يخرجوا فجأة من تحت قدميّ! لقد شكرته بحرارة وأخبرته انني، مع التقدير، لا أحتاج الى هؤلاء الأقزام.

السفير
3- 9- 2010

* * *

النساء في حياة غازي القصيبي

فوزية عبدالله أبوخالد
(السعودية)

مقالي اليوم هو رسالة شخصية من النساء السعوديات و العربيات للسيدة سكريت زوجة د. غازي القصيبي.

فهذه السيدة تستحق منا في هذه اللحظة الفادحة بالذات وقفة وفاء وقد رافقت صديق الحق والجمال والحرية والعدل في رحلة حياة خاطفة و (خالدة بإذن الله).

ولكن كيف أكتب لك أيتها السيدة المشمسة في غيوم المحاق؟؟
ماذا تفعل المناديل لأنهار الدموع الحرى؟؟؟
ماذا تفعل الشموع والقناديل والأقمار لحلكة السهر؟؟
ماذا يفعل السراب لشهوة الماء؟؟

تحرث أصابعي لوح المفاتيح , فتفتح أمامي حقول اللغة نثرا وشعرا على مصراعيها عبر العصور, دون أن أقع في بحثي المضني على كلمة تليق بدمعة تترقرق في عينيك وفي عيون الاسرة رجالا ونساء.
تهدر في أعصابي أمواج الحبر فلا استطيع الإمساك بقطرة واحدة يمكن أن اكتب بها كلمة تواسيك .
تتحداني الشاشة أن أكتب حرفا من حرقة السيدة أو أمس شرارة من نار الفقد المستعرة من خصلات شعرها إلى شرايين دمها.
وحدها الآن تتربع السيدة.سكريت على عرش الحزن وقد شركناها على مدى عمر مديد ملح الأحلام وخبز الأمل إلا أنها حتى في هذه الللحظات الحميمة لاتستفرد بملكوتها فتدع المعزين يموجون على شرفة الوداع يقاسمونها في ذلك الغالي دقات قلبها.
فأي ماوية تلك المرأة التي قبلت بأن نقاسمها مواعيد العشق ومواسم الجزر والخصب كما ترتضى الشمس تقاسم نورها مع السماء والأرض.
بإختصار يخل ببساطة الأسطورة وتعقيدها معا, لم يكن غازي سياسيا وشاعرا, روائيا ومسؤولا, ساخرا وساحرا,طفلا طائشا وراشدا طاعنا في الحكمة , عنيدا في الحق معاديا للظلم مشاكسا للظلام , خليلا للنجوم والخارجين على سلطان النوم, متدربا غير جاد على البرجماتية , بل كان في كل ذلك مبدعا وعاشقا . كان مقاتلا شريفا في المعارك كما كان فارسا نبيلا في الهزائم.
فيالاااا سرب النساء الساكنات في إيهاب السيدة سكريت التي أستطاعت أن تمشي مع ذلك الرفيق الشفيف الشرس على حد السيف حينا وعلى حد الحبل والاسلاك الشائكة حينا وعلى بساط المخمل الأحمر كما على بساط الريح وتلويات رمل الصحراء وسخونته دون أن تتعب أي منهن من أقدار الحرائر في الحر والبرد, كما في البعد والقرب.
فلك أيتها السيدة في حزنك الجليل من كل منا نساء ورجالا أحر الدعاء بأن يجبر الله مصابك والبنات والأبناء ومصاب الوطن ومصابي شخصيا وخساراتنا فيه الخاصة والعامة. نبتهل جميعا أن يغسل الرحمن جرحك بالماء والبرد ويحفظك وسهيل وفارس ونجاد ويارا وبقية الطيف رمز وامتدادا لذلك الطود العظيم جعله الله في فردوس لاينفد.

*************

ليست كلمة ختام:

لم التقي والدة د. غازي القصيبي لأن من المعروف بأن الله أسترد أمانته في تلك الصبية وهو طفل صغير, وإن كنت أحسس بحميمة تجاه جدته لأمه التي ربته وباللهف على لهف مدينة الهفوف التي ناداها أمي, وبالوجع والوجد مع الرياض التي تيتمت لغيابه, وبالغيرة من غيد قصائده. فيما أكن شعورا عميقا بالصداقة ليارا إبنته وأحمل ذكرى ندية لمها إبنة أخيه التي كانت جذوة في طالباتي يوما -ما- بجامعة الملك سعود , كما تربطني بالدكتورة سهام السويغ وأختيها هدى وإلهام بنات أخته سميرة علاقة زمالة وصلة عمر, . إلا أنني لم انتقي عنوان المقال للحديث عن هؤلاء الغاليات في حياة غازي, أحسن الله عزاؤهن وأفرغ عليهن صبرا جميلا.
وبقدر أن حديث الفاجعة اليوم لايستطيع أن ينافس الماجدتين "سناء المحيدلي ودلال مغربي" على جسارة ما رمت به كل منهما في شعره من وهج الشهادة ليخرج على السائد الدبلوماسي, فإن العنوان أعلاه لايقدر أيضا أن يدعي في هذه اللحظة الجارحة حلم بحثي مستحق كبحثي الذي كتبته عن: "النساء في حياة الصديق الكاتب والروائي المبدع عبدالعزيز المشري رحمه الله ".
ومع ذلك فإنني وقدعصرت أعصابي وجاهدت خياراتي لم أجد عنوانا أقرب تعبيرا في الكتابة عن وإلى زوجة الدكتور غازي القصيبي من "النساء في حياة غازي القصيبي". ليس هذا الأختيار فقط لتعدد قامات تلك السيدة وتعدد إبتساماتها وإلهامها في حياة غازي , ولكن أيضا لأنني أرى في السيدة "سكريت" (رمزا للنساء) في العطاء وفي التعدد والتنوع والصبر وفي الطاقة الخلاقة على التسامح والتمازج الحضاري وفي إمتلاك ملكة حب لاتحد التي تمتلكها عادة المرأة الحرة.
فيالاااااااا سيدة تجتمع فيها وعليها قلوب النساء عبرعدة بحور وبعدة لغات . قلوبنا معك وأسرتك فردا فردا أيتها السيدة الجميلة السامقة.

موعد متجدد مع غازي القصيبي:

بغياب غازي القصيبي يوم الأحد 5رمضان تشهق ولاتزهق شمس من الشموس النادرة التي لم يخجلها بريق السلطة ولم يحرجها القرب من صولجانها عن مشاغبة الإنقياد بجرأة مباشرة وغير مباشرة. وبأدوات مبتكرة أو ماكرة , جادة أو ساخرة , فالمهم في جل حالات غازي وتحولات تاريخه الصاخب الأخاذ هو المقاومة وعدم الإستسلام. هكذا كانت شمس غازي في عداوة لاتهدء مع نواقض الضوء. وهو وإذ أناخ الراحلة فإنه لم يفلت من قلمه لآخر نفس في صدره زمام المشراق . وهكذا سيبقى غازي في المستقبل وإن غاب , و ستبقى قدرته الفذة علي جرح الجمود بماء الحبر تلويحة تحدي لمن يعشق اكتشاف المجاهل من الأجيال.
والحقيقة الحية أننا كلنا نموت ولكن القليل منا من يتجرأ على التخير من بين أقدارهم أن يبقوا بعد الموت أحياء.
فالحمد لله في غازي على تمتعه بنعمة مثل هذه الشجاعة الرعناء.
في مقال قادم حين أكون قد تمالكت روعي قليلا لذهاب غازي القصيبي لرحمة الله , سأكتب عن مجموعة مقترحات على مستوى وطني رسمي وأهلي في الكيفية التي يمكن أن نؤدي بها دين هذا الرجل في عنق الوطن, فمبادرة إطلاق اسمه على شارع من شوارع الرياض مبادة طيبة ولكن هناك اكثر مما يمكن أن يقدم في مجال التعبير عن الحب وتثمين المسيرة النزيهة لدكتور غازي القصيبي.

وأختم بقول إنا لله وإنا لله راجعون.

* * *

غازي القصيبي

عادل خزام
(الامارات)

رحل غازي القصيبي بعد أن قدم مثالا رائعا للأديب الكبير الذي يدلي بدلوه في اكثر من بحر، ويخوض بهمة الفكر المستنير في عتمة دروب العقل ويكون سباقا الى الاكتشاف والريادة في زمن تلاشت فيه مثل هذه الألقاب التي عرف بها رجالات الأدب العظماء الذين ينذرون انفسهم لاحداث الأثر الكبير في مجتمعاتهم وينحازون دائما الى تجديد وتغيير الاشياء من داخلها عن طريق العمل الدؤوب والمواجهة المباشرة مع الظروف بدلا من الاستسلام او الانزواء والاكتفاء بالفرجة والهمس.

حمل القصيبي الكثير من الرايات العالية وظل محافظا عليها في حربه ضد الجهل والخوف والتخلف والبيروقراطية، وكان الشعر دليل قلبه وسلاحه الأول الذي استعان به ليقشع غمامة الظلام من امامه وليرى الجمال المخبوء في الزوايا وفي الروح الإنسانية، فراح يكتب بلغة حملت منذ البداية رونقا خاصا مع جزالة وأصالة في اختيار اللفظ والوصف. هذه اللغة كانت تخلو من التعالي على القارئ، وامتازت بأنها بعيدة عن الايهام والغموض وفي الوقت نفسه تحمل روح التجديد والتحديث التي صبغت مسيرة الشعر العربي المعاصر الذي قلما نجد فيه شاعرا يتفق عليه الجميع من انصار الحداثة ودعاة المحافظة والتقليد كما هي الحال مع القصيبي الذي ستظل قصائده حية نابضة متدفقة لأنها مشحونة بالمعاني الإنسانية الصادقة والسامية.

الإصرار على التغيير هو ما دفع بهذا المبدع الخلاق الى مواصلة الدراسة الأكاديمية حتى الدكتوراه رغم مناصبه الرفيعة، وهو ما جعله يكتب “حياة في الإدارة” ليقدم واحدا من أروع الدروس في كيفية إدارة المؤسسات المريضة وإخراجها من نفق البيروقراطية المعتم. وفي هذا الكتاب نقرأ الكثير من القرارات والسلوكيات الادارية التي اتخذها القصيبي لكن منبعها يكون من فهمه للشعر والوجود اكثر من كونها مستمدة او مستوحاة من الكتب والدراسات الجافة.

هذه الروح الوثابة التي كانت تطارد الجمال في كل لحظة وكل زاوية، ذهبت للتعبير عن أشواقها في اكثر من جنس ادبي، وكانت الرواية هي اللون المحبب للقصيبي للانفتاح على فضاءات أكثر جرأة واقرب للتعبير عن التفاصيل والهوامش الصغيرة وقراءة النفوس والرغبات الإنسانية، ومنذ روايته الملفتة “شقة الحرية” اختار القصيبي ان يذهب في المغامرة الروائية الى مناطق ابعد فخاض في اكثر من جهة وعاد منها جميعها باعمال تستحق التقدير فعلا، وفي رحلته تلك لم يتخلى عن الشعر ولم يتخلى الشعر عنه حتى آخر لحظة.

حمل القصيبي في شخصيته تواضع الكبار، وسبق لي ان التقيته في أكثر من مناسبة فوجدت فيه روحا محبة وقلبا كبيرا تشعر معه بالدفء والصدق. يصغي اليك ويقرأ أفكارك ويفرح لرؤية المبدع مهما كانت طبيعة إبداعاته.

الاتحاد
الجمعة 20 أغسطس 2010

* * *

السليم يروي كيف رأى غازي القصيبي الموت

علي الحسن
(لندن )

لا تزال الصحف العربية والاجنبية ترثي فقيد السعودية الكبير غازي القصيبي بعد نحو اسبوع من وفاته وكان اخرها واكثرها تاثيرا ما جاء على لسان سليمان السليم رفيق درب الراحل في الدراسة والوظيفة. وفي كلمات مؤثرة روى الوزير السابق كيف رأى غازي الموت أول مرة في "سانتا مونيكا".
خلال الأيام الفائتة امتلأت الصحف العربية بعشرات المقالات التي كتبت عن فقيد السعودية الكبير غازي القصيبي، الذي رحل بعد معركة مرهقة مع سرطان المعدة، لتفقد بلاده واحداً من ألمع أبنائها، هو الذي كان خليطاً إنسانياً لا يبدأ بوزير، ولا يمر بمثقف، ولا ينتهي بسفير، أو شاعر، يلتاع بالعروبة ويتتبع المتنبي ونزار حتى اللحظات الأخيرة.

وكان ألفت ما كتب وأقربه إلى محبي غازي مقالة وزير سابق، وهو سليمان السليم، ليس لشيء، بل لأنه كان عضواً في "شقة الحرية"، حينما كان يدرس مع غازي في القاهرة وكتب عنها روايتها الشهيرة التي كانت المصطفاة من بين رواياتها كلها، وتلك الرواية كانت بحق وثيقة تاريخية عن عذابات وأحلام جيل بأكمله، لم ير ثورة النفط إلا بعد سنوات من العرق والتعب.
وفي مقال نشرته الخضراء اللندنية، الشرق الأوسط، يوم الجمعة، تحدث السليم عن رفيق دربه في الدراسة والوظيفة، وقصة رؤيته الموت أول مرة في "سانتا مونيكا"، وحكى عن "شقة الحرية" في القاهرة، وزملاء تلك المرحلة الشابة مثل محمد كانو ومحمد صالح الشيخ، وخالد القريشي وآخرون مروا خفافاً على أديم تلك المرحلة أو ثقالا.
وقصة القصيبي مع الموت ملفتة، خصوصاً وأنه "يلعب بالربح" على حد تعبيره، بعد نجاته من الموت الأول في حادث سيارة على المحيط الهادي، حيث كان ذلك الموقف هو اللقاء المباشر الأول مع الزائر المزعج حسب ما جاء في مقال السليم الذي حمل عنوان "أعمارنا يالقصيبي عواري".

بدأ الموت مع غازي منذ الطفولة حين فقد أمه وهو لا يكاد يتذكر منها حتى الطيف، ولم ينته بالشباب المتأخر الذي لم يفقد فيه غازي حياته ولا حيوته، حين كان يقفز فوق الأربعين والخمسين والستين والسبعين، برشاقة من تعود على العواصف، وقصف الرعود، منذ مطلع الحبر، والشعر، وسنوات العمل الأولى في الدولة.
وانتهت القصة برحيله بعد أن رأى أخوته وأحباءه يتساقطون في غيابة العمر ورثاهم واحداً واحداً حتى رثى نفسه عدة مرات كما ظهر واضحاً في قصيدته الأخيرة التي رثى فيها السبعين من العمر بعد أن جاوزها بعام واحد ولم يكمل ثمانينه التي كان يتوقعها ويحلم بها محبوه.

وبالعودة إلى السليم، كان الدكتور السليم وزيرا للتجارة السعودية منذ وزارة العاهل السعودي الراحل الملك خالد بن عبدالعزيز الأولى حتى التسعينيات من القرن الميلادي المنصرم حيث عين في منصب آخر، وهو وزارة المالية لثلاثة شهر، ثم اعتذر عنه، وهى عادة لا يفعلها معظم المسؤولين السعوديين الذين ينهون مهامهم الوظيفية بعد فوات الأوان.
وعلاوة على أنه آخر أعمدة وزارة الدكاترة التي ظهرت على الساحة السياسية عام 1975، فهو مفكر اقتصادي له العديد من الرؤى الاقتصادية التي كانت محل إعجاب من قبل العديد من المحللين الاقتصاديين الذين يتابعون تحركات مسؤولي إقتصاد الدولة التي تحوي أكبر احتياطي من النفط في العالم.

الوزير السعودي السابق الدكتور السليم وزميله وصديقه غازي القصيبي ومحمد يماني مسؤولون تاريخيا عن أزمة سيولة الدكاترة وسيلانها، لأن كل طالب سعودي في السبعينيات الميلادية كان يتكالب على نيل الدكتوراه، ليكون مثلهم، حتى أصبح هذا اللقب العلمي لمن "هب ودب ودفع" على حد قول متابعين مخضرمين للحقبة السبعينية التي كانت تدشن لعهد صياغة البنية التحتية السعودية بشكل أكثر حداثة.
ونترككم مع نص المقالة:

أعمارنا يا القصيبي عواري
الشرق الأوسط اللندنية
سليمان السليم
عندما زرت غازي أول دخوله المستشفى التخصصي بمعية أخينا الأكبر عبد العزيز الخويطر، كان يشكو من انسداد في الجهاز الهضمي. وعندما هرعت إلى موقع «مايو كلينيك» في الشبكة العنكبوتية، تبين لي خطورة مثل هذه الانسدادات.. إلا أنني عللت نفسي بسلامة العينات التي أفرزتها معدته - كما عللت واردا زمزم - وافترضت أن نقله إلى الولايات المتحدة كان بإصرار من خادم الحرمين الشريفين للاطمئنان فقط، خاصة أنني مررت بالتجربة نفسها نتيجة التواء في الأمعاء صحح بعملية جراحية قبل ما يقرب من ثلاثة عقود. لذا أرسلت له رسالة نصية أقترح عليه فيها أن نلتقي في لندن في طريق عودته سليما معافى، مذكرا إياه ببيت شعر أرسله لي حين كان يقنعني بأن نستكمل زمالتنا في جامعة جنوب كاليفورنيا بدراسة الدكتوراه في لندن عام 1966، إلا أنني كنت مصرا على إكمالها في جامعة جونز هوبكنز في واشنطن.

حيث قال حينها:
لو جئت لندن في مساء كريسمس
لوجدت لندن بهجة للأنفس
وعلى غير العادة لم تأت الإجابة إلا بعد عشرة أيام وكانت: «سرطان المعدة.. والباقي على الله».
لم تكن الصدمة سهلة، فقد زاملت غازي طالبا في الجامعة نفسها في القاهرة، ولوس أنجلس، وفي عضوية هيئة التدريس في قسم العلوم السياسية بجامعة الرياض (الملك سعود حاليا)، وفي مجلس الوزراء منذ عام 1975 حتى خروجه من الوزارة عام 1983. واستمر التواصل بيننا بعد ذلك إلى أن قابلته مقابلتي الأخيرة في البحرين، بعد عودته من الولايات المتحدة، حيث أخبرني أن من أكبر الصدمات في حياته كانت حين أخبره الأطباء حال خروجه من غرفة العمليات أمام حرمه وأبنائه بأن أورامه سرطانية. لم تكن تنقصه الشجاعة في مواجهة علته، ولكن كل همه كان الرأفة بأعزاءه المتحلقين حوله.

أجمل أشعار غازي هي تلك التي وردت في «أشعار من جزائر اللؤلؤ» و «قطرات من ظمأ» و«معركة بلا راية» وهي التي قالها في زمن الشباب والتفاؤل والأمل وفي غياب الضغوط من مقارنته بالمشاهير من الشعراء أمثال نزار.

ومن أجمل أشعاره «إخوانياته» التي تسري على لسانه من دون تكلف، ويجري بها قلمه بسرعة عجيبة، والتي أرجو أن يقيض لها من يجمعها وينقحها لتستكمل بها الإحاطة بتجربته الشعرية.
وأجمل قصائد غازي هي تلك التي يتقمص فيها شخصية موضوع القصيدة، والذوبان فيها، وحين يصبح لسان حالها.. ابحث عن قصيدته «كريستينا».. وتمعن في قصيدته «سعاد» حول وفاة سعاد حسني، والربط بين نهايتها والغروب، وبينها وبين عبد الحليم من خلال «كامل الأوصاف»، وبين سواد الغروب وسواد العيون والضفيرة بين الغيوم.

وحين توجه غازي إلى الرواية أطلقه ذلك من قيد القصيدة بقوافيها وأوزانها. كان زملاؤه في السكن بالقاهرة محمد كانو ومحمد صالح الشيخ، وكان كاتب هذه السطور وخالد القريشي من رواد تلك الشقة. وقد قيل ما قيل من إلصاق شخصيات «شقة الحرية» بهذه الأسماء أو بعضها، والحقيقة أن شخصيات الرواية ما هي إلا شخصيات كاريكاتيرية مبالغ في صفاتها، وقد تكون كل واحدة منها خليطا من هذه الأسماء.
ثم توالت الروايات؛ ومنها «العصفورية» التي عكست ذاكرته الفوتوغرافية، ومعلوماته الموسوعية، وحسن استثمار تلك المعلومات.

ولكنه لم يترك الشعر، وإنما بدأت تظهر في شعره آثار المعارك الأكاديمية والبيروقراطية؛ ففي كلية التجارة التي تولى عمادتها، ثار غبار المناوشات التي وصفها بصورة ساخرة الزميل الدكتور أسامة عبد الرحمن في كتيبه «في إقليم أرخبيل القمر». كما كان عليه في وزارة الصناعة والكهرباء الدخول في معركة بيروقراطية للحصول على الغاز لمشاريع «سابك»، ثم مجابهة أزمة الكهرباء، مثلما كان على كاتب هذه السطور مجابهة الأزمات التموينية كوزير للتجارة.

وفي معاركه تلك لم يتوانَ عن تسخير قدراته البلاغية، والإقناعية، بما في ذلك تقبيل الرؤوس لتأمين الأراضي، والاعتمادات المالية، والاستثناء من القيود المالية، وفي كل ذلك كان نظيف اليد متجنبا للشبهات.
في عام 1964 كنا مجموعة من الطلبة تضم غازي وخالد القصيبي متوجهين بالسيارة في نزهة إلى مرتفعات سانتا مونيكا المطلة على المحيط الهادي. وفجأة فشلت كوابح السيارة وهي في منحدر حاد وقرب تقاطع وهي متجهة نحو المحيط وأيقنا أنها النهاية. لولا أنها توقفت بعد حشرها بين سور ونخلة، ولا أنسى وجه غازي حين التفت إلى الخلف وهو ممسك بنظارته السميكة وينطق الشهادتين.

بعد أن جلسنا على الرصيف ننتظر من ينقلنا، مر بنا أحد الأميركيين وسأل: من كان في هذه السيارة؟ أجبنا: نحن. فقال: أنتم؟! تهزأون بي؟! أما شركة التأمين فلم تصلح السيارة، بل عوضتنا عنها كاملة.
منذ ذلك الحين يا غازي، ونحن كما يقولون «نلعب بالربح».

وعندما وصلت إلى مطار الرياض، مساء الخامس من رمضان، وجدت الرسائل النصية على جوالي تعزي في فقده.. ولم أتمكن من حضور الصلاة أو الجنازة..

وإن رحيلا واحدا حال بيننا
وفي الموت من بعد الرحيل رحيل
لم يكن غازي فريدا في ذكائه، وبلاغته، وذاكرته، وذائقته الأدبية، وحسن استثماره للمعلومة فقط؛ وإنما أضاف إلى ذلك الدأب، وحسن استثمار الوقت. أول بدئه الدراسة في جامعة جنوب كاليفورنيا اختار دروسا في التدريب على سرعة القراءة. وكان إذا دخل المكتبة ببنطاله الذي كان يتسع أو يضيق حسب وضعه مع «الريجيم» لا يخرج إلا بعد ساعات طوال. وعندما طلب منه التوجه إلى لندن سفيرا، كان من أهم طلباته أن لا يتوقع منه الاستقبال في المطار إلا في الحالات الخاصة. كما خصص يوم الجمعة للزوار السعوديين للصلاة وتناول الغداء في السفارة.

رحمه الله رحمة واسعة، وجزاه عنا خير الجزاء، وألهم أم سهيل ويارا وسهيل وفارس ونجاد الصبر والسلوان. والعزاء موصول لابن أخيه ورفيقنا جميعا معالي الأخ خالد القصيبي، ذلك الصابر المحتسب الذي فقد قبل غازي ثلاثة من إخوته، وأخته.

* وزير التجارة والمالية السعودي السابق

ايلاف
2010 الأحد 22 أغسطس

* * *

مثقفون وكتاب: القصيبي قلب المحاولة... قلب الحياة

إيلاف من الرياض

"لا تدوم الحلبات للملاكم اللامع" هكذا وُصف صاحب "شقة الحرية" من الكاتب غسان شربل، فيما غير أديب وكاتب وأكاديمي رثوا الراحل لا بالكلمات بل بالقيم التي عبرت عنها شخصيته، فهو الحر الذي فتح باب الحرية من دون مقابل، وهو طاهر اليد، والوزير العنيد والمشاكس، وهو محب الحياة ومصدر الأمل وصاحب القضية، والمؤسس وصاحب الأثر في الشعر والأدب والسياسة.

فكان بذلك المثقف الذي لا يموت بموراة الجسد الثرى.
وبدا أبرز ما ميز الراحل "غازي القصيبي" في حياته كما في مماته هو ذلك الاجماع المترامي الأطراف على شخصه، بدا إجماعا استثنائيا؛ أخذ من الثقافة والأدب والعمل ورحلة الكفاح الكثير ومن شخصية الراحل وإنسانيته ما هو أكثر.
ويمكن لأي متابع أن يرى ذلك الإجماع في مشهد نادر يتجلي في تغطيات الصحف العربية لخبر وفاته بداية ومن ثم تغطياتها الموسعة التي تركزت على شخصه ومنجزه الأدبي والمعرفي ودوره وشخصيته. فكان ما كتب عنه بمثابة حبال زينة أجادت توديعه وزفه إلى مثواه الأخير.
وفيما يلي سياحة في أهم المقالات التي قدمتها الصحف كافتتاحيات خاصة أو ما اجترحه أصحاب أعمدة الرأي والمختصين عن فعل غياب الأديب والوزير والمثقف الليبرالي السعودي غازي القصيبي.. أليس كل غياب حالة حضور؟

الأخبار اللبنانية.. ترك ساحة المعركة

القصيبينبدأ من الأخبار البنانية التي قدمت تغطية مميزة جاء أبرزها في مقال "بدر الإبراهيم" الذي عنون "غازي القصيبي ترك ساحة المعركة.. أحد الوجوه الرائدة في الثقافة السعوديّة".
حيث ذكر الكاتب أن صاحب «شقة الحريّة» لم يكن أفضل روائيي السعودية ولا أعظم شعرائها، لكنه كان الأكثر حضوراً وإثارةً للجدل. الدبلوماسي والوزير والكاتب الذي رحل يوم الأحد بعد صراع مع المرض، خاض معارك لا تحصى، وترك وراءه إنتاجاً أدبياً غزيراً.ومما جاء في مقال بدر الإبراهيم:

غازي القصيبي (1940 - 2010) ليس رجلاً عادياً. لذلك لا يمكن أن يكون غيابه عن المشهد السعودي عادياً. صاحب المواهب المتعددة أغمض عينيه للمرّة الأخيرة أول من أمس، بعد رحلة طويلة ترك فيها أثراً مهماً في مجالات عدة، من الشعر والرواية إلى الدبلوماسية والوزارات المتعددة التي تقلّدها في حياته.
لم يكن أفضل الروائيين ولا أعظم الشعراء الذين أنجبتهم السعودية، لكنه كان أكثرهم إثارةً للجدل. وقد سمح له عمله العام، وإنجازاته الوزارية في نهاية السبعينيات، باكتساب شعبيةٍ إضافية جعلت حصر شهرته في الإطار الأدبي أمراً صعباً.
لقد كان ذكاؤه في التعاطي مع الإعلام سبباً لبروزه على حساب آخرين يفوقونه موهبة ربما، إضافةً إلى غزارة إنتاجه وتعرّض الكثير من أعماله للمنع الرقابي. كذلك، كان دخوله في صراعاتٍ شرسة مع تيار الصحوة الدينية عاملاً إضافياً لإثارة المزيد من الجدل حول شعره ورواياته.
صاحب «العصفورية» الذي تجاوز السبعين، رحل بعد صراع مع المرض استمر عاماً لم يتوقف خلاله عن الكتابة. وكان لرحيله أثر بالغ في الوسط الثقافي السعودي، هو الذي كان يُعدُّ من أهم من يذكرون عند استعادة الأدب السعودي المعاصر.
اشتُهِرَ في بداياته شاعراً، وصدرت له دواوين عدة: «اللون عن الأوراد»، و«أشعار من جزائر اللؤلؤ»... لكن ديوان «معركة بلا راية» يبقى الأشهر بالنظر إلى الضجة التي أثارها عند صدوره في بداية السبعينيات، إذ توافد المعترضون من المتدينين والمحافظين إلى الملك فيصل لحثّه على معاقبة الشاعر، وأُلّفت لجنة وزارية لمحاكمة الديوان انتهت إلى عدم وجود ما «يتعارض» مع الدين والخلق.
كذلك، كان للشعر أثر كبير في حياة غازي الوزارية. بعد نشر قصيدته الشهيرة «رسالة المتنبي الأخيرة إلى سيف الدولة» التي عاتب فيها الملك فهد لاستماعه إلى «الوشاة»، أُعفي من منصبه الوزاري قبل أن يصبح سفيراً في البحرين.

وخلال الانتفاضة الثانية في الأراضي المحتلّة، كتب قصيدة امتدح فيها العمليات الاستشهادية في فلسطين، ذاكراً بالاسم الاستشهادية آيات الأخرس. وكانت النتيجة أن طالبت بريطانيا بإقالته من منصبه سفيراً للملكة السعوديّة فيها... هكذا عاد إلى الرياض معرباً عن عدم دهشته: «ما من موقف يمرّ بلا ثمن».
في منتصف التسعينيات، أصدر باكورته الروائية «شقة الحرية» (الريس - 1994) التي تحكي قصة أربعة شبان من البحرين يكملون دراستهم الجامعية في القاهرة. وعزز القصيبي في هذه الرواية صورة «الناصري التائب» التي اكتسبها بكتاباته السابقة وبسلوكه السياسي. وكانت الرواية نسخة سعودية عن أدب «عودة الوعي» الذي انتشر في العالم العربي بعد النكسة، ويُدين «الحلم الخادع» الذي عاشه الجمهور العربي في فترة الستينيات، ويكرّس ثقافة الهزيمة.

هذه الرواية نالت شهرةً واسعة، وطُبعت مراراً، وتحولت إلى مسلسل تلفزيوني. ورغم أنها تحاكم الناصرية وتمجّد خصومها (بطريقة غير منطقية وساذجة أحياناً)، فإنها ظلت ممنوعة لفترة طويلة في السعودية قبل السماح بها في السنوات الأخيرة.

ثم توالت الأعمال الروائية، فكانت «العصفورية» و«أبو شلاخ البرمائي»، وقد جنح فيهما إلى السخرية اللاذعة من الأوضاع العربية، وأصدر رواية «دنسكو» التي ينتقد فيها الأونيسكو بعد فشله في الوصول إلى منصب مدير هذه المنظمة الدولية. كذلك أصدر «سبعة»، و«سعادة السفير»، و«الجنية».
إلى جانب الشعر والرواية، كتب مجموعة كتب ضَمَّنها مقالات متنوعة، بعضها نُشر في الصحف، أشهرها «في عين العاصفة» وهي سلسلة مقالات كتبها أثناء حرب الخليج الثانية. كذلك دخل في جدل فكري مع مجموعة من مشايخ الصحوة الدينية مثل ناصر العمر وسلمان العودة في كتاب «حتى لا تكون فتنة» الذي أثار نقاشاً واسعاً في السعودية. نشر القصيبي أيضاً جوانب من حياته الإدارية التي تنقّل فيها بين الجامعة والوزارة والسفارة في كتابه «حياة في الإدارة». وأحياناً كان ينشر خواطر في كتيّبات صغيرة، ما جعل إنتاجه شبه سنوي.

كانت للقصيبي قدرة عجيبة على تنظيم الوقت. إلى جانب مسؤولياته المتعددة، لم يترك الكتابة والشعر. وقد نجح نجاحاً ملحوظاً في معظم المجالات التي دخلها، بغض النظر عن قيمة أعماله الكتابية والإدارية. وكان أذكى من تعاطى مع الإعلام، فتحوّل ظاهرةً على المستوى السعودي. مهما اختلفت الآراء بشأن الرجل، يبقى الإقرار واجباً بكونه ترك بصمةً حقيقية في التاريخ السعودي، شعراً ونثراً وحياةً إدارية.
رحل القصيبي، وترك ما كتبه إرثاً. هكذا أراد، وعبّر عن إرادته هذه في قصيدته الوداعية «حديقة الغروب»: «لا تتبعيني... دعيني... واقرئي كتبي، فبين أوراقها تلقاكِ أخباري». غيابه سيترك بلا شك فراغاً على الساحة السعوديّة والعربيّة...

الحياة اللندنية.. طوفان من مشاعر الحزن

صحيفة الحياة اللندنية قدمت مجموعة كبيرة من مقالات الرأي التي تنوعت خلفيات كتابها والأجيال التي عبرت عنهم، فكتبت "طفول العقبي" الكاتبة السعودية من لندن مقالا عنونته: "غازي القصيبي ... أيقونة الخلود" جاء فيه:

مغويةٌ هي الحياة! تترك لنا تلك المساحة من السراب اللا متناهي، نركض في دهاليزه، نشرب من ينبوعه، يتعاقبنا نهاره وليله. لا نشعر بأن عجلة الحياة ستقف يوماً أو على حين غِرّةٍ، هكذا من دون مقدماتٍ ولا مبررات!
في صباح الخامس من رمضان ضجّ رنين هاتفي بترنيماتِ حزنٍ مفاجئة! مخيفٌ أن تشعر بأن الغياب غيابٌ أبديٌ وليس موقتاً تماماً كما نتمنى أو كما يمنينا الأمل!
تمر أمامي صورٌ مختلفة! تختلط ثم تنطلق في الفضاء وتتناثر كنجومٍ مشعة كقناديلَ مشتعلةٍ كأكاليلَ من العوسجِ والياسمين. غازي القصيبي عرّابي وأبي الروحي، هذا الاسم الذي يحمل في ثناياه جزراً من اللؤلؤ وعناقيدَ من التجارب المميزة التي تتدلى اليوم فوق عرش نعشه مشكِّلة أيقونةَ الخلود.
لا أعرف من أين لي أن أبدأ وكيف سأنتهي! وأنا أقف حائرة أمام المشهد أحاول أن أطرد تلك الغيوم الملبّدة فوق عيوني.
غازي القصيبي تلك القامة الفارهة، وذلك الغصن العنيد في خضرته. غازي القصيبي رجل الإدارة المحنّك، السياسي غير المسيّس، الشاعر العذب، الطفل الشقي، الشاب المتمرد، الصديق الحاضر، الجار السخي، والمستقبل الذي نحلم أن يكون.

أطالع الصحف وتتردد أمامي كلمة رحل ورحيل تربكني هذه الكلمة بكل ما تحمله من معنى أبدي وقاسٍ للغياب. أهرع إلى مكتبتي التي تصطف في الجزء العلوي منها كتب غازي شعراً ونثراً فكراً وأدباً، كانت كل تلك الإهداءات المميزة باسمي بمثابة أجنحة للحلم، أعماله الناجحة والتي جعلتني أبكي أحياناً وأضحك بصوت عالٍ أحياناً أخرى تطل عليّ من نوافذه المشرَعة من بين أغلفة كتبه المفزوعة اليوم، شعرت بأن أيدي غازي الكثيرة امتدت إليّ ربتَت على كتفي. حينها تأكدت أن غازي لم يرحل ولن يرحل، هو باقٍ فينا، يعلمنا ويخجلنا بمواقفه وتجاربه التي لم يتركها لنفسه بل أشرك بها أجيالاً وأجيالاً.
كشريط سينمائي تمر أمامي صورُ غازي القصيبي، أتذكره عندما تسلّم وزارة العمل وزيراً (كووول) يلبس الجينز والقبعة الشبابية وبضحكته المجلجلة يشارك الشباب العمل بعفوية فنان واستراتيجية إداري يطمح أن يغير الوطن للأفضل.

أتذكره في تلك المقابلة الفذّة له مع كوثر البشراوي على قناة الـ MBC أواخر التسعينات حينها وعلى رغم صغري العمري هتفت من أعماقي بصوت عالٍ لابد أن أقابل هذا الشاعر الساحر. وقد ظننت أن تلكَ الأمنية الطفلة ضاعت وسط ضحكات أسرتي من أمنيتي لحظتها واحمرار وجهي. غير أنه لا يلبث أن يشاء القدرُ فتشرق شمس غازي على عالمي بسخاء، كان ذلك قبل أقل من عامين، كنت أحاول أن ألمح تلك الخلطة الساحرة التي تمتع بها غازي وهو يسألني عن أحلام الشباب وأمانينا للوطن وللمستقبل، كان يستمع إليّ بحنوّ أبٍ، بخشوع راهبٍ، وبإنصات صديقٍ. واليوم وأنا أشهد عبَرات العصافير وبكاء السماء لرحيله، تحيط بي صور غازي المتعددة وتطل على أفقي من جديد، ستظل رسالته لي عن كتابي الأول «طفولة سعودية» مدخراً ملهماً وسيظل مداد القلم الذي أهداني مشكاة ضوءاً لا ينضب.
لم يعبر غازي الحياة ليرحل! عبر غازي الحياة ليبقى يحيا بداخلنا الأمل بالأمس واليوم وغداً.

أما الناقد "شوقي بزيع" فكتب مقالا نقديا في الحياة عنونه "الديوان الذي باغت القصيبي به نفسه!" حيث جاء فيه:

لم يسبق لي أن تعرفت إلى الشاعر السعودي الراحل غازي القصيبي معرفة شخصية ولا شاءت الصدف ان ألتقي به ولو مرة واحدة خلال ملتقيات الشعر العربي ومهرجاناته. لكن ذلك لم يكن ليمنعني بأي حال من قراءة الكثير من مجموعاته ومؤلفاته الشعرية والأدبية التي ظلت تحتفظ لنفسها بنكهة مميزة هي أقرب الى الرشاقة والرقة والهم الجمالي منها الى الشعرية المتصلة بالكدح الذهني والمعادلات العقلية والفلسفية. لقد بدا الشعر في معظم أعمال القصيبي محاولة دائبة لجعل الحياة أكثر خفة وقابلية لأن تعاش في عالم القسوة والفظاظة وخراب القيم. وهو قد توسل لتحقيق ذلك لغة شفافة وآهلة بالإيقاعات والقوافي المتناغمة مع حاجة الشاعر الى الفرح والاستكانة ومعابثة العالم. وكانت لغته اللينة وتلويناته الصورية والصوتية تقربه الى حد بعيد من مناخات الكتابة «الشامية» التي تجمع بين طراوة نزار قباني وحسينة الكرنفالية الشهوانية من جهة وبين المدرسة الجمالية اللبنانية التي تحتفي باللغة المصقولة وأناقة التعبير وتوشيته من جهة أخرى.

تقع تجربة غازي القصيبي، بشقيها الخليلي والتفعيلي، في خانة ما يمكن تسميته بالكلاسيكية الجديدة. لذلك ظلت علاقته بشعراء الحداثة ملتبسة ومحكومة بالتوجس المتبادل. ومع ذلك، فإن قلة من الشعراء والمتابعين قد انتبهوا الى النقلة المفاجئة وغير المتوقعة التي حققها الشاعر من خلال مجموعته الاستثنائية «سحيم» التي أطلقت شاعريته، المحافظة نسبياً، من عقالها ووضعتها في قلب الحداثة الشعرية العربية. فنحن هنا امام عمل شعري شديد التكامل والتنوع والتناغم بين عناصره. ذلك ان الشاعر استطاع من جهة ان يطلق قصة سحيم، عبد بني الحسحاس، الذي عُرف بفحولته وجاذبيته النسائية وسطوته على النساء البيضاوات، من إطارها الزمني الظرفي الى فضاء المطلق ورحابته. انها المعادل الآخر لقصة عنتر العبسي سوى ان سحيم لم يقسم فحولته بين النساء والسيوف ولم يتعرف إلى لمعان ثغورهن بل من خلال المغامرات العاطفية المشبوبة التي جعلته لا يرتضي بامرأة واحدة. انه مزيج من عنترة وعمر بن ابي ربيعة، من الانتقام للسواد المهان عند الأول ومن الوصف الحسي وتلمس السعادة عبر الجسد الأنثوي المتكرر الظلال عند الثاني.
غير ان بيت القصيد في هذه المجموعة ليست القصة او الفكرة وحدها بل ذلك الانسياب الشعري الذي يتدافع كالنهر من أول الحكاية حتى آخرها ومن مقطع الى مقطع. ثمة تداخل في الأصوات والأزمنة والضمائر بقدر ما تتداخل الرؤى والأطياف والمشاعر المتناقضة والملتبسة، وبقدر ما تتداخل ايضاً ابيات سحيم بسطور القصيبي ووجدانه بوجدانه والأنا الأولى بالأنا الثانية في عملية تماهٍ نادرة. في هذه المجموعة تتحد الأضداد وتتصارع الخيارات فوق سطح واحد: الخير والشر، الجسد والروح، الذكورة والأنوثة والحرية والاستعباد:

«أنا عبد وحرُّ/ سميّة كانت مليكة كل النساء/ وكنت أنا العبد، كنت/ مليك جميع الرجال/ وحين اعتنقنا تصادم ليلٌ وفجرُ/ وفي الانفجار تحوّلت الأرض عرساً/ وجاء الشهود».

وكما الرؤية والمعنى كذلك اللغة والأسلوب والجسد البلاغي للنص. فالشاعر الذي يسلم القياد للتداعي العفوي في السرد واللفظ والتقفية يعمد أحياناً الى استخدام مهاراته البلاغية من خلال الطباق والجناس والإحالة والتناظر. لكن ذلك يأتي بلا كلفة ولا افتعال لا بل انه يصب في خدمة المعنى وتطوير الدلالة، كما هو في المقطع التالي الذي يلعب فيه الشاعر، عبر قناعه التاريخي، على اسم «سمية» واشتقاقاته الكثيرة والمؤثرة بما يخدم المعنى والقصد من ناحية ويخلق من خلال تكرار الحروف الصوتية مناخاً موسيقياً بالغ الجمال من جهة أخرى:

وأهمية مثل هذه النصوص انها لا تنجح في الإفلات من الآثار الجانبية السلبية للمحسنات البديعية والتزيين البلاغي والمهارات اللفظية فحسب بل انها تنجح في تطويع الشكل وترشيقه. بما يتلاءم مع طبيعة الموقف المعبَّر عنه والمعنى المراد إيصاله الى القارئ. كما ان تكرار حرف السين، وهو حرف صوتي بامتياز، يحول الشعر هنا الى نوع من الزقزقة التي تشبه زقزقة العصافير، والتي تتوافق أتم التوافق مع حالة العشق والوله التي يعبر عنها القصيبي بلسان بطله الذي يعرف كيف يتلاعب عن طريق اللغة بمشاعر النساء وعواطفهن. فالقصيبي يعرف بحسه الذكوري وخبرته العاطفية وحساسيته الشعرية المفرطة ان اللغة هي إحدى المفاتيح الأكثر نجاعة وفاعلية لولوج قلب المرأة والاستحواذ على إعجابها ولأنه يتقاسم مع سحيم افتتانه بالنساء وباللغة على حد سواء فهو يحول بطله «الاستشهادي» الى قناع له ويحمله بالتالي كل ما يختزنه في داخله من لواعج وشجون إزاء النساء اللواتي أحبهن واللواتي يتحولن الى ظلال متعددة لروح الانوثة الابدية التي تجرنا وراءها، كما يقول الشاعر الألماني غوته. وليس من الغرابة تبعاً لذلك أن تتعدد أسماء الحبيبات المقصودات بالخطاب بين سمية وأسماء وعميرة ومي وهند وبثينة وغيرهن فيما يحافظ الخطاب الشعري على وتيرته الساخنة والقلب على توتره وخفقانه. وحين يخطئ سحيم من دون قصد في تسمية احدى عشيقاته التي تسارع الى لومه ومعاتبته يقول لها: «أنا، هند، عبد الجميلات/أصبو لكل الجميلات/ لكن بعض الجميلات يعبرن مثل السحابة/ بعض الجميلات يرسخن في الروح كالنخل...».
ثمة في ديوان «سحيم» ما يظهر معرفة الشاعر العميقة بعلم النفس وبالكثير من وجوه التحليل النفسي لشخصية سحيم كما للشخصيات الأخرى. فسحيم لا يجد ما يرد به على استعباده من قبل بني الحسحاس كما على سواد لونه سوى شعوره العارم بفحولة طاغية لا يمتلكها أسياده المترهلون من الترف، لذلك فإن اندفاعه الشهواني الأهوج يجيء انتقاماً من هؤلاء الاسياد المستبدين من جهة وهجوماً على الحياة الجائرة التي حرمته من حقوقه الانسانية المختلفة من جهة أخرى. كأن سحيماً هنا يواجه سلطة المجتمع الاستبدادي والعنصري عبر سلطتين اثنتين توفرتا له في آن هما سلطة اللغة والجسد الفتي، وكلاهما معاً ضرب من ضروب الفحولة.

أما الوجه الآخر للتحليل النفسي فيظهر من خلال افتتان نساء بني الحسحاس بعبد قبيلتهن الأسود متجاوزات عقدة التفوق الاجتماعي وعقدة اللون والوسامة والشكل. فالنساء اللواتي افتتن بسحيم لم يفعلن ذلك بسبب وسامته النادرة، كما الحال بالنسبة لزليخة ويوسف النبي، بل لسبب معاكس تماماً ومتصل بجمال القبح، إذا جاز التعبير، حيث ينجح هذا الأخير في استثارة الغرائز الفطرية والشهوات غير المروضة. وهذه الظاهرة يتكرر التعبير عنها في الآداب العالمية المختلفة حيث يتكفل كل من الشهوة والحب في ازالة الفوارق بين الطبقات والأعراق والأعمار. اضافة الى مسالة أخرى تتعلق بما يمكن أن نسميه «حسن الغريب». فالعادة عدوة الجمال، كما يقول بعض المفكرين، لأنها تفسده بالتكرار والرتابة الباعثين على الضجر، في حين أن الغريب والوافد يحتفظ بسحره الخاص الناجم عن الغموض والمباغتة والفضول. وهو ما نرى نظائره في «ألف ليلة وليلة» حيث النساء، كما المدن، يسلسن قيادهن وزمام أمورهن للغريب الوافد.

ثمة بعد قدري في شخصية سحيم، كما يرسمها بنجاح غازي القصيبي، حيث يبدو البطل مشدوداً الى مصيره المأسوي من دون إبطاء وحيث تقوم علاقة ثنائية جدلية بين الحب والموت وبين الشهوة والألم، وهو ما يظهر في غير موقع من الديوان. فحين تطلب أم سحيم من ابنها أن يعلن ندمه وتوبته يرفض الأمر لأنه يرفض أن يخون معنى حياته الموزع بالتساوي بين الشعر والغيد، وفق تعبير الشاعر. وإذ تبدي أم الشاعر خوفها عليه من الاغتيال والقتل يتساءل مندهشاً: «أموت؟ متى خفت من ضمة الموت؟!»، بما يجعل شخصية البطل تراجيدية بامتياز وقريبة من التراجيديا الإغريقية أو الشكسبيرية. لكنه في أي حال ليس وحيداً على جلجلة الحب القاتلة تلك بل ثمة كثيرون في صحراء العرب شاركوه ذلك المصير الفاجع بدءاً من العذريين الذين قادهم الحب الى الجنون والعزلة والهلاك ووصولاً الى وضاح اليمن الذي دفنه الوليد بن عبدالملك حياً في أقبية قصره بعد أن استشعر خيانته له.
يبقى القول أخيراً بأن غازي القصيبي في ديوانه «سحيم» قد ترك لنا ولقرائه جميعاً أحد أجمل دواوين الشعر العربي المعاصر. لكن هذا الديوان لم يكن مأثرة الشاعر فحسب بل كان مأزقه وتحديه ورهانه الأهم على مواجهة الموت.

كما كتب رئيس تحرير صحيفة الحياة اللندنية "غسان شربل" مقالا عنونه "كما تهرب نجمة" وجاء فيه:

هذه قصة قديمة. لا تتغير. لا تدوم الحلبات للملاكم اللامع. تكمن له. تراقبه مندفعاً يسدد الضربات. والأحلام. والأوهام. تخدعه وتحرضه. لينزف كل ما في عينيه من البرق. كل ما في دمه من المواعيد. كل ما في مخيلته من الأجراس. ثم تجلس تراقبه. تتراخى القبضة. يتقوس الجسد المديد. تهرم الالوان في قوس القزح. كان غازي القصيبي ملاكماً. يلاكم الحلبات وهي غدارة. ويلاكم العمر وهو غدار. ويلاكم الحبر وهو استاذ عريق في معهد الغدر القديم.
كان غازي القصيبي مصاباً بنار تقيم في داخله. انها النار التي تلازم الأنقياء الأقوياء. يريدون فتح نوافذ الغد لبلدانهم. ويريدون وقف مواسم القحط في امتهم. ويريدون عزل جينات الوهن. والتصدي للافكار التي تديم السلاسل وتنجب المزيد منها. كان من حزب النوافذ. يلتفت الى تاريخ الامة فيصيبه الغضب من اضاعتها درب المستقبل. ويصيبه الغضب ايضاً من اطباء متحجرين تساهم عقاقيرهم في تعميق آبار الظلام بدل ان تفتح كوة في الليل الشاسع المطبق على عقول الكبار ودفاتر الصغار.
بعض الرجال يمر كأنه لم يولد. لا يستفزه ظلم ولا يجرحه ظلام. لا يغويه برق ولا يستوقفه منعطف. لا تحفزه فكرة ولا تنتابه قصيدة او اغنية. لا يتحداه كتاب ولا تأسره عينان يعجز القاموس عن اسرهما. لم يكن غازي القصيبي من حزب السلامة. لم يستسغ العيش المهادن. والإقامة في مواقع المتفرجين. لا تبنى الاوطان على مناكب عشاق السلامة. ولا ينصاع الحبر لمن يفضل المظلة على المغامرة والمخاطرة.
كان غازي القصيبي مصاباً بنار تقيم في داخله ولا تنام. كان يريد ان يذهب ابعد. وان يكون مميزاً ومختلفاً اخلاصاً منه للعنة الأنقياء والأقوياء. لم يسمح لقفازات الديبلوماسية ان تغتال قدرته على الغضب حين يسترسل الظلم في غيه. ولم يسمح لانشغالات الوزير ان تدفع الشاعر الى النسيان والكاتب الى التقاعد. وببراعة صاغ ميزان التعايش في شخصه بين انشغالات واهتمامات واختلاجات. ميزان التعايش بين جدوى الواقعية وجدوى التمسك بالأحلام.
كان غازي القصيبي مصاباً بسلوك العاشق. وبهاجس الإنجاز. وكانت التحديات تضاعف عزمه وألقه. يهوى الاقامة «في عين العاصفة». ويستريح في «شقة الحرية». ولا يخشى ان يكون اول من يبادر وان تكاثرت عليه السهام. كان يستعذب الاقامة في قلب الجدل. وقلب المحاولة. وقلب الحياة.
في «الزهايمر» الاقصوصة التي خانه القلب قبل ايام من صدورها يلاعب الملاكم المسجى على الألم الموضوعات الكبرى: الموت والحب والنسيان والذكريات والشيخوخة. يستخدم اسماء واقنعة لكنها سرعان ما تسقط ليتكشف ان الملاكم يبوح بهواجسه واوجاعه.
كان غازي القصيبي مصاباً بلعنة اللامعين. يريد ان يترك بصمته اينما حلَّ. في مجلس سرعان ما يطغى حديث الادب فيه على حديث السياسة. وفي مكتب مشغول بالتقدم والاستقرار والتحديث وحماية الشباب السعودي ممن يصطادون في مناخات التعثر واليأس وانسداد الافق. كان السفير يختتم نهاره الطويل بالانفراد باوراقه. ومثله يفعل الوزير. الورقة البيضاء كانت حربه وسلامه. حبر العمر وذهب العمر. خيط الود مع محبيه وهم كثر. وخيط الحوار مع منتقديه وليسوا قلائل.
تعب الملاكم واتخذ الافق شكل يد تلوح. وعلى عادة الكبار غادر الشاعر هادئاً كما تهرب نجمة من تعب السهر لتنام بين سطرين.

كما كتب "زياد بن عبدالله الدريس" مقالا عنونه في جريدة الحياة "غازي القصيبي بين الحياة و«الحياة" وجاء فيه:

عنوان هذه المقالة وضعته الأسبوع الماضي ، حين استلمت نسخة من أحدث إصدارات غازي القصيبي : (الوزير المرافق)، من الصديق الكاتب يحي إمقاسم الذي عرض للكتاب الجديد عرضا ً موسعاً ومشوقا ً فوق التشويق القصيبي المعهود بالطبع (صحيفة الحياة 10/8/2010م).
قرأت العرض صباحا ً واستلمت الكتاب مساء ً. كنا نتحدث، يحي وأنا، عن حالة غازي الصحية الحرجة التي دعته لدخول العناية الفائقة.
قلت بما أن الوضع الصحي بلغ هذا الحرج فسأجعل مقالتي الأسبوع القادم فورا ً عن الكتاب، لعل غازي يسر بقراءة المقالة، وفي الحقيقة أني أنا الذي كنت أطمع أن أسر بقراءته لمقالتي هذه!
ولأن الوضع الصحي أصبح حرجا ً لدرجة ظهور العبارة المخيفة: «غازي بين الحياة والموت»، فقد قررت أن أجعل العنوان هو (غازي بين الحياة والحياة)، الحياة الأولى هي التي يزاولها سائر الناس والحياة الثانية هي التي يختص بها أمثال غازي القصيبي من الكائنات الحية التي تستمر حية حتى بعد موتها. كما لا يخلو العنوان من إسقاط على اسم صحيفة الحياة التي كانت آخر المحتفين بأعمال غازي قبل موته.
هذه هي حكاية المقالة وعنوانها، لكن القدر كان أقدر وخلال خمسة أيام بين ولادة هذه المقالة ووفاة ذلك الغازي، أن يحيلها إلى مقالة رثاء وتأبين .
عنصر الدهشة في كتاب (الوزير المرافق) ليس جَلَد القصيبي على الكتابة والتأليف حتى في أحلك الظروف، ولا أسلوبه السلس الذي ألفناه وعهدناه منه، ولا التقلبات المتمكنة والمحكمة له في مجالات الكتابة بين الرواية والسياسة والإدارة والسيرة والشعر، حتى إنه حيّر الناس وأربك الصحف فيما يمكن تسميته ووصفه به، فلم يجدوا أفضل من أن يصفوه بأنه: غازي القصيبي!
الدهشة في هذا الكتاب الأخير، أو ما قبل الأخير بالأصح، هو هذه القدرة المتقنة عند القصيبي للكتابة في مواطن الغضب والتأزم والمسكوت عنه. ثم يخرج سالماً معافى.
لطالما كُتب الكثير عن أزمة «ثنائية السياسي والكاتب»، وكيف يمكن للمثقف الكاتب حين يتحول إلى سياسي مسؤول أن يستمر في نهجه الكتابي دون أن يسبب حرجاً لمنصبه؟!
لم يكن المخرج من تلك الإشكالية سوى تحوّل الكتّاب المسؤولين إلى الكتابة في المناطق الرمادية تلك التي لا تثير نقعاً ولا صليلاً!
غازي القصيبي بمهارة مذهلة استطاع أن يقبض على المعادلة .. فيحتفظ بصورته المتفردة : كاتباً مثيرا ُ ومسؤولاً مرموقاً. في آن.
للحق، لم تتجل هذه المهارة القصيبية في كتابه الأخير فقط ، بل قرأناها في كتبه (حياة في الإدارة)، (سعادة السفير)، (أمريكا والسعودية)، (أبو شلاخ البرمائي) وغيرها من كتبه الأخرى المثيرة للجدل . الجدل عند الناس، لكن ليس عند غازي المتوافق والمتصالح مع نفسه .
في كتابه (الوزير المرافق) يتحدث عن جيمي كارتر وكأنه يتحدث عن زميله في الدراسة، أما انديرا غاندي فهي ابنة جيرانهم، والعقيد القذافي ولد حارتهم الشقي!
يصف كارتر بأنه (كان حريصا على إرضاء الجميع مهما كانت مذاهبهم ومشاربهم ، وقد انتهى به الأمر بإغضاب الجميع من كل المذاهب والمشارب)، لا يقول غازي هذا الوصف عن كارتر دون أن يحمّله رسالة مبطنة من قناعات غازي نفسه. وعلى نفس المنوال يروي عن أنديرا غاندي قولها: (لقد كانت الرغبة في فرض التطور غلطة الشاه الأساسية، وكانت غلطة أتاتورك قبله. لقد تصوروا أن التغيير يمكن أن يتم بقرار حكومي. هذه نظرة خاطئة. الناس أنفسهم هم الذين يحددون سرعة التغيير ولا يمكن أن تفرض عليهم الدولة أن يتغيروا حسب هواها)، هذا دون شك هو رأي وقناعة غاندي الهند وغاندي السعودية أيضا!
أما حديثه عن ومع العقيد المعقد فهو ما لا يمكنني الاقتباس منه لأنه كله اقتباس.

أما الكاتب عبدالعزيز السويد فكتب مقالا في صحيفة الحياة اللندنية عنونه "طهارة يد" جاء فيه:

ما الذي ميّز الدكتور غازي القصيبي عن غيره؟ ربما يقال، مع المنصب..، ثقافة برزت في جملة من المواهب الإبداعية، فهو لم يكن وزيراً وسفيراً فقط بل شاعراً وناثراً وروائياً، قد يكون في هذا جانب من الصحة، لكن هناك أمراً بل أموراً أخرى، بحسب تقديري، أولها أن القصيبي لم يكن متهافتاً على الكرسي، يمكن استشفاف ذلك من جملة مواقف، كتابه حياة في الإدارة واحد منها إذا وضعنا في الاعتبار الظروف التي نشر فيها، إنه أول كتاب - بحسب علمي- يخطه مسؤول عن كواليس العمل الإداري الأعلى، والمؤلف لا يزال في قمة العطاء، بمعنى أن له طموحاً مشروعاً ورؤية في التنمية، وفي الإدارة كان الدكتور غازي الوزير يفوض الصلاحيات لمساعديه إلا أن هيبته كانت موجودة وحاضرة، لأن تفويض الصلاحيات من دون حضور قوي قد يؤدي إلى نتائج سلبية، أما الميزة الأكبر بل الأعظم لشخصية القصيبي الفريدة فهي معاصرته مشاريع ضخمة وتولي بعضاً منها، في الصحة والكهرباء والصناعة بمشاريعها المتعددة، عايش طفرات ضخ مالي كبير ومع ذلك لم تظهر إشاعة واحدة تنال من ذمته المالية، طهارة اليد هذه جعلت حتى من تصيبهم الغيرة من حضوره - وكلنا بشر - لا يستطيعون سوى التوقف أمام هذا السد المنيع، وفي المقابل يتذكر من عرفه عن قرب من موظفي مكاتبه كيف كان يوزع راتبه على صغار موظفين، ويرسل لهم بطاقات التهنئة موقّعة بخطه، كان غازي القصيبي في الصعود الإداري مثل صاروخ أو لنقل مثل مصعد كبير نقل معه عدداً لا بأس به ممن رأى فيهم كفاءة إلى أعلى المراتب الإدارية فكثر حوله الأصحاب، وفي قصيدة نقلها على «العربية» الشيخ الدكتور سلمان العودة اشتكى من تخلي أصدقاء عنه في أواخر حياته.
كانت السفارة هي الفاصل بين فترتين من حياة غازي القصيبي الإدارية، حقق النجاح شعبياً في الأولى منها، ولم يتحقق له مثيل له في الثانية، ويلاحظ أن قطاع الأعمال كان صديقه في المرحلة الأولى وخصمه في الثانية، فهو صديق أثناء الضخ وخصم أو متمنع عند العطاء، من هنا لا يستغرب أن تكون فترة وزارة العمل فترة غير سعيدة في حياة الدكتور رحمه الله تعالى، ظهرت إشارات إلى ذلك في كثير من التصريحات والمقابلات الصحافية، لا ينسى أنه استطاع بذكاء تأسيس شراكة مع الصحافة، عند بدايات المسؤولية تمكّن من استثمارها، في الصحة والكهرباء والصناعة، كان أول من استخدم الإعلام كسلطة ميدانية في مجتمع محافظ، وأعلن أول حالة رشوة خسرت بسببها شركات كورية فرصاً كبيرة، ولم يكن الصحافيون يرون في الوزير غازي خصماً أو مسؤولاً متحصناً في مواجهتهم، حتى وإن كان له رأي فيهم أو في بعضهم، وعندما حاول البعض تقليده لم يكتب لهم النجاح.

أما الكاتب "جميل الذيابي" فكتب مقالا عنون "الفقيد غازي يكتب "حراً"" جاء فيه:

ارتعدت اليد وسقط القلم، فنزف حباً وحبراً وفكراً وشعراً ونثراً في غياب عراب التجديد. كيف لا؟! وهو يبحث عن كلمات تليق بعزاء ورثاء غازي القصيبي، فقيد المملكة العربية السعودية الشاسعة والوطن العربي الكبير، وفقيد أصدقاء كثر في أرجاء المعمورة.
رحمك الله يا غازي.. وألهم الله زوجتك وأبناءك وأسرتك وأهلك الصبر والصبر والصبر. نُقل خبر وفاة أبي سهيل صباحاً، في خامس أيام شهر رمضان الكريم 1431هـ.. في شهر الرحمة والمغفرة والخير والبركات.
رحمك الله يا غازي.. فلم تكن فقيداً لعائلة صغيرة يا أبا سهيل، بل فقيد كل عقل عربي يبحث عن التغيير والتفكير والتقدير.
نظرت إلى صورة قديمة تجمعني بالوزير والشاعر والديبلوماسي القدير غازي، فاجتاحتني عاصفة من الألم والحزن، وسقطت من عيني دموع محبة تقديراً لرجل قدره كبير في نفسي، ولا اعتراض على قضاء الله وقدره.
عرفت القصيبي دؤوباً، يسأل عن الكل، ويتمحص العبارات، ويفحص الكلمات، ويشجع كل عقل جديد وكل صاحب مشروع جريء يأتي بمصلحة الوطن أولاً.
عرفته سنوات طويلة، وفي كل مرة أجده كما كان، وفياً وكبيراً لا يتغير، بل في كل مرة ألتقيه فيها أشعر بكبر قلبه وعقله وديبلوماسيته وحيويته وحبه للعلم والتعليم.
عرفته وهو سفير، وقبلها وزيراً، وبعدها وزيراً، وقبل هذه وتلك كان غازي الإنسان المثقف والشاعر والروائي المتقد بالأحاسيس والمحب للعمل ولكل الناس.
أعذرني أبا سهيل، فقد سقط القلم من يدي مرة ثانية وثالثة، وتساقطت من عيني دموع حزن وألم كبير يعتصران قلبي لفقد رجل مختلف مثلك، وجدناه مثالاً للتغيير والتصالح مع نفسه وذا الوجه الواحد في زمن تتشكل فيه الوجوه وتتنوع وتتعدد وتتسع بينها المسافات والحسابات.
لقد عبر غازي بفكره إلى محبيه وقرائه، من المحيط إلى الخليج، بطرق «غير مفروشة» بالورد، بعد أن واجه تحديات أصحاب «الحسابات» والأصوات «النشاز» بكل قدرة وشجاعة في مراحل عمرية، لا خيالية كما يكتبها البعض، من وراء جدران «عنكبوتية» وتحت أسماء مستعارة.
لقد كان القصيبي بشعره ونثره وفكره يرنو إلى بناء إنسان متسامح مفعم بالحب ومهموم بإشغال العقل لخدمة الإنسان. لقد كان عندما تسن الأسئلة أمامه تأتي إجاباته «غازية» مقرونة بالأدلة والأسئلة وعمق التفكير.
رحل غازي بعد أن نجح في وضع علامات استفهام وتعجُّب عند المؤيدين والمختلفين معاً، لأنه كان صاحب الوجه الواحد الذي «يبش» بالصراحة، ويملك الشجاعة عند المواجهة أو المقاومة.
رحل غازي إلى الرفيق الأعلى وأنا مازلت أقرأ كتابه الجديد «الوزير المرافق»، فهو - كما يقول محبوه - لا يزال بيننا يكتب حراً.

وكتبت الروائية رجاء الصانع مقالا في جريدة الحياة اللندنية عنونته "كان ولا يزال أروع ما في حياتي" حيث جاء فيه:

كنت في الثامنة من عمري عندما دخلت أمي إليّ المنزل وهي تبكي على كتف أخي الأكبر، وعندما سألت أخي الثاني عن سبب دموعها التي لم أرها قبل ذلك اليوم قال لي: بابا توفي، الله يرحمه. قد يقول الناس إن طفلة في الثامنة لا تفهم معنى الموت، إلا أنني التفت إلى أصغر إخوتي والذي يكبرني بثلاثة أعوام والتقت أعيننا للحظة وكأننا نسأل بعضنا عن التصرف اللائق في مثل هذا الموقف، اندفعنا بعدها أنا وهو نبكي كما بقية الأسرة ونحن لا نعي تماماً مقدار الألم الذي يحيط بنا.
اليوم وبعد عشرين عاماً، دخلت أمي إلى غرفتي لتوقظني من نومي وتقول لي: غازي القصيبي توفي، الله يرحمه. هذه المرة لم أحتج لمن يشرح لي حجم الفجيعة، أو أن يعلمني كيف عليّ أن أتصرف في مثل هذا الموقف، أنا الخبيرة في شؤون الفقد منذ الصغر.
بكيت ومازلت أبكي وسأظل أبكيه مع الباكين طويلاً. وجدت نفسي أدعو له بالشفاء وأنا ممسكة بتمرتي عند الإفطار مثل كل يوم فبكيت أكثر. تذكرت وقتها دعائي اليومي وأنا في أميركا أن لا يفجعني الله بفقدانه وأنا في الغربة لا حول لي ولا قوة، وكأنما استجاب الله دعائي وتوفاه بعد أربع أيام فقط من عودتي للرياض بعد إنهائي دراستي في أميركا، ليمحو حزن فقدانه كل فرحة بالتخرج والعودة إلى الوطن.
كنت أستعد لامتحان مهم في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي عندما جاءني خبر مرض أبي الروحي الدكتور غازي القصيبي، فخانني تركيزي ولم أوفق في امتحاني من شدة خوفي عليه.
ولم أخبر أحداً سواه في ما بعد بهذا الأمر. ولأنني أعرف حسرة المشاعر التي تتأخر عن الوصول في وقتها، صرت أكتب له أثناء رحلة علاجه الطويلة والصعبة لأنقل له محبة جيل ووطن وأمة، علّ ذلك يخفف من آلامه، هو الذي لم يكن يشكو ولم يتوقف يوماً عن ذكر الله وحمده.
كنت أستمد من صوته المبهج الرخيم الذي يهطل عليّ مطمئناً بين الحين والآخر القوة والصبر والمرح في أحلك الأوقات وأشدها ألماً.
غازي القصيبي الذي أشاع كثيرون أنه خالي أو قريبي أو كاتب روايتي الحقيقي لم يسمع باسمي قبل أن تصله مسودة روايتي يوم الخميس الثالث والعشرين من نوفمبر عام ٢٠٠٤. عندها اتصل بي على الرقم المكتوب على المسودة لأجيبه ببرود (كنت مشغولة حينها بالتجهيز لمحاضرة طبية): نعم مين معي؟ وعندما قال معك غازي القصيبي توقف الكون عند تلك اللحظة، سكت لثوانٍ ثم طلبت منه بكل هدوء أن يتصل بعد خمس دقائق لأنني بحاجة لأن أصرخ فرحاً، أيقن عندها أنه بصدد «مرجوجة» وبالفعل أقفل الخط وذهبت للقفز على سرير الوالدة وأنا أبكي فرحاً باتصال قدوتي ومثلي الأعلى ومن سعيت سنين للوصول إليه قبل أن أعرف أنه يقرأ كل بريده الخاص في الوزارة بنفسه!
واتصل بي الدكتور بعد دقائق ليسألني من أنا وكم عمري ومتى بدأت الكتابة، وهل ما كتبته يحدث في الواقع في الرياض.
سجلت في ذلك اليوم التاريخي شريطاً صوتياً «آنذاك كنت أسجل أفكار الرواية صوتياً عندما لا أجد الوقت لتدوينها» عندما فاق الرضا والسعادة بعد اتصاله حدود الكتابة. في ذلك اليوم وأثناء ذلك الاتصال أخذت على نفسي عهداً بأن أتذكر سعادتي تلك في أي يوم تعيس يمر بي في ما بعد، وهأنا أتذكرها الآن وأتوقف عن البكاء.
أتذكر تفاصيل تلك المكالمة بحذافيرها وأتذكر كل ما تلاها من حلم. أتذكر كيف قرأ أول مئة صفحة من الرواية في ساعة وكيف أنهى الرواية على رغم مشاغله آنذاك في أسبوعين، ثم كيف قرأها مرة ثانية ليضع ملاحظاته مؤكداً أنه لم يفعل ذلك لأحد من قبل إلا أنه أعجب بالرواية وتوسم في كاتبتها الخير. أتذكر أنني اختلفت معه حول أجزاء أشار عليّ بحذفها فعملت برأيي في النهاية لا برأيه ولم أحذفها فغضب من عنادي لكنه نسي أو تناسى الأمر كالأب الحنون بعد انتشار الرواية.
قلت له في رسالة فاكس بتاريخ ٤-٣-٢٠١٠: «بالنسبة لي، أن نصبح أصدقاءً، وأنتَ أنت! وأنا أنا الطالبة «اللي ماحيلتهاش حاجة» كان ولا يزال أروع ما في حياتي.. إيمانك بي عندما كنتُ «لا شيء» يضعك في مرتبة تقف فيها وحدك. فأهلي يؤمنون بي لأنهم أهلي، وأصدقائي لأنهم أصدقائي.. أما أنت.. أنت! لماذا وكيف؟ وهل كنتَ أكيداً مما سأفعل؟ هل رأيت في علم الغيب أن روايتي ستُتَرجم إلى ثلاثين لغة؟ أنا لم أكن لأصل إلى ما أنا عليه لولا عاملان مهمان.. إلهامك لي قبل أن أعرفك عن قرب.. بسبب نجاحاتك وشخصيتك وانبهاري بكل ما أنت عليه حتى أنني كنت أقول لمن يسألني ماذا تريدين أن تكوني عندما تكبرين؟: أبغى أصير غازي القصيبي «بس ربك ستر!».. والعامل الثاني هو قربك مني منذ ٢٣-١١-٢٠04 وحتى صدور الرواية في سبتمبر ٢٠٠٥ قبل أن أصبح شيئاً يُذكر.
أحمل بداخلي الكثير عن غازي القلوب، غازيها بالبهجة الخالصة في حياته وبالحزن الموجع جداً بعد وفاته. الرجل الحلم بالنسبة لجيلي بأكمله، الإنسان الذي لا يعرفه الكل كما يستحق أن يُعرَف. الرجل الخدوم فاعل الخير الذي تعلمت من أخلاقه أكثر مما علمتني حياته في الإدارة والوزارة والسفارة، ورواياته وأشعاره، وهي علمتني الكثير. عندما أتذكر الآن كيف كان الدكتور يكتب عن رحيل أصدقائه الذين اختارهم الله إلى جواره قبل أن يختاره، كيف كنا نقرأ ما يكتب ولا نشعر بما يشعر به من ألم وهو يرثي أصحابه ورفاق دربه، أشعر بأن من واجبي أن أكتب عنه حتى وإن لم أكن بقوته وصلابته التي تجعلني أتمالك نفسي في مثل هذا الموقف الصعب لأكتب بهدوء في رثاء أبي الذي أعرفه وتيتمت بوفاته للمرة الثانية في حياتي.
عزائي الحار لحرمه ورفيقة دربه، وإخوانه وأخواته، ولأبنائه سهيل ويارا وفارس ونجاد، وأسرهم. تعجز الكلمات عن مواساتكم في فقيدكم وفقيدنا الغازي الغالي، الذي رحل إلى جوار ربه الكريم في أفضل الشهور وترك القلوب مكلومة والألسنة تلهج له بالدعاء.
.. أنتم عزاؤنا ونحن مدينون لكم بكل وقت قضاه والدكم رحمه الله في خدمتنا في مناصبه العديدة عبر السنين، وبكل سطر خطه في كتاب وبكل عطاءاته التي شاركناكم فيها، مدينون لكم حتى في الحزن الذي سمحتم لنا بأن نتقاسم بعضه وإياكم مدعين بأننا نشعر بما تشعرون به لفراق الوالد الغالي ومعزين بعضنا بعضاً فيه. عزائي موصول لأسرة القصيبي كافة، ولأبي غازي الأستاذ هزاع العاصمي مدير مكتبه، ولسكرتيره الخاص الأخ نواف المواش، ولمنسوبي وزارته وأصدقائه ولكل من حظي بالقرب منه في حياته ولكل من دمعت عيناه لفراقه.. لكل من تألم لألمه على سرير المرض وابتهل لله بالدعاء في جوف الليل وآناء النهار حتى يكشف بأسه.
ربِّ إن لي والدَين اليوم تحت الثرى، ارحمهما يا واسع الرحمة وأكرم نزلهما واجعل قبريهما روضتين من رياض الجنة وأسكنهما الفردوس الأعلى يا من وسعت رحمته كل شيء.
«وددت لو أني سبقت الردى/ إليك. لو أني حرست السريرا/ لو أني قبلت ذاك الجبين/ يرش ضياءً ويندي عبيرا/ لو أني لثمت يديكَ. انحنيت/ عليكَ شهدت الوداع الأخيرا». (غازي القصيبي - قصيدة أبي - ١٩٧٦ - ديوان «أنتِ الرياض".

وفي مقال "مات غازي" للكاتب والأكاديمي السعودي "علي بن طلال الجهني" والمنشور في جريدة الحياة اللندنية جاء فيه:

نحو الساعة التاسعة من صباح يوم الأحد الخامس من رمضان 1431 الموافق 15/8/2010 مات الرجل العملاق الوزير المختلف عن كل الوزراء، الإداري الذي تميز على كل من عرفت من الإداريين، والشاعر الأديب الخطيب الفصيح الذي يكتب كما يتحدث من دون أن يتردد أو يشطب أو يصحح. ولد غازي في اليوم الثاني من الشهر الثالث من عام 1940 ، فكان في يوم وفاته قد تجاوز السبعين بنحو خمسة أشهر.
لقد كان غازي رجلاً مؤمناً بالقدر خيره وشره أيماناً مطلقاً. وكان يقول منذ ثلث قرن على الأقل : « إنه أوصى أن يدفن في المكان الذي يموت فيه، أياً كان ذلك المكان، وبأسرع وقت ممكن، حتى لا يكلّف الناس لحضور جنازته».
وهكذا حدث، فقد تمت الصلاة عليه وحضرها عدد من الأمراء والوزراء والأصدقاء وغيرهم من عامة الناس. وصلى عليه نائب أمير منطقة الرياض الأمير سطام بن عبدالعزيز، وأم المصلين سماحة مفتي المملكة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ بعد صلاة العصر من يوم الأحد؛ وتم دفنه في مقبرة «العود» في الرياض. «اللهم أجعل قبره روضة من رياض الجنة» كما جاءني في رسالة تعزية من محبه الأديب السعودي الأستاذ حمد القاضي.
ومن يعرفوا علاقتي بغازي يعزوني فيه كما يعزون أبناءه. وقد اتصل بي رجل لا أعرفه محاولاً تعزيتي ولكنه كان يبكي وينتحب بشدة ولم أستطع أن أفهم مما قال من ثناء علي غازي ودعاءٍ له إلا عندما تغير صوته ولامني شخصياً لوم المحب المعاتب لماذا لم تقل الحقيقة وأنت تعرفها حينما تم نقل غازي إلى أميركا خلال حج العام الماضي؟
وفي واقع الأمر أنني لم أقل إلا الحقيقة حينما تم نقله رحمه الله بالإخلاء الطبي إلى مستشفى «مايو» في ولاية «مينسوتا». فالذي حصل أنه كان عند غازي رحمه الله، قرحة في الإثني عشر، منعت الطعام من الانتقال إلى الأمعاء الدقيقة. وقبل نقله إلى «مايو» أخذ الأطباء في مستشفى الملك فيصل التخصصي عينات من منطقة القرحة. وكانت كلها حميدة. وكذلك فعل الأطباء في «مايو» ووجدوا كل العينات التي أخذوها أيضاً حميدة.
فهذا ما كنا جميعاً نعرفه وهذا ما قلته لـ «الحياة».
ولكن حينما استمر العلاج لمدة تجاوزت أربعة أسابيع، ولم يؤد العلاج إلى ما كان ينبغي أن يؤدي إليه، فتح الأطباء المعدة جراحياً بمنظار، فرأى الجرّاح عشرات الحبيبات التي تشبه حبوب العدس منتشرة في السطح العلوي للمعدة. وصارت المعدة تشبه «القربة» المنفوخة الفارغة. وبالطبع عرف الجراح سبب المعاناة ونوع المرض. وهذا نوع معروف من أنواع السرطان القليلة جداً التي يتعذر علاجها.
وبمجرد أن اتصلت بي زوجته المرأة الفاضلة الصابرة «أم سهيل» وقالت لي تمت الجراحة، عرفت من نبرة صوتها أن الأخبار غير سارة، وحينما قالت لم اتصل بغيرك بناءً على طلبه سقط التليفون من يدي ولم أكن بحاجة إلى متابعة المكالمة. بعد ثلاثة أيام، اتصلت بغازي رحمه الله ووجدته كما عهدته ضاحكاً شامخاً عالي المعنوية. وقال لي : «لا تحزن ولا تتألم، سأقاوم بكل ما استطعت من قوة. ولكن الأمر لن يتجاوز بضعة أشهر قبل أن ألقى خالقي فادعُ الله معي على أن يحسن لقائي برب العزة والجلال».

ايلاف
20 اغسطس 2010

* * *

حبر وملح - غازي القصيبي: المشاكس الرسمي!

زاهي وهبي

دائماً كان بيني وبين غازي القصيبي موعدٌ مؤجل. من بين قلّة قليلة من شعراء العرب الذين لم يسمح الوقت لمحاورتهم في «خليك بالبيت» الذي كان شاعرنا دائم الثناء عليه، ومع ذلك لم يجلس على كرسيه التي تعاقب عليها على مدى أربعة عشر عاماً مبدعو العرب من اقطارهم كافّة. تلك طبعاً خسارةٌ للبرنامج وللشاشة وللمشاهدين لأن «الضيف المؤجل»..... الى الأبد هذه المرة، صاحب تجربة جديرة بأن تُروى على الملأ، ولعلنا نعوّض تلك الخسارة بحلقة تناقش مسيرة الرجل وتستعيد تجربته المؤثرة.

لست أدري ما الذي كان يخفف من حماسة القصيبي للمجيء الى بيروت التي يعشقها معظم أبناء جيله وأقرانه، كنت كلما هاتفته دعاني الى محاورته في لندن أو في الرياض، وكنّا نادراً ما نصور حلقات خارج لبنان إلا لمناسبة مهرجان أو منتدى ، وهكذا كان الموعد يؤجل مرّة تلو مرّة حتى حان موعد القضاء الذي لا منافس ولا رادَّ له.
لم أحاور القصيبي مباشرة، لم التقه في لندن أو في الرياض أو في بيروت لكنني التقيته في «شقّة الحرية» وسواها من روايات ودواوين وكتب مثل العصفورية، معركة بلا راية،... من جزائر اللؤلؤ، حياة في الإدارة وسواها من أعمال قرأتها بمتعة وشغف خصوصاً حين كنت أقيس ما يكتبه بالظروف الاجتماعية والرسمية التي أحاطت به وبتجربته، وهو المقيم في قلمه وفي ألمه على حافة تناقضات كثيرة، وهو المعلي جسراً شائكاً بين نقائض وأضداد : كلاسيكيٌ منفتحٌ على الحداثة، متحررٌ لا يخلو من محافظة، ديبلوماسي ٌلم يتخل عن نزق الشاعر، رسمي لم يتورّع عن المشاكشة. وكأن قدره أن يعيش هذه الثنائيات التي لا أظن الإقامة فيه هينة أو يسيرة، ولعلها تدفع صاحبها ذا العلم الى مزيد من الشقاء وجحيم المعرفة.

رغم فرادته بين أقرانه، لا مفاضلة ولا تقديماً أو تأخيراً عليهم، ولا من باب الأولويات الابداعية وتصنيف المبدعين على طريقة رافعي الاثقال أو لاعبي الجمباز، بل فرادته المتأتية من سطوة حضوره ورسمية مواقعه ومنصبه وميله الدائم الى مشاكسة نفسه أو موقعه. رغم تلك الفرادة، الا أن القصيبي يمثل في الوقت عينه جيلاً بأكمله من السعوديين الذين عاشوا مرحلة مفصلية من حياة وطنهم والمنطقة، ولعل «شقة الحرية» بمقدار ما هي سيرة شبه ذاتية، هي في الوقت عينه سيرة شبه جماعية لجيل كامل من أبناء الخليج وعلاقتهم بالأحلام العربية وتحولاتها وانكساراتها، وتحديداً بالتجربة الناصرية التي لا تزال رغم تقادم الأيام تثير الجدل والنقاش.

أكثر ما سوف نفتقده في القصيبي حسّ المشاكسة والجرأة في التعبير عن موقف أو رأي لا يتماشى مع اللقب الرسمي فمعالي الوزير لا يستطيع أن يكون «معالي الكاتب» أيضاً وسعادة السفير لا يجوز أن يمسي «سعادة الشاعر»، وإلا حكم على نفسه وعلى تجربته بالتصحّر والتبلد واليباب. في الديبلوماسية نستطيع ارتداء أقنعة وقفازات، لكننا في الابداع الأدبي والفني نحتاج أولاً الى خلع كل الاقنعة والقفازات. القصيبي أدرك هذه المسألة جيداً لذا لم يمنعه موقعه الرسمي من كسر القالب والخروج عن المألوف مغلّباً الشاعر على الديبلوماسي، متكلاً في الوقت عينه على حصانة الشاعر والديبلوماسي معاً وإن كانت قصيدته الشهيرة لحظة سقوط الاستشهادية آيات الأخرس قد كلفته منصبه كسفير في العاصمة البريطانية.

هل كان القصيبي يستلهم في قصائده الرافضة المتمردّة عمر أبو ريشة ونزار قباني وسواهما ممن تقاسم وإياهم الشعر والديبلوماسية والغضب؟ الله اعلم، لكن الأكيد من قراءة تجارب كل هؤلاء أن الديبلوماسي يستطيع أن يكون شاعراً، لكن الشاعر لا يستطيع أبداً أن يكون «ديبلوماسياً»...!

بغياب القصيبي تخسر الكتابة العربية شعراً ونثراً أحد أعلامها وتخسر المشاكسة الواجبة والضرورية أحد رموزها كذلك تخسر القضية الفلسطينية أحد مناصريها والمدافعين عن عدالتها وأحقيتها، مثلما يفتقد التيار المناهض للتطرف الديني وللسلفيات الاصولية صوتاً من أصواته المؤثرة يرفع راية التفكير في زمن التكفير...وهل من شعر ونثر وابداع بلا مشاكسة ورفض وعصيان؟

الخميس, 19 أغسطس 2010

* * *

مختارات عن الشعر والشعراء

رحيل الشاعر السعودي غازي القصيبي - السعودية

نشر هذا المقتطف في العدد الثالث من عود الند

الشاعر في رأيي هو الإنسان الذي منح موهبة التعبير عن تجاريه وانفعالاته بطريقة فنية موسيقية معينة. وقد يكون الشاعر طبيبا أو تاجرا أو مهندسا، وقد يكون ذا اتجاهات يمينية أو يسارية، وقد يكون قصيرا أو طويلا، وقد يمر بك في الشارع فلا تلمح في مظهره ما يدل على شاعرية أو رومانسية. الشاعر فرد كبقية الأفراد، لا يميزه عن غيره سوى القدرة على التعبير النفس الشعري.

غير أن هذه الصورة الساذجة على ما يبدو لا تعجب بعض النقاد والشعراء الذين يتحدثون عن الشعر بلغة أقرب إلى الألغاز، ويتحدثون عن الشاعر كما لو كان مخلوقا خرافيا عجيبا يعيش على القمر، ويضفون عليه من الأوهام والهالات ما يجعل القارئ العادي يتخيل أن الشاعر متميز تميزا لا جدال فيه عن البشر.

ومن الأوهام الشائعة عن الشاعر أنه ارق إحساسا وأرهف شعورا وأعمق عاطفة من بقية الناس. وإذا كان الشعراء معذورين إذا تحمسوا لهذا الرأي وعملوا على إذاعته ونشره، فلست أدري ما عذر الآخرين. لا يوجد ثمة دليل على أن الشاعر أرق من غيره إحساسا. ولعل الذين عرفوا عددا من الشعراء، من خلال معايشتهم لا من خلال قراءة دواوينهم، يدركون أنهم كباقي البشر: عرضة لمختلف أنواع الضعف البشري. من الشعراء من يتميز بأنانية لا حدود لها. ومنهم من يتصرف بقسوة وغلظة. ومنهم من يحب المال حبا يتضاءل أمامه حبه لحوريات الشعر وعذارى القصيد. ومنهم من يلهث وراء كلمة مديح كطفل لمح لعبة جديدة. ومنهم من يفزع من كلمة النقد فزع المرأة من أن ترى امرأة أخرى ترتدي نفس الرداء. والقدرة على الحب والعطاء والإحساس ليست وقفا على الشعراء. بإمكان عباد الله من الناثرين أن يحبوا بعمق وتفان، وان تمر بهم أعمق العواطف وأغزرها، وأن يعيشوا تجارب تفوق أصالتها وروعتها تجارب أعظم الشعراء.

ومن الأوهام التي تحيط بالشعر وتأبى أن تفارقه وهم مؤداه أن الشعر - ولسبب مجهول لم يوضحه أحد بعد - يفوق غيره من وسائل التعبير الفني. وهذا الوهم هو الذي يدفع كل طالب في المدارس الثانوية إلى تجربة حظه مع الشعر. وهو الذي يدفع بعض كتاب النثر الفني إلى الإصرار على أن ما يكتبونه شعرا. وهو الذي يجعل معظم الشعراء يشعرون بشيء من الزهو والتعالي على غير الشعراء. والحقيقة –ومعذرة للشعراء من القراء - هي أن الشعر من حيث المبدأ لا يتمتع بأي ميزة على غيره من وسائل التعبير. وبوسع قطعة نثرية أن تكون أروع وأجمل واعمق أثرا من قطعة شعرية. بوسع مسرحية أن تثير في قارئها من النشوة الفنية ما لا يثيره مائة ديوان، بل إن الكلام العادي الذي يتفوه به إنسان عادي قد يكون في بساطته وعفويته وصدقه أروع من أعمق الرموز الشعرية.

ويتفنن بعض النقاد في وضع قائمة للمواصفات التي يجب أن تتوفر في الشاعر ليحظى برضاهم. ومن هذه المواصفات واحدة تتحول تدريجيا إلى كليشيه، وهي أن الشاعر يجب أن يكون مفكرا عظيما في الوقت نفسه. لا جدال في أن الموهبة المدعمة بثقافة واسعة اقدر على التعبير والإبداع من الموهبة التي تتغذى على نفسها. ولكن الإيمان بهذا الشيء واشتراط أن يكون الشاعر مفكرا عظيما شيء آخر. بإمكان الشاعر أن يكون مبدعا دون فكر عظيم. لقد أهمل التاريخ الأدبي أشعارا لفلاسفة نابغين، واحتفظ بأشعار لمجانين وموسوسين. ولست أدري أي فكر عظيم يختبئ خلف أشعار بودلير أو ريلكة أو بايرون، وأي فكر عظيم عند شعراء معاصرين عرب مثل السياب وناجي وأبو ريشة ونزار قباني؟

ويتواضع بعض النقاد فلا يشترط الفكر العظيم، ويكتفي بأن تكون للشاعر "فلسفة حياتية محددة" أو "رؤية كونية متميزة" أو قدرة على كشف حجب المستقبل والتنبؤ بمصير الحضارات. من النقاد من لا يتمتع بقراءة قصيدة رائعة بحجة أنه لا يجد فيها موقفا للشاعر من الوجود. ومنهم من يعيب على الشاعر لأنه بحث في شعره عن نبوءة مستقبله فلم يجدها، وكأن الشاعر كاهن من الكهان أو بصارة من قارئات البخت. هذه المواصفات لا تقل شططا عن سابقتها، فالشاعر قد يكون فيلسوفا وقد لا يكون. قد يتميز برؤية كونية وقد لا يتميز. قد يقدر على التنبؤ وقد يعجز عنه دون أن يكون في هذا كله ما يرفع من قدر شعره أو يحط منه.

مقطع من مقالة منشورة في كتاب عن هذا وذاك للشاعر السعودي غاري القصيبي. الناشر: تهامة (1981)، الطبعة الثانية.

قصيدة "أنا وهم"
غازي القصيبي - السعودية

تقولين: "تلحظ مني القشور
ولا تعلمين بأن عيونك
وان ابتسامك حين يضئ
وبين العيون وبين الشفاه
أرى طفلةً في زحام الحياة
تروم الحنان وترجو الأمان
فترعبها رغبات العيون
فتطوي على يأسها روحها
يحبون فيك المثير المثير
ويجرون نحو بحار اللهيب

  وتغفل عما وراء القشور"
تفضح حتى جذور الجذور
أطالع كوناً عجيباً يمور
أرى منك ما لا يراه الحضور
تخوض الجموع بحزنٍ يثور
وتبحث عن مرفأً من حبور
وتفزعها شهوات الصدور
وتلبس للناس ثوب السرور
وأعشق منك الطهور الطهور
وأسبح وحدي على بحر نور

القصيدة من ديوان يا فدى ناظريك