(الأعمال الشعرية" لعباس بيضون)

سيلفانا الخوري
(لبنان)

قد لا تكون كتابة الشعر "خاضعة بالضرورة لمسار عقلاني او سببي"، على ما تقول الباحثة خالدة سعيد في مقدمتها لـ"الأعمال الشعرية" لعباس بيضون الصادرة اخيراً في جزأين لدى "المؤسسة العربية للدراسات والنشر". الا ان هذه القراءة العقلانية او السببية لا تنفكّ تفرض نفسها بإلحاح في حالة الشاعر بيضون، مدعومةً بمنظومة كاملة من الصور والمفردات والتعابير والاحالات الداخلية التي لا تني قصيدته تستدعيها، مستندةً الى مرجعيات من داخل هذا الشعر نفسه. هو أبعد من مجرد جوّ عام يظلل المسار الشعري او يطبعه بخصوصية معينة، بل نكاد نكون في معنى ما حيال منظومة فكرية كاملة، بفرضياتها وبراهينها واستنتاجاتها، تخلق ترابطاً مدهشاً في هذا المسار الشعري الممتد على ما يفوق 25 عاماً. بعيداً من خصوصية كل مجموعة في بعينها، وموقعها في مسار الشاعر وتبلور شعريته، واياً تكن "التيمة" التي يتناولها ومهما يكن "موضوع" قصيدته او ذريعتها، ثمة ثابت اساسي لن ينفك يتبلور وينضج ويتخذ ابعاداً اكثر اشكالية: هو هذا الهجس بالعالم الذي يبدأ بالتحلل عناصر وكائنات منذ لحظة ولادته، نازّاً زيوته وحليبه وخواصه التي تصير شرط وجوده وعلامة عطبه في الوقت نفسه.
بين اللحظة الاولى للمدينة التي تولد من البحر كما تكشف عنها قصيدة "البحر" ("صور"، 1985)، واللحظة الصفر التي وجدها زاد في الفراغات بين ضربات البيانو في "لا احد في بيت السيكلوب" ("شجرة تشبه حطاباً"، 2005)، علاقة سببية بعيدة الدلالة، تصير معها القصيدة الاخيرة أشبه بالتتويج لمسعى تستبد به رغبة العودة الى اللحظة التي سبقت الـ"بيغ بانغ". وبين هاتين اللحظتين، الاولى التي تُستدعى فيها ذاكرة المدينة - الجنين لحظة انفجار "مياه الرأس": "ثم شربنا من دم كبد الفجر، ودم قلب الليل، فاعتكرت أعيننا ونحن في نقيع الماء الأخضر، وخرجنا نلمع من بيضة فصح البحر وفضة الاسماك"، والثانية التي تعرب عن التوق الى الخلية "المعقمة النظيفة الجاهزة للابتداء"، بينهما اذاً يظهر عالم آسن، موبوء بذاته، مرصود الى ما يلفظه من فضلات وافرازات مستمرة: بول، دم، حيض، عرق، زيت، لعاب، جلد ميت، كمخ، بلغم... أحشاء لا تنفك "تتفل" موادها وخواصها جاعلةً العالم أشبه بمبصقة ضخمة. عالمٌ حيث "الخلاء ملطّخ بمادتنا" و"الشمس تنتن في الغرف" وحيث "نستيقظ وزيت سخنٌ على جباهنا". عالم من مدن "متجلّطة"، واجساد "ممروضة"، وهواء "نعتكر" فيه جميعنا، ونهارات طُبِخت "من لبنٍ أسمر وحليب دواجن"، ومساءات تبّلت "بالتبغ والبول".
اذذاك يغدو السجن المساحة الامثل التي تبلغ فيها هذه النظرة ذروتها، في تجربة أشبه بالنزول الى الجحيم. هنا، تحت، "اعماق مفتوحة كبراميل الخمر/ حيث تتشرّب الصهاريج من البالوعات/ في نظام سري" و"الارض تفتح جواريرها الامامية/ لمستنقعات واسطبلات/ فتبدو كصحن كبير للحشرات/ وما يحترق على الحافة:/ الرائحة الاصلية المطبوخة في غاليريات عميقة: زيت الانسان". في هذا العالم الجوفي العائم في "حيض كوني" الذي تكشف عنه "مدافن زجاجية" بكل الكثافة الممكنة، تصير العفونة "ملح الاشياء" ومادتها الاساسية.
لا تحمل هذه المقاربة ايّ حكم قيمي في ذاتها، ذلك ان فضلات الجسد هذه ورواسب العالم يجري التعامل معها في وصفها حقيقة الحياة وقرينها: "الحقيقة ايضاً دم/ قد تكون قطعة من اللسان او/ شيئاً مبتوراً منا. قد نعثر/ عليها في المني او التراب". (الجسد بلا معلّم). اما في "مدافن زجاجية" فيشير عباس بيضون الى "الجسد/ الذي يوسع ارضيته/ حافراً الحدود الأولى للاسطبل/ الجسد الذي يعاود حرفته/ يدفن الفضلات وكأنها جريمته/ ينبش الفضلات وكأنها حقيقته". واذا كان هذا النظام يجد في الجسد مساحة تجلّيه الابرز، فإنه لا يبقى مع ذلك شرط الجسد وحده، بل نراه ينسحب على الحياة بعناصرها وكائناتها كافة: "ستتآكلين" يقول لمدينة صور في القصيدة التي تحمل اسمها، ثم يضيف: "لن تستطيع الكلاب الجائعة/ ولا ارضك التي تغلي بالفئران/ أن تمنع طرقك من السقوط في الخنادق/ ودورات المياه". الزمن بدوره لا ينجو من هذه المقاربة: "ثم نمسح عن الزجاج الأيام التي تتسخ/ والوقت الذي يتسوّس".
عندذاك يتحول الكلّ المعايَن الى كتلة واحدة خاضعة للشرط نفسه. تغيب تالياً الطبيعة بمعناها الاستيتيكي، ويصير العالم أشبه بكائن ضخم يرصد الشاعر "سيستام" حركته الميكانيكي. وعلى صورة الأجساد التي "لا تكتمل ولا تخرج نهائياً من ورشتها" (شجرة تشبه حطاباً) – وفي هذا معضلتها الاساسية – يتحول العالم نفسه الى ورشة ضخمة، الى شبه مصنع عملاق حيث "الاقزام الذين يجدّون في صنع الوقت"، وحيث "ميكانيكيون صغار يعملون بصمت ونشاط لا يرحم" (صيد الأمثال). وكما كان زاد يشعر بضجيج الآلة الضخمة المسمّاة جسده "الذي لا يتوقف عن انتاج مخدّره. للكبد الذي لا ينام وهو يعمل في اصلاح انسجته"، هكذا يحس الشاعر بضجيج الكائن الضخم المسمّى الحياة، راصداً "المدافع والنقود المسيّخة/ وحديد المنشآت الذي يغور في الارض/ المصاعد التي تنقل بريد الهوة/ والمجلدات الزجاجية لأجهزة التبريد"، لكن ايضاً العناصر الاقل حسية: "قناني كثيرة حيث الجنون يُحفظ كملح والغضب والغيرة يُجفّفان./ طاولات كثيرة حيث تُعزل الافكار وخلاصات الندم الصفراء./ لقاحات تُستخلص من الكآبات الفظيعة اذا امكن مصل الارق وفصد المخيّلة". وهناك "يسمع" الشاعر "تعداد الثواني/ التي تنزّ وتتكوّم جبالاً".
يعاين عباس بيضون العالم بنظرة تخترقه حتى الاحشاء، لتعطي عنه صورة أشبه بتلك الصور التي نعثر عليها في كتب علم الأحياء والتي تقدّم جسم الانسان في اكثر من مَقطع (coupe) تشريحي لاظهار طبقاته الداخلية المتعددة. لطالما فكّرتُ ان الحاسة لديه جزء من تقنية تكاد تكون شبيهة بتقنيات التصوير الطبي: الرنين المغناطيسي او الاشعة السينية او شيء من هذا القبيل. تقنية قادرة على اختراق العالم بطبقاته المتعددة. من هنا، تصير الحواس التي يقارب بها العالم أدوات مفرغة من كل الموروث التلقيني اللاواعي المعتاد، لكنها ايضاً اكثر تطوراً من الحواس المعتادة واكثر حساسية، لا تكتفي بمعاينة خارجية بل نراها قادرة حتى على التقاط الطاقة التي تحدثها الاشياء من حولها. لا اعرف لماذا يخطر على بالي هنا دارديفيل، بطل الشرائط المصورة، والفيلم في ما بعد، وهو البطل الذي تعرّض في طفولته لانفجار اشعاعيّ النشاط، أفقده بصره لكنه تسبب في المقابل بتنمية حواسه الاخرى في شكل خارق، لتتحول هذه الحواس الى نوع من رادار قادر على التقاط أدنى الاشعاعات الحرارية والموجات الصوتية المحيطة بها.
بالطريقة نفسها، يبدو الشاعر هنا قادراً على التقاط طاقة العالم هذه وعملية تحلله البطيئة. لذا يستبدّ به دوماً توق الى فضاء معزول: "انك تفكّر في منطقة معقّمة"، منطقة ربما ينعدم فيها خصوصاً الضوء والهواء والماء، هذه العناصر التي هي شرط الحياة وفي الوقت نفسه البيئة المؤاتية للفساد والتعفّن: "كل شيء يموت من حياته/ كالبحر الذي يموت من ملوحته"، يقول. من هنا سعيه الى لحظة كريستاليّة، ينتفي فيها الهجس بالأعقاب والرواسب: "النار تفنى من جذورها، النار وحدها لا تترك أعقاباً". لحظة مقطّرة، معقّمة: "لا شيء ينمو تحت المطهّرات". اللحظة الصفر التي ستبدأ في الظهور على مراحل في شعره: "في ذلك المساء المنزوع الرائحة/ عشية الابادة/ اول الاحد الاجوف/ صفر الاسبوع/ صفر باريس"، يقول في "كفار باريس" (لُفظ في البرد)، قبل ان تجد هذه الفكرة شكلها الاكثر اكتمالاً في قصيدة "لا احد في بيت السيكلوب".
لكن قبل ذلك، سيكتب عباس بيضون عن تلك التي "تحفظ الوقت والرغبة من الفساد. وفي جسدها تصنع منهما رحيقاً وسمّاً. انها في قيلولتها تتشرّب القوة دون ان تصل الى زيتها. تأتي كالسر، عميقاً دون ماضٍ، وها هي تصون رغبتها كنولها. الصمت يهدي اليها الاكسير. القيلولة تعطيها المادة". وفي صورةٍ هي النقيض التام للعالم المعايَن من حوله الذي يبحث عبثاً عن اكسيره وعن مادته غير القابلة للتلف، يضيف في شكل صريح: "انه سراب الجسد ولمعانه، جسد خلَّب (...) انه الجسد يتكوّن من بقع الياسمين، من ارتجاج العطر والعتمة، من الطرق الاعمى للغيبوبة والفضاء، ومن استرداد البلورة المكسرة والطفولة" (نقد الألم). هذا الجسد الذي له "تموّج البلّور/ وماء الرخام" ستثبت شيئاً فشيئاً استحالته: "ماذا نفعل اذاً. هل نصل بشفرة الى الجسد الحي. هل علينا ان نشقّ كل هذا الليف حول قلوبنا، كل هذا الهلام الذي يغلفنا، كل هذا التهريج الجسدي والنسيانات والخرف المبكر./ بشفرة واحدة نشقّ الى القلب الاصلي واللحم الاصلي"، يتساءل في "لا احد في بيت السيكلوب". وحده زاد سيجد طريقة للنفاذ من شرط الجسد هذا. اما قبل ذلك، وامام تمثال لمايول، فيقول الشاعر: "لقد جعلوا/ اجساداً خالية من الرغبة غير/ قادرة على ان تؤذي نفسها"، محذراً مع ذلك من الخلط "بين الاشجار/ والثريات،/ بين النفوس الميتة وعاريات صالة/ الشتاء اللواتي كنّ في عزلة المانيكانات/ خلف الزجاج" (الجسد بلا معلّم).
من جهة اخرى، ان ما يسميه عباس بيضون في "نقد الالم" "استرداد البلورة المكسرة والطفولة" هو جزء من سعيه الى "اصل ما"، الى "سابق لهذا الجسد"، على قوله: "السم الذي أتيت منه لم يكن، وسلالتي ناقصة" يقول، تائقاً الى نَسَب يشبه "نسب الأحجار واللؤلؤ/ الذي/ لم يتحدّر/ بالدم". هو توقٌ الى صفاء عرقي أكاد أقول، لا يتحقق بالدم لأن الدم مرصود بطبيعته للفساد والتجلّط، لذا يبحث عن "مادة" بديلة، واذا استحال وجودها لا يبقى أمامه إلا العودة الى اللحظة النقية الوحيدة في مسار الولادة هذا. ما يعيدنا الى فكرة الخلية الاولى الجاهزة للابتداء التي اشرنا اليها في البداية، في اللحظة التي تسبق بداية تكاثرها وتحوّلها الى عالم تسيح منه مواده ويغلي بجراثيمه، بسلّه، وألمه وخياناته. من هنا، تحتل فكرة الولادة مكانة اساسية في شعر بيضون، "يرقان" الولادة كما يسميها، التي هي بداية التحلل، ما يجعلنا في الواقع حيال "ضد تكوين او ضد ولادة"، بتعبير خالدة سعيد في المقدمة.
انها اذاً اللحظة التي لن ينفك العالم بعدها ينجذب الى تحت، الى مطابخه ومراحيضه واسطبلاته. وللمفردة الأخيرة مكانة لا يمكن تجاهلها في شعرية عباس بيضون. هي لا تشير الى "مكان" بقدر ما تشير الى "حالة". في "مدافن زجاجية" يتحدث عن الجسد الذي يحفر الحدود الأولى للاسطبل، كما لو كان هذا الأخير امتداداً ومآلاً حتميين للجسد: نوعٌ من فردوسٍ مضاد متكامل الأثاث، تغذيه صور ومفردات ومفاهيم تشكل ما يشبه نقاط الاستدلال الى شرط الجسد ولعنة الولادة، ولا تنفك تعود في شكل متواتر الى القصيدة. ثمة اللون الاخضر الذي يحل في وصفه دليل عفونة ودليل حياة في الوقت نفسه. هناك ايضاً الماء، والسوائل بعامة، التي تحيل دوماً على لحظة الولادة الاولى: "كنا نخرج مدهونين بدموع امهاتنا/ لا نبتعد كثيراً عن سائلهنّ" (حجرات). السمك كذلك، في وصفه ربما أسوأ انواع الجيف وأسرعها فساداً (فلنتذكر سوق السمك الذي شهد ولادة جان باتيست غرونوي بطل زوسكيند). التفاحة ايضاً، التي لا تشبه تفاحة نيوتن ولا تفاحة المعرفة، انها بكل بساطة رمز الكائنات التي تسودّ وتتعفّن امام عيوننا، دليل اضافي على العطب نفسه، المصابة به الحياة بكاملها. ودوماً ثمة اشياء عائمة، ووحدها الجثث والنفايات تعوم: "حين يعوم الشارع بزيت السردين/ حين تلتمع قرية كقرص روث ملتهب/ حين يصبح للسماء لون الاسطبل"، يقول الشاعر.
لكن يبقى الاهم: تلك الكسور والشقوق والثقوب التي ترشح منها مواد العالم وسوائله. هي "أوذيسة الكسور العظيمة" كما يسميها عباس بيضون في "مدافن زجاجية"، هي ايضاً "الشق الصغير في جدار فيرمير"، وهي الخرم الذي يتسرّب منه الجسد، وهي الثقب في داخل المنتحر: "طيلة النهار بقي يلف/ كأنما يبحث عن ثقب في داخله/ فمن مكان ما/ كانت تسيل فوضى ونقاش طويل/ كانت الحنفية في المطبخ ايضاً تتكلّم". لكنها خصوصاً الثقب الذي انفتح في الوقت عندما أطلق زاد رصاصة انتحاره. فهل من المبالغة في التأويل، تشبيهها بالخلل في جدار الزمن الذي يشكّل الثقوب السوداء؟ (الشاعر نفسه يأتي على ذكر "جرح في الطاقة" في مكان ما) الأكيد انه خلافاً لهذه الاخيرة التي تُعتبر علمياً المرحلة النهائية من انهيار عامل الجاذبية والتي تبتلع كل ما يمر الى جانبها مانعةً كل شيء، ضوءاً او مادة، من ان يتسرّب منها، تعمل هذه "الكسور" لدى بيضون في طريقة معاكسة تماماً، لافظةً كل شيء الى الخارج. واذ يعلن الشاعر عن توقه الى "اللحظة الصفر التي لا تجد ذاكرة ولا جسداً للخروج منها" يبدو الشعر معه كما لو كان قادراً ان يحدس بالحقائق الكونية قبل ان تتوصل اليها الفيزياء الكمية.

النهار

رجوع