سيلفانا الخوري
(لبنان)

سؤال عن الموت؟ ربما، لكن ليس أي موت. انه الموت انتحاراً. فإزاء مشهد الانتحار يمسي الموت، كفعل غياب في حد ذاته ثانوياً. لكنه أيضا سؤال عن الجسد، هذا الذي "لا نعرف ما هو". الجسد في وصفه ملحقاً بنا، سنتيمترات فائضة تثقل على النفس، "لحم من غير أجسامنا، لحم كالطحلب لا نعرف كيف نطرده".
منذ العنوان يوحي لنا عباس بيضون في مجموعته "شجرة تشبه حطاباً"() ملامح هذا الكيان الحامل في نفسه أدوات تهديمه الذاتي، تلك الشجرة الحاملة فأسها في داخلها. وفيما تحتل القصيدة الأولى "لا أحد في بيت السيكلوب" الجزء الأكبر من الكتاب، يحاول الشاعر في أسلوب شبه روائي محمل بالكثير من الإيحاءات رسم صورة متخيلة لانتحار زاد، وتبدو القصائد التالية كأنها ترجيع بعيد لهذا الانتحار.
مثل تحرّ يلتقط الشاعر التفاصيل البسيطة ليركّب منها سيناريو محتمل للحوادث. يبدأ من غرفة زاد، فالأخير كمعظم المنتحرين اختارها لتكون الشاهد الأخير على القرار الحاسم. فالانسحاب إلى الغرفة، إشارة أولى قبل الانسحاب النهائي من الحياة. ننسحب أولا إلى غرفنا، إلى جواريرنا، إلى أوراقنا وأشيائنا الصغيرة وشيئاً فشيئاً ننسحب داخل جسدنا ثم أبعد فأبعد لنصير نقطة ذائبة في فراغ الأشياء، وأخيراً ننسحب من الحياة نفسها التي بقي جسدنا صلة الوصل الأخيرة بيننا وبينها. من هذه الغرفة التي لا تزال تسكنها لحظة الانتحار يبدأ البحث. البحث عن جواب، كأن انتحار زاد أضحى علامة استفهام كبيرة، بالنسبة إلينا طبعاً، فزاد وجد جوابه. قد نخال ان الآخر هو السبب، والآخر هنا حاضر من خلال "سوتيان" و"خصلة شعر". من السهل تصور الانتحار من اجل الحبيب. الفكرة رومانسية مطمئنة. فكلنا، على غرار زاد نقول في لحظة ما من حياتنا: "من الحب تأتي دائماً أشياء كريهة". لكن لا يجب أن يخدعنا هذا الاعتراف، فالحب هنا في خلفية الصورة مشوش. السوتيان وخصلة الشعر و"نظرة اللعبة في عينيها" هي هنا للإضاءة على الجسد لا أكثر. تفصيل إضافي يجعل الجسد تحت عيون الآخر أكثر ثقلاً، كأننا ننظر في مكبّر المرآة، كأن هذا الجسد الذي أمضينا العمر في تجاهله يصير فجأة تحت المجهر ويمسي الطريق الوعر إلى ذاتنا. "ماذا فعل السوتيان تحت اليد الكبيرة الشعراء والشفتين المتضخمتين؟". نميل إلى التقاط خيوط نحوك منها ملامح أسطورة الجميلة والوحش، فيما الجواب في "اليد الكبيرة الشعراء" و"الشفتين المتضخمتين"، أكثر مما هو في "السوتيان". لكننا نبحث دوماً عن السبب في المكان الخطأ، وننسى أننا غالباً ما نخترع عقدنا، مخاوفنا، رهابنا، موتنا. ننتجها كلها، نولدها من رحم ذاتنا المتقوقعة داخل شرنقتها: "عندما علمت بانتحاره فكرت فوراً بضخامته". زاد منتحر جسده. جسده الضخم، الثقيل، المؤلم، المرهق. الجسد هنا رهاب ذاته. هذا الجسد الذي نتمنى كل يوم أن يكون قميصاً نخلعه ساعة نشاء، لكي نصل إلى عري ذاتنا. نريد التحليق لكنه لا ينفك يشدنا إلى أسفل، نجره كتلك الطابات الحديد التي كانت تكبل فيها أرجل المساجين فتضحي حركاتهم أبطأ وأثقل.
زاد من طينة أولئك الذين ولدوا لينتحروا، منتحرو ذواتهم. عقدهم يخترعونها بأنفسهم والعالم الخارجي بالنسبة إليهم مكمّل للمشهد العام لا أكثر. انه من هذه الكائنات الشفافة المتطهرة في ذاتها التي لا تحتمل الانغماس طويلا في هذا العالم. ألمهم صامت منغرس في ذاته، رقيقون حتى التحطم، هشاشتهم تداني الانكسار وشفافيتهم تقارب الانعدام. فكيف لجسد غليظ ضخم ان يحوي روحا على هذا القدر من الرهافة، روحا تشبه الموسيقى؟ زاد لم يكن يفهم "لماذا تصدر الآلات الضخمة أنغاما رقيقة. لماذا للموسيقى العالية، مثله تماما، جسد لا يستطيع ان يعتدي. كان يرفع موسيقاه إلى اعلي عالما انه لن يتحطم شيء في أي مكان. الصمت نفسه سيعود، بعد قليل، معافى نقيا كالاوكسيجين".
وعي الجسد لذاته. إنها الفكرة الأساسية. فالجسد هنا مدرك بنيته الذاتية. زاد "يرتطم بنفسه"، "يصغي إلى زفيره كما يصغي إلى صوت ساعة يد ويسمع نبضه ينطبع كل لحظة في الاوكسيجين الحي". كان على زاد ان ينزع عنه جسده ان يتحرر من حضوره الثقيل الخانق، تلك الجثة المعلقة فيه التي لا تفعل سوى مضاعفة المسافة بينه وبين ذاته. هذه الكتلة اللحمية والشحمية الملتصقة فيه كدملة تنتظر لحظة فقئها، وهذا الجسد الذي لا يشبهه، فزاد "لم يكن وحشاً لذا كان يخاف من نفسه ولا ينام لأن النوم يجعله يزداد ثقلا". كان لا بد لزاد من ان يتخلص من جسده لكي يعيش، لا حل آخر فـ"كثير على المرء ان يسمع ضجة قلبه تقتلعه كل لحظة من العالم". الانتحار هنا مثل سعي إلى الحياة، مثل "إغلاق جرح برصاصة" وزاد لم يجد نفسه فعلا إلا بعد الطلقة حين "كانت الجثة أمامه تحت الباب، وكان في ضجة الموسيقى يتأرجح في عب شجرة".
قصيدة عباس بيضون من تلك القصائد القليلة التي تتلبسك، يتشربها جلدك لتصير جزءا منك. تشعر في لحظة بأنها ملكك وتستغرب كيف أنها موقّعة باسم آـخر. إنها قصيدة عن الأسئلة لكن من دون علامات استفهام. قصيدة عن الأضداد. عن الصمت والضجيج، عن الضخامة والضآلة، عن الموت والحياة، عن الوجود والعدم، عن الفراغ واللافراغ. لكنها وقبل أي شيء قصيدة عن الجسد، عن الهرب منه. بلى الهرب، وما الضير في ذلك؟ إنها تهمة نقترفها جميعا مئات المرات في اليوم الواحد. من قال ان الحياة اتجاه إلزامي؟ أنها أيضا خيار بالانسحاب، بالانكفاء، بالتراجع، خيار للسير في اتجاه آخر. في اختراع اتجاهنا الخاص، جسدنا الخاص. ننسحب داخل صمتنا نغرق في بياض عميق لا قعر له، لنوقن ذات لحظة ان ذلك القرار الحاسم الذي ولد معنا لم يبق من الممكن تأجيله، ففي الرأس وشوشات قاتلة وجملة لا تنفك تنخر مثل صداع رهيب: "لا حاجة إلى أكثر. لا حاجة إلى أكثر من يوم واحد".

النهار - لثلثاء 31 أيار 2005

رجوع