زياد خداش
(فلسطين)

حين أتذكرك ازدحم بالعالم وحين أقرؤك اكتظ بالعصور...

رسالة شخصية جدا الى حسين البرغوثي بعد غد سأرسل هذه الرسالة عبر البريد الالكتروني الى فداء الأعرج في غزة لتضعها في زجاجة نبيذ وتلقيها في بحر غزة، لتصل بعد أيام الى شاطيء قيسارية في حيفا لتلتقطها هناك فتاة حيفاوية اسمها رنين، سأفترض الآن أن غسان زقطان كان هناك على شاطيء قيسارية، يتمشى هاربا من رام الله التي انهكته بمشاكلها وتناقضاتها، وفجأة رأى غسان فتاة جميلة جدا تحاول ان تخلص زجاجة من انياب موجتين شرستين ، سيتقدم غسان من الفتاة عارضا عليها المساعدة، سيمشي غسان قليلا في في البحر يمد يده ويلتقط الز جاجة بحنكة محرر وغموض محول قطارات ، ستقرأ رنين الرسالة امام غسان ، ستفاجأ رنين حين يقول لها غسان انه يعرف زياد وحسين فهما صديقاه ، سيطلب غسان من رنين الموافقة على نشر الرسالة في الصفحة الثقافية في جريدة الايام، ستوافق رنين لكنها ستبقى خائفة من احتمالية استياء خداش لان الرسالة شخصية جدا ، لكن غسان يطمئنها قائلا ان خداش لن يزعل لان الرسالة ليست بالضبط رسالة انها نص مليء بالعواطف النبيلة والحنين الإنساني ، ستهدأ رنين وتبتسم وتقول في سرها: لن اقول لزياد خداش كيف وصلت الرسالة الى جريدة الأيام ، سأجعله حائرا وأتفرج على حيرته وابتسم.

صديقي حسين: لم أجد صديقا احكي له عن همومي غيرك، صحيح انك ميت، لكن الصحيح أيضا انك تسمعني جيدا كما كنت تسمعني وأنت حي، حين كنت ارتبك أنا أمام نظراتك المحدقة في كلامي وملامحي، فتسقط كلماتي على الأرض كما الأسنان، في 1-5 2006 كنا حول قبرك كعادتنا مطلع كل أيار، بدأت افقد الإيمان بأنك ما زلت هناك في القبر، صار عندي يقين كبير بأنك موجود في كل مكان، تماما كما كتبك وكلماتك وأفكارك وأماكنك التي مشيت فيها، لذلك لا تزعل مني يا صديقي حين امتنع عن المجيء إليك في أيار القادم، لكني اشك في قدرتي على ذلك لأني سوف أتذكر انتظار أمك لنا كل عام تحت شجر اللوز، فكيف نستطيع يا صديقنا أن نخذل أمك كيف؟؟
أمك التي تتعرف علينا من جديد كل عام، لا تعرفنا أبدا كأسماء، لكنها تعرف أننا أصدقاؤك، حكت لنا هذه المرة حلما جديدا: كان هنا في الغرفة، يقرأ وفجأة خرج، فقلت له وين يما؟ قال بدي اقرا برا احسن،
وحلم اخر: مرة دخل على الغرفة تبعتي وقلي: انا عارف ليش صار هيك فصحوت من نومي، وتمنيت لو ما اصحيت عشان اسأله شو مالك يما ليش بتحكي هيك؟؟

حسين: اشعر بوحدة فظيعة هذه الأيام، وحدة غريبة مخلوطة بعوز مادي فريد من نوعه، وبإحساس بخذلان قاس من قبل أشخاص كانوا هنا قبل أشهر واختفوا فجأة. يحكى انه كان لي أربعة أصدقاء، كنا نضحك دائما ونقرأ نفس الروايات ونتقاتل على نفس البنات، في لحظة ما مباغتة ذهب أصدقائي كل الى مناطقه الجديدة، اثنان تزوجا بعد جفاف هائل، احدهم أنجبت زوجته ولدا بعد صحراء طويلة، والأخير سكت عن الظهور بطريقة غامضة لم افهمها إطلاقا، منذ شهرين لم نقبض رواتبنا،
هل تصدق؟ جاءت الى بلادنا حكومة غريبة تعيش في السماء وتريد أن تحكمنا وفق منطق يستمد شرعته من هذه الجملة: هذا تشريف من الله، لكن هذا لا يعني إني احن الى أية سلطة سابقة، الحكومات السابقة كانت تسرق مقدراتنا وهذه الحكومة تريد أن تسرق وعينا وعقلنا، هذه هي بلادنا يا حسين، لا اعرف أين الخلل فيها، هل هو فينا كضحايا احتلال لم يزل فينا؟ ام في العالم الذي يريدنا أن نكون على حساب مقاس مصالحه؟، أم في تاريخ المنطقة الذي ألف الهزيمة واستمرأ الاهانة، ؟ انت تعرف يا صديقي أني لا افهم السياسة أبدا ولا استطيع أن أكون سياسيا
ناهد تقول أني اكذب حين أقول أني وحيد، هي تعتقد ان حياتي مليئة بالمسرات والنساء خصوصا، ناهد الجميلة كنبتة المجنونة الحالمة كفراشة تعتقد أن نصوصي هي صدى لما أعيش واقعيا، هي لا تعرف أن زياد النص هو زياد المفترض المحلوم به وان زياد الواقع هو في الحقيقة الوحيد جدا تماما مثل جبال أريحا الضجرة التي نمر عنها ونحن بالسيارة، ونعجب بها ولا نجرؤ على النزول إليها لأنها موحشة وغريبة، ثم نتركها لاماكن أخرى كالبحر مثلا، هل تعرف يا حسين أني اذهب الى المدرسة مشيا على الأقدام؟؟ أرجوك لا تخبر أحدا بذلك، ليس لأني اخجل ، لكني لا أريد أن أحرج أصدقائي ومعارفي فهم يعرفون أني امشي طلبا للرشاقة والصحة، والواقع أن كثرة حديثي عن ضرورة الرياضة وممارساتي الحركية أفادتني في كذبتي هذه، نعم صدقني، فالمصروف الذي يضعه لي أبي على طاولتي بالكاد يكفيني فنجان قهوة ورغيف ساندويش، وزجاجة عصير،
أحوم حول المبلغ الصغير منتظرا، ابتعاد أهلي عن الغرفة، التقطه بسرعة واهرب الى الخارج بعيدا عن عيون أمي وأبي المصدومتين من حالة رجل أربعينيي ما زالا يصرفان عليه، لماذا أفضفض لك انت بالذات عن همومي هذه؟؟ هل انك ميت والرسالة لن تصلك أبدا؟ ام لأني حقا لا أجد غيرك هذه الأيام يسمعني جيدا ويخفف عن ألمي؟؟ لا اعرف، لكني اعرف جيدا أني اشعر باني ازدحم بالعالم حين أتذكرك واكتظ بالعصور حين أقرؤك، قبل أيام أنهيت قراءة روايتك القديمة: الضفة الثالثة لنهر الأردن في طبعة جديدة اشرف عليها مراد السوداني، سأقول لك، عن مراد انه أجمل واخلص طلابك، هو يشرف الآن على مؤتمر ثقافي إحياء لأدبك وفكرك في الرابع والعشرين من هذا الشهر، هو دائم التفكير في إعادة طباعة كتبك، هو مهجوس دوما في كيفية إيصال كلماتك وجمالك الى العالم، كما يستحق ان الزمن هو خير امتحان للذين يحبونك والذين يدعون حبك لأسباب استعراضية وشخصية كلما مر زمن غيابك كلما تبيت من هو المخلص لك ولطريقك ونهجك مراد ما زال متحمسا لك وما زال ينتقم بطريقته من الذين حاولوا تغييب أثرك وتمييع إنتاجك، مراد شاعر جميل التقي معه معظم الأيام على مفترق طرق، أثناء ذهابي صباحا الى المدرسة، نتحدث بما تسمح لنا مسافة الطريق، يمضي هو الى بيت الشعر متأبطا الجرائد وانحدر أنا الى مؤسستي القاتلة الخالية من الشعر والمعجونة بالأوامر. حين قرأت ضفتك الثالثة شعرت كم من المسافات الجمالية قطعت يا حسين، وكم كنت إنشائيا تنتصر للإيقاع الجرسي على حساب الفكرة، وكم من الكراهية الرائعة ذرفت في سبيل تطوير أدواتك يا صديقي، وحين أقارن بين الضفة الثالثة والضوء الأزرق، اشعر بغبطة الدرس التي علمتنا إياه يا أجمل المعلمين، حين قلت لنا بما معناه: لا تتجمدوا في نقطة واستمروا في التجريب والمغامرة وتحطيم الأفق، هل تتذكر حسين حين طلب إليك احد الشعراء أن تحكي له رأيك يما يكتب، وحين قلت ما تعتقده بصراحتك التي نحبها، ادعى الشاعر التماسك وسعة الصدر، وحين خرجت من الغرفة أشبعك شتائم، هذا رجل لا يريد أن يتطور، قلت لنا حينها يا حسين، وتابعت: هو أهبل لأنه لو كنت أنا محله لأعطيت منتقدي جائزة لأنه يدلني على أماكن خللي، أنا شخصيا استفدت منك كثيرا من هذه الناحية، تعرضت لامتحان مع نفسي نحجت فيه، أتذكر يوم أعطيتك نصا، لتقرؤه وتقول لي رأيك، يومها قرأت انت النص بتمعن كبير، ثم أعطيتني إياه قائلا: هنا يوجد ادعاء أدب أكثر ما فيه من صدق، كمية الصدق قليلة هنا يا زياد، فرحت جدا برأيك ورحت اشتغل على فضاء نصي بصدق أكثر واعدت كتابته

صديقي
سأروي لك ما حدث لي هذا اليوم في الصف الثامن الذي ادرسه الكتابة الإبداعية، في الحصة السابقة كنت قد طلبت من طلابي أن يكتبوا عن طفل غريب يحب المسنين، فكرة النص تحكي قصة تلميذ في الصف الثالث يحب دائما على خلاف زملائه الاختلاط بالرجال المسنين الذين يحبونه بدورهم ويحكون له الحكايات المسلية، فجأة اكتشف التلميذ انه كلما عاد من لقاء مع مسن في دار المسنين الى البيت وجد في دفتر الرسم قطعة نقود ورقية، في البداية ظن التلميذ أن أباه المسافر يرسل له من البلاد البعيدة، لكنه في النهاية اقتنع أن الله يكافئه على اهتمامه بالمسنين الذين لا يزورهم احد، اخبر التلميذ صديقه الذي لم يكن يحب المسنين، فزار صديقه دار المسنين وتحدث إليهم ولاطفهم، وحين عاد الى البيت وجد في دفتر رسمه نقودا، فطار من الفرح، وقررا أن لا يفشيا هذا السر لأحد، لكنهما في النهاية قررا ان يخبرا كل التلاميذ في الصف الذين ركضوا باتجاه دار المسنين ووجدوا نقودا كثيرة في دفاتر رسمهم، كتب طلابي نصوصا رائعة عن هذا التلميذ تباينت مساراتها ونهاياتها ولغتها كل حسب قدراته وتفكيره وموقفه، واليوم أثناء حصة الكتابة الإبداعية وبعد أن تركت الصف لدقائق لأحضر غرضا ما، فوجئت بأربع أوراق نقدية من فئة المئة شيكل مدسوسة في صفحات الدفتر، وحين أمسكت الأوراق النقدية بيدي، ابتسم الطلاب، ففهمت أنهم يحاولون ان يساعدوني في محنة تأخر الرواتب،، تأثرت جدا من هذا الموقف، لكني لم ابد للطلاب إني فهمت المغزى، وسألتهم، مدعيا الحيرة والاستغراب: من وضع النقود هنا لم يجب احد، وحين لاحظوا أني أكاد اغضب قالوا لي: أستاذ انت البارحة كنت تجلس وتحدث بحميمية عالية كما طلبت منا مع رجلين مسنين في مقهى شعبي برام الله القريبة أليس كذلك؟ جبتهم بلى ، أضافوا: لماذا لا تريد أن تصدق أن الله هو الذي وضع لك هذه النقود مكافأة لك على لطفك مع المسنين؟؟ لماذا صدقت نصوصنا ولم تصدق نصك،؟ لم استطع ان اجب بكلمة، خرجت من الصف، رأيت نفسي احكي لمدير القصة، تأثر المدير والمعلمون، طرحت على المدير فكرة تقاسم المبلغ فوافق.

صديقي حسين
نسيت أن أقول لك اني ارسل هذه الرسالة اليك عن طريق البحر، زجاجة نبيذ فاخر فارغة تركها فاسد ربما من فاسدي السلطة، اثناء نزهة سكر على الشاطئ التقطتها فداء التي نزفت قدمها دما من اجل أن تقتحم الميناء القديم وتلقي بالزجاجة في البحر، بعد ان تضع الرسالة فيها، رنين تنتظرها منذ ايام على شاطيء قيسارية، رنين الطفلة التي تحبك ولا تنام الا على ضوئك الأزرق، تقول لي هاتفيا، أن البحر ازرق جدا هذا الصباح، وكل شيء حولي ازرق، الصخور وملابس السياح والسماء والسيارات وأنا، كأن حسين هنا هذا الصباح.
كأنه سيأتي بعد قليل، فقد كان هنا قبل قليل.

أقرأ أيضاً: