منذ فترة طويلة وأنا لا استطيع أن أخبر عن حياتي. عندما أُسأل عن جديدها لا استطيع جواباً. أجد فجأة أن ما يحدث معي يتلاشى مع نهايته، لا يترك بقايا. لا يترك حتى إسماً. أقول لنفسي انها السن. الاشياء تحدث بسهولة وتختفي بسهولة مع الوقت، نفعلها بوعي اقل وانحياز اقل وكأننا نفعلها لسوانا. انها الذاكرة، بلادنا الخلفية وسلوانا، تغدو مع الايام، مجرد منامة لجنود هاربين يرحلون عند الفجر. حياتنا نفسها تغدو جارتنا كما قلتُ مرة في قصيدة، اسمحوا لي أن استعير من نفسي ما استعرته من شاعر فرنسي قال بجرأة اكبر "حياتي ليست لي". لا يبقى لنا ما نخبره عن انفسنا لأن العقاب الذي تناله الاشياء هو ان تغدو متشابهة. من قبل كنا فريدين بطريقة ما. فريدين في نومنا واكلنا وشربنا ومشينا وحبنا وخصوماتنا، اما الآن فهو نوم كل يوم، وشرب كل يوم، ومشي كل يوم، وحب كل يوم وخصومة كل يوم. اي باختصار، شيء لا يقال ولا نملك خبراً عنه. أحياناً بالطبع، احياناً غير قليلة، نصنع في السر امراً فريداً. نصنعه هذه المرة بوعي وتركيز وموهبة كاملة وخلق صعب، لكننا مع ذلك نصونه في داخلنا. نصونه لكي لا يختفي مع فلتات لساننا ولكي لا يغدو خبراً. ربما لأننا نشعر بأنه نبت شيطاني من قبيل ذلك الذي عقده مفيستو مع فاوست. ربما لأنه لقية نحس بأننا سرقناها تقريباً ونخشى أن نقود اللصوص اليها. ربما لأننا نشفق على انفسنا من أن تكون نزوة وتصابياً. ربما لأن الكلام يزداد انفصالاً عن حياتنا فلا نزوده الاّ ما انتهينا منه ولا نلقي اليه بما لا يزال فيه عرق امل وعرق حياة. نخاف من فريدنا في هذا الوقت او نحبه اكثر من انفسنا، فالانجع الآن أن نكون متشابهين ككراسي مكتبنا واجندات مواعيدنا وساعات راحتنا امام التلفزيون المعينة بدقة نظام وجباتنا وأدويتنا. نجيب فوراً "لا جديد" ونرفض السؤال اصلاً أو نرتاب فيه. انها دورة كل يوم ومن يتكلم عن دوره.
سأقول انني استيقظ...، حمداً لله أنني لا أعرف متى استيقظ، غالباً لا اتمّ نومي. أفيق في لحظة منه وكأنني تعبت من الاستمرار فيه. النوم الرحيم لا يكون دائماً رحيماً. احياناً أحسه شاقاً وطويلاً للغاية. في الواقع استريح منه مرات فلا استيقظ مرة واحدة. هناك يقظة اولى امضيها في انتظار النومة الثانية. على سريري، جنب وسادتي كتب غالباً، لا اضعها قاصداً ولا اعرف كيف تتجمع دائماً. اتناول واحداً منها، أي واحد. المقصود هو مغالبة الانتظار. اقرأ شطراً ويأخذني نوم هانئ هذه المرة. هانئ لأنه اشبه بقيلولة صباحية. انه الجزء الذي لا يدخل فيه النوم انفاقاً مظلمة بل يتمشى على شواطئ واحياناً على جسور عالية. لكن هذا الحديث يجرني الى أصل المسألة وهو حكايتي مع النوم.
فكرت مرة بأن اكتب كتاباً عن هذه الحكاية، لكنني حين حاولت وجدت انني لا املك الكثير لأخبره عنها. لقد ضاعت مصارعة أيام طويلة ولم تترك وراءها سوى عناوين غامضة. كان يمكنني لولا ذلك ان اكتب مجلداً عن الارق، الأرق الذي يسلّمنا اليه قلق لا ينفك، لكن جريان النهار يلهيه ويتركه يقظاً منتظراً. ما بالك وقد انفرد بك بعدما غادرك كل شيء ولم يبق لك سواه. وسواس صغير في الغالب لكنك لا تعرف من اين تأتي الغيلان. لا تعرف كيف يرتفع السرير في الحجرة، وتشخص اليك الكتب، ويغلف الغرفة ضوء كهفي، ويتصبر الجسد عاجزاً عن الدخول اكثر في نفسه، ويعلو جدار في صدرك. اشبّه علاقتي بالنوم بقصتي مع السباحة التي لم اتقنها في يوم ولا تزال كل سباحة لي خطرة وجديدة وغير مؤكدة. لست بالطبع من الذين يرتدون بيجاماتهم ويعرفون في ساعة معلومة ان عليهم ان يتوجهوا الى حجرات نومهم ليندسوا في اسرتهم ويطفئوا منها اللمبات او الثريات. احسب انهم في الغالب يغلقون أعينهم مع هبوط العتمة وينتظرون ان يأتي النوم. لو فعلت أنا ذلك لاستدعيت الارق. لطار النوم مع كل حركة من هذه. لما صبر حتى البس بيجامتي او اتوجه الى حجرتي. وبالتأكيد كان طار ما ان أُطفئ اللمبة واجد نفسي في عتمة كاملة. بالتأكيد كنت جلست في سريري وحدقت في العتمة بعينين كبيرتين صاحيتين. استراتيجيتي للنوم غير ذلك تماماً. انها قائمة على فن آخر هو المخادعة. اتشاغل بأي شيء. اتمدد في الكنبة امام التلفزيون واشاهد فيلماً، احس بالنعاس لكني لا اجفل النوم. لو ذهبت الى التلفزيون واطفأته واغمضت عيني استعداداً لكان فهم انني متهيىء لملاقاته ولكان هرب. اشعر بالنعاس واتغافل عنه. استمر في مشاهدتي او قراءتي او كتابتي (نادراً ما يكون ذلك كتابة) ويتعمق النعاس لكني اصبر عليه وابقي على تجاهلي لي. الى أن يكتمل في عيني ويشملني على الكنبة والتلفزيون مضاء واللمبة في عزها، نوم كامل وشاق تقريباً، لكنه نوم. انام وانا لا ازال اتابع خدعتي فاستمر في رؤية التلفزيون من وراء جفوني المغمضة، وفي سماع الموسيقى من وراء أذنيّ. وفي النوم كأني لا ازال في اليقظة. لا اسمع شخيري بالطبع لكني متأكد منه. أنام بملء الشعور بأنني لا ازال في ثياب الخروج وانني على كنبة وليس عليّ غطاء كاف. أي انني انام بدون الاحترام الكافي لحالي وللنوم، كمن ينام على مقعد في قطار غير دار اين يلقي رأسه، او على مقعد في السينما تحت العيون المستغربة. انفض عني هذا النوم الشاق واتوجه هذه المرة الى غرفتي لاخلع برماً ثيابي وافرّش اسناني (اذا جاز فعل افرش). برماً لأني هذه اللحظة هي تقريباً الصفر في الزمن، وكل حركة فيها زائدة واصطناعية. اتمدد على فراشي فأتابع نومي او اتناول كتاباً عن يميني لأعاود القصة التي حكيتها أعلاه. النوم، باختصار، زائر عليَّ أن أغويه. ليس في جسمي ولا تحت جفني. زائر يسلس أحياناً ويتنمر احياناً اخرى ولا حيلة لي معه لأنه زائر وغريب وقد يهرب وقد يتمرد. يحصل احياناً، لاسباب وبدون اسباب، أن لا يأتي. انها بالطبع فترة رهيبة، أن لا تغلق اجفانك طيلة ايام ولا تنام الا بعد أن تقع من التعب، وغالباً بمحرض خارجي، وبكبوة خاطفة، لكن هذه حكاية. ما دمنا في اليومي فلنبق في اليومي.
ضاع جل حديثي على النوم، أليس هذا هرباً لاواعياً. أما في اليقظة التي ليس لها وقت، فأحب أن اقول، بدون يقين انها بين السابعة والتاسعة غالباً، فأجلس في سريري وأعيد ترتيب وسائدي فهي كثيرة، وسريري، الذي صنعته بأول معاش من وظيفة مضى عليها 35 عاماً، بلا ظهر، ابدأ بقراءة أي شيء أجده جنبي. قد يكون رواية او بحثاً او ديوان شعر، وقد يكون جريدة الامس. أنا هكذا اغافل عملي وأؤجله ما استطعت، حتى اذا زاد احساسي بتهربي عمدت الى عملي: قراءة مقصودة او كتابة مقصودة. لا اخفي انني أذهب الى الكتابة بنفس ثقيلة وممانعة خفيفة. تحتاج الكتابة الى عمد وتأهب وتركيز وكل هذا يخرجني من تلك المجانية التي يسوقني اليها الصباح وذلك الطبع الكسول الذي استيقظ عليه. احتاج الى فترة تحمية هي غالباً قراءة تسبق الكتابة. لا استطيع، وعذراً، ان اوضح كيف تسبق القراءة الكتابة أو تسهلها. اتكلم طبعاً عما يسمّى وعذراً لأنني لا اجد في متناولي الآن مصطلحاً آخر: الكتابة الابداعية، وهي غير المقالة العادية في الجريدة. لا استطيع أن اوضح كيف يمهد كتاب تاريخ او رواية او حتى مقطعات لينتشه لكتابة قصيدة. وكيف يكون ذلك من ملابسات القصيدة ومقدماتها، بل وان يدخل، على نحو ما، فيها. لا استطيع ان اشرح فهذا في الغالب من اسرار عمل قد يكون كله اسراراً (بالمعنى المسيحي لكلمة السر).
اضعت وقتاً كثيراً على النوم واليقظة، ما يدعوني الى الايجاز. اذهب الى عملي في الأولى او الأولى والنصف او الثانية ولي طمع دائم في صبر زملائي. اعمل لكنني افني وقتاً اكبر في لقاءات، ازعم لنفسي انها جزء من عملي، ولماذا لا اعترف بأني احبها، وأن لا ضرورة في أن يكون الشاعر، اتذكر الآن اني شاعر، برياً ومكتفياً بالجلوس الى نفسه. يزورونني غالباً بلا موعد ومن يتلفنون لي طلباً لموعد اشعر انهم يكرمونني كثيراً ولا أجد طريقة صحيحة للتعويض عليهم. احب حتى زيارات مجانين الكتابة الذين يأتون عاتبين، واحياناً بصخب، لأن واحداً مثلي بلغ به غروره ان لا ينشر لهم كتابات وجدها من هم اكبر منه بكثير تاريخية. افكر ان هذا يستحق موضوعاً على حدة. زيارات الناس تشفيني في الغالب من حاجتي الاجتماعية. لكن هذا لا يمنع من أن أتوجه بعد انقضاء العمل الى مقهى ستاربكس لأجد من احادثه. حين لا أجد أحداً اشعر بمهانة تقريباً، واحس ما يعنيه توسل او تسول محادث من الوحدة والترك، حينها لا أدخل.
بقي أن اتكلم عن الساعة التي عليّ أن أمشيها. انها فرض طويل وسيزيفي. اقطعها الى لحظات لكنها، وللسبب نفسه، تكاد لا تتحرك كما يفعل السهم الزينوني. تزداد طولاً مع ذلك ويغدو المشي نفسه عبثاً وكأنه بلا وقت. أي صبر جنوني يدعوني لأن استمر. اتجرع الوقت بملاعق صغيرة كما يقول اليوت واحياناً بمقادير اقل. يدخل الوقت في دورتي الدموية وفي تنفسي. ادور في كل مكان ورأسي مستمر في تعداد عصبي. دقيقة بعد دقيقة تنضاف الى جسمي. في النهاية اتحول صبراً خالصاً. لكن هذا رائع تقريباً. أجد فجأة في جسدي الساعة المفقودة في حياتي. ساعتي الروحية والبيولوجية. يغدو هذا الجسد الأخرق منتظماً كآلة. وشيئاً فشيئاً أحس أن العالم كله في قدمي. يا للتعب اللذيذ كالحب.
ما أجمل أن اذهب لأنام. سجلوا انني انتهيت كما بدأت. انها ايضاً دورة سيزيفية.