(نصوص من حكمة الشرق)

أحمد صالح غالب الفقيه
(اليمن)

فارس الأحصنة المتوحشةقال شبه الظل للظل: أراك في لحظة متحركاً وفي لحظة أخرى ثابتاً. وآناً جالساً وأخرى واقفاً. فلم هذا التنقل في أحوالك؟ قال الظل: آلا تراني معتمداً على غيري فيما أفعل؟ وألا ترى أن من أعتمد عليه يعتمد على شيء آخر في كل ما يفعل؟ أنى لي أن أفسر ما أفعل وما لا أفعل؟

المقدمة

“نصوص من حكمة الشرق” هو الاسم الذي اخترته لهذا المقتطف، الذي تنشره الجمهورية الغراء في ملحقها ( كتاب في الجمهورية) من سفر اكبر ألفته باسم الميثيولوجيا الشرقية، وحالت الظروف المادية دون ظهوره.
كانت رحلتي في تأليف الكتاب وجمع مادته رحلة مثيرة ممتعة غاية الإمتاع، وهو ما أعد به القارئ الكريم أو قل ما أرجوه له.

والرحلة مع العقائد والفلسفات رحلة تتيح للإنسان فهم المجتمعات الإنسانية بثقافاتها المتعددة وهي تؤدي قطعاً إلى التفهم والتسامح الذي يغيب نتيجة للجهل وعدم المعرفة. فالإنسان كما يقول المثل الشعبي: عدو ما يجهل. ولعل أكثر ما أثار استغرابي في هذه الرحلة هو وضع طبقة المنبوذين في الهند الذين يشكلون نسبة كبيرة من السكان. وقد تحولت الدهشة إلى أسئلة غاية في الأهمية كانت الرحلة تقدم الإجابة عليها كلما أوغلت فيها.
لقد انقسمت الفلسفة إلى طريقين رئيسيين أحدهما يقول :بأن الفكر انعكاس لحركة المادة على الدماغ المفكر، وبعبارة أخرى أن التاريخ يصنع الوعي، والاتجاه الثاني يقول بالعكس أي أن الفكر هو ما يصنع التاريخ. ولكن هذا الرضوخ الغريب من ملايين المنبوذين الهندوس لوضعهم المزري المؤيد بعقيدة دينية يخلصون لها أشد الإخلاص ويؤمنون بها إيماناً أعمى يظهر على الأقل أن الوعي الموروث بما يشكله من وجود ماثل وحاضر في الذهن الإنساني أكثر قوة وتأثيراً من حركة الحياة خارج الوعي، أو فلنقل من حركة المادة خارجه. وهي حركة يتمثلها الوعي على صورة نتف متفرقة يحتاج تجميعها وصياغة فكر منها فترة زمنية طويلة، وعناية ورغبة حقيقيتين من قبل الإنسان لتجميع تلك المعطيات المتفرقة وتنسيقها واستخلاص النتائج منها. وهو أمر لا أظنه متيسراً للملايين من البشر الفقراء المقهورين. فلا غرو إذاً أن يكون المصلحون الثائرون قلة قليلة جداً من بين البشر حتى أنه يمكن عدهم وترديد أسمائهم واحداً واحداً في زمن وجيز.

ويتفرع مما تقدم أن قوة الدين حتى ولو كان هذا الدين يشكل مؤامرة صاغها البشر على صورة لعنة على المستوى الحياتي وقوة قاهرة ذات قدرة وتأثير جبارين على حياة البشر وتصرفاتهم. وصياغة البشر للأديان ليست بالأمر الجديد. وتظهر لنا الحصيلة التاريخية أن الإنسان أبدى نزوعاً وميلاً منذ وقت مبكر إلى بناء عالم فكري خاص به مفارق لواقع عالمه المادي ومواز له. وتلك حيلة قديمة لجأ إليها للتغلب على شعوره بالعجز على المستويين المعرفي (الابستمولوجي) العجز عن الفهم، والوجودي (الانطولوجي) العجز عن الامتلاك، وذلك عن طريق إعادة تعريف وتسمية مكونات عالمه، كلياً أو جزئياً، بما يتناسب مع رغباته وأمانيه.
البناء الخيالي الناتج عن هذا النزوع والميل، هو ما أصطلح الناس على تسميته أدباً وفناً لغوياً إذا كان جزئياً، وهو أيضا ما اصطلحوا على تسميته بالأيديولوجيا إذا كان ذا بنية شاملة.

الفكر والأيديولوجيا

يقوم الفكر على أساس من اللغة، القائمة بدورها على تسمية الأشياء المتنوعة والكثيرة في العالم المادي، في بناء منطقي يعكس العلاقات بين الأشياء ضمن بنيتي الزمان والمكان. ويهدف هذا البناء المنطقي للغة، إلى لم شتات العالم في مكوناته الكثيرة المتعددة، وذلك في مسعى ابستمولوجي لفهم العالم واستخراج المعنى منه عبر الفكر. ومسعى انطولوجي للسيطرة على هذا العالم وامتلاكه، ومن ثم التخلص من الاغتراب المضني الذي يعانيه الإنسان فيه، وهو الاغتراب الناتج عن الكثرة الظاهرية لمكونات العالم، التي تتحدى الإنسان وتقابل هويته بهويتها الخاصة، وتقاوم رغباته واحتياجه إلى استئناسها وامتلاكها واستهلاكها، احتياجاً اضطرارياً لأسباب محض وجودية.
ولما كانت طبيعية البناء المنطقي للغة وبالتالي للفكر، في شقيها التحليلي والتركيبي، قائمة في الأساس على قضايا منطقية ذات مقدمات، ثم نتائج مستخلصة من تلك المقدمات، فإنها تقبل مقدمات خيالية مصطنعة لا تستند إلى وقائع مادية، فتؤدي إلى نتائج مصطنعة بدورها. وهذه النتائج المصطنعة هي أحجار البناء التي تستمد منها الأيديولوجيا بنيتها.
لقد أتيحت للمنبوذين فرص متعددة عبر التاريخ لخلع ربقة هذا الدين الذي يربطهم إلى وضعهم المزري بخيوط غير مرئية ولكنها شديدة الوثاق، وجاءت الفرصة الأولى مع البوذية، وتلتها الفرصة الأخرى مع الإسلام، ولكن يبدو أن الحكام المسلمين في الهند شكلوا طبقة حاكمة حبذت بقاء معظم الهندوس على ديانتهم على غرار بعض الخلفاء المسلمين الظلمة الذين لم يشجعوا الفلاحين في البلاد المفتوحة على الإسلام خشية فقد موارد الجزية المالية الهامة بالنسبة للحاكمين، وهو ما استنكره الخليفة الأموي العادل عمر بن عبد العزيز يوم قال: «إن الله بعث محمداً هادياً ولم يبعثه جابياً».
أياً يكن الأمر، فالكائن البشري كما يقول المؤرخ آرنولد توينبي: “يتحتم عليه أن يعيش ويعمل خلال حياته المضطربة جسداً وعقلاً في المحيط الحيوي. ومتطلبات العيش والعمل تفرضه عليه أن يزود نفسه بأجوبة مؤقتة للألغاز التي تضعها الظواهر الطبيعية أمامه، وهذا مفروض عليه حتى ولو عجز عن الحصول على هذه الأجوبة من العلم، حتى ولو كان يعتقد بأن المعرفة العلمية هي المعرفة الوحيدة الحقة. ذلك أن هذا الاعتقاد ليس في حرز من التشكيك فيه ومع ذلك فإنه من الصحيح القول أن الأجوبة التي نعثر عليها خارج حدود العلم هي أفعال إيمان لا يمكن التثبت منها. فهي ليست شرحاً عقلياً وإنما هي حدس ديني ولكن الجوهري الذي هو ركيزة الدين هو، ولا ريب، ثابت ثبات جوهر الطبيعة البشرية ذاتها. فالدين، في الحقيقة هو صفة ذاتية ومميزة للطبيعة البشرية وهو الاستجابة الحتمية لتحدي غموض الظواهر الطبيعية وهذا التحدي يواجه الكائن البشري لأنه يملك هذه القدرة البشرية الفريدة – قدرة الوعي.”
ولكني مع اتفاقي مع ما قاله المؤرخ الكبير فيما يخص كثيراً من الأديان إلا أنني أؤمن إيماناً عميقاً يؤيده العلم الذي أكد اليوم أن للكون بداية ونهاية، بأن الخالق العظيم أرسل أنبياءه لهداية البشر ولكن البشر قاموا بتحويل الدين السماوي إلى أيديولوجيا بالحذف والإضافة أو بالابتسار والاجتزاء، أو بالتفسير المغلوط، وقد قلنا : أن الأيديولوجيا عمل غائي يهدف إلى التغلب على عجز الإنسان على المستويين المعرفي والوجودي المتمثلين بالعجز عن الفهم والعجز عن الامتلاك.
وعند تحليل هذين المظهرين من مظاهر العجز الإنساني نجد أن عجز الإنسان عن الفهم راجع إلى الهوى ثم إلى التخلف العلمي والتقني وقصور مناهج البحث. أما العجز عن الامتلاك فهو شعور ناتج عن الطمع والجشع أولاً، ثم عن ندرة الأشياء التي يحتاج إليها الإنسان لإشباع حاجاته. ولهذا يرى الإنسان في الآخر – فرداً أو مجتمعاً –منافساً خطيراً على الموارد النادرة يجب إقصاؤه ولو بإلغائه. ولذلك فإن الأيديولوجيا البشرية تتسم بسمتين رئيسيتين على وجه الحصر:

• تقدم في المجال المعرفي إجابات جاهزة، وهذه الإجابات عندما تتعلق بأمور علمية تؤدي إلى ظهور تهافت الأيديولوجيا وكذبها.
• وفي المجال الوجودي تنزع إلى الرفع من شأن الذات مقابل وصم الآخر وتحقيره والتقليل من شأنه تمهيداً لإلغائه.

ولكن مكمن الخطورة في الأمر هو في تدثر الأيديولوجيا بدثار الدين. فهاهم البشر في هذا العالم من أقصاه إلى أقصاه يخلعون نير الظلم والتمييز عن أعناقهم بينما يستكين له المنبوذون الهنود استكانة عجيبة، كل ذلك لأن الغزاة الآريين جعلوه ديانة اعتنقها أولئك المساكين.
آمل أن ينال هذا الكتاب رضى القارئ الكريم ، فهو ثمرة قراءات واسعة لعشرات المصادر الاجنبية وتجميع للمعلومات وتدوين للملاحظات وترجمة للنصوص التاريخية.

أحمد صالح غالب الفقيه
صنعاء في شتاء 2002
الهندوسية

الفيدا كلمة سنسكريتية تعني المعرفة. وهي تطلق على أكثر النصوص قداسة وقدماً في الهندوسية وترجع نصوصها الأولى إلى الآريين الغزاة الذين احتلوا الهند قادمين من الشمال منذ حوالي عام ألف وخمسمائة قبل الميلاد. وقد تراكمت نصوص ضمت إلى الفيدا الأصلية عبر الزمن. وتحتوي النصوص الفيدية على أربع مجموعات من الأناشيد وأقسام شعرية وتعاليم تخص الطقوس والاحتفالات. وهذه المجموعات الأربع تدعى الريج فيدا، والساما فيدا، والياجور فيدا، ثم الأثارفا فيدا، وتعرف كل منها أيضا بلفظة (ساماهيتا) التي تعني المجموعة.

الأصول الأولى للفيدا

كانت الأصول الأولى للفيدا مؤلفة بالفيدية وهي شكل من أشكال اللغة السنسكريتية، ورغم الأصل القديم لنواة الفيدا التي جاءت مع الغزاة الآريين فإنه من المعتقد أن كتب الفيدا لم تأخذ شكلها الحالي إلا في فترة تقارب القرن الثالث قبل الميلاد. وقد كانت الفيدا أدباً شفوياً، يحفظه عن ظهر قلب كهنة يسمى الواحد منهم (ريشي)، وينقلون ما حفظوه من جيل إلى جيل. وهي عملية يعترف علماء الهندوسية بأنها كانت تؤدي إلى إضافات وتغييرات في الأصل الآري. ومن المعترف به الآن لدى دارسي الهندوسية، أن كتلة كبيرة من نصوص الفيدا مأخوذة من الثقافة الدرافيدية الهندية السابقة على الغزو الآري، وهي أجزاء يمكن للدارسين تمييزها.

المحتويات والاستعمالات

الساماهيتا الثلاثة الأول هي عبارة عن كتب للطقوس التي يتم إجراؤها من قبل ثلاث طبقات من الكهنة الذين يشرفون على الاحتفالات الطقوسية الخاصة بتقديم القرابين إلى الآلهة. وتحتوي الريج فيدا على حوالي ثلاثة آلاف أنشودة، فكلمة ريج تعني بالسنسكريتية الأنشودة. وهذه الأناشيد مكتوبة في أشكال شعرية متنوعة ومرتبة في عشرة كتب، يستعملها كهنة الهوتري أو القراء الذين - كما يعتقد - يستثيرون القوى الإلهية عن طريق الترتيل الجهري للأناشيد. أما الساما فيدا المحتوية على مقاطع (جمل) مأخوذة من الريج فيدا، فيستخدمها كهنة الـ(أود جاتري) أي المنشدون الذين يقومون بغناء تلك الأناشيد، وكلمة ساما السنسكريتية تعني الألحان. أما فيما يتعلق بالياجور فيدا فإنها تتكون الآن من قسمين منقحين يحتويان على نفس المواد تقريباً، ولا يختلفان إلا في الترتيب ويخص الكتاب التعاليم الطقوسية الخاصة بالقرابين، ويستعملها الكهنة الـ(أدفاريو) الذين يقرأون مقاطع مناسبة من الياجور فيدا أثناء قيامهم بأداء الطقوس. وكلمة ياجا السنسكريتية التي اشتقت منها كلمة ياجور تعني القرابين.
الجزء الرابع من الفيدا، وهو الـ(أثارفا فيدا)، ويعزى إلى كاهن - ريشي- اسمه آثرافان، ويحتوي على مجموعة واسعة من الأناشيد المتنوعة، والنصوص والتعاويذ السحرية المخصصة للاستعمال الشخصي والمحلي. ولم يكن هذا الجزء معترفاً به كجزء من الفيدا بسبب الطبيعة الانحرافية لمحتوياته عن النصوص الفيدية الأخرى الأقدم عهدا. ولكنه أصبح الآن مقبولاً كجزء من الفيدا، وهو يُستعمل كدليل طقوسي من قبل الكهنة البرهميين، وهم الطبقة الرابعة الأعلى التي تشرف على طقوس القرابين. ويعتقد الدارسون أن هذا النص يرجع في معظمه إلى الثقافة ما قبل الآرية.

مكونات نصوص الفيدا

تتكون كتب الفيدا من حيث طبيعتها من نوعين من النصوص هما الـ(براهمانا) والـ(مانترا). والنوع الأول عبارة عن تعليقات وهوامش على كتب الفيدا الأصلية وهي تتناول التفاصيل والتفسير للنصوص الأصلية. أما النوع الثاني وهو المانترا فهو عبارة عن نصوص الفيدا الأصلية أو المتون.
وهناك كتابات مضافة ألحقت بالبراهمانا أي بالتعليقات والشروح وتسمى (أرانياكا) أو نصوص الغابات، واسمها مشتق من الكلمة السنسكريتية أرانيا ومعناها غابة. وهذه الكتابات الصوفية الطابع والغنية والغامضة في محتواها، كتبها الحكماء الزهاد من براهمة الغابات. ويعتقد الهندوس بقدسية كل الشروحات في البراهمانا على اعتبار أن مصدرها وحي إلهي يتلقاه واضعوها من الكهنة والحكماء الزهاد وهم في حالات الاتصال الروحي (سامدهي). كما يعتقدون أن فهم هذه النصوص فهما صحيحا لا يتيسر إلا للزاهدين المنقطعين للتأمل والعبادة.
ويشكل مجموع نصوص الأرانياكا - في شكلها النهائي - ما يعرف بال(أوبانيشاد) وهي ترجع إلى مابين القرنين الثامن والخامس قبل الميلاد. وتعتبر الأوبانيشاد والكتابات الفلسفية والحكمية التجديدية، التي نشأت على أساسها، فكرا بل وديانة توحيدية ذات شقين ، الأولى حلولية تقول بأن الأشياء المتعددة ليست إلا قناعا وخيالا ووهما لا حقيقة له يخفي وراءه حقيقة الإله الواحد الخالق، وتسمى النصوص التي تحمل هذا الفكر الحلولي بالـ (أدفايتا فيدانتا). والثانية توحيدية تقول : أن هناك إلها واحدا خالقا يتحكم في الكون، وأنه والكون كيانان منفصلان. وعقيدة الـ(فيدانتا) بشقيها تخالف العقيدة الأصلية للفيدا الشائعة في الهند، التي تقول بتعدد الآلهة ومع ذلك فنصوصها جزء من المجموعة الرباعية المقدسة للفيدا.
وعلى العكس من كتب الفيدا التي لا يجوز مناقشة محتوياتها أو معارضتها توجد الملاحم الشعرية غير المقدسة وهي قابلة للتحوير والتعديل والمناقشة وتسمى هذه النصوص غير المقدسة باسم (سمريتي) أو ما يتم تذكره.
وتتكون السمريتي من ملحمتي الرامايانا والمهاباهاراتا إضافة إلى ثمانية عشرة من (البورانا) الكبرى وهي نصوص سنسكريتية، إضافة إلى عديد من البورانا الثانوية.
وإلى جانب الملاحم هناك نصوص الدارماشاترا والدارماسوترا، التي ينتمي إليها النص المنسوب إلى الحكيم مانو الذي يردده الناس كثيراً.
والرامايانا والمهاباهاراتا ملاحم قصصية شعرية، تحكي مغامرات وبطولات تجسيد الإله فيشنو؛ (كريشنا وراما). وتتطرقان من خلال القصص إلى طائفة واسعة من الموضوعات الفلسفية والطبية والسياسية والفلكية. ويرجع تاريخها إلى مابين القرن الرابع قبل الميلاد والقرن الرابع الميلادي.
أما البورانا فتأتي بعد الملاحم في ترتيبها الزمني ، أي إلى ما بعد 400 بعد الميلاد بكثير. وهي نصوص قصصية أيضاً مكملة للملحمتين الكبريين. فالبهاجافاتا بورانا على سبيل المثال؛ تتناول طفولة كريشنا التي لم ترد في الملحمة الأصلية. وتحتوي البورانا أيضاً على أساطير ثانوية وأناشيد تمجيدية وفلسفات وصوراً وطقوساً.
ومعظم كتب اليورانا ذات طبيعة طائفية. فالبورانات الكبرى، وبعض الصغرى مكرسة لعبادة الإلهين شيفا وفيشنو والآلهات المرتبطة بهما. وإضافة إلى ذلك، تحتوي البورانا على موضوعات عامة غير طائفية؛ مثل خلق الكون، والتدمير وإعادة الخلق، وأصول الآلهة والحكماء المقدسين، والحكماء الآباء للجنس البشري (المانوات) جمع مانو.

الفـيـدانـتـا

تمثل نصوص الفيدانتا الجانب الروحي المشرق في الهندوسية مقابل الروح الظلامية الكهنوتية للفيدا الأصلية التي يبرز بوضوح فيها أنها وضعت لتدعيم سلطة الكهنوت البرهمي الهندي لطبقة البرهميين الآريين المستغلة التي وفدت على الهند من الشمال واستعمرتها واستغلت أهلها وأوجدت لها خطاباً دينيا كهنوتياً عبوديا لا مثيل لعنصريته في التاريخ الإنساني لتدثره بدثار من التدين والطقوس التي قيدت مئات الملايين من الهنود في ربقتها ولا يزالون يعانون منها إلى اليوم.
أما الفيدانتا فهي نصوص تعبر عن حركات تجديدية تبدو كما لو كانت استجابة للتحدي البوذي الأكثر إنسانية، والذي استقطب كثيراً من سكان الهند.
وتتكون عبارة الفيدانتا من كلمتين سنسكريتيتين، هما: (فيدا)، وتعني المعرفة، و(آنتا)، وتعني النهاية، أي أن معنى الفيدانتا هو نهاية المعرفة.
والفيدانتا هي إحدى الفلسفات الهندوسية التقليدية الست، وهي تعنى بمعرفة البراهمان الكائن الكوني الأعلى النقي. وترتكز الفيدانتا على القسم المتأخر من الكتابات الفيدية نسبة إلى الفيدا، وبخاصة على الكتابات الغنية في نصوص الآراناياكا أوالأوبانيشادا.
وخلافاً للنصوص الفيدية التقليدية الأصلية فإن مختصرات الفيدانتا (فيدانتا سوترا)، وتدعى أيضاً براهما سوترا، تعزى إلى شخصيتين شبه اسطوريتين هما الفيلسوف بادارايانا من القرن الرابع قبل الميلاد، والحكيم فياسا. وتنسب إلى الحكيم فياسا أيضاً أجزاء متأخرة زمنياً عن سابقاتها من ملحمة المهاباهاراتا.
وأياً تكن شخصية واضع الفيدانتا الأول فإن من الجلي أن نصوصها كانت مكتوبة بأسلوب غامض، غير مؤيد بشروح توضح النص الأصلي. ولذلك فقد ظهرت لها لاحقاً، تفسيرات عديدة نشأت على أساسها مدارس فلسفية هندوسية متعددة. ولكن أشهر مدارس التفاسير وأكثرها أهمية هي (الأدفايتا) أو اللاثنائية التي أسسها الفيلسوف واللاهوتي الهندي شانكارا.

شانكارا

القضية المركزية في فكر شانكارا هي العلاقة بين (براهمان) الإله و(آتمان) النفس أو الروح البشرية. وطبقاً لشاناكارا فإن الإثنين ليسا إلا الشيء ذاته، ولا يمنع الإنسان من إدراك الطبيعة اللاثنائية للكائن النقي الأعلى براهمان إلا (الأفيديا) أي الجهل. الذي يجعلها لا ترى ولاتدرك إلا الذوات المنفصلة والمتعددة والأشياء التي هي مجموع العالم المادي ذي الوجود المؤقت. وهي لا تدرك أن هذه الكيانات الوجودية المتعددة المنفصلة غير حقيقية في أساسها، وأنها ظواهر تنتجها (المايا) أي قوة الخيال الموروثة بصورة غامضة، والمنعكسة من (براهمان) الإله.
وما دامت الذات الفردية مفتقرة إلى المعرفة الحقيقية، فإنها ستظل تبحث عن ذاتها الحقيقية في عالم الظواهر. وستبقى واقعة في مصيدته باستمرار من خلال (سامسارا) أي سلسلة الوجود المتكرر المتضمن للموت وإعادة الولادة من جديد، والذي تعانيه كل نفس غير متنورة كنتيجة للـ(الكارما) أي أفعالها الشريرة والخيرة خلال وجودها السابق الذي يحدد شكل وجودها اللاحق. ولكن ومن خلال المعرفة الحقة بالفيدانتا تتمكن روح الإنسان، طبقاً لشانكارا، من إدراك الحقيقة اللانهائية للوجود الأزلي الكامن خلف القناع الكوني للمايا. وعندئذٍ تدرك روح الإنسان أن طبيعتها الحقيقة تنطبق على حقيقة البراهمان. وبهذه المعرفة الحقيقية للذات تصل الروح إلى (الموكشا) وهو الخلاص من السامسارا والكارما وبالتالي تحقق الوصول إلى (النيرفانا) أي الوعي الفائق والتنور التام. ومن الواضح من هذا الشرح لفكر شانكارا مدى صلته بالأفكار الواردة في نص الأوبانيشاد الذي نعرض ترجمة له في هذه المقالة.

الأوبانيشاد

الأوبانيشاد، نصوص هندوسية مقدسة لدى الهندوس، وسرية بمعنى أنها كانت نصوصاً مضنوناً بها على غير الخاصة من رجال الدين الهندوس شأنها شأن كتب الفيدا الأربعة. وقد جمعت نصوص الأوبانيشاد في فصول من كتاب الفيدا الهندوسي الديني سميت «آرانياكا». والمقولات الفلسفية التي تحتويها الأوبانيشاد كانت أساساً لأحد الأنظمة الأهم للفلسفة أو الديانة الهندوسية وهي المسماة بـ«الفيدانتا». وهناك حوالي مائة وخمسون نصاً من نصوص الأوبانيشاد ولكن مائة وثمانية منها هي المعترف بها تقليدياً. معظم الأوبانيشاد نصوص نثرية يتخللها الشعر ولكن بعضها عبارة عن نصوص شعرية بالكامل. وأقصر نصوص الأوبانيشاد لا تزيد عن محتوى صفحة مطبوعة بينما أطولها يتكون من خمسين صفحة. ومن المعتقد أن نصوص الأوبانيشاد تم تأليفها بين القرنين الخامس والثامن قبل الميلاد.
الموضوع الرئيس للأوبانيشاد هو طبيعة «البراهمان» أو الروح الكوني؛ وهي تقدم شروحاً لطبيعة «الأتمان» أو النفس الداخلية الخفية لكل كائن، وعلاقتها بالبراهمان. وقد تمت كتابة شروح واسعة للصيغ المذهبية التي احتوتها الأوبانيشاد في كتابات منفصلة سميت بالكتابات الأوبانيشادية. أما الموضوعات الأخرى التي تحتويها فتضم طبيعة وهدف الوجود، والطرق المختلفة للتأمل والعبادة، وموضوعات تخص الموت وما بعد الموت، وأخيراً نظرية التناسخ.

نص من الأوبانيشاد

«هناك طريقان، طريق الغبطة وطريق الشهوة وكلاهما يستهويان الروح. العاقل يسير في درب الغبطة بينما يختار الأحمق درب الشهوة».

الجزء الأول

قام العجوز فاجاسرافاسا بتقديم كل ما أحضره للتضحية ولكن تقدمته لم تكن عن رغبة حقيقية في نيل ثواب السماء.
وكان للعجوز ولدٌ يدعى نيشيكيتس والذي على الرغم من أنه كان لا يزال غلاماً فقد كانت له رؤى إيمانية عبرت عن نفسها يوم تم تقديم الأضاحي وظهرت في أفكار دارت في نفسه:
فكر نيشيكيتس «هذه التقدمة الوضيعة المكونة من أبقار لا تنتج اللبن لكبر سنها ولا تأكل العشب لضعفها ولا تشرب الماء، لابد أنها لا تقود مقدمها إلا إلى عالم الندم».
ولذلك فقد قررتقديم نفسه ذاتها كأضحية، وسأل أباه قائلاً: «يا أبت إلى من ستهبني؟» سأل السؤال مرة، ومرتين، وثلاثاً؛ وفي المرة الثالثة فقط أجابه أبوه بغضب: «سأهبك إلى الموت».
قال نيشيكيتس: على رأس الكثيرين سأمضي، وبين الكثيرين سأكون. فما هو يا ترى عمل الموت الذي سيتم تنفيذه من خلالي في هذا اليوم؟
تذكر كيف مات الرجال في الماضي، وكيف سيموتون في الأيام القادمة: الفانون ينضجون كعناقيد الذرة ومثلها يولدون من جديد.
كان على نيشيكيتس أن يطوي أمام كوخ إله الموت (ياما) ثلاثة ليالٍ دون طعام.
هتف هاتف: يا إله الموت، عندما يأتي روح النار البرهمي إلى منزلك: قدم إليه قراه ماءً.
أي رجل أحمق ذلك الذي يمنع القرى عن البرهمي! إنه يفقد آمال مستقبله وحسنات ماضيه وثروة حاضره وأبناءه وكل أحبائه.
قال إله الموت: طالما أنك قد جئت إلى منزلي ضيفاً مقدساً ولم تتلق ضيافتك لثلاث ليالٍ؛ فإن لك أن تتمنى علي ثلاث أمنيات.
قال نيشيكيتس: إذاً فليهدأ غضب أبي وليتذكرني وليرحب بي عندما أعود إليه. تلك هي أمنيتي الأولى.
قال إله الموت: فبقوتي سيتذكرك أبوك ويحبك كما كان يفعل دائماً؛ وعندما يراك وقد تحررت من قبضة الموت، فإنه سيقضي ليلته في هناء.
قال نيشيكيتس: ليس في السماء خوف ولا شيخوخة ولا موت، والرجل الصالح يخلد في السماء في حياة لا يعرف فيها جوعاً ولا عطشاً ولا أسفاً.
إن أولئك الذين في السماء مخلدون. وأنت تعلم يا إله الموت أن النار المقدسة هي التي تقود الإنسان إلى السماء. فاشرح لي لأني مؤمن. ولتكن تلك هي أمنيتي الثانية.
قال إله الموت: إنني حقاً أدرك أن النار المقدسة هي التي تقود إلى السماء فاعلم إذاً أن النار وسيلة لبلوغ العالم اللانهائي كما أنها أساس ذلك العالم، أما مستقرها فإنه موضع مقدس في قلب الإنسان.
وقد حدثه إله الموت عن نار الخلق، وبداية الخليقة، كما حدثه عن عدد اللبنات التي يجب أن يبنى بها مذبح النار المقدسة وبأية طريقة يجب رصها. وقد ردد نيشيكيتس الدرس بعد أن وعاه الأمر الذي سر إله الموت فتابع قائلاً:
سأعطيك اليوم أعطية وهي أن نار الأضحيات ستدعى اعتباراً من اليوم باسمك ثم خذ إليك أيضاً هذه السلسة ذات الأشكال المتعددة. تلك هي النار التي تقود إلى السماء وقد اخترتها لتكون الأمنية الثانية. أما الآن يا نيشيكيتس فاختر الأمنية الثالثة.
قال نيشيكيتس: عندما يموت المرء، يبرز هذا الشك: البعض يقول “هو كذا” والبعض يقول «إنه ليس كذلك». فعلّمني الحقيقة.
قال إله الموت: حتى الآلهة كان لها هذا الشك في الأزمنة السحيقة؛ ذلك أن قوانين الحياة والموت غامضة. أطلب أمنية أخرى واعفني من هذه يا نيشيكيتس.
قال نيشيكيتس: لقد كان الشك هذا لدى الآلهة أيضاً، وأنت تقول يا إله الموت: أنه من الصعب فهم الأمر؛ ولكن ليس هنالك معلم أفضل منك ليعلمنيها، وليست هنالك أمنية أعظم من هذه.
قال إله الموت: خذ أحصنة وذهباً وماشية وفيلة؛ تمن أولاداً وأحفاداً يعيشون مئات السنين. امتلك أراضي واسعة الامتداد، وعش ما تشاء من السنين.
أو اختر هدية أخرى تعتقدها مساوية لهذا، وتمتع بها مع الغنى والعمر الطويل. كن حاكماً لهذه الأرض الممتدة. سوف أمنحك كل ما ترغب.
سل ما شئت من الأماني في عالم الفانين، مهما كانت صعبة البلوغ. سوف أعطيك خادمات حسناوات لخدمتك مع عربات وآلات موسيقية. ولكن لا تسلني يا نيشيكيتس عن أسرار الموت.
قال نيشيكيتس: كل هذه اللذات تفنى، هي نهاية كل شيء‍‍‍‍‍‍‍‍‍! إنهن ينهكن قوى الحياة ،إن الحياة قصيرة فاحتفظ بالأ حصنة والرقص والغناء.
المرء لا يمكن إرضاؤه بالثراء. أيمكن أن نهنأ بالثراء وأنت موجود يا إله الموت؟ ألنا أن نعيش وأنت مازلت؟ لا أستطيع أن أسأل أمنية غير ما سألت.
عندما يشعر الفاني هنا على الأرض بخلوده، أيمكنه أن يتمنى حياة طويلة من اللذات، ورغبات جميلة ملهية؟
إذاً فاكشف سر الغيب العظيم. هبني الهدية التي تكشف الغموض. تلك هي الهدية الوحيدة التي يمكن لنيشيكيتس أن يطلبها.

الجزء الثاني

قال إله الموت: هناك طريقان، طريق الفرح وطريق الشهوة وكلاهما يستهويان الروح. العاقل يسير في درب الفرح بينما يختار الأحمق درب الشهوة. من يتبع الطريق الأول ينتهي إلى الخير؛ ومن يتبع طريق اللذات لا يصل إلى النهاية.
أمام المرء يوجد الطريقان وعندما يحتار فيهما، يختار العاقل طريق السعادة؛ بينما يسلك الأحمق طريق الشهوة.
لقد احترت واخترت يا نيشيكيتس ورفضت الملذات. ولم ترض بالنير الذي تمثله ممتلكات الإنسان الذي ينوء تحت ثقل ممتلكاته ويغرق تحتها.
هناك درب الحكمة وهناك درب الجهل. وهما متباعدان يقودان إلى نهايات مختلفة. وإنك يا نيشيكيتس من أتباع نهج الحكمة فكثير من الملذات لا تغريك.
الراسخون في الجهل يظنون أنفسهم حكماء ومتعلمين، أولئك الحمقى يتخبطون دون هدف كالأعمى الذي يقوده الأعمى.
أولئك الذين لهم عقول الصبية لا تشرق أمام أعينهم الحياة الآخرة وهم لا يهتمون أو انهم مغترون بالثروة. وهم يقولون ما يظنونه كلمة الفصل: “ليس هناك حياة أخرى” وإذ يقولون ذلك فإنهم يرحلون من موت إلى موت.
هناك الكثيرون الذين لم يسمعوا عنه، ومن بين أولئك لا يصل إليه إلا القليل. مبارك ذلك الذي يعلم شيئاً عنه وحكيم هو ذلك الذي يتعلم والرائع هو الذي يتمكن من معرفته عندما يتلقى العلم.
من لم يصل إليه لا يمكن أن يعلم. ولا يتسنى الوصول إليه بإمعان التفكير. والطريق الوحيدة للوصول إليه إنما تكمن في وجود المعلم الذي سبقت له معرفته؛ فهو لا تدركه العقول وهو في الحقيقة أعلى من كل ما يمكن أن يخطر لها.
المعرفة المقدسة لا يمكن الوصول إليها عبر المنطق ولكنها توهب للإنسان من معلم حقيقي. ولأن عزمك ثابت فقد وجدت معلمك وليتني أجد تلميذاً آخر مثلك.
إنني أعلم أن الكنوز تفنى وأنه لا يمكن الوصول إلى الخالد عبر الفاني ولذلك فقد جعلت نيران نيشيكيتس للتضحية، وبإحراق الفاني فيها يتم الوصول إلى الخالد.
لقد بسط أمام عينيك يا نيشيكيتس وعرض عليك تحقيق كل الرغبات وحكم العالم والجزاء الخالد في شاطئ الأمان حيث لا خوف، وعظمة الشهرة والفضاءات التي لا حدود لها. ولكنك بقوتك وحكمتك رفضتها جميعها.
عندما يجعل الحكيم همه الوحيد التفكير في الإله المتعالي على الزمن والذي يسكن في خفاء غموض الأشياء وقلوب البشر عندها فقط يتعالى الحكيم على الشهوة والألم.
وعندما يلقي الإنسان سمعه ويفهم وعندما يجد الجوهر يصل إلى اللب، وهناك يلتقي بمصدر السعادة. إنك يا نيشيكيتس بيت مفتوح للأتمان إلهك.
قال نيشيكيتس: قل لي ماذا ترى وراء الحق والباطل، ووراء ما تم وما لم يتم، ووراء الماضي والمستقبل ؟
قال إله الموت: سأخبرك الكلمة التي تقدسها كتب الفيدا، والتي تعبر عنها كل تضحية بالنفس وكل الدراسات المقدسة والتي تبحث عنها كل حياة مباركة. إن هذه الكلمة هي “أوم”.
إن تلك الكلمة هي البراهمان الأبدي، تلك الكلمة هي النهاية العليا. وعندما تعرف تلك الكلمة المقدسة فإن كل الأشواق تجد مبتغاها.
إن المعنى الأعلى للخلاص هو عون المتعال. وعندما يعرف تلك الكلمة العظيمة يصبح المرء عظيماً في جنة براهمان.
إن أتمان “روح الرؤى” لا يولد ولا يموت. لم يكن قبله شيء، وسيبقى وحده إلى الأبد. الخالد الذي لم يولد، المتعالي على الأزمان الماضية والآتية، والذي لا يموت عندما تموت الأجساد.
إذا ظن القاتل أنه يقتل، وإذا ظن المقتول أنه يموت، فإن كلاهما بعيدان عن الحقيقة. فالخالد في الإنسان: لا يستطيع أن يقتل كما أن الخالد في الإنسان لا يستطيع أن يموت.
إن الأتمان مخفي في قلوب كل الكائنات، هو الروح، وهو النفس؛ وهو أصغر من أصغر الذرات، وأوسع من الفضاء الشاسع. الإنسان الذي يتخلى عن بشريته سيخلف أحزانه وراءه، وسيحوز مجد الأتمان برحمة من الخالق العظيم.
عندما يرتاح، يجوب الآفاق؛ وعندما ينام، يستطيع الذهاب إلى كل مكان. من يعرف مثلي إله الأفراح والأتراح ذاك؟
عندما يدرك الإنسان الروح الخالدة، التي تكمن خفية في المرئي وخالدة في الفاني، عندها فقط يتجاوز الأحزان.
ليس بكثرة العلم يصل الإنسان إلى معرفة الأتمان، ولا بالثقافة ودراسة العلوم المقدسة. إنما يصل إليه من اختارهم هو لأنهم اختاروه. ولا يكشف الأتمان عظمته إلا لهم.
حتى المعرفة العميقة لا توصل إلى الأتمان، ما لم يقم الإنسان بهجر طرق الشر، وما لم تكن هناك سكينة في الحواس، وتركيز للعقل وسلام في القلب.
أين ذلك الذي يعرف حقاً؟ إن قوته الجليلة تغوي الكهنة والمحاربين، بل إن الموت نفسه يقع في الغواية.

الجزء الثالث

في المكان العالي المقدس من القلب هناك كائنان يرتشفان رحيق الحياة في عالم الحقيقة. أولئك الذين يعرفون البراهمان. وأولئك الذين يحافظون على جذوة النيران المقدسة الخمسة التي تضيء نيران نيشيكيتس الثلاثية. أدعها “النور” و”الظل”.
هلم بنا نشعل نيران نيشيكيتس المقدسة، فهي الجسر الذي نعبر به إلى الشاطئ الآخر حيث لا يوجد خوف، وحيث توجد الروح العليا الخالدة.
إعلم أن الأتمان هو بمثابة مالك العربة؛ وأن الجسد هو العربة نفسها. أما الفكر فاعلم أنه بمثابة قائد العربة، والعقل هو العنان. أما الحواس فهي الأحصنة كما يقال؛ والطريق الذي تسلكه هو ما تتلقاه الحواس.
عندما تتحد الروح بالعقل والحواس يوجد الإنسان ذلك الواحد الذي يعاني الأفراح والأتراح.
إن صاحب العقل المضطرب الذي يسيء فهم الأمور، لا يحسن قيادة مجرى حياته مثله في ذلك مثل الفارس الرديء الذي يقود أحصنة متوحشة.
أما ذو العقل المستقر الذي يحسن فهم الأمور، فهو حاكم حياته، مثله في ذلك مثل الفارس الماهر الذي يقود أحصنة مروضة.
الذي يسيء تقدير الأمور هو شخص لا مبال ولا يتصف بالنقاء، إنه لا يصل أبداً إلى نهاية الرحلة؛ بل إنه يتخبط من موت إلى موت.
أما ذلك الذي يحسن تقدير الأمور فهو شخص متنبه ونقي، وهو يكمل الرحلة إلى حيث اللاعودة إلى العالم الفاني حيث يوجد الموت.
الشخص الذي يقود الفكر عربته، والذي يتنبه ويحكم قبضته على أعنة عقله يصل إلى نهاية رحلته، إلى الروح العليا الخالدة.
تقف الموضوعات خلف الحواس، وخلف الموضوعات يقع العقل، وخلف العقل يقع الفكر الخالص، وخلفه تقع روح الإنسان.
خلف الروح يوجد الكون وخلفه يوجد “بروشا” الروح العليا. ولا شيء خلف بروشا: فهو نهاية الطريق.
إن نور الأتمان، الروح، مستتر في كل الكائنات. وإنما يرى بإلهام ذوي الرؤى، عندما تكون رؤاهم مخلصة وصافية.
يخضع الحكيم الكلام للعقل، والعقل للذات العارفة، والذات العارفة لروح الكون في روح السلام.
استيقظ وقف! وانطلق وجاهد لبلوغ الأسمى، قف في النور! يقول الحكماء: أن الصراط ضيق وصعب لمن يرتاده، ضيق كحد الموسى.
تنزه الأتمان عن كل شكل وصوت، وعن اللمس والذوق والشم تنزه. إنه خالد لا يتغير ليس له أول ولا آخر: ولا تحيط به الأفكار. وعندما يتجلّى في الإنسان إيمانه بالأتمان يتحرر الإنسان من قبضة الموت.
الحكيم الذي يتعلّم ويعلّم قصة نيشيكيتس القديمة هذه والتي مصدرها “ياما” إله الموت، سينال المجد في عالم البراهمان.
المخلص المليء بالإخلاص يقرأ اللغز الأكبر في اجتماعات البراهميين، وفي احتفالات “شادها” التي تقام للمتوفين لإعدادهم للخلود، إنه حقاً يعد للخلود.

****

جعل الخالق الحواس دليلاً على المحيط: إنها تتجه إلى عالم المادة في الخارج، لا إلى الروح في الداخل. ولكن الحكيم الباحث عن الخلود نظر إلى داخل ذاته ووجد روحه.
الأحمق يجري خلف الملذات الخارجية ولذلك فإنه يقع في أشداق الموت الفاغر فاه وبين أنيابه، أما الحكيم فإنه يجد الخلود، ولا يبحث عن الأبدي في الأشياء الزائلة.
نصل إلى المعرفة بنفس الوسيلة التي ندرك بها الألوان والأصوات والروائح وقبلات الحب، فبها نستطيع أن ندرك أي شيء:
وهذا في الحقيقة هو ذاك.
عندما يدرك الحكيم أننا إنما نسير أو نحلم بواسطة الروح العظيمة الخالدة فينا، عندها فقط يتجاوز الندم.
وعندما يعلم أن الأتمان والذات الظاهرة والذات العميقة التي تفرح كما يفرح النحل برحيق زهور الحواس، ويدرك رب ما كان وما سيكون، عندها فقط يتجاوز الخوف:
وهذا في الحقيقة هو ذاك.
كان الإله الخالق نور الفكر قبل أن توجد المياه وظهر في العناصر ثم استقر في القلوب:
وهذا في الحقيقة هو ذاك.
آلهة المتناهيات التي تأتي على شكل قوة الحياة والطبيعة ولدت من العناصر والأشياء ثم استقرت في القلوب:
وهذا في الحقيقة هو ذاك.
إن «آجني» إله النار العارفة يختبئ في ثنايا خشبتي نار الأضاحي المقدسة اللتين يتولد منهما بالاحتكاك، كبذرة الحياة في رحم الأم، يستقبل صلوات الصباح لأولئك الذين يتبعون طريق النور أو يسلكون طريق العمل:
وهذا في الحقيقة هو ذاك.
في المكان الذي تشرق منه الشمس تغيب مرة أخرى؛ حيث تولد كل الآلهة وحيث لا بشراً يصل:
وهذا في الحقيقة هو ذاك.
ما هو هنا هو هناك، وما هو هناك هو أيضاً هنا.
الذي يرى الكثرة ولا يرى الواحد، يتخبط من موت إلى موت.
وحتى العقل يجب أن يتعلم هذه الحقيقة «إنه لا يوجد كثرة بل الواحد فقط». الذي يرى التعدد ولا يرى الوحدة يتخبط من موت إلى موت.
النفس تسكن فينا كلهب بحجم الإبهام. وعندما نعرف أنها إله الماضي والحاضر، عندها فقط تتلاشى كل المخاوف:
وهذا في الحقيقة هو ذاك.
كلهب بلا دخان وبحجم الإبهام هي الروح؛ رب الماضي والمستقبل هو نفسه رب اليوم والغد:
وهذا في الحقيقة هو ذاك.
الماء الذي يجري على سفح الجبل تشتته الصخور إلى كل الجهات، وكذلك الشخص الذي لا يلاحظ إلا تعدد الأشياء يجري وراءها في كل اتجاه.
ولكن الماء النقي الذي يمطر على الماء يتحد معه وكذلك تصبح يا نيشيكيتس نفس الحكيم الذي يعلم.

الجزء الخامس

تسكن الروح الخالدة النقية في قلعة الجسد ذات الإحدى عشرة بوابة. وعندما يحكم الإنسان قلعته يتحرر من الندم بعد أن يتحرر من كل العلائق يجد حريته.
«هو الشمس في الفضاء وهو الريح في السماء؛ وفي المعبد هو الكاهن، وهو الشراب في الجرة. يسكن في الناس وفي الآلهة وفي أرجاء السماوات الواسعة. هو في الأرض وفي الماء وهو في صخور الجبال. إنه الحق والقوة ».
تتعبد قوى الحياة لله الذي يسكن القلب والذي يحكم أنفاس الحياة التي تتردد داخلة وخارجة.
عندما تنحل العلائق التي تربط الروح بالجسد وتتحرر الروح، ماذا يتبقى إذاً؟
وهذا في الحقيقة هو ذاك.
إن الفاني لا يعيش بتلك الأنفاس التي تتردد داخلة وخارجة وإنما مصدر حياته شيء آخر يجعل الأنفاس تتردد.
أما الآن فإني سأحدثك عن أسرار البراهمان الخالد، وما يحدث للنفس بعد الموت.
النفس يمكن أن تتجه إلى رحم إحدى الأمهات فتتخذ لها جسداً جديداً. بل إنها يمكن أن تتجه إلى الأشجار والنباتات، وذلك يتوقف على مقدار حكمتها ونوع أعمالها السابقة.
هناك روح مستيقظة في منامنا تخلق عجائب الأحلام. إنه براهمان، روح النور، والذي في الحقيقة يدعى الخالد. كل العوالم تستقر في الروح ولا يمكن لأحد أن يتجاوزه:
وهذا في الحقيقة هو ذاك.
كالنار التي تغير شكلها مع اختلاف ما يحترق على الرغم من أنها ذات طبيعة واحدة، فإن الروح، على الرغم من أنها واحدة، تتخذ شكلاً جديداً في كل شيء حي. إنه موجود في داخل الكل، كما أنه في الخارج أيضاً.
كما أن الريح وهي واحدة تتخذ شكل ما تدخل فيه، فإن الروح وهي واحدة تتخذ أشكالاً جديدةً في كل الأشياء الحية إنه موجود في داخل الكل، كما أنه في الخارج أيضاً.
كما أن الشمس المهيمنة على العالم لا يسمها دنس الأشياء الأرضية فكذلك الروح المستقرة في كل الأشياء لا تتأثر بالآلام الخارجية.
هناك حاكم واحد، الروح الذي في كل الأشياء والذي يحول شكله الخاص إلى أشكال عديدة. العاقل فقط هو الذي يراه في النفوس فينال الفرح الأبدي.
هو الخالد في كل فانٍ، والضمير الحي في ضمير كل حي، الواحد الذي يستجيب لصلوات العديدين. والعقلاء فقط هم الذين يرونه في أنفسهم لينالوا السلام الأبدي.
“هذا هو ذاك” وبه يدركون السعادة التي لا تخطرعلى قلب بشر. كيف يعرف “ذاك”؟ هل يعطي النور أم يعكس النور؟
لا تشرق الشمس هناك ولا القمر ولا النجوم، ولا يبرق الرعد هناك أيضاً ناهيك بالنيران الأرضية. نوره يمدها كلها بالنور، وإشعاعه يضيء الوجود.

الجزء السادس

شجرة الخلود جذرها في السماء هناك في الأعلى وأغصانها تصل إلى الأرض. إنه براهمان الروح الخالص والذي يدعى الخالد حقاً. كل العوالم تستقر على الروح ولا أحد قادر على الذهاب أبعد منه:
وهذا في الحقيقة هو ذاك.
هو مصدر الكون وحياته تشعل الحياة في الكون كله. الرعد يستمد جلاله من قوته. والذين يعرفونه نالوا الخلود.
تشتعل النيران من خيفته، ومن خيفته تشرق الشمس. وخوفاً منه تسير السحب وتهب الرياح ويقوم الموت نفسه بعمله.
من حظي برؤيته في هذه الحياة قبل موت الجسد، تحرر من العلائق، وإن لم يفعل فإنه يموت ويحيا في عوالم أخرى وفي خلق جديد.
لا يرى البراهمان إلا من نفس لها نقاء المرآة وكنقاء المرآة يرى. وفي سمائه يكون شفافاً كالضوء؛ ولكن في أرض الظلال لا يرى إلا كذكرى غائمة في حلم، أما في عالم الأرواح فإنه يُرى كإنعكاساتٍ على صفحة ماء مضطربة.
عندما يدرك الحكماء أن الحس المادي لا يأتي من الروح، وأن سعيهم ونومهم يرجع إلى طبيعتهم، عندئذٍ لا يشعرون بالحزن أبداً.
فيما وراء الحواس يوجد العقل وفيما وراء العقل يوجد الفكر، الذي هو جوهره. ووراء الفكر يوجد الروح في الإنسان أما وراء ذلك فيوجد روح الكون، باعث الجميع.
وفيما وراء ذلك يوجد “بروشا” العصي على الوصف. وعندما يعرفه الفاني فإنه ينال الحرية ويدرك الخلود.
لا تدركه الأبصار ولا تراه عين فانية. إنه يرى بقلب طاهر وعقل ذي أفكار نقية. أولئك الذين يعلمون يصلون إلى الخلود.
عندما تسكن الحواس ويهدأ العقل بلا حراك ويغرق الفكر في الصمت تتضح طريق الأعلى.
هذا الهدوء الوقور للحواس يسمى “اليوجا”. ولكن عليك التنبه فاليوجا تذهب وتجيء.
لا تدركه الأفكار ولاتصفه الكلمات ولا تدركه الأبصار. فكيف يدرك إلا به ومن ذا الذي يقول أنه هو؟
بإيمان “هو” يتجلى وجوده، وفي جوهره يجب أن يتجلى، وعندما يدرك أنه “هو” عندئذٍ تسطع أنوار جوهره.
عندما يتخلى الإنسان عن كل الرغبات الملتصقة بالقلب، يصبح الفاني خالداً، وحتى في هذا العالم يتحد مع البراهمان.
عندما تنحل علائق القلب، يصبح الفاني خالداً. وهذه هي التعاليم المقدسة.
هناك مئة طريق وطريق خفية ودقيقة تمتد من القلب. واحدة منها فقط ترتفع إلى قمة الرأس. وتلك هي الطريق التي تقود إلى الخلود؛ أما البقية فإنها تقود إلى نهايات مختلفة.
يسكن الأتمان في جميع الكائنات، “البروشا”، الذات، لهب صغير في القلب. دع أحداً يشده بثبات من الجسد كما يشد الخيط من قطعة القماش. إعرف هذا النور الخالد، تعرف بحق إلى هذا النور.
وهكذا تعلم نيشيكيتس الحكمة العليا التي ألقاها إليه إله الحياة الأخرى، وبذلك أدرك كل التعاليم التي تخص الوحدة الداخلية، تعاليم اليوجا وهكذا وصل إلى البراهمان، الروح العليا، وأصبح خالداً نقياً. وكذلك سيكون كل من عرف بصدق “أتمانه”، ذاته العليا.

الـريج فيدا

الريج فيدا هو أقدم أقسام الفيدا أكثر النصوص قدسية لدى الهندوس. ويرجع تاريخ وضعه إلى ما قبل ثلاثة آلاف وخمسمائة عام. وكان في الأصل مدونا باللغة السنسكريتية. ويحتوي الريج فيدا على أكثر من ثلاثة آلاف أنشودة مكرسة للعديد من الآلهة. والأنشودة التالية تحتوي على وصف غامض لبداية الكون. ويقول البروفيسور وندي دونيجر استاذ تاريخ الأديان والدراسات الهندية في جامعة شيكاغو في وصف لهذا النص: “هذه الأنشود رغم بساطة تركيبها اللغوي إلا أنها مثيرة للغاية من حيث المضمون، بحيث استثارت تعليقات شتى من قبل لاهوتيين هنود ودارسين غربيين. وهذه الأنشودة تبدو كما لو كانت تتعمد إثارة الحيرة والتحدي بطرحها لأسئلة لا يمكن الإجابة عليها، إضافة إلى مراكمتها للألغاز.”

الانشودة من الـريج فيدا

لم يكن هناك وجود ولاعدم آنذاك؛ ولم يكن هناك الفضاء ولا السماء التي بعده. فما الذي نشأ؟ وأين؟ ومن حماه؟ هل كان هناك ماء عميق بلا قرار؟
لم يكن هناك موت ولا خلود آنذاك. ولم يكن للنهار أو الليل ما يميزهما عن بعضهما. تنفس الواحد بلا هواء، بإرادته. ولم يكن ثمة شيء غيره.
في البداية كان الظلام يطوي الظلام؛ بلا علامة مميزة، كل ذلك كان ماء. وقوة الحياة التي كان يخفيها الخلاء أيقظتها قوة الحرارة.
الرغبة كانت البداية، وأول ما انبثق عن الواحد، فكانت بذرة العقل الأولى. الشعراء الذين بحثوا في قلوبهم بحكمة وجدوا روابط الوجود في العدم.
حبلهم كان ممتداً. فهل كان هناك تحت؟ وهل كان هناك فوق؟ كان هناك باذرو البذور؛ كانت هناك قوى. كانت الإرادة تحتها؛ وكان العطاء فوقها.
من الذي يعرف حقاً؟ ومن الذي سيدعي هنا ذلك؟ من أين جلبت وجبلت؟ ومتى كان هذا الخلق؟ الآلهة جاءت فيما بعد، مع خلق الكون. فمن الذي يعرف إذن متى كانت النشأة ؟
من أين جاءت هذه الخليقة – ربما شكلت نفسها، وربما لم تفعل – الوحيد الذي يعرف هو ذلك الذي يطل عليها من أعلى السماوات – أو ربما أنه لا يعرف.

الجـانـيــة

الجانية ديانة هندية يدين بها حوالي أربعة ملايين هندي. وتنتشر الجانية في ولايات راجستان، وجوجرات، وأجزاء من ولاية مومباي، وفي ولاية كارناتاكا (ميسور)، إضافة إلى المدن الكبرى في شبه القارة الهندية. وعلى الرغم من قلة عدد الجانيين بالنسبة لعدد سكان الهند، فإن لهم تأثيراً كبيراً على المجتمع الهندي يفوق نسبتهم العددية، نظراً لأن معظمهم يعملون في التجارة ويمتلكون أنشطة اقتصادية مهمة.

المنشأ

تشبه الجانية الديانة البوذية التي كانت أحد أهم خصومها في الهند. وقد أسس الجانية فاردامانا جناتي بوترا الذي عاش في الفترة ما بين (527-599) قبل الميلاد، معاصراً للبوذا. وقد سمي جينا أو الغازي الروحي.
وينكر الجانيون، مثلهم في ذلك مثل البوذيين، الأصل الإلهي المزعوم للفيدا. وإن كانوا يجلون بعض الحكماء الأقدمين كمبشرين بالجانية منذ القدم، ويضفون عليهم صفة القداسة (تري ثانكارا) ومعناها الأنبياء المؤسسون للطريقة. ويعتقد الجانيون أن هؤلاء الحكماء كانوا واقعين في اسر الحياة، ولكنهم تمكنوا من التخلص من العلائق التي تربطهم بها بجهودهم الخاصة، وأنهم يوفرون للإنسان طريقة الخلاص من محيط الوجود الظاهري وسلسلة الولادة المتكررة.

العقيدة

ويقبل الجانيون عملياً بالنظام الطائفي. ويمارسون ستة عشر طقساً مخصصة للطبقات الهندوسية الأولى الثلاث. كما أنهم يعترفون ببعض الآلهة الصغرى في مجمع الآلهة الهندوسي.
ويعتقد الجانيون: أن نشاط العقل والكلام والنشاط البدني تولدّ نوعاً من الكارما التي تسبب الارتباط بالحياة. وأن على المرء أن يتجنب العنف حتى لا يؤذي أيّ كائن حي. ويعتبرون أن سبب الكارما هو سكنى الروح في الأجساد. وأن الخلاص الروحي (موكشا) يتطلب تحرير النفس من الكارما من خلال ممارسة الجواهر الثلاثة وهي: الإيمان الصحيح، والمعرفة الصحيحة، والسلوك الصحيح.
وتلزم هذه الجواهر والمبادئ جميع الجانيين. إلا أن هناك فرقا في الواجبات الدينية لطبقات الرهبان الـ(ياتيس)، فهؤلاء ينبغي عليهم الالتزام بخمسة واجبات كبيرة هي: رفض إلحاق الأذى (أهيمسا) ،والصدق (ساتيا)، ورفض السرقة (آستيا)، والتحفظ الجنسي (براهما كارثا)، والامتناع عن قبول هدايا غير ضرورية أو كبيرة القيمة (أياري جراها).
ويقوم الجانيون: بممارسات متطرفة في سبيل تجنب إلحاق الأذى بالكائنات الحية. فهناك منهم من يضع قماشاً على فمه حتى لا تتضرر حشرة بالدخول في فمه. كما يحملون فراشي لينة لتنظيف أي مكان يهمون بالجلوس عليه، حتى لا يلحقوا أذى بأي كائن حي قد يكون موجوداً في المكان.
وينقسم الجانيون إلى طائفتين هما الـ(ديجاما بارا) أو العراة ثم (سفيتاما بارا) أو لابسو الثياب البيضاء. وقد أنتجت كلتا الطائفتين أدبا دينيا كثيراً بالسنسكريتية والبراكريتية. وتشبه معابد الجانيين المعابد البوذية وخاصة تلك المنحوتة في الصخر، كما تشبه كتبهم الكتب البوذية من حيث تزيينها بالرسوم.
وقد ظهرت طائفة جانية جديدة في القرن الثامن عشر بدت متأثرة بالإسلام في رفضها للمعابد والطقوس المعقدة. واستبدلت بهما أماكن غاية في البساطة تسمى (شاناكا) وهو الاسم الذي غلب على الطائفة فسميت الـ(شانكافاسية).

الجانية و الظواهر الخارقة
( للبروفسور رامجي سنج)

الجانية ظاهرة مهمة في التاريخ الديني للبشرية . انها معروفة جيدا باعتبارها نظاما فلسفدينيا لا براهميا مهما يمثل الرسالية الروحية لثقافة تبشيرية تمتاز بافتراقها الكبير عن التقاليد الفيدية السائدة في الهند. ان جملة البنية الضخمة للجانية تقوم على مبدأ واحد يقول إن « الحياة عزيزة على الجميع» . هذا النزوع الى احترام الحياة يسمى اللاعنف ( اهمسا) أو الحب الإيجابي. ذلك هو المسيح. وذلك هو غاندي . إن الحب هو أساس الحياة والدين وهذا معبر عنه في « السعي الهادف إلى إزالة البؤس أو التخفيف منه » و « ضمان الرفاهية » للإنسان . وبعبارة أخرى فان الشخصية هي الحقيقة العليا .
ولذلك فإن مجمل تركيز الجانية ينصب على قيمة وكرامة الإنسان و القداسة الضمنية “ في شخصيته والتي وحدها تستطيع “رفع البشرية إلى المستوى السامي للألوهيه”. إن أي نوع من الخضوع هو نفي تام لقيمة الشخصية وهو عمل لا أخلاقي بالنسبة لروحية التحقق الذاتي . ولذلك فإن الروحية الجانية هي خصم لكل أنواع القسر والتعصب سواء في الكلمة أو الفعل والتفكير . إن أي نوع من الإطلاق أو الهيمنة ( الإمبريالية) في أي فكر هو معادٍ لروح الجانية. وصف ( ياسو فيجايا) المنطقي الجاني العظيم في القرن الثامن عشر الميلادي، وجهة النظر الجانية بقوله “إن الجانيين لديهم موقف متعاطف تجاه كل الأديان تماما مثل الام التي تحب كل أطفالها على السواء”. ويذهب أحد فلاسفة الجانية المفكرين ( سيتد هازينا ديفاكارا) من القرن الخامس الميلادي، إلى ابعد من ذلك بتأكيده القائل “إن وجهات النظر المتعددة مجتمعة تتضمن مبدأ الجانية.” اما (انان داجانا) من القرن الثامن عشر وهو مفكر جاني آخر فانه يصف وهو في حالة صفاء روحي غير عادي الأنظمة الستة للفلسفة الهندية بأنها أشكال مختلفة من ذات الأم الإلهية العذب الرؤوم. ويبدو أن “الجانية قد حاولت التوفيق بين هذه الأنظمة الروحية المتعادية عن طريق توسيع الرؤية عبر ما يسمى ( سياد فادا او انيكانتا فادا) .”
انيكانتا فادا او مبدأ تعددية الحقيقة هو مبدأ مفاده أن الحقيقة نسبية لدى كل وجهات النظر.
ان طبيعة الحقيقة معقدة جدا. ولها خصائص وسمات لا تحصى. ولكن هناك حدودا للمعرفة البشرية والحقيقة انما تعطى لنا في وجهات نظر جزئية متعددة . ولا يعتبر اتباع واحدة منها انكاراً لأخرى. فلا احد يستطيع امتلاك الحقيقة. ان الاحتكار في مملكة الحقيقة والمعرفة هو أمر مستحيل إلا لمن هو كلي المعرفة. وما ذكرناه هو سمة نمطية للسلوك الجاني الرافض للإطلاق ويمثل الأساس الميتافيزيقي لمبدأ اللاعنف في التفكير.
ان كل الحيرة الفكرية التي تسود العالم إنما هي نتيجة لغياب البحث المتصف بالشمول، و نتيجة للقبول بجزء من الكل . وغالبا ما تكون كل خلافاتنا مجرد تكرار لضلال العميان الذين تحدث كل منهم بشكل مختلف عن نفس الفيل الذي أتيحت لهم رؤيته للحظة واحدة فقط. ولذلك فنحن نرى ان الحقيقة ليست حكرا على أحد. ويطلب منا هكسلي ان نقنع الناس بأن كل مقدس مهما كان نبله الظاهر فإنه في الحقيقة ليس إلا غولا يلتهم عابديه. وبعبارة أخري إن من المميت التعامل مع النسبي ومع الفكرة الخاصة المصنوعة في المنزل كما لو كانت هي المطلق.
كل دوغما « يعود فضل تكونها إلى هذه الجزئية في النظر وهذا الولع بخط التفكير الذي عود الشخص نفسه عليه». وتقول (مدام بلايفيسكي ) « عندما تقوم جماعة أو أخري باعتبار نفسها المالكة الوحيدة للحقيقة المطلقة فإن من الطبيعي إن تتصرف مثل ذلك الشخص الذي ينظر إلى جيرانه باعتبارهم خاطئين وشياطين» ولذلك وطالما ان النظرية والتجربة متداخلتان فان الجانية على حق فيما قدمته من أساس نظري لازم للعقيدة العملية الخاصة باللاعنف . إن الانكانتا فادا أو مبدأ تعددية اوجه الحقيقة هو امتداد للاعنف ( الاهمسا) في نطاق الفكر.

الدين والظواهر الخارقة

ربما كان الدين “ أول محاولة للإنسان ليوضح لنفسه مكانته في الكون” . لكن وعلى الرغم من الجهود التي استمرت آلاف السنين وعلى الرغم كذلك من مضي مئات السنوات على الأبحاث النفسية المنهجية فان هذه المسألة تظل غامضة إلى حد كبير ولم يتم حلها بعد. إن دماغنا لا يزال لغزا ولا يعلم أحد انه لن يستمر كذلك طالما ظللنا نتخبط في نفس دروب البحث ضمن تخوم الدماغ . على أي حال فان الدين الذي يتلاءم مع الفلسفة الحديثة هو ذلك “ المنعزل عن الواقع والغير المستجيب للذكاء. ومن ثم فان دينا غير عقلاني فقط يمكنه أن يكون مناسبا لمتطلباتهم الفلسفية .” أعطيت ، كلمة دين في الفكر الهندي مدلولا إضافيا لا تتضمنه اللفظة اللاتينية. انه يسمى ( دارما). والدارما كما تعرفه ( اني بيزنت ) « بأنه الطبيعة الداخلية التي بلغت لدى كل إنسان مستوى معينا من التطور والانفتاح» وعلى أي حال فان كل دين هو « عملية ذات وجهين ، وجه باطني وآخر خارجي: فهو من وجهة نظر أولى حالة من الإيمان والشعور والاستسلام الروحي الداخلي، ومن وجهة نظر أخرى هو تعبير عن الاستسلام الخاضع المتمظهر في تصرفات مناسبة ( طقوس)» وانطلاقا من هذا ونظرا لأن الاهمسا هي جوهر الجانية فإن الجانب الباطني من الديانة الجانية يتضمن تحققا روحيا من خلال ممارسة اللاعنف ( اهمسا) وذلك في الكلمة والفعل والتفكير. ومع ذلك تجمع الجانية النسبية المعرفية ( سيادفادا وانيكانتافادا) الثنائي الميتافيزيقي للعقل والمادة وتعددية عددية من 9 عناصر أساسية وتجاوزا اجتماعيا للذات يتأتى عن طريق ممارسة مظاهر مختلفة من اللاعنف والصدق الخ.... وفي نسيجها الروحي تشاطر الجانية واقعية الفيدا ومثالية الأوبانيشادوالطائفية الدينية للبورانا، والغنىالمفعم بالألوان للاناشيد وروح التحليل المنطقي للنايايكاس ( المناطقة الهنود) والثنائية الميتافيزيقية لذرية الفايسيسيكا و الصامخياس وصوفية اليوجيين وبعض التقاليد الرهبانية للادفايتا فيدانتا والروحية الثورية للمادية الهندية لوكاياتس وحس العطف لدى بوذا. وكدين فإن لدى الجانية تاريخا مغرقا في القدم وحسب كثير من المفكرين فإن الجانية هي اقدم من البوذية ويقول جيوتي براساد جانا « إن الجانية هي اقدم دين على قيد الحياة» . وهناك آخرون يقولون: إنها الإيمان البدائي للبشرية.
قبل ان نناقش العلاقة بين الظواهر الخارقة والدين دعونا نناقش اولا وبسرعة الظواهر الخارقة ذاتها. ماهي؟ هل هي مجرد خرافة فجة او انها محاولة منظمة لخداع الجماهير باستخدام الخرافة والكذب لمصلحة البرجوازيين والرجعيين؟. المؤيدون قد يجادلون بأن هناك اسماء لمفكرين وعلماء بل ورؤساء وزارات من امثال جيرلد بلفور وجلادستون ووالاس وثمسون و غيرهم ترتبط اسمائهم بالظواهر الخارقة ولكن معارضا قد يرد قائلا : ان السير وليام كروك كان فيزيائي عظيم ولكن ذلك لا يتضمن امكانية ان لا يكون قد خدع بمسألة لا تتعلق بالفيزياء. وهناك الكثير مما قيل حول هذا الموضوع فقد قال جلادستون مثلا ان البحث الذي يجري حول الظواهر الخارقة هو اهم بحث على الاطلاق.
اما برجسون فقد قال : ان هذا العلم الجديد سيعوض قريبا كل الزمن الضائع. وفي تلخيص لانس باشر يقول: الاعتقاد بأن كل شيء تم اكتشافه هو امر ظاهر الخطل يشبه الاعتقاد بأن خط الافق يرسم حدود العالم. علم الظواهر الخارقة ليس دينا انه علم الظواهر الخارقة وحسب وهو ليس دينا ولكنه مجرد فرع من العلم وظيفته البحث في طبيعة الشخصية الانسانية.
ويمكن القول بصورة غير مباشرة : ان اهمية البحث في الظواهر الخارقة بالنسبة للدين تكمن في ما يحمله البحث من وعود بكشف خلفية اوسع كثيرا عن الفكر اكثر مما تم توفيره بواسطة الفلسفة العلمية السائدة. لقد ظل العلم يستكشف غالبا العالم الخارجي ولكن هذه الروح هي مجال لا يزال بحاجة الى الاستكشاف.. إن الإنسان لغز غامض أو هو معجزة طبقا لكارلايل، وعقل الانسان هو لغز بامتياز .

الجانية والظواهر الخارقة
(سايكلوجية الروح وظاهرة الكارما )

يؤمن الجانيون بمبدأ الروح الذي يشكل الأساس لسايكولوجية عليا والتي تسمى في الاوساط الشعبية بخوارق العادات او ما وراء علم النفس. إن فكرة اعتبار علم النفس علما للروح تبدو قديمة جدا . فقد كان هناك زمن فقد هذا العلم فيه عقله. أما الآن فالظاهر انه قد فقد ضميره ايضا. ونأمل ان يكون هذا هو الحال الآن وليس في المستقبل . فحتى علماء النفس المعاصرون يجدون أنفسهم عاجزين عن الاستغناء عن الروح . ويعتبر كتاب يونج الموسوم« الإنسان الحديث في بحثه عن الروح» الصادر في لندن عام 1934 خريطة إيضاحية تفصح عن هذه الحقيقة. ان حقيقة الذات هي مسألة بديهية للمتشكك. ويعتبر جيمس ان الاعتراف بالروح هو خط المقاومة المنطقي الاضعف . ان سيكولوجية الروح في الجانية لا تهتم بمجرد قياس الاحساس او بأثر العواطف على الجسد الخارجي ضمن النظام الباطني . ولكن من جهة اخرى إن للروح قدرة موروثة لكل الاشياء وهذا نابع من مبدأ اللانهائيات الاربعة للروح. وكل روح تمتلك في داخلها قدرة لانهائية للإدراك وقدرة لانهائية للفهم وقوة لانهائية وبركة لانهائية . إن الضمير هو الميزة الأكثر أساسية للروح وعلى أي حال فإن هذا الكمال للروح لايظهر إلا بعد تدمير وإزالة الحواجز الكارمية. وهذه الكارما هي أساس السيكولوجية الجانية . فظاهرة الكارما هي المبدأ الجذري للتخمين الهندي الذي بلغ ذروته في الايديولوجية الجانية. فكما ان هناك قانون السببية في العلم ومبدأ التنبؤ الفيزيائي في سيكولوجية فرويد، فإن هناك مبدأ الكارما في مجال الحياة الأخلاقية . وهذا يعني ان الإنسان يحصد ما يزرع . وكل تصرف له عواقبه. فإذا لم تظهر العواقب كاملة في فترة حياة الإنسان فإن هذه العواقب تطالب بإعادة ولادته وهذا يتضمن بدوره معنى أن من ولد من جديد إنما يدفع ثمن أفعاله أو هو تعبير عن لا أخلاقية هذه الروح. وبالنسبة لهم فإنه لايمكن شرح تنوع الكون واسباب انعدام المساواة بين البشر في المراكز الدنيوية و الامتيازات إلا من خلال فرضية الكارما.

البــوذيــة

البوذية هي إحدى الديانات العالمية الكبرى، وقد تم تأسيسها في الشمال الشرقي من الهند على أسس تعاليم (سيداهارثا جوثاما) والمعروف باسم بوذا أو المستنير.
بدأت البوذية كحركة رهبانية ضمن التقاليد البرهمية الهندوسية المسيطرة في تلك الأيام، وسرعان ما اتخذت البوذية اتجاهاً مميزاً خاصاً بها. فالبوذا لم يرفض قضايا هامة في الفلسفة الهندوسية فحسب، ولكنه أيضاً تحدى سلطة الرهبانيات، وأنكر أصالة النصوص الفيدية، وكذلك رفض طقوس التضحيات المبنية عليها، وفوق ذلك كله فتح حركته لأعضاء كل الطبقات منكراً أن القيمة الروحية للشخص نابعة كلياً من ميلاده.
وتنقسم البوذية اليوم إلى فرعين رئيسيين يعرفان بـ (بوذية الثيرافادا) أو طريق الأسلاف و(بوذية المهايانا) أو العربة العظيمة. ويشير أتباع المهايانا إلى أتباع الثيرافادا باللقب المهين (هينايانا) أو العربة الأصغر. وهناك أيضا فرق بوذية أخرى .
ويقدر عدد البوذيين حول العالم بين المائة وخمسين إلى الثلاثمائة مليون نسمة، ويرجع السبب في هذا التفاوت الكبير بين التقديرين، إلى حقيقة أن الارتباطات الدينية في آسيا لدى الفرد الواحد، ارتباطات متعددة، كما أنه من الصعوبة بمكان تقدير التأثير البوذي في دول شيوعية كالصين. وتنتشر البوذية إضافة إلى الهند في سيريلانكا وتايلند وكمبوديا وميانمار (بورما سابقاً) ولاوس والتي تغلب فيها كلها بوذية الثيرافادا. أما بوذية المهايانا فإن معظم أتباعها يقطنون الصين واليابان وتايوان والتبت والنيبال ومنغوليا وكوريا وفيتنام إضافة إلى أقلية في الهند.

بوذا(سيداهارثا جوتاما)

ولد في لومبيني قرب الحدود الهندية النيبالية الحالية، وكان إبناً لملك مملكة صغيرة. ووفقاً للأسطورة لوحظت عليه في طفولته علامات أنبأت أنه سيكون شخصاً عظيما؛ً كأن يكون حكيماً أو ملكاً لإمبراطورية واسعة.
نشأ الأمير الصغير في عزلة فخمة، فلما بلغ التاسعة والعشرين، أدرك أن حياته فارغة إلى درجة كبيرة. فقطع علائقه الأرضية وأنطلق ينشد سلام المعرفة طالباً التحرر من ربقة التناسخ المتكرر الذي تنبئ به الديانة الهندوسية. وخلال السنوات اللاحقة جرب ممارسة اليوجا وكرس نفسه لرهبنة متطرفة.
ولكنه تخلى في النهاية عن هذا النهج معتبراً إياه نهجاً غير مثمر، وبدلاً من ذلك اتخذ طريقاً وسطاً بين الحياة العادية وإنكار الذات. وبينما كان متخذاً مجلسه المعتاد وهو يتأمل تحت شجرة (بو)، أخذ يعاني تجارب التعالي الروحي واحدة إثر أخرى، حيث أحس بانتقاله إلى مستويات أعلى من الوعي الفائق حتى بلغ ما يسمى في البوذية بحالة التنوير وهي الحالة التي كان ينشدها. وأيقن أنه قد تمكن من المعرفة الدينية المطلقة وبعدها خاض بوذا صراعاً داخلياً نفسياً تطهريا حاداً. وأخذ يبشر متنقلاً من مكان إلى آخر، مكوناً ما يشبه هيئة من الكهنة، وقام بتنظيمهم في رهبانيات محلية تسمى (سانغها) وقضى بقية عمره في ذلك.

تعاليم بوذا

كان بوذا معلماً شفهياً لم يترك وراءه أية كتابات. ولكن تعاليمه دونت فيما بعد من قبل أتباعه.

الحقائق النبيلة الاربعة

في قلب تجربة التنوير البوذية تكمن حقائق أربعة :
الأولى هي: إن الحياة معاناة للألم. وهذه الحقيقة أوسع من مجرد ملاحظة حضور الألم والمعاناة في الوجود ولكنها تعني أن الوجود الإنساني بطبيعته الأصلية وجود مؤلم من لحظة الولادة وحتى لحظة الموت، حتى أن الموت ذاته لا يجلب الراحة، ذلك أن البوذية تقبل فكرة تناسخ الأرواح الهندوسية حيث يقود الموت إلى ميلاد جديد.
والثانية تقول: إن المعاناة ناشئة عن الجهل بطبيعة الحقيقة والجهل أن الرغبة والتعلق والتمسك هي نتائج تلك الجهالة الأولى.
أما الحقيقة الثالثة فتقول: إن المعاناة يمكن إنهاؤها بالتغلب على الجهل والتعلق.
ثم تأتي الحقيقة الرابعة لتقول: إن الطريق إلى قمع المعاناة وإنهائها يتكون من ثمانية دروب نبيلة وهي: وجهة النظر الصحيحة، والنية الصالحة، والقول الحسن، والفعل الحسن، والكسب الطيب، والمجهود الصائب، والفكر الصائب العادل، والتأمل الصحيح. وهذه الثمانية تصنف في ثلاثة أقسام رئيسية تشكل حجر الزاوية في الإيمان البوذي، وهي: الخلود، والحكمة، والتركيز أو الوعي الفائق (سمادهي).

الأناتمان

تحلل البوذية الوجود الإنساني إلى خمسة حزم تسمى (سكانداهات) مفردها سكانداها. وهذه الحزم هي: الجسد المادي، والشعور، والفهم، ورصيد الشخص من الحسنات أو السيئات (كارما)، والوعي. وتقول أن الشخص ليس إلا تركيبة مؤقتة من هذه الحزم المعرضة للتغير الدائم، فلا أحد يبقى على حال واحدة ولو للحظتين متتابعتين. وتنكر البوذية إمكانية اتصاف هذه الحزم مفردة أو مجتمعة بالثبات والديمومة. وترى أن من الخطأ اعتبار أن يكون للنفس (الأتمان) ذات الوجود المستقل وجود أبدي خارج العناصر المكونة للفرد. وقد تمسك بوذا بأن ذاتا من هذا النوع تؤدي إلى النزعة الفردية وإلى الرغبة ومن ثم إلى الألم، ولذلك فقد علم اتباعه صيغة اللاذاتية (أن أتمان) التي تعني إنكار ثبات النفس وديمومتها. وقد شعر بوذا أن الوجود كله يتميز بالعلامات الثلاث (للاذات) وهي: (آن أتمان)، ثم (أنيتيا) وتعني عدم الثبات، و(دوكها) وتعني المعاناة. وهذه التعاليم الخاصة بالـ(أن أتمان) حتمت على بوذا إعادة تفسير الفكرة الهندية للولادة المتكررة في ظاهرة الوجود الدائري المعروفة باسم (آسمرا) أو التناسخ.
وفيما يتعلق بهذا الأمر علم بوذا أتباعه تعاليم الـ(بارتيتيا سموتبادا) أو النظام المستقل. فسلاسل العلية الإثني عشر تظهر كيف أن الجهل في حياة سابقة يخلق نزوعاً إلى تولد مزيج من العناصر. وهذا بدوره يدفع العقل والحواس إلى العمل، فينتج عنها الإحساس الذي يقود إلى التمسك والتعلق بالوجود، وهذه الحالة تطلق عملية تكرر الولادة في الوجود حيث تتكرر دورة الولادة فالشيخوخة فالموت. وخلال هذه العملية من العلل والنتائج تنشأ علاقة بين حياة راهنة وأخرى تالية، والنتيجة مجرىً مستمر من الوجود المتجدد بدلاً من وجود ثابت ينتقل من حياة إلى أخرى، وهو المبدأ الذي يرقى في الحقيقة إلى الاعتقاد بإعادة الولادة بدون عملية التناسخ الفعلية التي تتضمن انتقال النفس ذاتها إلى جسد مولود جديد.
وهذا فارق جوهري بين البوذية والهندوسية، إذ أن الهندوسية تقول في تعاليمها ان الخلق يتفاوتون طبقياً لأنهم خلقوا من أجزاء مختلفة من جسد براهما ولذلك فإنها تفترض ضمنا أن طبيعة الشخص حالة دائمة وثابتة لا يمكن أن يتخلص منها الشخص بالموت والعودة إلى الحياة بالتناسخ. إذ أن النفس عند الهندوس جوهر ثابت يحتوي حقيقة الشخص، بينما هي كما رأينا أعلاه عنصر متغير وغير ثابت ينتهي بإنتهاء الحياة عند البوذية. أما الولادة المتجددة عند البوذيين فإنها من اثر الكارما التي تؤدي إلى التعلق بالوجود وتوجد علائق بين الحياة الحالية للفرد وحياته التالية، فالبوذية تقول أن كل ولادة جديدة هي فرصة للتطهر من الكارما بينما تربط الهندوسية عملية التطهر من الكارما بممارسة الشعائر وتقديم القرابين والتعرض لدعوات ورضى الكاهن البرهمي.

الـكارما

الكارما تتضمن أفعال الناس ونتائجها الأخلاقية. فأفعال الناس تقودهم إلى الولادة المتجددة، حيث يثاب العمل الطيب ويعاقب على أفعال الشر. وبذلك تقرر البوذية أنه لا توجد في الدنيا سعادة أو معاناة غير مستحقة. وأن تفاوت أحوال البشر تجسيد للعدل الكوني. ومن الواضح هنا أن البوذية تقبل جزئياً بالتحيز الطبقي للديانة الهندوسية عندما تعتبر أن ولادة الإنسان في طبقته المعينة جزاء لأفعال ارتكبها في حياته السابقة، فإن كانت أفعاله خيرة ولد في طبقة راقية وإن كانت أفعاله شريرة ولد في طبقةٍ دنيا كطبقة المنبوذين. وربما ولد في إهاب أفعى أو حشرة سامة أو حيوان من حيوانات الغابة أو طير من طيور السماء. ولهذا يمكن اعتبار كل من الهندوسية والبوذية بحق، عقائد محافظة تقول: أن كل شىء هو قي مكانه اللائق به والذي يستحقه. فليس في الإمكان أبدع مما كان.
والعملية الكارمية تعمل من خلال نوع من القانون الأخلاقي الطبيعي بدلاً من العمل عبر نظام قائم على العدل الإلهي أو الإرادة الإلهية.
وعلى الرغم من عدم إنكار البوذية للوجود الإلهي، فإنها تنكر أي دور خاص للإله أو الآلهة. وتقول البوذية بأن حياة الآلهة طويلة وسارة ولكنها أيضاً تعاني من المشكلة التي تعاني منها المخلوقات الأخرى حيث أنها معرضة كذلك للموت والولادة المتجددة في مستويات وجودية أدنى. فالآلهة في البوذية ليست خالقة للكون وليست لها سيطرة على مصير البشر، وتنكر البوذية لذلك وجود أية قيمة للصلوات أو القرابين المكرسة للآلهة. ومن بين النماذج الخاضعة لإعادة الولادة المتكررة فإن الوجود الإنساني هو الأفضل، ذلك أن الآلهة منغمسون في مسراتهم إلى درجة فقدان الرؤية لأهمية الخلاص. ولذلك فإن التنوير ليس متيسراً إلا للبشر كما يزعمون.

النيرفانا

إن الهدف النهائي للطريقة البوذية هو التخلص من دورة الوجود الظرفي بما تحمله من ميراث المعاناة. ولتحقيق هذا الهدف لابد من الوصول إلى النيرفانا، وهي حالة من التنوير تخمد فيها نيران الطمع والحقد والجهل. وحتى لا نخلط بين الذوبان الكامل وبين حالة النيرفانا، تصف النيرفانا بأنها حالة من الوعي الفائق لا يمكن وصفها وتعريفها بالكلام. فالشخص المتنور الذي بلغ حالة النيرفانا يظل على قيد الحياة ويقوم بالتخلص من كل الكارما المتبقي عليه والخاص به حتى يصل إلى درجة النيرفانا النهائية (باري نيرفانا) لحظة وفاته.
ونظرياً فإن الوصول إلى النيرفانا متاح لاي شخص، وإن كانت لا تعتبر هدفاً معقولاً قابلاً للتحقيق إلا لمن كان عضواً في أخوية رهبانية بوذية. وفي بوذية الـ(ثيرافادا) يدعى الشخص الذي وصل إلى حالة التنوير عن طريق اتباع الطرق الثمانية بالـ(أرهارت) أو الشخص ذا القيمة، وتلك مرتبة من مراتب القداسة ينالها الشخص بمجهوده وعمله.
أما أولئك الذين لا يتمكنون من مواصلة العمل على بلوغ الهدف النهائي فإنهم، يختارون نوعاً من الهدف المتوسط يتعلق بالتطلع إلى ولادة أفضل عن طريق تحسين الكارما الخاصة. ويسعى إلى هذا الهدف الأدنى عادةً البوذي العادي، على أمل أن تقوده إلى حياة تمكنه من تحقيق التنوير النهائي وبالتالي الوصول إلى مرتبة السانغها.
والأخلاق التي تؤدي إلى النيرفانا هي أخلاق انعزالية وموجهة إلى داخل الفرد. وتتضمن تنمية مكارم الأخلاق التي تعرف بـ(قصور براهما). - وهنا يتضح الارتباط الوثيق والأصل الهندوسي الواضح للبوذية -.
وقصور براهما هي: المحبة، واللطف، والإخلاص، والمرح المتعاطف، والتحكم بالعاطفة. أما الأخلاق التي تقود إلى ولادة أفضل فإنها تتمحور حول قيام الفرد بواجباته الاجتماعية. وهي تتضمن الصدقة ومساعدة القديسين من السانغها إضافة إلى الالتزام بالمبادئ الأساسية للأخلاق البوذية. وهذه المبادئ الخمسة تحرم القتل، والسرقة، والبذاءة في الحديث والحديث الضار عموماً، والسلوك الجنسي الخاطئ، واستعمال المسكرات. وبالالتزام بهذه المبادئ فإن جذور الشر الثلاثة الشهوة والحقد والتعصب يمكن التغلب عليها.

الدامابادا

الدامابادا هو مجموعة من 423 من المقولات أو التعاليم البوذية الهادفة إلى توفير إرشاد أخلاقي. والأقوال الشعرية والحكيمة المركزة للديمابادا والتي يمكن ترجمتها بعبارة (طريق الحقيقة) منسوبة إلى بوذا، مؤسس البوذية في الهند في القرن السادس قبل الميلاد. وهذه الكتابات جزء من الكتاب المقدس في البوذية أو الـ(سوترا بيتاكا).

نص من الـدامابادا

العقل متردد وقلق، وصعب القياد. ولكن العاقل يقوم عقله كما يقوم الصانع الماهر قوام السهم.
وكالسمكة التي ألقيت على اليابسة بعد أن انتزعت من موطنها في الماء، يجهد العقل ويكافح للتحرر من قبضة الموت.
إن العقل متقلب لا يتصف بالثبات، ولا يسهل لجمه ولكن في السيطرة على العقل خير كثير. والعقل الذي تحكم السيطرة عليه مصدر متعة عظيمة.
العقل غامض ومن طبيعة لطيفة، إنه متقلب لا يتصف بالثبات، ويتبع الخيالات التي يحبها ويرغب فيها؛ ولكن العاقل يحرس عقله جيداً. لأن العقل المحروس جيداً مصدر متعة عظيمة.
أسرار الوعي خفية، والعقل كائن شبحي لطيف يطير وحده بعيداً. وأولئك الذين يتمكنون من وضع عقولهم في حالة من التناغم يتحررون من قبضة الموت.
ذو العقل المضطرب، الذي لا يعرف الطريق إلى الحقيقة والذي يظل إيمانه وسلامه الداخلي متذبذبين، لن يتمكن مطلقاً من بلوغ غايات الحكمة.
الذي يسيطر عقله على نفسه متحرر من كل شهوة ورغبة، وهو يرتفع فوق الخير والشر، إنه اليقظان الذي لا يخاف.
إذا اعتبرت الجسد هشاً كالجرة، فاجعل عقلك قوياً كالقلعة، وخض المعركة العظيمة ضد (مارا) أي كل الإغراءات الشريرة. وعندما تحقق النصر حافظ عليه وكن يقظاً على الدوام.
قبل مضي وقت طويل - وياللأسف - سيستلقي هذا الجسد هامداً على الأرض، وينحى جانباً كما لو كان لوحاً لا فائدة منه.
العدو يستطيع الإضرار بعدوه، والشخص الذي يكره بإمكانه أن يضر شخصاً آخر؛ ولكن عقل الإنسان إذا وجه الوجهة الخاطئة، قادر على أن يلحق به ضرراً أشد بما لا يقاس.
الأم أو الأب أو القريب يستطيعون الإحسان إلى الإنسان. ولكن عقله إذا وجه الوجهة الصحيحة يستطيع أن يحسن إليه إحساناً أعظم بما لا يقاس.

الخير والشر

سارع إلى فعل الخير؛ وابعد عقلك عن الشر. إذا كان الإنسان بطيئا إلى الخير فإن عقله يجد المسرة في الشر.
عندما يرتكب الإنسان ذنباً، فامنعه من تكراره حتى لا يجد المسرة في الذنب. إن تراكم الذنوب باعث للألم.
عندما يحسن الإنسان فاجعله يكرره واجعله يشعر بمتعة فعل الخير. إن تراكم فعل الخير مصدرٌ للفرح.
يمكن للإنسان أن يجد مسرّته في الشر ما دام الشر لم يثمر بعد؛ ولكن عندما تأتي ثمار الشر فإن الشخص سيلقى شراً بالتأكيد.
لا تمارس الذنب القليل وتتمسك به قائلاً هذا من اللمم الذي لا يؤبه له. إن قطرات الماء المتساقطة تملأ الجرة مع المدى. والأحمق يمتلئ بالشر الذي يجمعه قليلاً قليلا.
لا تستصغر المعروف فتحجم عنه. فقطرات الماء المتساقطة تملأ الجرة مع المدى. وكذلك العاقل يمتلئ بالخير الذي يجمعه قليلاً قليلا.
اجعل الرجل يتجنب أخطار الشر كما لو كان تاجراً يحمل ثروةً كبيرة فالحراسة القليلة تحمي من أخطار الطريق. أو كما يتجنب محب الحياة شرب السموم.
لا يؤذي السم اليد الخالية من الجروح والخدوش ولا يتسرب عبرها إذا حملته. وكما لا يؤذي السم اليد السليمة فإن الرجل الخالي من الشرور لا يؤذيه الشر.
الأحمق هو الذي يحاول إلحاق الأذى بالرجل الصالح ، لأن الشر يتبدد عن الرجل الخالي من الذنوب كما تبدد الريح الغبار.
بعض الناس يولدون على هذه الارض، أما مرتكبوا الشر فإنهم سيولدون في الجحيم؛ المحسن يذهب إلى السماء، أما الأنقياء فيصلون إلى النيرفانا.
لا مهرب من الموت لا في السماء ولا في أعماق المحيط ولا في كهوف الجبال ولا في أي مكان.

أربع مقطوعات من دان هوانج

عثر على هذه القصيدة ضمن لقية من الكتابات البوذية كانت مخبأة في أحد كهوف دان هوانج التي كانت إحدى المدن الواقعة على طريق الحرير القديم وكانت المدينة مكاناً لالتقاء الثقافة الصينية بالثقافات الشرقية الأخرى. كما كانت أحد المراكز البوذية الكبرى ويوجد في المدينة معبد بوذي يدعى كهوف الألف بوذا، والكهوف التي لا مثيل لعلوها.
وكانت اللقية الأدبية المكونة من ثلاثين ألف وثيقة قد اكتشفت في أواخر القرن التاسع عشر. بينما يرجع تاريخ معظمها إلى ما قبل القرن الحادي عشر الميلادي، والنص التالي جزء من تلك اللقية.

اللحن: الشوق الأبدي

(1)
كان مسافراً على الجانب الغربي من النهر،
كان يملك ثراء ونفوذاً نادرين في هذا العالم.
أخذ يقضي نهاراته في أبراج المتعة الأرجوانية
يغني ويرقص.
كأسه لا يفرغ إلا ليمتلئ
ويشرب حتى يتشبع كالطين
وبأريحية وخفة كان يشتري القوارير الذهبية
يستهلك الأيام وهو يتذوق المتع
ويلاحق الملذات.
بعض الناس أثرياء لا يعودون إلى البيت.

(2)
كان مسافراً على الجانب الغربي من النهر،
وهو فقط من يعرف مقدارالوحدة التي يعانيها،
الغبار والأقذار تغطي وجهه
فقد كان ضحية من خدعوه واستولوا على قليله
وصباحاً بعد صباح يقف بجوار البوابة الغربية للسوق
والريح تنفخ خطي الدموع المنسابين على خديه
ويتطلع إلى موطنه البعيد خلف الأفق.
بعض الناس فقراء ولا يعودون إلى البيت.

(3)
كان مسافراً على الجانب الغربي من النهر،
وهناك مرض، واستلقى على بعد بوصة من الموت.
ومع ذلك فقد بقي يتشوف إلى الأخبار
ومع كل دقيقة تمر يتضح أنه لا بد له من الرحيل.
سحبه القرويون إلى الجانب الغربي من الطريق،
وأبواه يجهلان ما كان يحدث له.
ربطوا على جثته بطاقة كتبوا عليها اسمه
بعض الناس يموتون ولا يعودون إلى البيت.

* * *

اللحن: طائر العقعق على الغصن

لم أعد أطيق العقعق المراوغ وكل قصصه المنمقة
إنه يحضر لي أنباء حسنة، ولكن أي إثبات لديه عليها؟
عندما يطير بالقرب مني في المرة القادمة؛
سأمسك به وآسره حياً.
سأحبسه في قفص ذهبي لأوقف ثرثرته!
بكل نية حسنة ذهبت إليها وأدليت بالأخبار الطيبة
من كان يظن أنها ستحبسني في قفص ذهبي؟
كل ما آمله الآن أن يعود إليها زوجها المحارب قريباً
لترفعني وتطلق سراحي،
حتى أنطلق متوجهاً إلى السحب الزرقاء.

الشنتو

هناك في اليابان اليوم ثلاث عشرة طائفة مختلفة من طوائف الشنتو، إضافة إلى عدد كبير من الطوائف الأصغر. وتمثل الطوائف الكبرى خمسة اتجاهات رئيسة، ينقسم كل منها بدوره إلى عدد من الإتجاهات الأصغر. وهذه الاتجاهات الخمسة تتكون من اتباع الشنتو التقليدية مع تغييرات طفيفة، ثم من أولئك الذين يعلنون تمسكهم بتعاليم الكونفوشية الأخلاقية، وجماعة أخرى تكرس نفسها للإيمان الشافي، وأخرى مكرسة لعبادة الجبال، وأخيرا أولئك الذين يكرسون أنفسهم للطقوس التطهرية بصورة أساسية.
وقد شارك حوالي مائة وعشرة ملايين ياباني في أنشطة طوائف الشنتو المختلفة خلال العام 1990م. ولكن أولئك الذين أعلنوا التزامهم الكامل بالشنتو لم يتجاوز عددهم الثلاثة ملايين ونصف المليون شخص. وللشنتو اليوم في اليابان واحد وثمانون ألف معبد وحوالي المائة كاهن.

نص من الشنتو

(للكاتب الياباني كيتاباتاكي شيكافوزا من القرن الرابع عشر الميلادي )
سجل التعاقب الشرعي للحكم الإلهي
اليابان هي الأرض المقدسة التي أسسها الأجداد السماويون. ولقد منحتها آلهة الشمس لنسلها كي يحكموها إلى الأبد.
ولا يصدق هذا إلا على بلادنا، ولن نجد أرضاً أجنبية ينطبق عليها مثل هذا القول. ولذلك فقد سميت بلادنا بالأرض المقدسة وبلاد الآلهة.

أسماء اليابان

كانت اليابان تعرف في عصر الآلهة بأرض السهول الخصبة المغطاة بالقصب وحقول الأرز الفاخر. وقد ظهر هذا الاسم في الأمر الذي وجهه السلف السماوي كونيتيتكو كوتاشي إلى الآلهة الذكور والإناث.
وقد استعمل هذا الاسم مرة أخرى عندما خصصت الإلهة العظيمة أماتيراسو هذه الأرض لحفيدها. ولذلك يمكن اعتباره الاسم الأصلي لليابان.
وتسمى اليابان أيضاً باسم البلاد ذات الجزر الثمانية العظيمة. وقد سميت بهذا الاسم نظراً لأنه عندما كون الإله الذكر والإلهة الأنثى هذه البلاد ، خلقا ثمانية جزر.
وكذلك تسمى اليابان ياماتو، باسم الجزء المركزي من الجزر الثمانية. وكان الابن الثامن للآلهة هو الإله السماوي - السماء - الفاخر - التنين - الطائر - الشاب. وكانت الأرض التي يجسدها تدعى (او- ياماتو) جزيرة التنين الفخم. وقد أصبحت ياماتو مقراً للعاصمة في كل العصور منذ غزو الـ جيمو للشرق. ولابد أن يكون هذا هو السبب الكامن وراء تسمية الجزر السبع باسم ياماتو.
وينطبق الأمر ذاته على الصين، التي كان كلما تحت السماء فيها يدعى باسم شو، لأن مقر الأسرة الحاكمة كان في ولاية شو. وكان كل ما في البحر يدعى هان، لأن الأسرة الحاكمة للمملكة نشأت في هان.
وكلمة ياماتو معناها (آثار الأقدام على الجبل). ذلك أنه في قديم الزمن عندما تم فتق الأرض عن السماء، كانت الأرض لازالت رطبة بالطين ولم تجف بعد. وكان الناس الذين يجيئون ويذهبون إلى الجبال يخلفون وراءهم آثاراً كثيرة لأقدامهم. ولذلك فقد سميت هذه الارض ياما- تو أي (آثار أقدام الجبل).
ويقول البعض، أن كلمة (تو) كان معناها في اليابانية القديمة (الذي يسكن)، وذلك لأن الناس كانوا يسكنون الجبال. وأن البلاد كانت تعرف باسم ياما- تو أي الساكن في الجبل.
أما في الكتابة، فقد تم اختيار الرمزين الصينيين (داي نيبون) و(داي وا) للدلالة على اسم البلاد وكان رمز داي نيبون الذي اختير في البداية، عند إدخال الكتابة الصينية إلى البلاد، يلفظ ياماتو. وربما كان الدافع لهذا الاختيار راجعا إلى حقيقة أن اليابان هي أرض إلهة الشمس. أو ربما كان راجعاً إلى أن اليابان تقع بجوار المكان الذي تشرق منه الشمس.

الكونفوشية

يطلق اسم الفلسفة الصينية على مدارس الفكر المختلفة التي أسسها مفكرون وحكماء صينيون.
وقد مرت الفلسفة الصينية بثلاث مراحل تاريخية متمايزة:
المرحلة الكلاسيكية وهي مرحلة الإبداع الصيني الخالص، خلال الفترة من القرن السادس قبل الميلاد وحتى القرن الثاني قبل الميلاد. والمرحلة الوسيطة من القرن الثاني قبل الميلاد وحتى القرن الحادي عشر بعد الميلاد التي تميزت بتقبل الصين وتمثلها للفكر الأجنبي (غير الصيني). ثم المرحلة الحديثة ما بعد القرن الحادي عشر الميلادي وحتى الوقت الحاضر وهي مرحلة نضج الفلسفات القديمة وتمثل الفلسفة الغربية.
وقد تميز الفكر الفلسفي الصيني بالميل إلى الجوانب الإنسانية أكثر من ميله إلى الجوانب الروحية، وإلى المعرفة العقلية أكثر من المعرفة الحدسية، وبالميل إلى التوفيقية أكثر من الميل إلى الفصل الطائفي.
وقد نشأت الفلسفة الصينية نتيجة لضعف حكم أسرة (شو) (1027-256 قبل الميلاد) في آخر أيامها، نتيجة لميل المقاطعات الإقطاعية إلى الانفصال ، الأمر الذي قاد في نهاية المطاف إلى انفجار حروب أهلية واسعة، لتضرب الفوضى أطنابها في الصين ثلاثة قرون، من القرن الخامس إلى الثالث قبل الميلاد.
وفي هذا الجو من الفوضى السياسية والتفكك الاجتماعي، برزت شريحة من الموظفين المثقفين الذين عملوا على استعادة النظام والوحدة إلى الصين، موظفين لذلك علمهم وحكمتهم.
أول هؤلاء المفكرين وأهمهم كان (كونفوشيوس) وهو ارستقراطي من موظفي مقاطعة (لو) وتسمى الآن شاندونج. وقد عاش خلال نهاية القرن الخامس وبداية القرن الرابع قبل الميلاد. وقد عمل كمدرس جوال ومستشار لحكام عدد من المقاطعات الصينية، وإليه تنسب الكونفوشية.
وقد نادي كونفوشيوس بإعادة بناء الحكم الإمبراطوري، وتقوية المؤسسات الأسرية والاجتماعية، والالتزام بالمعايير الأخلاقية الواردة في الكتب الكلاسيكية الصينية الموجودة من بداية عهد أسرة (شو). وأعتبر كونفوشيوس تنفيذ هذه المهام السبيل الوحيد لتوفير النظام والأمن، وتحقيق الازدهار في الصين.
وقد اعتبرت تعاليم كونفوشيوس أن تربية الفرد أخلاقياً هو حجر الزاوية في بناء المجتمع. وفي تعاليمه، كان أهم الأفراد هم الحاكم ومستشاروه. ذلك أن مستوى سلوكهم الأخلاقي يشكل قدوة لأفراد الشعب بمختلف طبقاتهم، وعلى اختلاف وظائفهم.
وقد أخذ أبرز تلامذة كونفوشيوس، (منشيوس) و(هسون تزو)، على عاتقهما شرح تعاليم كونفوشيوس وعرض الأمور اليومية السياسية والاجتماعية عليها، ومقارنتها بها، من أجل تحويل تعاليمه إلى قوة عملية وقانون مفصل.

مختارت من أقوال كونفوشيوس

قال كونفوشيوس: التعلم بلا تفكير جهد ضائع؛ والتفكير بلا علم خطر عظيم.
وقال لتلميذه (يو): هلمّ أعلِّمك عن حقيقة المعرفة! عندما تعرف شيئاً قل إنك تعرفه، وعندما تجهل شيئاً اعترف وقل لا أعرف. تلك هي المعرفة.
وقال: إن (هوي) كان شخصاً يستحق التقدير! طبق واحد من الأرز لطعامه، وملء إناء من القرع ماء لشرابه، ويعيش في ممر ضيق يعتبر الآخرون العيش فيه أمراً لا يطاق.
ولكن مرح (هوي) لم يتأثر على الإطلاق... حقاً إن هوي يستحق الاحترام.
عندما توفي (يان هوي) جزع كونفوشيوس وأظهر حزنه الشديد عليه.
فقال أتباعه: يا سيدنا إنك تبالغ في الحزن.
فأجاب كونفوشيوس: وهل بالغت؟ ولكن إذا لم أبالغ في حزني على هذا الرجل فعلى من أحزن؟
وقال كونفوشيوس: إن من واجب الشاب أن يبر أبويه في المنزل وأن يوقر كبار السن خارجه، وأن يكون حريصاً في تصرفاته وصادقاً. وعلاوة على كونه مليئاً بمشاعر الحب تجاه كل الناس، عليه أن يلتزم بالعقائد الإنسانية وأن يرتبط بها. فإذا فعل ذلك كله، وبقي لديه قدر من الطاقة، فعليه أن يدرس الفن الراقي.
قال كونفوشيوس: يا (شن) إن تعاليمي تحتوي على مبدأ ينتظمها كلها.
فرد تلميذه (زينج زي) نعم حقاً.
وعندما غادر كونفوشيوس المكان سأل الطلبة( زينج زي): ماذا كان يقصد بما قال؟
فأجابهم زينج قائلاً: إن تعاليم معلمنا هي بكل بساطة: الإخلاص والوفاء.
سأل (زايجونج): هل توجد كلمة واحدة تصلح لكي تكون مبدأ في الحياة.
قال كونفوشيوس: ربما كانت كلمة (المراعاة)؛ لا تعامل الناس بما لا تحب أن يعاملوك به.
وسأل (فان شي) عن الإنسانية ما هي؟
فقال كونفوشيوس: حب الناس.
وسأله ريه زانج عن الإنسانية ما هي؟
فقال كونفوشيوس: هي أن تتمكن من ممارسة خمسة أمور في أي مكان من العالم تكون فيه، وهي خلاصة الإنسانية:
حسن الخلق، والسخاء، ومتانة التدين، والمثابرة، واللطف؛ فإن من حسن خلقه لا يهان أبداً، والسخي يكسب القلوب، ومن صح تدينه وثق به الناس، ومن كان مثابراً نال مبتغاه وحقق أهدافه، ومن اتصف باللطف خدمه الناس.
وقال كونفوشيوس: لا يستطيع المرء مواجهة الصعاب إذا لم يتصف بالإنسانية، كما أنه لا يتمتع بالرخاء طويلاً.
إنسانية الإنسان رهن باتصافه بالإنسانية. والعاقل يرى في ذلك خيراً كثيراً.
وقال كونفوشيوس: الرجل المتصف بالإنسانية فقط هو من يجيد حب الناس ويجيد كرههم.
وسأله أحدهم: ما رأيك في مقابلة الإساءة بالإحسان؟
فأجابه كونفوشيوس: وبماذا نجزي الإحسان إذن؟... قابل الإساءة بالعدل وقابل اللطف باللطف.
وقال كونفوشيوس (هل الإنسانية أمر صعب؟.. إذا أردت أن أكون إنساناً،.. فانظروا! هاهي الإنسانية قد وصلت).
وقال كونفوشيوس: هل من أحد يكرس نفسه ولو ليوم واحد ليكون إنساناً؟.. فأنا لم أر أحداً يعجز عن بلوغ ذلك.
وقال كونفوشيوس: لم ينصرف ذهن (هوي) عن الإنسانية منذ ثلاثة اشهر. وبوسع الآخرين أن يحذو حذوه؛ بعضهم لمدة يوم وآخرون لمدة شهر.. تلك هي المسألة كلها.
وقال كونفوشيوس: كل امرئ يرغب في الثروة والشرف. ولكن لا ينبغي الوصول إليهما بالخروج عن الطريق القويم. والكل يكره القفر والوحدة، ولكن إن لم يمكن تجنبهما إلا بالخروج عن الطريق القويم فلا ينبغي تجنبهما.
إذا ابتعد الإنسان عن الإنسانية فكيف يسمى إنساناً؟
إن الإنسان الحق لا يغفل الإنسانية ولو للمدة التي تستغرقها وجبة واحدة؛ فهو يتمسك بها في أوقات الشدة وفي لحظات الخطر.
وقال كونفوشيوس: المعلم المخلص والشخص الإنسان لا يحاولان أبداً العيش على حساب السلوك الإنساني؛ بل إنهما ربما يضحيان بحياتهما تمسكاً بالإنسانية.
من كتابات الفيلسوف الصيني (هسون تزو)
يسود النظام التام عمل السماء. والسماء لا تحسن إلى الناس بسبب جهود ملك حكيم مثل (يو) ولا تسيء إليهم بسبب طاغية مثل (جي)..
فإذا استجبنا للسماء بإيجاد إدارة (حكومة) جيدة فإن بركاتها ستحل علينا.أما إذا استجبنا لها بسوء الإدارة فستحل بنا الكوارث.
إذا تم تنمية الموارد واستهلاكها بحكمة فإن السماء لن تصيب البلاد بالفقر، وإذا تم توفير مقومات الحياة للجماهير واستخدمت قدرات الشعب في عمل يتجاوب مع فصول السنة فإن السماء لن تتسبب في شقاء الناس.
فإذا كانت الأمور هكذا فلا الفيضان ولا الجفاف قادران على أن يسببا المجاعة، ولن يكون البرد القارس أو الحر الخانق سبباً للمرض ولن تتمكن الأشباح والعوامل الغامضة من جلب الكوارث.
أما إذا تم تجاهل توفير مقومات الحياة للشعب وبدلاً من ذلك تم استعمالها في البذخ والملذات فإن السماء لن توفر للبلاد الغنى.
وإذا كان الشعب يستهلك أكثر مما ينتج، وإذا تم استنزاف طاقات الناس فيما لا طائل وراءه فإن السماء لن تجلب لهم الصحة والعافية.
إذا تنكّب الناس الجادة وانحرفوا عن الطريق فإن السماء لن تنزل عليهم بركاتها، وفي مثل هذه الظروف فإن المجاعة تحل حتى بدون جفاف ولا فيضان .
وحتى ولو اعتدل الجو فلم يكن ثمة برد قارس ولا حر خانق فسيحل الضيق.وحتى إن لم تظهر الأشباح والعفاريت فإن الكوارث ستحل. فتلك سنن السماء.
الرخاء والاستجابة بالعمل للفصول المتغيرة، يسيران يداً بيد أما الكوارث والنعم فإنهما لا يجتمعان.
فلا جدوى من لوم السماء، إذ أن الأمور تتم هكذا، وذلك هو الطريق. ولذلك فإن من يعرف حقيقة دور السماء والبشر هو الذي يمكن تسميته بالحكيم العظيم.

* * *

الإنجاز بلا تعب والكسب بلا مجهود ثمرة الحكمة وهما سنن السماء. ولذلك فمهما كان عمق حكمة الحكيم فإنه لن يناقش طرائق السماء. ومهما كانت عظمته فلن يحاول تقويمها والحكم عليها، وحتى لو كانت في متناوله فإنه لن يحاول استكناه حقيقتها. ذلك هو ما يسمى بـ(الامتناع عن تحدي السماء).
للسماء فصولها وللأرض مواردها وللإنسان إدارته. هكذا يستطيع الإنسان أن يوجد التناغم في هذا الثلاثي، وعندئذ يستطيع أن يضع ثقته في السماء والأرض.
أما إذا أهمل الإنسان الجزء الخاص به في هذه الثلاثية فإنه يقترف خطأ شنيعاً.

* * *

النجوم الثابتة لها دوراتها؛ والشمس والقمر يتناوبان الإشراق، والفصول الأربعة يتبع أحدها الآخر؛ و(اليان) و(اليانج) يواصلان صيرورتها العظيمة، والريح والمطر يؤثران في كل شيء؛ وكل شيء يتناول ما يصلح له وبذلك ينضج.
نحن لا نرى أسباب الحوادث ولكن نرى آثارها ونسميها (كفاءة الروح).
نحن جميعاً ندرك النتائج المتحققة ولكنا نجهل مصدرها الحقيقي ونسميه (عمل السماء).
الحكيم فقط هو الذي لا يتنطع إلى السماء ليكتشف السر.

* * *

السماء لن تنهي الشتاء لأن البشر يكرهونه، والأرض لن تزوي امتدادها لأن البشر يكرهون المسافات الطويلة. ولن يغير الرجل الراقي (المثقف) سلوكه لأن سوقياً يثير ضجة ما. فالمثقف يسلك وفق مبدأ لا يحيد عنه،أما السوقي فإنه يسعى لتحقيق رغباته أياً كانت الوسيلة.
جاء ذلك في كتاب النقائض.

* * *

إذا التزم المرء الرصانة والصواب في أفعاله
ولم يحد عنهما
فَلِمَ يخش ما يقوله عنه الآخرون؟
وهذا يفسر ما أعنيه.

* * *

كان لملك (شو) ألف عربة في موكبه – ولم يكن ذلك دليلاً على حكمته – والمثقف قد يأكل ويشرب في غير مواعيد الطعام وليس في ذلك ما يدل على أنه أحمق.
الأمر ببساطة أن تلك الأفعال تناسب الظروف. على من يريد أن يصلح نفسه وأن يرتقي بأخلاقه أن يسعى لتبين حقيقة هذه المعرفة وتلك الحكمه بوضوح وجلاء؛ ذلك أن بوسعه وهو يعيش في هذا العصر أن يتفوق على أسلافه.
الرجل المثقف يحرص على تطوير قدراته وإمكانياته. ولا ينتظر ما يأتي من السماء.
ولأن المثقف يحرص على تطوير إمكاناته ولا يقضي وقته في انتظار السماء فإنه يتحسن كل يوم ويرتقي أكثر.
ولأن الجاهل يتجاهل إمكانياته ويهملها وينتظر ما يأتيه من السماء فإنه يتدهور كل يوم.
وهكذا نرى أن ما يرتقي به المثقف ويتدهور به الجاهل شيء واحد.
وهذا أيضاً هو ما يميز المثقف عن الجاهل.

* * *

شؤم البشر مخيف أكثر من كل الكوارث والظواهر الطبيعية، وذلك عندما لا يحرصون على عدم إيذاء النباتات وهم يخدون السواقي، وعندما لا يحرص الحاكم على سلامة إدارته للأمور فيخسر ولاء الشعب، وعندما لا يتم الاعتناء بالحقول فيضعف المحصول، وعندما لا يتم ضبط الأسعار فتتصاعد.. هذا ما أعنيه بشؤم البشر.
عندما لا تكون قوانين الحكومة وأحكامها واضحة وعادله؛ عندما تكون قرارات الحكومة غير ملائمة ولا تناسب الظروف، وعندما لا تؤدي الواجبات الأساسية.. ذلك ما أسميه شؤم البشر.
عندما تهمل معايير الرزانة والصواب فلا يتم الفصل بين من في الخدور وخارجها، يتحول الرجال والنساء إلى الدعارة، وتنعدم الثقة بين الآباء والأبناء، وتفقد وحدة الأهداف بين الحاكم والمحكوم، عندئذ، يأتي الغزو الأجنبي وتحل الكوارث.
هذا ما أعنيه بشؤم البشر.

* * *

عندما يستسقي الناس المطر بالصلاة، ماذا في ذلك؟
أقول: لاشيء. الأمر بالضبط كما لو أنهم لم يستسقوا المطر بالصلاة. فهي ستمطرعلى أي حال.
عندما يحاول الناس إنقاذ الشمس أو القمر من الابتلاع (عند الكسوف والخسوف)، أو عندما يصلون لكي تهطل الأمطار أيام الجفاف، أو عندما يؤدون طقوساً خاصة قبل القيام بأمر هام. فهم لا يفعلون ذلك لأنهم يظنون حقاً أن ذلك سيحقق لهم ما يرغبون فيه. ولكنهم يفعلونه لإضفاء لمسة من القداسة على أمور حياتهم. ولذلك فإن المثقف ينظر إلى هذه العادات على أنها طقوس وعادات. أما العامي فإنه يعتقد في الخوارق.
ولا بأس على من يعتبرها طقوساً
ولا بأس على من يظنها خوارق.

* * *

إنك تقدس السماء وتتأمل فيها
فَلِمَ لا تتناغم معها فتستفيد

* * *

تنتظر فصول السنة وتتمنى الأماني
لِمَ لا تعتبر ظروفها المتغيرة فرصاً تنتفع منها

* * *

تعتمد على ما يتكاثر طبيعياً
لِمَ لا توظف قدراتك وتضاعف تكاثره

* * *

أنت تخمِّن طبيعة الأشياء
لِمَ لا تسيطر عليها فلا تفقدها

* * *
تعجب كثيراً بما يولد ويبزغ
لِمَ لا تعينه على الاكتمال

* * *

ولذلك أقول : إن إهمال الجهد البشري وقضاء الوقت في تخمين ما في السماء يعمي الإنسان عن الطبيعة الحقة لكل شيء.

* * *

الإنسان كائن شرير الطبع، والطيبة والخير فيه مكتسبان.
فأولاً: أياً تكن طبيعة الإنسان، فإنه يولد وفيه نهم للمكسب فإذا اتبع هذه الرغبة تولد فيه العنف والعداء واختفى اللطف والمجاملة.
ثانياً: يولد الإنسان مع الغيرة والحقد. فإذا تركا ليصبحا له طبعين فإن القسوة والإيذاء يسودان ويختفي الإخلاص والوفاء.
ثالثاً: يولد الإنسان بشهوات السمع والبصر، وحب الأصوات والصور الجميلة. فإذا رضخ لهما سادت التجاوزات والفوضى واختفى الوقار والصواب.

وعليه فإن إطلاق العنان لنوازع الإنسان الأصلية وغرائزه وعواطفه سيقود بكل تأكيد إلى العنف والفوضى، وسينحدر بالإنسان إلى هوة البربرية. ولذلك فإنه لا يمكن أن يسود اللطف وأن تراعى القواعد وأن يعم النظام إلا تحت تأثير المعلمين وقوانين الرزانة والصواب. فالإنسان شرير بطبعه والطيبة مكتسبة.
خشب الشجرة المعوجة يحتاج إلى التليين بالبخار وإلى التقويم بأدوات النجار، وعندئذ يصبح مستقيماً.
المعدن المثلوم يحتاج إلى الطرق والجلخ. عندها فقط يصبح حاداً وفيما يتعلق بالإنسان فإن طبيعته الأصلية شريرة ولذلك وجب أن يعهد به إلى المعلمين وأن يلزم بقوانين الوقار والصواب حتى يتثقف.
ومن جهة أخرى فإن الناس إذا افتقروا إلى المعلمين والقوانين يصبحون متعصبين وظلمة. وإذا افتقروا إلى الرزانة والصواب يصبحون متمردين وفوضويين.
ومنذ القدم أدرك الملوك الحكماء أن طبيعة الإنسان الشر، وأنه لذلك متعصب وظالم ومتمرد وفوضوي، لذلك وضعوا قوانين الوقار والصواب، وأقاموا الأنظمة والسلطات لتقويم طبيعة الإنسان وحتى يمكن تغيير طبيعته المعوجة وجعلها أكثر استقامة.
ولذلك كان على الناس أن يلتزموا بقواعد السلوك وأن يسلكوا الطريق القديم.
وفي أيامنا هذه فإن أولئك الذين تأثروا بالمعلمين والقوانين وتراكمت لديهم المعارف والثقافة، والذين يراعون في سلوكهم الوقار والصواب هم المثقفون.
أما أولئك الذين يطلقون العنان لطبيعتهم الأصلية والذين ينغمسون في شهواتهم فإنهم السوقة والمنحطون.
ومن هذا كله يتبين أن الإنسان شرير بطبعه وأن الطيبة مكتسبة.

الطاوية

تعتبر الطاوية ثاني أعظم المدارسة الفلسفية الصينية التي ظهرت في المرحلة الكلاسيكية بين القرن السادس والقرن الثاني قبل الميلاد.
ومؤسس الطاوية هو الفيلسوف الصيني لاو- تسو وتنطق (لاوزي)، والذي عاش في القرن السادس قبل الميلاد على أرجح التقديرات.
وبينما ارتأت الكونفوشية ترقية الإنسان عبر التعليم الأخلاقي وتأسيس مجتمع هرمي منظم. فإن الطاوية على العكس منها جاءت بالحفاظ على حياة الإنسان الفطرية، باتباع الطريق الطبيعية أو (الطاو) بالصينية، ونادت بالعودة إلى أنماط الحياة القروية البدائية القائمة على الزراعة، كما نادت بألا تسيطر الحكومة أو تتدخل في حياة تلك المجتمعات وسكانها.
وأهم أهداف الطاوي تحقيق التناغم التام بين الإنسان والطبيعة من خلال الوصول إلى الاتحاد الماورائي (الصوفي) مع الطاو. وقد طور هذا التوجه المتصوف الفيلسوف الطاوي شوانج تسو وينطق اسمه (زوانج زي) الذي عاش في أواخر القرن الرابع قبل الميلاد، والذي تنص تعاليمه بأن الإنسان يستطيع من خلال الاتحاد الروحي أن يتجاوز الظواهر المادية، ويتعالى بوعيه إلى مستوى المعرفة الحقيقة بالطبيعة وحتى بالحياة والوت.

اليان واليانغ

اليان واليانغ أو الظليل والمشمس قوتان متضادتان متكاملتان حسب الفكر الصيني.
وقد كتب الفلاسفة الصينيون عن اليان واليانج منذ بواكير القرن الرابع قبل الميلاد مستخدمين رمزاً من الطبيعة، هو الجانب المشمس من التل والجانب الآخر منه الواقع في الظل.
وفي نهاية ذلك القرن أصبح (اليان) مرتبطاً بكل ما هو مظلم ورطب، وخاضع، وأرضي، ومؤنث. بينما كان اليانغ مشرقاً وجافاً ونشطاً وسماوياً وذكورياً.وقد اعتقدوا أن اليان واليانغ يتحدان بمقادير متباينة لينتجا كل ما يوجد في الكون من أشياء متنوعة.
ويقولون إنه يوجد دائماً شيء من اليانغ في اليان وشيء من اليان في اليانغ. ولذلك يرمز إليهما معاً بدائرة فيها مساحتان، بيضاء وسوداء مع وجود نقطة سواء في المساحة البيضاء ونقطة بيضاء في المساحة السوداء. ويرمز هذا التداخل إلى أن خصائص اليان لا يمكن أن توجد بدون خصائص اليانغ ولا اليانغ قادر بدوره على الوجود بدون اليان.
وقد ظل فلاسفة الصين يؤكدون على أهمية التوازن بين الاثنين لضمان التناغم السياسي والاجتماعي. وأرجعوا التمرد والفيضان والمرض إلى اختلال التوازن بين اليان واليانغ.
وكان الأطباء والمنجمون في الصين ثم بعد ذلك في اليابان يقدمون نصائحهم للحكومات والأفراد على السواء عن افضل السبل للمحافظة على التوازن بين اليان واليانغ.
نص من كتاب تاو تي شينج لـ لاو ـ تسو
الطاو الذي يمكن وصفه
ليس بالطاو الخالد
الاسم الذي يذكر
ليس اسماً خالداً
أصل الماء والأرض لا اسم له
أم كل الأشياء هي التي لها اسم

دائم الاحتجاب
حتى نقدر عظمة أسراره
دائم الظهور
حتى نكتنه تجلياته
وكلا الأمرين سيّان
ولا يختلف اسماهما إلا عندما يتضحان

كونهما الشيء نفسه هو اللغز
بل إنه لغز الألغاز
إنها بوابة عالم المتشابه

* * *

لا تضع الحقيقة موضع المساءلة
حتى لا يتآمر الناس أو يتجادلوا

لا تكتنز الأشياء النادرة
حتى لا يسرقك الناس
لا تستعرض نفائسك
حتى لا تعكّر صفو القلوب
عندما يكون الحاكم حكيماً
يخلي أذهان الناس من المشاغل
ويملأ بطونهم
يضعف طموحاتهم
ويقوي عظامهم
إنه يبذل جهده ليجعل الشعب خالياً من المعرفة والرغبات
ويمنع العارفين من الفضول
بالامتناع عن التدخل في أي شيء
فإن كل شيء يكون كما ينبغي أن يكون

* * *

الطاو فارغ كالإناء
إنه يُستعمل حتى لو لم يتم ملؤه أبداً
عميق لا يمكن سبر غوره
علة كل الأشياء
يتحدى كل ذكاء
ولا يمكن الإمساك به
متناغم مع كل نور
ومتحد مع كل دقيق
سيظل شفافاً وعميقاً إلى الأبد
لا أعرف له أباً

* * *

ليس للسماء والأرض مشاعر إنسانية
فكل الأشياء عندهما مثل كلاب السكك
وليس للحكيم مشاعر إنسانية
فكل الناس عنده كلاب سكك

* * *

الخير الأسمى كالماء
فالماء ينفع كل شيء
كريم بلا منّ
يعشق الاستقرار في الأماكن التي يكرهها الإنسان
في الأماكن الهابطة
الخير الأسمى يحب أن يقيم في الأماكن المنخفضة
ويحب القلوب الحارة
ويحب الإنسانية في الصداقة
والصدق في الحديث
والنظام في الحكومة
والفعالية في الأداء
وأن يتم كل أمر في وقته
ولأنه لا يخطئ
فهو لا يعرف الندم
من كتاب زوانج زي
يعتبر كتاب زوانج زي – للفيلسوف الصيني شوانج تسو الذي ينطق اسمه أيضاً بالصينة زوانج زي تماماً كعنوان الكتاب – ثاني أهم مؤلفات الطاوية بعد كتاب مؤسسها (لاو- تسو) والموسوم تاوتي شينج الذي عرضنا مقتطفات منه..

النص

الرحل الكامل ليست له ذات والرجل الروحاني ليست له إنجازات والحكيم الحقيقي ليس له اسم.
أراد الملك الحكيم (ياو) أن يتنازل عن العرش وان يسلم الحكم إلى (كسي يو) وقال له:
إذا استمرت المشاعل مشتعلة عند شروق الشمس أو بزوغ القمر، ألن يصبح من الصعب على المشاعل أن تظهر ضوءها؟
وإذا أصر شخص ما على رش حقله بالماء أثناء هطول المطر ألا يعتبر جهده ذاك ضائعاً وغير ذي فائدة؟
والآن يا سيدي قف أمام هذا العرش وسيسود الإمبراطورية النظام. فمنذ أن شغلت هذا المنصب وأنا أدرك مقدار عدم كفايتي على النهوض بمهامه. ولذلك أتوسل إليك أن تقبل عرش الإمبراطورية.
قال كسي يو:
يا سيدي احكم أنت الإمبراطورية لأن النظام فيها مستتب. وهب أني أخذت مكانك فهل سأفعل ذلك من أجل الشهرة؟
إنما الشهرة زائدة من الزوائد على الأصل الحقيقي فهل سأتعب نفسي من أجل زائدة؟ عندما يبني العندليب عشه في الغابة العظيمة فإنه لا يحتل فيها سوى فرعاً واحداً من شجرة واحدة.
وعندما يذهب حيوان التابير إلى النهر ليشرب فإنه لا يستطيع أن يشرب أكثر من ملء معدته.
فاسترخ وانس الأمر يا صديقي. فأنا لا حاجة لي بالإمبراطورية. فحتى لو كان الطباخ غائباً عن المطبخ فإن مقلد الموتى (في الاحتفالات الجنائزية) والكاهن لن يكلفا نفسيهما عناء السير بين الأوعية والأطباق للقيام بعمله.

* * *

قال «هيو زي» لـ«زوانج زي»:
لدي شجرة ضخمة من فصيلة شجر الجنة، جذعها معوج وكثير العقد؛ حتى أن النجار لا يستطيع رسم خطوطه عليها. وأغصانها فهي محدودبة وذات انحناءات كثيرة؛ حتى أنه لا يمكن استعمال أدوات القياس فوقها. ومع ذلك فهي منتصبة بجانب الطريق، وليس هناك نجار يكلف نفسه عناء النظر إليها.
وأنت يا سيدي؛ إن كلماتك فخمة ومنمقة، ولكنها عقيمة وغير ذات جدوى ولا يريدها أحد تماماً مثل تلك الشجرة.
أجاب زوانج زي:
هل سبق لك أن لاحظت ابن عرس أو قطة وكيف تلتصق بالأرض متحفزة في انتظار فريستها منتظرة بصبر طويل؛ ولا يشغلها عمّا هي فيه لا ما ارتفع ولا ما انخفض؛ ويظل ذلك دأبها حتى تنتهي حياتها في شبكة أو فخ. وهناك ثور “الياك” الضخم كأنه سحابة في السماء والذي رغم ضخامته تلك لا يقدر على الإمساك بفأرة.. ثم إنك الآن لديك شجرة ضخمة؛ وقد شغلك انعدام فائدتها. فلم لا تغرسها في ارض اللاشيء عند سهول النسيان، حتى تتمكن من التسكع بجوارها في زمن اللاعمل أو أن تروح تحتها في استرخاء ممتع. فهناك لن يضرها فأس ولا منشار ولن يجرحها شيء. ثم واصل متمتماً وكأنه يخاطب نفسه: شجرة بلا فائدة.... لماذا ينزعج أي كان من كون أحدهم أو شيء ما بلا فائدة؟

* * *

أين وكيف انحدر الطاو إلى حد القول بضرورة التمييز بين الصدق والكذب؟
ومتى انحدر الخطاب إلى حد القول بضرورة التمييز بين الصواب والخطأ؟
وكيف يمكن أن يرحل الطاو ولا يكون له وجود هناك؟
وكيف يمكن أن يكون هناك خطاب ثم لا يكون ملائماً؟
إن التحيزات الأخلاقية البائسة تشوّه الطاو كما أن الحذلقة والتنميق يشوّهان الخطاب. ولذلك ترى هذه الحجج المتبادلة بين الكونفوشيين ومعارضيهم؛ الذين يؤكد كل منهم ما ينكره الآخر وينكر ما يؤكده الآخر، فإذا كان علينا أن نحكم على كل ما ينكرون ويؤكدون، فليس هناك أفضل من الفكر والمنطق سبيلاً إلى ذلك.
إن كل شيء هو ذاته. وكل شيء هو الآخر بالنسبة لشيء ما. والأشياء لا تعي أنها (الآخر) في نظر الآخر.. وكل ما تعيه هو (إنيتها) فقط. ولذلك قيل أن الآخر ينبثق من الأنا؛ تماماً كما تنبثق الأنا من الآخر. وتلك هي النظرية التي تقول أن كلا من الأنا والآخر ينشآن بعضهما.
وإلى ذلك فحيث توجد الحياة، يوجد الموت؛ وحيث يوجد الموت، توجد الحياة، وحيث يوجد المستحيل، يوجد الممكن؛ وحيث يوجد الممكن، يوجد المستحيل.
وبسبب وجود الصواب وجد الخطأ؛ كما أنه بسبب وجود الخطأ وجد الصواب.
ولأن تلك هي الحال، فإن الحكماء لا يعالجون الأشياء على هذا المستوى، ولكنهم يعكسون نور الطبيعة. حيث يتضح أن الأنا هو الآخر أيضاً؛ وأن الآخر هو الأنا.
هناك خطأ وصواب خاصين بالأنا. كما أن للآخر خطأه وصوابه الخاصان به.
ولكن هل توجد حقيقة هذه التمايزات من نوع الأنا والآخر والصواب والخطأ. أم أنها تمايزات لا أصل لها ولا حقيقة؟
عندما يفقد الأنا والذات والـ(هذا وذاك) تضادهما،عندئذ فقط نحصل على جوهر الطاو. وجوهر الطاو وحده هو ما يستطيع احتلال مركز الدائرة، فيستجيب من مركزه ذاك للآراء الكثيرة التي لا نهاية لكثرتها والتي تهل عليه من مختلف الاتجاهات.
إن القول بصحة ما يصدر عن الأنا هو أحد هذه الآراء الكثيرة وكذلك الحال فيما يتعلق بإنكار ما يقوله الآخر. ولذلك لك قيل أنه لا شيء أفضل من الاستضاءة بنور الفكر.
الممكن ممكن؛ وغير الممكن غير ممكن. الطاو يعمل والأشياء تتبعه.
الأشياء هي أسماؤها.فما هي؟ إنها ما هي عليه.
وما الذي ليست عليه؟ إنها ليست ما هي ليست عليه.
كل شيء هو ما هو عليه، ويستطيع أن يكون ما يقدر على كونه.
- ليس من شيء وهو لا شيء. وليس هناك (لا شيء) غير قادر على أن يصبح شيئاً.
ولذلك وعلى سبيل المثال فإن جذع النبات وعمود المبنى، والجميل والقبيح، والعادي والشاذ، والخادع والغريب – كلها بتنوعها الكبير – يردها الطاو إلى وحدة واحدة.
القسمة عند أحدهم التئام عند آخر، والبناء عند أحدهم هدم عند آخر. وسواء في الهدم أو في البناء، فإن الجميع في النهاية يرجعون إلى الوحدة.

* * *

المعرفة عند الأقدمين كانت كاملة وتامة.
وما وجه كمالها؟
لم يكونوا يدركون أن هناك أشياء، وتلك أكمل معرفة؛ لأنه لا يمكن إضافة شيء إليها.
ثم إن البعض أدرك أن هناك أشياء، ولكن لم يكن هذا البعض قادراً بعد على التفرقة بينها.
وبعد ذلك أدرك البعض أوجه الاختلاف بين الأشياء، ولكنهم لم يميزوا بعد الفرق بين ما هو خطأ منها وما هو صواب.
وعندما تبين لهم الخطأ والصواب؛ تراجع الطاو. وبتراجع الطاو وتضاؤله نشأ الحب ونما.
ولكن هل كان هناك نمو وتضاؤل في الحقيقة؟ أم أنه لم يكن هناك تضاؤل أو نمو.
والآن أريد أن أقول بالتحديد (انه ليست هناك أشياء من قبيل الصواب والخطأ). ولست أعلم إن كان ما أقوله يتفق مع ما يقوله الآخرون (وبالتحديد، أن هناك خطاً وصواباً)، وسواء اتفق ما أقول مع ما يقولونه أم اختلف، فإننا نتفق على الأقل في الظن بوجود ما يسمى (خطأ وصواباً). ولذلك فإنه من الصعب القول بأن هناك فرقاً بين ما أقوله وبين ما يقوله الآخرون. ولكن وحتى لو كان الأمر كذلك فدعني أشرح وجهة نظري:
كانت هناك بداية وكانت هناك لا بداية (قبل البداية). وكانت هناك اللا لا بداية (سابقة على اللابداية (السابقة على البداية).
وكان هناك وجود. وكان هناك لا وجود (قبل أن يكون هناك الوجود) وكان هناك اللا لا وجود (قبل وجود اللاوجود). وفجأة ظهر الوجود واللاوجود. ولكن ومع ذلك فإنني لا أستطيع أن أميز حقاً بين الوجود واللاوجود، ولست أعلم أيهما هو الوجود وأيهما هو اللاوجود. ولقد قلت للتو شيئاً، ولست أعلم حقاً إن كان ما قلته يعني شيئاً، أو أنه لا يعني شيئاً على الإطلاق.
لا يوجد في كل هذا العالم شيء أكبر من قمة شعرة؛ جبل تايما صغير بالمقارنه. وليس في العالم شخص عاش أطول من طفل توفي وهو رضيع؛ فحتى بنج زي – رجل معمر – مات صغيراً.
أنا والكون نوجد معاً، وأنا وكل الأشياء واحد. ولما كانت كل الأشياء واحداً، فهل هناك مجال للكلام؟ ولكنني وقد تحدثت عنهم باعتبارهم واحداً، أليس هذا كلاماً؟
واحد مع الكلام يصبحان اثنين، وإثنان وواحد يصبحون ثلاثة.
فإذا استمرايت على هذا المنوال فإن أفضل حاسب لن يقدر على الاستمرار في العد فكيف بالشخص العادي! فعندما بدأنا من اللاشيء إلى الشيء وصلنا إلى الثلاثة فإلى أي حد سنصل إذا بدأنا من الشيء متجهين إلى الشيء! من الخير ألا تفعلن ومن الأفضل أن تترك الأمور في حالها.

* * *

يمزج الحكيم كل شيء في كل واحد متناغم بينما هو مستلق في ضوء الشمس والقمر متأبطاً الكون.
إن ذهنه خال من الحيرة والضباب، وهو يساوي بين الوضيع والرفيع.
تتدافع الجموع وتجهد؛ أما الحكيم فهو بدائي بلا معرفة. إنه يعي عشرة آلاف سنة كوحدة واحدة، كاملة وبسيطة. كل الأشياء هي ما هي عليه ولذلك جمعت معاً.

* * *

هب أنك تناظرني. فإذا غلبتني في المناظرة، بدلاً من أن أغلبك، فهل يعني ذلك بالضرورة أنك على صواب وأنني على خطأ؟
وهل من الضروري أن يكون أحدنا مخطئاً والآخر مصيباً؟
أو يمكن أن لا نكون كلانا مخطئين أو مصبين؟
أنا وأنت لن نتمكن من الوصول إلى اتفاق وكذلك الآخرون، بطبيعة الحال.فمن أطلب ليحكم في هذا الخلاف؟
وقد أسأل أحداً متفقاً في الرأي معك ؛ ولكنه ما دام متفقاً معك فكيف يصلح أن يكون حكماً؟
ويمكنني أن اطلب حكماً متفقاً معي في الرأي، ولكنه إذا كان موافقاً على آرائي فأنى له أن يحكم؟
فإذا سألت شخصاً متفقاً في الرأي مع كلينا أن يحكم بيننا ،فكيف يحكم وهو متفق معنا كلينا؟
أما إذا بحثنا عن حكم لا يوافق على رأي كل منا فكيف يمكن أن يكون حكماً وهو كذلك؟
إذن فأنت وأنا والآخرون لا نستطيع أبداً أن نصل إلى اتفاق في وجهات النظر! فهل تنتظر بعد هذا أحداً؟.

* * *

ما المقصود بتناغم الأشياء طبقاً لنظام الطبيعة؟ إنه معرفة أن الصواب ليس صواباً، وأيضا معرفة أن ً هذا ليس هذا نفسه. لو كان الصواب بالضرورة صواباً، فإنه وبالنظر إلى الفرق بين الصواب وعدم الصواب لن يكون هناك اختلاف. فسواء كانت هذه الأصوات الصادرة عن المختلفين منتسبة إلى بعضها أم لم تكن، فيجب جعلها تتناغم طبقاً لنظام الطبيعة وتركها لآليتها التغييرية. وذلك هو أسلوبنا الذي نقطع به أعمارنا. دعونا ننسى مرور الزمن ودعاوى الصواب والخطأ. ولكن دعونا نجد متعتنا في ساحة الأبدية ولنبق هناك.

* * *

قال شبه الظل للظل: أراك في لحظة متحركاً وفي لحظة أخرى ثابتاً. وآناً جالساً وأخرى واقفاً. فلم هذا التنقل في أحوالك؟
قال الظل: آلا تراني معتمداً على غيري فيما أفعل؟ وألا ترى أن من أعتمد عليه يعتمد على شيء آخر في كل ما يفعل؟ أنى لي أن أفسر ما أفعل وما لا أفعل؟

* * *

ذات مرة رأى زوانج زو فيما يراه النائم أنه كان فراشة، فراشة تحوم ممتعة نفسها. ولكن تلك الفراشة لم تدرك أنها زوانج زو. وفجأة استيقظ من نومه فإذا به يجد نفسه زوانج زو مرة أخرى. ولكنه لم يعلم هل هو زوانج زو الذي رأى نفسه فراشة في الحلم، أو أنه فراشة تحلم الآن أنها زوانج زو. ولابد أن هناك فرقاً بين زوانج زو والفراشة. وذلك هو ما يسمى تحول الأشياء.

جريدة الجمهورية " اليمن- الجمعة 17 أغسطس-آب 2012