أنور بدر
(لبنان)

بول شاوولبول شاوول شاعر إشكالي ومثير للجدل منذ ظهوره في بداية السبعينيات، يرفض الدخول في عباءة الآخرين أو في عباءة النقد... يرفض الاستسلام للمعايير الجاهزة كما يرفض الاستسلام لغواية الإعجاب، لذلك كانت تجربته الشعرية عبارة عن مقترحات جديدة للقصيدة المعاصرة وأسلوبية الكتابة.
اتهم بول شاوول بالتدمير البنيوي للقصيدة التقليدية، كما اتهم بتدمير اللغة، لكنه يصر علي تدمير الذات بمعني التجاوز المستمر لها، بمعني التجريب الذي لا يتوقف... التجريب المستمر بحثاً عن المجهول، أو طلباً للحرية التي لا تحدها حدود النقد، لأنّ النقد مطلق والشعر نسبي... ولذلك هما لا يلتقيان برأيه.
أسئلة كثيرة تملأ مساحة الحوار مع الشاعر بول شاوول، وعلامات استفهام تبقي معلقة أملاً في حوارات قادمة، لأنّ الحوار لا يتوخي اليقين... بقدر ما يساعد علي طرح الأسئلة الجديدة.

* بول شاوول شاعر إشكالي، كيف تقدّم نفسك الي قرائك؟

القراء يقدمونني ولا أقدم نفسي، أو أنّ أعمالي تقدمني، فأنا منذ ثلاثين عاماً وأكثر أكتب الشعر، ومن يتابعني يستطيع أن يعطي صورة سلبية أو ايجابية .. لا يهم، لأنّ الانسان هو اقتراح علي العالم، والكتابة هي اقتراح الانسان علي الآخر، يمكن أن يرفضها ويمكن أن يقبلها، وبالنسبة لي، هناك أناس لا يحبون شعري... وهناك آخرون يحبون شعري بطريقة غير معقولة.

* هذا بالضبط ما قصدته بالشاعر الإشكالي... الشاعر الذي يثير الأسئلة عند المتلقي؟

أساساً الشاعر ليس كالزعيم أو الحزب في العالم الثالث، الذي يسعي الي إجماع حول ذاته، الشعر... القصيدة أو اللوحة أو أي فن آخر يقسم الناس ولا يسعي الي إجماع، كل شاعر أو فنان يسعي الي الإجماع أشك في شاعر يته وفي إبداعه.
أن تقسم العالم يعني أن تقدّم شيئاً جديداً يختلف عليه الناس، هناك أشخاص لا يتحملون المغامرة الجديدة... وهناك آخرون يقدرون هذه التجريبية الجديدة، التي نقوم بها، هناك من يتساءل مثلاً: لماذا يدمر بول شاوول نفسه باستمرار؟ أي أنّ كل كتاب مختلف عن الآخر. هذا سؤال مهم ويؤرقني جداً، ولكنه في الوقت نفسه يجعلني أتمسك بأنّ كل تجربة جديدة لشاعر، ينبغي أن تكون أولاً مفتتحا لتجربة جديدة، لأنّ مشكلة الشعر العربي أنّ بعض الشعراء اكتشفوا طريقة كتابة جديدة... ثمّ قلدوا أنفسهم باقي حياتهم، حتى استنقعت تجاربهم، ووقعت في البلادة والتكرار أو الموت.
وتذكر معي أنّ كل التجارب الأولي للشعراء كانت أفضل من تجاربهم الأخيرة، لأنّهم استقالوا من التجدد والتجريب، لأنّهم فقدوا حس النقد علي ذواتهم، لأنّهم افترضوا في ذاتهم النبوّة... وكل ما يمكن أن يكتبوه صار منزّلاً، وهذا موت الشاعر، لأنّ الشاعر الذي لا يدمر نفسه كل يوم... بالمعني الايجابي، بالمعني التفكيكي، بمعني أن يقول: هذه التجربة استنفذت وعليّ أن أخوض تجربة جديدة.. هذا الشاعر يكون بحكم الميت.
ولاحظ أنّ قافلة الشعراء الميتين تكبر باستمرار، تتغذي علي موائد المهرجانات الشعرية، هذه المهرجانات التي كادت أن تفسد الشعر، إذ صار عندنا تضخم في شعراء المهرجانات، وكأنّ المهرجان ـ وليس الكتاب ـ هو الذي يكرّم الشعر.
أنا بقيت أربعين سنة أرفض صعود المنبر، وأخذ عليّ بعض الأصدقاء أنّ هذا يؤثر علي شهرتي وعلي حضوري الإعلامي، فقلت لهم: خير لي أن أخسر الإعلام، من أن أخسر الشعر، ولكني ربحت الاثنين معاً، صحيح أني بعد أربعين سنة شاركت في ندوة شعرية في باريس، وأخري في لندن، ولكني لست هاو ٍ للمهرجانات الشعرية... هكذا مزاجي... وهكذا أقدم نفسي، ويمكن للآخرين أن يكون لهم رؤية مختلفة.

* الأستاذ بول شاوول: أنت أول من اقترح قصيدة البياض،أو القصيدة المفتوحة، حتى أنك متهم بالتدمير البنيوي للقصيدة، أين وصل اقتراح هذه القصيدة؟

هذه تجربة انتهت منذ عام 1977. لكنها تجربة أثرّت في الشعر العربي، قبلها كان الشعر العربي شعراً تناسلياً، رومانسياً، سرياليا، طويلاً، مملولا...الخ، فجئت بهذه القصيدة المختزلة، المكثفة، المكتنزة.... ذات الدلالات، وجعلت من البياض جزءاً سينوغرافيا كما هو المسرح، جزءاً مكملاً للكلمة، ومليء بالإيحاء والدلالة، وهذه من أصعب تجاربي، قدمتها في ديوان وجه يسقط ولا يصل وفي الهواء الشاغر من بعد ذلك درجت القصائد من سطرين أو ثلاثة، لكن هذه التجربة الشعرية كانت صعبة. إذ لا يكفي الشكل وحده... لا يكفي البياض الموزع بين أسطر وكلمات القصيدة، اللعبة اللغوية هي الأساس، وهي لعبة صعبة ودقيقة معاً، لأنّ القصائد الطويلة يمكن أن تتحمل الضعف كالنهر، بينما هذه القصائد الصغيرة من سطر أو سطرين هي كالفراشة، نسمة هواء تسقطها، أي حرف نابذ في غير محله يسقط الإيقاع.
مع ذلك هذه التجربة أقول أنها انتهت، وبعد الهواء الشاغر كان عليّ توسيع التجربة، والانتقال من تدمير البنية الذهنية واللغوية والمنطقية للشعر الي تجربة مختلفة وجديدة تماماً، تجربة مضادة للتجربة السابقة في ميتة تذكارية وفي أوراق الغائب ، ثمّ خفت من التكرار أيضاً فاتجهت الي اللغة التراثية، لم آت بحجر تراثي لأضعه في بناء جديد كما يعملون، لا.. لا.. اخترت الجملة، نَفس القصيدة، واشتغلت عليها بكتاب كشهر طويل من العشق وهو من أخطر الكتب التي كتبتها، ومن أكثر كتبي التي أحبها العموم وأحبها المحافظون، لأنّ في هذا الكتاب عودة الي اللغة التراثية، ومن كشهر طويل من العشق دخلت الي نفاذ الأحوال كنص مفتوح، أدخلت فيه عناصر مسرحية ضمنية، وهذه كلها تجارب متعبة... بحثت عن التجديد باستمرار.. ولذلك أنا لم أكتب منذ سنتين.
الشعر فن صعب، فن القصيدة الكبيرة، وأنا مازلت عند هذا الرأي، لذلك حتى أزيل أثر قصيدة كتبتها، فاني أهرب الي المسرح... الي الشغل علي اللغة، أهرب الي الفكر والسياسة، كي أنتهي من آثار تجربة ما أريد البحث عن تجربة جديدة... تجربة من الحياة والآلام... من العشق والموت، من قراءة الشعر والأدب، أنت تحتاج باستمرار الي تجديد أدواتك، عليك التقاطها والتحكم بها... أما أن يأتي شاعر وليس لديه أدوات يمتلكها وينوع بها، فهذا شاعر وقع في فخ ذاته، كشعراء كثيرين نعرفهم أنا وأنت دون أن نسميهم.

* أنت في الواقع أجبت علي قسم من سؤال آخر يدور في خلدي، حول مستويات اللغة عند بول شاوول، حتى عندما قاربت اللغة التراثية اعتبرها البعض لغة تستفز التراث القديم، لغة ماكرة ومدمرة أيضاً؟

صدقني أنا ما عدت أحب كلمة تدمير اللغة، فهذه شعارات السورياليين والدادائيين التي تبنتها مجلة شعر وأصحاب الحداثة وأدونيس... وأنا اعتبرها وهما، واقترحت مصطلح تدمير الذات.
في الواقع انّ الشعر هو مكر، وقديماً قيل أجمل الشعر أكذبه ليس بالمعني الأخلاقي للكلمة، بل بالمعني التخيلي، بمعني مقاربة الموضوع بشكل غير مباشر، أما بالنسبة للتراث أنا لم أشأ لا تدمير التراث ولا إحياءه، لكن اللغة يجب أن تستفز، فالشعر هو استفزاز للغة كلها تراثية كانت أم حداثية، وهو استفزاز بالمعني التجريبي، وأنا أعيش في التجريب.
الآن مزجت المسرح بالشعر في نفاد الأحوال وأنت ـ كما تعرف ـ فانّ اهتمامي بالمسرح يوازي اهتمامي بالشعر والفكر واللغة...الخ. وفي النهاية إذا كنت أريد كتابة قصيدة فقط من أجل البوح بحبي أو عشقي للجنس أو السياسة، فأنا أستطيع أن أبوح بذلك في مقالة ـ وأنا صحافي ـــ أو في بحث أو ...، أما الشعر عندما تكتبه، فينبغي أن يضيف شيئاً جديداً بالنسبة لما هو موجود عندك وعند الآخرين، تكرار الآخرين تافه، وتكرار الذات أتفه.

* أي أنك ضد النظريات والقوالب الجاهزة؟

ليس لدي نموذج مسبق، أنا نموذجي أمامي، ولهذا تجد كل النظريات الشعرية تافهة، أنت تكتب قصيدة أولاً ثم تنظّر للشعر، أو تقرأ كيف كتبت شعراً، كل تحديدات الشعر تأتي بعد النص وليس قبله، وتقع في اللانهائي.
كل النظريات الشعرية جاءت... وذهبت وظلّ الشعر، الشعر لا أحد يستطيع أن يلتقطه، كل المدارس الشعرية هي مدارس مناسباتية تأتي بلحظة تاريخية وتمضي، النص هو الباقي، هذه المدارس هي كمسطرة نقيس بها الفضاء، لذلك كان النقد مطلقا والشعر نسبيا ولا يمكن لهما أن يلتقيا.

* بول شاوول قارئ رفيع المستوي للقصيدة الحديثة، أين وصلت الحداثة الشعرية العربية؟

الرواد انتهوا، أو أنّ معظمهم انتهي شعرياً وفكرياً، كل أفكارهم حول الحداثة كانت بائسة أصلاً، لم ترتبط بالنص، ارتبطت بملمومات من النقد الغربي، أو النقد القديم، أو النقد التراثي، فهم كتبوا عن قصيدة النثر مثلاً، عندما لم يكن عندنا قصيدة نثر، هم اتكأوا علي سوزان برنار التي كتبت عن قصيدة النثر الفرنسية، سوزان برنار أخذت من بودلير وحتى سنة 1960 ودرست كل النصوص الفرنسية لتلك المرحلة واستنبطت قوانينها.
أما نحن فأخذنا استنتاجات سوزان برنار حول نصوص الشعر الفرنسي، وطبقناها علي الشعر العربي قبل أن تكون لدينا نصوص أصيلة في هذا الحقل. فكانت النتيجة مجموعة تنظيرات حول قصيدة النثر العربية غير الموجودة أصلاً.
أول دراسة أكاديمية عن قصيدة النثر قدمتها كرسالة جامعية عام 1971، وكانت رائدة في مجالها، تأمل كم كانت جامعة بيروت متقدمة ومهمة أكاديمياً حتى تقبل رسالة عن قصيدة النثر، غير المعترف بها في الجامعات العربية.
المهم أن كتاب سوزان برنار انتهي مفعوله الآن في فرنسا، لأن الشعر الفرنسي ـ وأنا كما تعلم خبير بالشعر الفرنسي ـ تغير منذ ستينات القرن الماضي وحتى اليوم، والقواعد التي استنبطتها سوزان برنار لم تعد صالحة لا للشعر الفرنسي ولا للشعر العربي، الا أن نقادنا ما زالوا يستندون عليها في تنظيراتهم الشعرية.
وأنا في مؤتمر الشعر في القاهرة كتبت عن قصيدة النثر وانتقدت ورددت علي برنار سواء فيما يتعلق بالشعر الفرنسي أو بالشعر العربي، شعراؤنا ونقادنا لا يقرأون ولا يتابعون المستجدات... أغلبهم ما يزال عند مجده السابق، عند بول فاليري ،أندري برتون، هؤلاء كانون عظاما، لكنهم استنفدوا.

* أنت كتبت للمسرح كما كتبت القصيدة، كيف تري العلاقة الملتبسة بين الجنسين؟

القصيدة والمسرح فنان لا يلتقيان، لا علاقة لهما ببعض، لكل فن منهما بنيته الخاصة وجسده المنفصل، لكل واحد آلياته ومنهجه، عندما نكتب قصيدة ينبغي أن نعرف أننا نركب جسداً لا يذكر بأي شيء آخر، نحن نكتب قصيدة وليس تقريراً سياسياً أو خطاباً، هناك فن الخطابة وآخر للمقال، أما القصيدة فهي منحوتة شعرية، وإذا دخل هذه القصيدة مسرحاً فيجب أن يتحول الي جسد القصيدة ليصير قصيدة، وإذا دخل سرد إليها... فينبغي أن يتحول السرد الي لغة القصيدة، وإذا لم يتحول فهذا يعني أن ثمة خللاً في لب الكتابة.
ذات الشيء بالنسبة للمسرح، فله بنيته المستقلة عن الرواية أو اللون أو السينما، تستطيع أن تُدخل الي المسرح الشعر أو الأغنية أو السينما، لكن شرط أن تتحول هذه العناصر الي عناصر مسرحية، إذا بقيت أجساماً مستقلة فمعني ذلك أن هناك خللاً ما، هناك تفككاً بالبنية.
عندما كتب توليستوي الحرب والسلم هنالك عشرون صفحة من أجمل الشعر، لكن هذا الشعر لا يخدم نفسه، بل يخدم الرواية، ولهذا نجد من الصعب أن يكتب أحدنا هذين الفنين، ذلك ليس سهلاً. وأنا من خلال ثقافتي المسرحية الواسعة جداً، وتجربتي في الكتابة ورؤيتي للعروض، صارت عندي محاولة للفصل بين حدود وتخوم هذين الفنين، وإذا تداخلا مع بعض فيجب أن ينصهر أحدهما لصالح الآخر، كما حصل معي في نفاد الأحوال أو في مسرحية الحلبة التي لعبتها نضال الأشقر سنة 1990 عندما أدخلنا الشعر كروح في بناء المسرحية.
في فرنسا الآن تجارب جديدة لتفكيك القصائد بطريقة المسرح المفتوح، وهي تصنع شكلاً، ونحن ينبغي أن نصغي الي الآخر عندما يجرب سواء أكان هذا الآخر عربياً أو أجنبيا، المسرح الآن يتحول عن النص، ويتحول عن الممثل، يريد أن يجد حلولاً خارج المسرح، علي العكس من نظريات بروتوفسكي وأرتو، لأن المسرح صار أضيق من أن يستوعب هذه التحولات، وهذه مسالة خطرة جداً.
وأنا أري أن يحول المسرح كل العناصر السينوغرافية والكريوغرافية، واللباس والماكياج والموسيقي الي عناصر تنتمي الي بنيته المستقلة، والمتميزة عن بنية القصيدة وعن الرواية أو السينما، مع رصد التجارب النصية الآن التي تفجر الحدود بين كل هذه الأنواع التعبيرية السابقة.

* بول شاوول ناقداً ومنقوداً، مارس النقد ومورس عليه النقد، كيف هي علاقتك بالنقد عموماً؟

أنا أسوأ ناقد، وأفضل أن ينقدني الآخرون. شيء رائع أن يوجه إليك النقد، وشيء سخيف أن يجاملك الآخرون، إذا كتب عني الآخرون بشكل مجاملة فإنني أشعر بالاهانة، بصفعة علي وجهي، منهم يكذبون عليّ، يرشونني ويضربون حريتي.
أمّا من جهة المدارس النقدية فأنا اعتقد أنها غادرت، زالت كلها، زالت الواقعية كما زالت البنيوية، وزالت السريالية كباقي المدارس من قبلها، أنا ضد كل المدارس في النقد، النقد الحقيقي هو حالة لقاء بين الناقد والنص، لقاء مخيلتين بدون حدود، بدون أفكار جاهزة. هو هذا الاستسلام الحذر والممسوك بأن ٍ معاً.

* النقد لا يوجد فيه أفكار جاهزة، لا أقول عن تجربة أنها سيئة أو جيدة بهذه الطريقة القاطعة، وأسوأ شيء في النقد هو الإعجاب، أن أسعي الي الإعجاب، ماذا يعني السعي علي الإعجاب؟

يعني أني أخضع لقواعد سائدة في المجتمع لكي أعجب أصحابها، بينما أنا مهمتي في الشعر أن أكسر قواعد الإعجاب هذه التي تعبر عن أمراض المجتمع، وعن جموده وسكونه في مرحلة، مهمتي تدمير عناصر هذا الإعجاب، ولأبدأ أولاً بتحطيم قواعد الإعجاب بنفسي، عندما يعجب الشاعر كثيراً بنفسه كأدونيس يعني خلصت القصة ... صدقني عم أحكي نقداً، أدونيس أو نزار قباني قبل وفاته، وأي من هؤلاء الشعراء النرجسيين هم مرضي.
مطلوب من الشاعر أن يمتلك القدرة باستمرار علي اختراق نفسه، علي تدمير ذاته، وكما قلت في ندوة سابقة انّ كل تجربة يكتبها الشاعر هي تدمير لتجربة سابقة فأنا عندما كتبت نفاد الأحوال كنت أقوم بتدمير وليس إلغاء تجربة الهواء الشاغر تدمير حال، تعذيب، وهذا يتضمن نوعاً من المازوشية، وبذلك تشكل كل قصيدة نوعاً من الاعتداء أو السادية علي اللغة، لكنها في الوقت نفسه تشكل مازوشية علي الذات.
القصيدة اعتداء علي اللغة، اعتداء علي المسرح عندما التزم أحكاماً وجاهزة أحاول أن أطبقها دينياً أو أيديولوجياً أو ضمن أي من المدارس المعروفة، وكل النقاد في القرن العشرين كانوا أيديولوجيين، وبعضهم كانوا أيديولوجيين ذاتيين، كل شاعر صار أيديولوجية مستقلة بذاتها، يمشي وهو مغلف بالمطاط، قلبه مطاط، عقله مطاط، حواسه مطاط، شعراؤنا عليهم ألا يلحقوا بالمهرجانات الشعرية، ألا يغتروا بالترجمة القائمة علي العلاقات الشخصية... هذه الأمجاد الباطلة لا تصنع شعراءً بل تدمرهم.

* أستاذي الكريم، في احدي اللقاءات قلت أنك لا تهتم بالآخر، الي أي درجة أنت معني بالآخر القارئ أو المستمع أو المحاور؟

أنا عندما أكتب لا أفكر بأي عنصر خارج عن الشعر أو المسرح، فالمسرح التجاري عندما يوظّف هذه القفشة أو تلك يعرف أنها ستجلب له تصفيقاً حاراً أو مردوداً مادياً، أنا لا أتعامل مع زبائن، القارئ بالنسبة لي ليس زبوناً، ولا أخضع لمساومة معه أثناء كتابة القصيدة، كما أنني لا أفكر بأي مرجع نقدي أو بالتواصل مع الجمهور. أنا أعتبر الكتاب كطفل لقيط... ضعيف... وهش، عندما ينفصل الكتاب عن الشاعر يكون ضعيفاً هشاً، يمكن لك أن ترميه أو تسحقه، أن تبصق عليه وان تحرقه، يمكن لك أن تحبه وأن تضاجعه أو أن تتفيأ به، هذا هو المصير العظيم للكتاب، أن يكون لقيطاً بدون سطوة الشاعر، والشعراء عندنا يحملون كتبهم الرديئة في حياتهم، وعندما يرحلون تسقط كتاباتهم كلها.
لذلك ينبغي أن يستقل الكتاب عن شخصية الشاعر وموقعه الاجتماعي والسياسي والطائفــي والسلطوي والمالي، وأقول لك المالي لسبب بسيط، إذ صار عــــندنا طبقـة من الشعراء الأثرياء في الخليج وخارج الخليج، يرشون الشعراء الكبار للكتابة عنهم بألوف الدولارات.

سابقاً كانت السلطة ترشي الشعراء، الآن أصبح الشعراء صيادي جوائز وصيادي أثرياء الشعر، ويتكلمون عن الحداثة، أية حداثة هذه؟ وأي شعر؟ كيف اكتب شعراً مقاوماً للتخلف والعنف والقتل والتجمد، وبالوقت نفسه أُرشي بالمال لأمدح شعراً متخلفاً أو فكراً متخلفاً؟... قل لي كيف؟
إذا التواصل يتم عبر عدم التنازل، عليك أن تتواصل مع نفسك لكي تستطيع أن تتواصل مع الآخرين، أما التواصل بالمعني الفني والجمالي فهذه مسألة نسبية، وما تراه أنت غامضا قد لا يراه صديق آخر كذلك، الغموض مسالة نسبية مثل الشعر...وبالنسبة لي أنا أفصل بين فنون الكتابة، أنا أكتب المقالات الصحافية في قضايا الفكر والسياسة والمجتمع وهي مقالات جريئة ومباشرة.. كما كنت أخطب في المظاهرات، لكن هذا شيء وكتابة الشعر شيء آخر. فلا يمكن لي أن أنظم قصيدة خطابية وأقول أنها أقدر علي التواصل مع الناس، نحن عندنا فن الخطابة وعندنا فن المقالة... لكن القصيدة شيء آخر.

القدس العربي-2004/12/16