(احتفاء بجلال الدين الرومي)
- 1-
لانستطيع، كما يقول فرويد، أن 'نقتل' فكرة الله. لكن يمكن أن نغير مفهومه وطرق النظر إليه. وهذا ما فعله المتصوفون المسلمون وكثير من الشعراء والمفكرين الفلاسفة في المجتمعات الإسلامية. وفي حين قبلت الرؤية الوحدانية اليهودية والمسيحية، إجمالا، بعد فترة القرون الوسطي، هذا التغيير، فإن هذه الرؤية في الإسلام رفضته ولاتزال ترفضه، متهمة المتصوفين والشعراء والفلاسفة جميعا، بالضلال والغواية والكفر.
- 2-
هل كان هذا التغيير داخل الإسلام عودة إلي الآلهة القديمة. كما كان يعلٌم 'يونغ'؟ يجيب المسلمون التقليديون: نعم. فالتصوف، بالنسبة إليهم نوع من العودة إلي الوثنية. كلا، يقول المتصوفون، وفي طليعتهم جلال الدين الرومي. فهم ينطلقون في تفكيرهم من الوحي الإسلامي، لكن بفهم آخر مختلف، يؤدي إلي تكوين نظرة.. يبدو فيها الإسلام مختلفا عنه في النظرة السلفية- الأصولية.
هكذا، بدءا من المتصوفة والشعراء والفلاسفة، أصبح من الممكن القول إن الإسلام ليس واحدا إلا بالاسم، فتحت هذا الاسم أنواع متعددة من الإسلام: الإسلام في صيغته السنية، وفي صيغته الشيعية، وفي صيغته الصوفية والشعرية.
يمثل جلال الدين الرومي صورة صوفية هي بين الصور الأكثر علوا علي صعيدي الرؤية والتجربة، ولئن كان هناك معني للاحتفاء به اليوم فإنه يكمن، بالنسبة إليٌ في مسألتين.
الأولي هي الكشف عن هذه التعددية.
الثانية هي النظر الي الدين، لابوصفه مؤسسة بل بوصفه تجربة فردية خاصة وحرة.
يهمني، إذا، علي نحو خاص، ان أحصر كلامي علي جلال الدين الرومي في أمرين:
- مفهوم الله.
- والتعبير بالشعر عن هذا المفهوم.
- 3-
لكن، ما مفهوم الله في الإسلام 'الأرثوذكسي' أو السلفي- الأصولي؟
يقوم هذا المفهوم علي مقولات التوحيد واللاشبه:
الله ليس جسما. ليس شخصا ولاجوهرا ولا عرضا، لايجري عليه زمان. لايجوز عليه الحلول في الأماكن، لايوصف بشيء من صفات الخلق، ليس محدودا، لاتدركه الحواس، لايشبه الخلق بأي وجه من الوجوه. لايراه البصر. لاتدركه البصيرة. لايحيط به الوهم. قديم، وحده، لا قديم غيره، لا إله سواه.
هكذا يبدو أن مفهوم الله في الإسلام 'الأرثوذكسي' تجريدي 'خالص'، اي نوع من 'النفي' يجعل الله خارج العالم، وهو بهذا المعني، مسألة نظرية في الإيمان بوحدانية الله وتعاليمه، وفي البرهنة علي ذلك: بالأدلة النقلية والعقلية.
- 4-
ما مفهوم الله عند جلال الدين الرومي؟
إنه مفهوم لايستند إلي التجريد النظري بل إلي التجربة الحية. لا إلي العقل، بل إلي القلب. لا إلي النقل بل إلي الذوق فالوحدانية الآلهية ليست شيئا خارج العالم أو المادة، وإنما هي سارية في كل شيء.
الوجود كله، طبيعة و ما وراءها، واحد. وهو، إذا، وحدة هذا الوجود الواحد هو نفسه الله. والعالم بأشيائه الكثيرة تجليات له، ولئن كان من حيث الوجود المحض، وهما ينتج عن الحس الظاهر أو عن العقل القاصر فإن الحقيقة الوجودية واحدة، جوهرا وذاتا، وإن كانت كثيرة بصفاتها وأسمائها. إذا نظر إليها الإنسان من حيث ذاتها فهي الحق (الله)، وإذا نظر إليها من حيث صفاتها فهي الخلق (العالم). فوجود الموجودات (العالم وأشياؤه) هو نفسه وجود الواحد الأحد. ومعني ذلك انها ليست زائدة عليه، وإنما هي فيه. فالوجود هو كذلك واحد هو نفسه وجود الله.
هكذا يكون الله العقل المحرك المبدع، ويكون الحق والحقيقة ويكون ازليا ابديا، باطن الكون وظاهره، البعيد القريب، الصامت الناطق، الأول والأخير.
والخلاصة ان الله في الإسلام 'الأرثوذكسي' متعال، وهو عند 'مولانا' جلال الدين الرومي محايث، هو في الأول منفصل عن العالم، وهو عنده متصل وهو في الأول مجرد وخارج الكون، وهو عنده حاضر في الكون. والله في الإسلام 'الأرثوذكسي' لايتجلي في الأشياء، وهو عند 'مولانا' يتجلي في كل شيء، ولا نهاية لهذا التجلي.
- 5-
انها ثورة في النظر الي الوجود داخل الإسلام وهي في الوقت نفسه ثورة معرفية لا مكان لهما في 'الأرثوذكسية' الإسلامية وهي ترفضهما رفضا قاطعا وقد صاغ هذا الرفض علي نحو بارع، ابن تيمية قائلا ما خلاصته أن القول بأن عين وجود الحق هو عين وجود الخلق يعني ان 'وجود ذات الله، خالق السماوات والأرض، هو نفس وجود المخلوقات'، ويعني تبعا لذلك 'أن الله ليس خالصا، وأنه ليس رب العالمين، وأنه ليس الغني وماسواه الفقير'.
ويتابع ابن تيمية قائلا: هذه النظرية في وحدة الوجود تعني أن الله (الحق) 'هو بمنزلة البحر، وأن أجزاء الموجودات بمنزلة أمواجه'. وهذه حقا صورة جيدة للتعبير عن وحدة الوجود خلافا لما يقصده.
- 6-
نظريا، تحلٌ فكرة التجلي عند جلال الدين الرومي والمتصوفين بعامة، محل فكرة الخلق عند الإسلام 'الأرثوذكسي'.
غير أن التجلي ليس وجوديا فقط، وإنما هو معرفي كذلك. المعرفة تجل وليست نقلا، والتجليات مبدأ المعارف سواء كانت حسية أو روحية . إنها صور- حقائق تشع أنوارها أو تنعكس علي مرآة القلب والحس وعلي مرآة الفكر، فتولد فيهما المعرفة الذوقية التي هي وحدها المعرفة اليقينية بوصفها مباشرة وبلا وساطة.
لنقل، بتعبير آخر: المعرفة، عند جلال الدين الرومي، انكشاف لحقيقة الشيء يتم برفع الحجاب عن القلب والحس والعقل، حيث تفيض عليها أنوار الغيب. والمعرفة اليقينية لاتجيء إذا من النظر العقلي المجرد أو من النقل التراكمي التقليدي أو من الشرع، وإنما تجيء من التجليات عبر الكشف والذوق، إنها بحسب الصيغة الصوفية 'علم الذوق' أو 'علم الضٌّرْبة'.
وهي معرفة لاتخطيء ذلك أن الخطأ وليد الحكم، أي وليد العقل النظري المجرد.
الذوق أو الكشف يفصح عن الصور التي تتجلي فيها الأشياء، بصور أخري تتجلي في التعبير عنها أو في كتابتها. فإذا كان الكون هو جمال الوجه الإلهي، فإن الشعر والفن بعامة هو المكان الذي يتجلي أو يتجسد فيه وجه هذا الجمال. في الشعر نري أن الكون هو الله نفسه لاتمايز بينهما. والشعر إذا هو التعبير الأسمي عن هذا الكون الأسمي.
إذا كان القول ب'وحدة الوجود' 'غواية' في نظر المسلم الارثوذكسي (الأصولي، السلفي)، فان التعبير عنها بالشعر، كما فعل جلال الدين وفي المتصوفون العامة سيكون 'غواية' هو كذلك، من حيث ان الشعر 'غواية' والشعراء 'غاوون'.
هكذا يتخطي 'مولانا' والمتصوفون مستوي النظر 'الارثوذكسي' أو السلفي الأصولي للإسلام. أصحاب هذا النظر يفهمون الألوهة، بالعقل والنقل، بالبراهين والأدلة بوصف الألوهة مشكلة دينية اجتماعية، ومولانا والمتصوفون يفهمون الألوهة بوصفها مشكلة روحية- بالذوق، داخليا في أعماق الذات، وخارجيا في كل ما يحيط بالإنسان. وفي هذا يضع 'مولانا' والمتصوفة اساسا للتمييز بين الإلهي والديني والمقدس، وهو الأساس الجدير بأن يحدث في الإسلام ثورة 'نظرية' كبري تقتضيها علي نحو خاص، هذه المرحلة المضطربة الصعبة في تاريخه سياسيا وثقافيا وروحيا.
- 7-
يبقي أن أشير إلي أن الذوق هو في ذرواته العليا، نوع من الحيرة ذلك أنه لايجفسٌر ولعل خير ما يفصح عن هذه الخبرة في التفسير نجده في رواية لابن عربي عن زليخا امرأة فرعون في علاقتها مع يوسف، تقول الرواية ان زليخا جرحت مرة فسال دمها علي الأرض. وسرعان ما تحول هذا الدم الي كتابة ولم تكن هذه الكتابة الا تكرارا لاسم يوسف وللحروف التي يتكون منها والسر في ذلك، كما يقول ابن عربي هو ان زليخا كانت تحب يوسف الي درجة ان اسمه كان يجري في عروقها مجري الدم.
مرة اخري لايمكن أن نفسر ذلك عقليا. نفسره بالذوق، مما سيؤدي بنا الي نوع من الحيرة اسميها 'حيرة اليقين'.
هكذا، حين يقول الأصولي - السلفي: 'رب، زدني تيقنا'، يقول جلال الدين الرومي ويردد معه المتصوفون: 'رب، زدني تحيرا'، إشارة إلي حديث 'ينسب الي النبي صلي الله عليه وسلم': 'يادليل الحائرين، زدني فيك تحيرا'.
- 8-
في عالم عربي- اسلامي تهيمن عليه نزعات الطغيان سياسيا، ونزعات التأويلات الدينية- الايديولوجية الضيقة التي تجعل من الإسلام 'مجرد' مجموعة من المؤسسات محولة إياه الي شعار جهادي وواجهة سياسية اجتماعية. تبدو اهمية التجربة الصوفية ممثلة هنا في جلال الدين الرومي إنها تطرح مسألة الحرية، ومسألة العلاقة بين الذات والآخر، وبين الانسان والله وهي تتيح كذلك للمسلمين جميعا أن يطرحوا اليوم هذا السؤال علي انفسهم وعلي الاخرين: ماذا يقدم الدين للإنسان، إذا لم يقدم له، أولا، الحرية؟
كتب هذا المقال للجريدة الإيطالية لاريبوليكا بطلب خاص منها، وقد خص الشاعر أدونيس 'أخبار الأدب' بنصه العربي.
اخبار الأدب
21 اكتوبر 2007