قبل سنوات، كانت الصحافية والناقدة المصرية عبلة الرويني تجري حديثاً مع أنسي الحاج. سألته: "هل أنتَ غير معروف في مصر؟". غضب الشاعر من السؤال فرفض الإجابة على بقية الأسئلة. وقتها كتبت الرويني ما حدث في الصحافة ثم في كتابها "الشعراء الخوارج". بعد سنوات، تحديداً قبل أسابيع، صدرت الأعمال الكاملة في ثلاثة مجلدات للحاج للمرة الأولى في القاهرة عن "هيئة قصور الثقافة" بعدما قام الشاعر المصري عبد المنعم رمضان بدور الوسيط بين الشاعر و"الهيئة"، وبعدما تنازل الشاعر عن حقوقه المادية. هكذا صدرت الأعمال في طبعة شعبية وبسعر رمزي. ضمَّ المجلد الأول "لن"، "الرأس المقطوع" و"ماضي الأيام الآتية"، وضمَّ المجلد الثاني "ماذا صنعت بالذهب ماذا فعلت بالوردة"، "الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع" و"الوليمة"، في حين ضمَّ الأخير "خواتم" بجزءيه اللذين صدرا عامي 1991 و1997. لا يعني هذا أن سؤال الرويني لم يعد ضرورياً. لنتجاوز هذه الضرورة وعدمها بالقول إن صدور هذه الأعمال الكاملة مناسبة لقراءة أنسي الحاج مجدداً. هي قراءة مقال راهن مثلما هي دعوة إلى قراءة الشاعر اللبناني الأحدث في فترة الستينات من جانب القرّاء الآخرين الذين بات في مقدورهم الحصول على نتاجه بطريقة ميسّرة وسعر زهيد.
كاتالوغ القارئ
منذ كتابه الأول "لن" بدا أنسي الحاج مجترحاً حداثته الخاصة ولغته المتفجّرة في زمن كان يستقبل الحداثة مثلما ينوء بإرث طويل وعريض من العروبة يبدأ باللغة وشكل القصيدة ولا يتوقف عند البنى السياسية والاجتماعية. مع ذلك، أتيح للحاج أن يأتي في زمن الثورات، زمن الرومانسيات الكبرى بالمعنى الإيجابي للكلمة. كانت الثورات على صدقها وضلالتها تحدث في الخارج. وكان الحاج يحضّر لثورته اللغوية في الداخل. لكنَّ "لن" الذي تصدّره بيان شعري غدا وسيط الشاعر إلى الشهرة مثلما غدا لعنته التي وسمته إلى الآن. كان بيان "لن" أكثر تطلباً من قصائد الديوان. هذه قراءة. لكنَّ الثابت أن ذلك البيان كان استباقاً لقصيدة النثر التي لم يمضِ عليها عامان. بمعنى آخر، كان الحاج يستبدل شروطاً للقصيدة العربية عمرها مئات السنين بشروط أخرى طرية وطازجة. هكذا غدت مبادئ "البيان" نوعاً آخر من الأوزان الخليلية، رغم أن الفراهيدي عمل على إخراج علم موسيقي للشعر من نتاج مفحوص وكثير وسابق، في حين ظلّت شروط الحاج شخصية وتجريبية ولاحقة. لم يكن بيان "لن" بالتأكيد صارماً بما لا يقبل النقض. لكنَّ استشهاده بسوزان برنار وكتابها "قصيدة النثر من بودلير إلى أيامنا" كان قطعاً للطريق على قصيدة النثر العربية وأشكالها اللاحقة. لقد وضعت برنار شروطها بناء على إرث ضخم في قصيدة النثر الفرنسية. أما الحاج فبنى على قصيدة لم توجد بعد. ولم تمضِ فترة طويلة حتى جاء جيل السبعينات ونقض عبر التجربة بيان "لن" حين أبدل "الإيجاز" بالنص الطويل والمفتوح، و"المجانية" بالقصدية، و"اللغة الطفولية" بلغة واعية، والجفاف بالغناء، والبتر والقطع بالإنشاد. كل هذا حدث بلا بيانات. كان يجري النقض داخل القصيدة لا خارجها، إذ إن البيانات مهما تورّطت في العمل الفني تظلُّ مسألة خارجية. حتى الحاج الذي استشهد بسان جون بيرس في مقدمة "لن" لم يلتفت إلى أن هذا الشاعر كتب نصوصاً طويلة وغنائية وإنشادية كما في "أناباز" و"منارات". اليوم لا يزال البعض يقرأ تلك المقدمة بوصفها بياناً للحاضر لا بوصفها مقدمة ينبغي قراءتها في سياق تاريخي، تماماً كما يحلو لآخرين في لبنان قراءة نتاج الحاج الشعري كنهاية لتاريخ الشعر. هاتان النظرتان ساهمتا في جعل مقدمة "لن" وشعر الحاج معطلاً لدى البعض في الشعر اللبناني ونقده. لقد تراكمت تجارب كثيرة بعد "لن"، من تجارب أجيال السبعينات والثمانينات إلى تجارب التسعينيين، لكنَّ الحاج ومعه الروّاد ظلوا البيان الشعري الذي لا يمكن تجاوزه. أي لا يمكن قراءته بتعبير آخر. وعليه، كان شاعر "لن" يتجاوز نفسه، وينوّع ضمن وحدته، بينما ظلَّ آخرون عند صفة اللعنة، تلك الصفة التي ساهم الشاعر نفسه في تكريسها (كما وصف نفسه في مقدمة "لن")، لدرجة تحوّلت تلك اللعنة من اقتراح ظرفي إلى لعنة دائمة على الشاعر وعلى الشعر اللبناني. لقد خرج أصحاب الجيل الثاني لقصيدة النثر من اللعب بالكلمات وتفخيخ اللغة وشعر الثنائيات إلى القصيدة اليومية والسرد وكتابة الهوامش كلٌّ على درجات متفاوتة في البلاغة والتخريب والتكسير والانضباط بما لا يمكن إحصاؤه بجملة، وإن ظلَّ للحاج أثر واضح عند آخرين أمثال عقل العويط، عبده وازن وبول شاوول الذي يقيم شعره بين حدّين: لعب أنسي الحاج وحذلقة سعيد عقل. والحال، فإنَّ تصويب الكلام يقتضي الإقرار بأهمية ذلك البيان مع تخليصه من أبديته، ذلك البيان الذي حاول أن يمدَّ جسوراً بين الشعر والنثر بقدر ما عمل على إنشاء مسافة بينهما، مثلما يجب الإقرار بشعر الحاج في "لن" لجرأته قبل قيمته الفنية. إذ تقتضي النزاهة أن نفرّق بين الجمال والجرأة أو بين القيمة والمغامرة. لقد كان الحاج شجاعاً بما يكفي ليلعب بتاريخ طويل من الشعر العربي.
صعود وتعميق
إذاً، ما بدأ لعباً وجرأة عند الحاج في "لن" (1960) بات مشروعاً (وإن لم يقصده الشاعر) في "الرأس المقطوع" (1963). في هذا الكتاب أخذت جملة أنسي الحاج محلها بعدما حلَّ الهذيان مكان الاضطراب، والحرفة مع اللاوعي مكان الفجاجة الخام، وتوليد المعنى التأويلي مكان الهذر المجاني، والخبرة المقرونة بالنقص مكان المحاولة الواثقة، والتماسك والتصريح مكان التشتت، والحفر مكان الانفعال، والعاطفة مكان الصراخ. حدث هذا من غير أن يبدّل في أدواته الأثيرية من استخدام مفرط للنداء والكتابة بضمائر المتكلم والمخاطب والتجريب اللغوي ونحت الكلام وابتداع الصياغات الخاصة. كل هذا تمَّ بلغة جسدية نادرة في ذلك الوقت. لغة تحسُّ بالحواس وتفكر بالحواس وتتأمل بالحواس وتهلوس بالحواس. وظلَّ هذا المشروع يتنامى ويرتفع ويتعمّق في كتاب "ماضي الأيام الآتية" (1965) ليبلغ ذروته في "ماذا صنعت بالذهب، ماذا فعلت بالوردة" (1970). في هذا الديوان الأخير اكتمل أنسي الحاج وإن كانت كتبه الأربعة في المعنى لا في التكنيك أو التقنية تشكل امتداداً واحداً تصاعدياً. لقد ظلَّ الحاج طوال عقد من الزمن شاعر الحب والمرأة وشاعر ثنائيات بكل ما تعني الكلمة وبكل ما تحيل على الدين أو على الميتافيزيق. إنه شاعر المرأة والرجل، المقدّس والمدنّس، السماء والأرض، الإلهي والبشري، الحياة والموت، الخلاص والخطيئة، الخير والشر، الروح والجسد، الديني والدينوي، الطهارة والنجاسة، النور والظلمة، الجمال والقبح، الباطن والظاهر، الجوهر والسطح، الحرية والعبودية، الله والشيطان... وصولاً إلى ثنائية القديم والجديد. لكن بعد هذه الكتب زالت هذه الثنائية الأخيرة حين صار الجديد قديماً فدخل الحاج في منطقة أخرى. كأن ثنائيات الحاج ليست إلا المسيح ذا الطبيعتين الإلهية والبشرية. هذا الجانب المتدين بالمعنى غير الطقوسي للكلمة سيبرز لاحقاً في كتابه "الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع" (1975) الذي يتشابه مع كتاب "نشيد الأناشيد". إنه كتاب خلاص وتطهر سيؤدي إلى صمت طويل استمر نحو ستة وعشرين سنة قبل أن يعود الشاعر إلى النشر بصيغة تأملية وحكمية ونبوية في كتابه "خواتم" (1991). لكن قبل الانتقال أودُّ الاستشهاد بعبارتين للشاعر نفسه من "خواتم" تؤكدان ما ذهبت إليه في هذا المقطع: "المنفلت فيَّ يكره منظر المنفلتين والمستبدُّ يكره منظر المستبدين" و "في بعض أسس الأدب الحديث (والتصوير الحديث) ابتسامة سخرية من الذات مع القول: أحسن مما عُمل لن نعمل، فلنلعب...".
النبي بلا لعنة
عاد الحاج هذه المرة تاركاً خلفه لعنته ومغامراته السوريالية والتجريدية (يمكن إبدال هاتين المفردتين بالغموض)، محتفظاً من ماضيه بالثنائيات واللغة الحسية والرغبة في المقدمات. لم يكن "خواتم" كتاب شعر ولم يسعَ إلى تأسيس لغة جديدة ولا إلى اجتراحات كتابية. مع ذلك صدّره بمقدمة عن موت لغة الشعر وغزو الحضارة للإنسان المعاصر. كان "خواتم" كتاباً في الجنس والحب والمرأة والسياسة واللغة والشعر والفن والموت والحياة والدين والعلوم والحرب. إنه تأملات في هذه المواضيع وغيرها تقترب من الشعر من غير أن تدّعيه، تلامس القصيدة من دون أن تكونها. لهذا بدا التقديم نافلاً على الكتاب مثلما كان تقديم "لن" عبارة عن كاتالوغ لقراءة هذا الكتاب. ما الذي تقوله المقدّمات عموماً؟ إنها تضع طريقة أمام القارئ للقراءة. تقيم شروطاً. أي إنها تحدد الكتاب قبل قراءته وتسلب القارئ ذلك الحق الذي يُدعى المجانية. وعليه، تطلب المقدمة من القارئ نمطاً مسبّقاً في القراءة. ولهذا السبب قلت إن أنسي الحاج وسم نفسه قبل أن يقرأه الناس منذ "لن" وإن كان تعددَ وتنوّع واتخذ مسارات في التعبير واللغة ومقاربة موضوعاته. إذا كان "خواتم" نوعاً من السيرة الذاتية الفكرية، وبصيغة أكثر هدوءاً، سيرة تأملية، فإن الحاج في اتخاذه الخلاصاتِ مبادئَ كان يعيد تجربة جبران خليل جبران (المجدد الأول في اللغة حديثاً). لقد ظهر "خواتم" على أنه نسخة أحدث وأوسع ومختلفة من كتاب "النبي". لم يحدث هذا الشيء في مضمون الكتاب فحسب، بل في لغته. تخلص النبي في أنسي الحاج من تلك الصفة المضادة التي رافقته: اللعنة. تخلصٌ أنهى اللعنة وأبقى النبوة. هذا ما أوحت به تلك النبرة الحكمية التي على حكمتها، ظلت مترددة حيناً وجازمة أحياناً، عابثة مرة وجادة مراراً.
كان "الوليمة" (1994) آخر كتب الحاج الشعرية. كتاب أخذ فيه الاسترخاء مأخذاً، ليغدو شاهداً على خفوت الانتفاضات واستقرار العاطفة وبرود النزق وانتهاء التفجير اللغوي ونسيان التأمل، أي تلك الملامح التي حفلت بها قصيدة الحاج (في هذا الكتاب نصوص طويلة بعكس "الإيجاز" ونصوص قصدية بعكس "المجانية"). حتى المرأة كفّت عن أن تكون المحرّك الأساسي لشعر الحاج. في "الوليمة" تحضر المرأة مع الوطن (فعلها كثيرون من نزار قباني إلى محمود درويش). يكتب أنسي الحاج عن لبنان الذي مرَّ في حرب أهلية توقف خلالها الشاعر عن النشر كما سبق. لكنَّ الحاج في الحقيقة كان انتهى من مشروعه الرائد والجريء والجديد منذ عام 1970، تاريخ صدور "ماذا صنعت بالذهب، ماذا فعلت بالوردة". لقد قال ما قال في عشر سنوات كانت كافية لفتح ثغرة في القصيدة العربية ظلت تتوسع باطرّاد معه ومع آخرين.
تأصيل الجديد
كثرٌ يهملون قصيدة الموضوع عند أنسي الحاج، ليحصروا شعريته في مشروعه اللغوي المتفجر والهاذي والللاواعي والحدسي. في الحقيقة ثمة موضوعان لا بدَّ من الانتباه إليهما في الحديث عن أنسي الحاج: المرأة والحرية. صحيح أن شعر الحاج شعر فرد وشعر شخص، وهذا امتياز، لكن الصحيح كذلك أن الشاعر في إعلائه الحرية فوق أي شيء كان يجعل لشعره موضوعاً كبيراً. والحال، دخل شعر الحاج الفردي منطقة الجماعة من قضية خاصة وعامة تُدعى الحرية. وكثرٌ أيضاً يهملون أن لغة الحاج هي ابنة المدرسة اللبنانية سواء تقاطعت مع آخرين في جدتها (جبران خليل جبران) أم اختلفت عنهم في تراثيتها وصنعتها (سعيد عقل). إنما في الحالين، ثمة مدرسة لبنانية تقيم للغة وزناً عبر تنقيتها وتدريبها وصقلها وتصفيتها وتلميعها وتشذيبها وتجديدها ودفعها إلى الواجهة والمغامرة والتجريب والكسر والبناء وغير ذلك. وهنا يمكن إضافة علماء اللغة من آل البستاني إلى لغة مارون عبوّد المطواعة والشفهية في القص إلى لغة شعراء المهجر في الشعر إلى لغة جيل الثمانينات المخرّبة بيوميتها (كوصف خارجي لا قيمي) إلى لغة وديع سعادة النثرية (آمل أخذ هذه الأمثلة كنماذج غير حصرية). كثرٌ أيضاً يسقطون شعراء المقدس والمدّنس الذين سبقوا أنسي الحاج بعيداً عن المصادر الفرنسية لهذا الشعر الذي يمكن ردّه كذلك إلى الثقافة المسيحية عموماً (الخطيئة والغفران، الإلهي والبشري، مريم المجدلية، الحبل بلا دنس...). من هؤلاء إلياس أبو شبكة صاحب "غلواء" و"أفاعي الفردوس" (لنتذكر "أزهار الشر" لبودلير) وشاعر الزجل اللبناني الرائد خليل روكز صاحب ديوان "كفر وإيمان".
في كل حال، هذه مطالعة خاصة لأنسي الحاج لا تسعى إلى الاكتفاء بها أو الركون إليها بقدر ما تهدف إلى إعادة قراءة الشاعر في مناسبة صدور أعماله الكاملة في مصر حيث ستنتهي تلك الصيغة اللبنانية التي أحيط بها تقصيراً منه ورغماً عنه.