حازم صاغية
(لبنان)

كان محمود درويش للوطنيّة الفلسطينيّة ما كانه شعراء قلّة لقضاياهم. في الخانة هذه تندرج أسماء كوليم بتلر ييتس حيال إيرلنديّته، وحاييم بياليك تجاه يهوديّته. فشعر درويش ينقل الشجن الفلسطينيّ وترجيعاته الإيقاعيّة والغنائيّة كما يملك عنصر اللوحة في رسمها حياة الفلسطينيّين وبؤسها، منطوياً على طموح الى تعميم مأساتهم إنسانيّاً، أو رؤيتها في سياق مآسي البشر والتاريخ عموماً. بيد أن شعره ليس من الصنف الانتصاريّ، ولا هو من المكابرات الزجليّة والنضاليّة التي سادت طويلاً الشعر العربيّ، ومنه الفلسطينيّ، والتي لا تزال تحتلّ رقعة بارزة فيه.

والحقّ أن علاقة التجانس بين درويش وقضيّته استمرّت في الزمن على شكل تلازم. فعندما شاءت القضيّة، ، تحديث نفسها وكسر عزلتها عن العالم في همومه وشواغله، بات درويش شاعرها غير المنازَع. ذاك أن قصائد هارون هاشم الرشيد أو ابراهيم طوقان، ومن بعدهما شعر الشعراء المنبريّين الذين جايلوا درويش، لم تعد قادرة على مواكبة «القضيّة» في طورها الجديد هذا.

وفضلاً عن خصوصيّة شعره، كان ما أهّل درويش لهذه المهمّة خلفيّة من النوع الذي نأى بنفسه عن الضيق القوميّ، واختبار انسانيّ وشخصيّ لعلاقة الأفراد العرب واليهود بعيداً من سياسات الجماعات المتناحرة.وعموماً، صار درويش رمز الهويّة الفلسطينيّة ومعاناتها على نحو لم يبلغ إليه إلاّ ياسر عرفات، ويصعب أن يبلغ أحد إليه بعدهما. وفي مواكبته تحوّلاتها، واكب جنوحها إلى السلم الذي كان أحد مهندسي حساسيّته، مبتعداً عن المزاعم الكبرى والادّعاءات المُسمّنة. فهو في معارضته اتّفاقات أوسلو، لم يوغل في نقدها سياسيّاً، وكان أقرب الى معارض إجرائيّ و«تفاوضيّ». بيد أنه ذهب بعد ذاك إلى رام الله حيث أقام. ومنذ عقدين ودرويش يكتب، بشتّى الصيغ، عن حقّ الفلسطينيّ في أن يعيش حياة عاديّة و «يحتسي قهوته». فـ «نحن نحبّ الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا». وفي ذلك أقام إقرار عميق بأن القضايا، مثل أيّ شيء آخر، محكومة بتاريخ وأطوار، وأن «سجّل أنا عربي» غدت طوراً وراءنا. وفي هذا، وفي غيره، شكّك عميقاً بالنزعة البطوليّة التي شاء البعض، خصوصاً بين العرب غير الفلسطينيّين، أن يسمّروا الفلسطينيّ فيها.

فحينما قصد حيفا، أواسط العام الماضي، بعد 35 عاماً من غياب قسريّ، هاجمه كثيرون، في عدادهم حسّاد، وبينهم خاطفو قضيّته الذين يصرّون على ردّها إلى ما قبل «سجّل أنا عربي»، إن لم يكن إلى ما قبل بدر وأحد.

وتبلغ دراما التلازم ذروتها إذ يتزامن موت محمود درويش مع حرب غزّة الأخيرة. فما بين تفتّت «الشعب» عائلاتٍ محاربة، ، تموت القضيّة أيضاً.

لكنْ يبقى من محمود درويش الشاعر الذي كانه. وهو شيء كثير حدسه هو نفسه منذ غدا الموت والحياة هاجسه الأوّل

الأربعاء أغسطس 13 2008