عبد السلام المساوي

محمود درويشيرى الكاتب ان محمود درويش يتأرجح في شعره بين مفهومين للموت عبر مساره الابداعي الطويل. أولهما تمجيد الموت باعتباره عرساً للشهيد ومدخلاً لاسترجاع الارض والهوية. والثاني تأمل الموت في سياق الرؤية الفردية المدعومة بتجربة المرض التي قربت الذات من مصيرها وأتاحت لها ان تتأمل هذه اللحظة بكثير من الحكمة والتفلسف. ومع ذلك، يناقش الكاتب هذه القضية الهامة في انتاج محمود درويش، باعتبار ان هذا الاخير انتصر على الموت انتصاراً جمالياً بما أبدعه من قصائد ونصوص تجمع المدارس الادبية على فرادتها وأصالتها. من هذا المنطلق، تبدو هذه الدراسة محاولة لإظهار التجربة الجمالية الطويلة التي خاضها الشاعر مع عدوه اللدود الذي، وإن كان سلبه هشاشة الجسد، فإنه لم يقوَ على سلبه مكانته الرمزية الرفيعة.

من هنا، يقارب الكاتب هذه المسألة من زاوية احتمالية، على الاغلب، هي ان الموت الذي تردد في معظم أعمال درويش الشعرية بأنساق وصيغ مختلفة، إفراداً وتركيباً، سيتخذ بعداً مناقضاً لمفهومه العادي باعتباره نهاية الحياة ودخول عالم الابدية. إنه، بعبارة أخرى، معبر ضروري في المشروع الحيوي لشعب يرفض ان يعيش مهاناً فاقداً هويته التاريخية. وتأسيساً على ذلك، قد يغدو الموت استراتيجية أساسية لاسترجاع الكيان الروحي والمادي الذي تستحق به الحياة ان تعاش. ويضيف الكاتب ان هذه الفرضية قد تدعو الى تفحص أعمال درويش الشعرية على اكثر من مستوى، تفحصاً يراهن على مراقبة حضور مسألة الموت، ان في عتبات النصوص (عناوين المجموعات الشعرية، عناوين القصائد، التصديرات والاهداءات)، او داخل النصوص، وذلك للوقوف على درجة الانجذاب الى هذه المسألة. ومن ثم إبراز الابعاد ذات الدلالة الفنية التي يسم بها مفهوم الموت تجربة درويش في الكتابة الشعرية.

يتقصى الكاتاب مفهوم الموت لدى درويش من خلال النقاط الآتية: الايمان العميق بأن الاقدام على الموت استشهاداً وفداء هو الخطوة العملية التي بإمكانها ان تعيد الحق المسلوب. النقطة الثانية تتتمثل في الانصراف عن التأمل الفلسفي في الموت من حيث كونه مصيراً ميتافيزيقياً، لأن اللحظة التاريخية وما رافقها من محن التشرد واللجوء والقتل، بدت أقوى من أي اعتبار للفكر المتأمل الذي يمارس في العادة في سياق تصالح الذات مع واقعها الاجتماعي والسياسي. النقطة الثالثة وهي اعتبار الكلمة الشعرية الوجه الثاني للسلاح الفعلي. فهي التي يمكن ان تقوم بوظيفة التنوير وتحفيز الشعب لبذل النفس من أجل استرجاع الارض والكرامة. النقطة الرابعة وتدور حول الارتداء الذي ظهر على الشاعر في توجهه الشعري اللاحق وإيثار الذاتي على الجماعي في ما يتعلق بمفوم الموت. وتشكل هذه القضية بالتحديد ما يحملنا على الاعتقاد بأن هذا الارتداد كان، في الحقيقة، خاضعاً لأسباب فنية لها صلة بتغير مفهوم الشعر لديه ووظيفته تبعاً لتغير ايقاع العصر والتطورات الحاصلة في المسألة الفلسطينية. على هذا الاساس، وجد درويش نفسه وجهاً لوجه أمام الموت فانبرى الى كتابة نصوص رفعها في وجه الموت ليكشف من خلالها ما يشبه القطيعة مع المفهوم الاول للموت الذي راهنت عليه أعماله الشعرية الاولى.

يتضمن الكتاب الفصول الآتية: الموت من المنظور الجماعي (فلسطين والموت ـ الموت الاسمى ـ الاحساس بالمرارة)؛ الموت من المنظور الذاتي (معجم الموت، التناص أو الذات المحمية بذاكرتها ـ الذات وأشكال موتها). ويشتمل الكتاب على ثبت بالمصادر والمراجع.

[ الكتاب: جماليات الموت في شعر محمود درويش
[ الكاتب: عبد السلام المساوي
[ الناشر: بيروت، دار الساقي، 2009

المستقبل
الخميس 11 كانون الأول 2008