بشار ابراهيم

الشاعر الراحل محمود درويش
الشاعر الراحل محمود درويش
 
الشاعر الراحل محمود درويش
المخرجة الاسرائيلية سيمون بيتون

بشار إبراهيم من دبي: مضى محمود درويش دون أن يرمي تلويحة وداع على أحد. كان رحليه مفاجئاً، غير متوقع، وعلى غير موعد.. يأتي الخبر مفاجئاً، مباغتاً وصاعقاً.. لم يتهيأ له أحد، على الرغم من خبر خضوعه لعمل جراحي في القلب. لقد فعلها درويش مرتين من قبل. دخل في سراديب الموت، وعاد منها بقصيدة. هزم الموت، ومدَّ له لسانه، قائلاً: "هزمتك يا موت الفنون جميعها" !..حتى اعتقدنا أنه سيفعلها مرة ثالثة.. وكنا بانتظار قصيدته الجديدة، لا موته..
يرحل محمود درويش.. وهو الذي عاش من رحيل إلى رحيل.. مفرداً كان.. تطويه المنافي، والعودات القلقة.. صنع «ظاهرته الشعرية» الفريدة، ما بين حيفا، وبيروت، وتونس وباريس.. ما بين قبرص، وموسكو، والقاهرة، وعمان، ودمشق، ورام الله.. وعاش على مسافة مرسومة من كل شيء!..
ومحمود درويش الرمز والإيقونة.. الإنسان والشاعر.. يأخذ صورته الأخيرة معه، ويترك لنا ظلالاً منها.. ليست تلك الظلال التي رآها ذات يوم في «جواز السفر».. بل ظلال الصورة السينمائية الوحيدة التي صيغت عنه، وهو الذي كان متوفراً، وربما جاهزاً..

صورة محمود درويش السينمائية الوحيدة، رسمتها المخرجة الاسرائيلية سيمون بيتون، في فيلمها التسجيلي الشهير «الأرض تورث كاللغة» 1998. وربما كان غريباً أن أحداً من السينمائيين الفلسطينيين والعرب، على السواء، لم يبادر إلى رسم صورة سينمائية لهذا الشاعر الكبير، الذي ملأ الدنيا، وطاف الآفاق.. لقد اكتفوا باستلهام قصائده، وصوته.. فربما أن أحداً منهم لم يكن يفكر بأن محمود درويش سوف يموت «عمّا قليل»!.. ولعل درويش ذاته كان يبدو لهم أبعد ما يكون عن الموت، حتى بعد أن دخل مبضع الجراح إلى قلبه وشرايينه..
لن ننكر هنا أبداً، محاولة المخرج العراقي محمد توفيق، في عمل تلفزيوني حمل عنوان «سجل أنا عربي» عام 1986، وفيه حوار مطول مع الشاعر، إضافة إلى مقتطفات من أمسياته الشعرية، خاصة تلك التي كانت يحييها في تونس.. ولا ذاك العمل التلفزيوني المبكر، والذي حمل عنوان «محمود درويش شاعر الحرية»، والذي أنتجه تلفزيون لبناني عام 1993، في جزئين يمتدان طيلة 200 دقيقة.. ولا البرامج التلفزيونية هنا وهناك.
لكن يبقى أن المخرجة سيمون بيتون، وفي إطار اهتمامها بالفيلم الوثائقي التسجيلي، استطاعت إقناع الشاعر محمود درويش بالاستسلام لكاميرتها، والانهمار أمام تلك الكاميرا بفيض من البوح والاعترافات، من الحديث المستفيض، بدءاً من حياته الشخصية، وتجربته الفردية، وصولاً إلى تجربته الثقافية الإبداعية، وتجربته السياسية الرسمية وشبه الرسمية.
ربما كان لدى سيمون بيتون ذاتها، ما أقنع محمود درويش بقبول تلك التجربة المغامرة، فهي مزيج فريد من مفردات تشكل جميعها هويتها. إنها اليهودية المولودة في الرباط، والإسرائيلية النافرة من سياسات الدولة وممارساتها، والفرنسية الطامحة للمساهمة عبر أفلامها في فهم أفضل للصراعات الدائرة في المنطقة: (أمهاتنا من المتوسط 1982، اجتماع بين الحربين 1983، الأصوات الشهيرة في الأغنية العربية/ أم كلثوم 1990، فلسطين: تاريخ أرض 1993، محادثة شمال جنوب 1993، محمود درويش: الأرض تورث كاللغة 1998، القنبلة 1999، عزمي بشارة 2001، الجدار 2004).
عبر قرابة 60 دقيقة، تنسج سيمون بيتون فيلمها بحرفية ومهنية واضحة، تستفيد من موضوعها، الشاعر والإنسان الغني والمتعدد الوجوه والتجارب، المتنقل بين الأمكنة وفي الأزمنة، ومختلف الحالات والانفعالات.. تبدأ مع درويش من لحظة ذاكرة طفلية، وتسلط كاميرتها على الورقة والقلم، اللذين بتلاقحهما خلق محمود درويش عالمه الشعري الفذ.. تبدأ معه من إحدى المطارات التي أضحت علامات في حياة الشاعر الجوال، المتنقل من عاصمة إلى أخرى، دون بلاده..
ما بين باريس وتونس، مروراً بعمان، وإلى حافة فلسطين، عند جبل نيبو، قبيل العودة الناقصة، إلى جزء من أرض فلسطين، ترافق الكاميرا محمود درويش، وهو يمر بحديث فياض على الكثير من محطات حياته، وينثر المزيد من حكمته التي استقاها بلغة الشاعر من استثنائية الحياة التي عاشها.. تنتقل معه إلى رام الله، وتعود هي وحدها بكاميرتها، وبلقاء مع خال الشاعر، إلى قرية البروة، التي بقيت نائية عنه، على الرغم من قربها المكاني الشديد..

سنجد خال الشاعر محمود درويش يقف بين أنقاض قرية البروة، ويستعيد من خلال الذاكرة تفاصيل المكان، ارتباطاً بالشاعر، فيقول: «هنا الغرفة التي ولد فيها محمود درويش.. هذا هو البئر الذي كان والده يسحب منه الماء».. أي إنه البئر ذاته الذي كان يرى فيه الفتى محمد درويش قمريه. وكأن الصورة التي تقدمها بيتون في فيلمها تحاول أن توازي ما قاله محمود درويش عن بئر والده، وعن القمرين اللذين كان يراهما، وهو فتى غرّ، في البئر..
ثنائية المكان/ اللغة، البادية في عنوان الفيلم، تجد لها مساحة واسعة في حياة الشاعر محمود درويش، فهو الذي امتلك ناصية اللغة، حاول جهده أن يعيد صياغة المكان لغوياً، أعاد كتابة حكايته منذ كنعان الأول، وحكى صراعاته مع الغزاة الذين مروا على سنابله، وانتهى إلى أن «فلسطين أم البدايات، أم النهايات».. في محاولة باهرة لتضافر المكان، وانجداله بالزمان، فتتكرر حكاية الآنا والآخر، القريب والغريب، في توارث يبدو أن لا ينتهي.
ستترك سيمون بيتون لموضوعها/ الشاعر، أن يقول ما يشاء، وإذ تسأله بالقليل من الكلام، فإنما في غاية تسعى إلى استكشاف المزيد من عوالمه الشخصية والحميمية، وطقوسه الحياتية، وراء الشعر، ووراء الصورة الإعلامية، والكتابات الأنيقة.. فهي تعرف أن محمود درويش كان حالة جدالية، من غير السهل والبسيط قراءتها، والتعرف إلى أحد وجوهها، والاكتفاء بذلك..
لهذا يمكننا القول إن فيلم «الأرض تورث كاللغة» استطاع النجاح في تلمس بعض جوانب صورته.. ولكن بقي الكثير من ملامح الصورة، أو ظلالها، رهن الاقتراب منها، ملامستها، قراءتها، وإدراكها.. وليس من المبالغة في شيء القول إن محمود درويش ظاهرة، ليس من السهل إنجابها، أو إنتاجها، مرة أخرى.. وربما سيحتاج الفلسطينيون، والعرب، إلى وقت طويل لفعل ذلك.

ايلاف
11 اغسطس 2008-08-11

***

دقيقة صمت لذكراك

العفيف الأخضر

"الجنة غير موجودة. أما الجحيم فنحن فيه"
(سارتر)

لولا أنْ صادفَ، يوم ذهابي الى مستشفى الباريسي لعيادة طبيبي، أنْ قرأتُ افتتاحية عبد الباري عطوان في "القدس العربي" عن "العَشاء الأخير" مع محمود درويش وصبحي الحديدي، لمّا فكرتُ في كتابة هذه السطور. لم أقرأ إلا القليل من شعر درويش ونثره. لم تربطني به علاقة خاصة.
في أوائل السبعينات، التقينا صدفة في مركز الأبحاث الفلسطينية، في بيروت، لقاءً غير سعيد ليس هنا مقام الخوض فيه. إذن، ليس ثمة من مبرر موضوعي أو ذاتي لأي رثاء. لكن افتتاحية عطوان الصادقة أثارت شجوني. قرأتها وكأنني أسمع صوت محمود درويش من وراء تابوته يحتج على نذالات أقوياء هذا العالم.

النذالة رقم 1

نذالة الحكومة الأمريكية التي ظلت تماطل لأكثر من 4 شهور لإعطاء التأشيرة لمريض في خطر الموت، لإجراء عملية جراحية في الولايات المتحدة. ولو لا توسيط الرئيس محمود عباس وزيرة الخارجية الأمريكية شخصيا لمّا حصل عليها في اللحظة الأخيرة من حياته!

النذالة رقم 2

نذالة الحكومة الإسرائيلية، التي عبرّت للمرة الواحدة بعد الألف عن حقدها الدفين على الفلسطيني حيّا وميّتا، عندما رفضت عودة جثمان شاعر فلسطين لمجرد أنْ يدفن في مسقط رأسه. لكنها، في المقابل، ترحّب بدفن أي يهودي في القدس مهما كان البلد الذي ولد وعاش ومات فيه. طبعا ليس هذا تمييزا بين الأموات، بل مجرد إجراء إداري بريء!
النذالتان، الأمريكية والإسرائيلية، إجراميتان بقدر ما هما غبيتان. متلقّي الرسالتين الأمريكية والإسرائيلية في فلسطين وخارجها فهمهما كإعلان مضاد للصداقة مع الأولى وللسلام مع الثانية؛ فهل هذا ما كانتا تريدان؟ ربّما.

النذالة رقم 3

نذالة ذوي القربى وهي الأشد مضاضةً على النفس من النذالتين الأمريكية والإسرائيلية: نذالة ياسر عرفات. بعد استقالة محمود درويش من مسؤولياته في أجهزة منظمة التحرير الفلسطينية احتجاجا على أوسلو؛ عاقبه رئيسها يومئذ، عرفات، بقطع مرتبه فعاش في باريس لا يكاد يفارق شقته لعجزه عن دفع ثمن قهوة مدعويه، كما كتب عبد الباري عطوان. النذالة طبيعة ثانية في حكام أرض الإسلام على مر العصور؛ ألم يمت فاتح الأندلس، طارق بن زياد، وهو يتسول في شوارع دمشق الباذخة لمجرد أن الخليفة غضب عليه فكافأه – رحمةً منه – لقطع رزقه بدلا من قطع عنقه؟ ومع ذلك، فجوع محمود درويش في باريس فاجأني. لأني كنت أعتقد دائما أن ملعقة عرفات الفضية لم تفارق فمه منذ التقيا. عرفات الذي كان سخيّا مع كلاب القلم العرب، وما أكثرهم، عملا بشعاره المعروف من مقرّبيه: "كلب ينبح معي خير من كلب ينبح عليّ" جوّع شاعر فلسطين!

لو كنت أعلم أن محمود درويش كان يكابد جوعه بصمت لدعوته الى مرافقتي إلى طابور مطاعم الفقراء الباريسية، الملاذ الأخير لمن أبوا تأجير أقلامهم لأقوياء هذا العالم الذي نعرف.
إذن، أقف دقيقة صمت لذكراك الزكية يا محمود.

المصدر ايلاف – 15 اغسطس 2008