كاظم جهاد
(العراق/ باريس)

المرّة الأخيرة التي التقيتُ فيها الفقيد الكبير كانت في مساء السابع من حزيران (يونيو) المنصرم. كان مسرح «الأوديون» الفرنسيّ قد أعدّ برنامجاً مخصّصاً للأدب العربيّ بالتنسيق مع الكاتب السوريّ فاروق مردم بك، مدير سلسلة «سندباد» التي تعنى بترجمة الأدب العربيّ إلى الفرنسيّة في منشورات «آكت - سود». كانت الأمسية مخصّصة لقراءات للشاعر العراقيّ سعدي يوسف. جاء محمود درويش بصحبة الكاتب الفلسطينيّ الياس صنبر، مترجم معظم أشعاره إلى الفرنسيّة. بدا على سحنة محمود شحوب شديد. وما إن انتهت قراءة سعدي حتى غادر محمود، عجِلاً على غير عادته، ليس قبل أن يودّعنا بدماثته الودود المعهودة. بعد مغادرته بدقائق، عرفتُ من فاروق الخبر الجلل: كان محمود في عصر اليوم نفسه قد تلقّى نتائج فحصه الطبيّ الأخير. أخبره الطبيب الفرنسيّ أنّ الشريان الأبهر في قلبه قد توسّع بصورة قد لا تمنحه سوى أسابيع أو أشهر من الحياة. فجأة وجد محمود نفسه في وضع تراجيديّ تماماً: البقاء بقلب معطوب إلى هذه الدرجة أمر غير مضمون العواقب، وإجراء عمليّة ثالثة للقلب أمر غير مضمون العواقب أيضاً.

 ينبغي أن يتخيّل المرء حالة امرئ يجد نفسه بين خيارين كلاهما محفوف بتهديد الموت. وعندما تعرف أنّ محموداً تلقّى هذا الخبر الصّاعق قبل أمسية سعدي بسويعات، وأنّه جاء مع ذلك ليحضر قراءة الشاعر الصديق، فلا تملك إلاّ أن تجلّ ما في موقفه هذا من وفاء نادر مقترن بشجاعة نادرة. بإمعان وعمق، راح محمود يصغي الى «أبي حيدر» وهو يقرأ قصائده. كنتُ شديد الانتباه لنوع من الحوار الصّامت يدور بين صديقين عملاقين: شاعر يقرأ ويوجّه أغلب نظراته لصديقه الكبير، والشاعر الآخر يستمع بجوارحه كلّها لقصائد صديقه. في صوت الشاعر المعتلي المنصّة كلام عن موت عراقٍ معيّن. وفي صمت الشاعر الجالس ما ينبئ بأنّه وجد في رحابة النشيد الشعريّ ما ينسيه موته الخاصّ الذي امتلأ هو ذلك المساء بإشاعته الزّاحفة بصورة أليمة. وإذ أراجع الآن حراجة تلك اللحظات، فإنّ بيت محمود الشعريّ الشهير القائل: «أمّا أنا وقد امتلأتُ بكل أسباب الرّحيل فلستُ لي، أنا لستُ لي»، يمتلئ لديّ بكامل معناه. قلّما عرف الشّعر العربيّ شاعراً قادراً مثل محمود على أنّ «يوزّع جسمه في جسوم كثيرة»، هو نفسه القائل: «أخرجْ من أناك...».

على حاشية هذه الذكرى، وبالاستناد إلى محادثات شخصيّة طويلة جمعتني بالفقيد العزيز، أذكر أنّ محموداً كان واعياً تماماً بأنّهما، هو وسعدي، الشّاعران الأكثر اقتداراً على ضمان مكانة أكيدة للقصيدة الحرّة التفعيليّة أمام الانتشار المتسارع والجذريّ لقصيدة النثر الخالصة ولما أدعوه القصيدة الحرّة اللاّ تفعيليّة (قصيدة النثر على شاكلة الماغوط). ولضمان هذه المنزلة للشعر الحرّ التفعيليّ كان عليهما أن يعملا، كلاًّ على شاكلته، على توسيع مهارات القصيدة الحرّة بحيث تستضيف مرونة إيقاعيّة كبيرة ومجالاً تصويريّاً باذخاً واستدخالاً للمعيش اللغويّ الفوّار، ما يدعوه الفيلسوف ميرلو - بونتي «نثر العالَم».

وما دام الكلام هنا عن محمود، فإلى شعره، طالما أعربتْ تحليلاته للعمليّة الشعريّة عن وعي واضح لخطورة مهمّته التحويليّة هذه. لم يكن محمود ممّن يحبّذون كتابة الأبحاث والمقالات النقديّة، وطالما كان يتعفّف من الحكم على تجارب الآخرين. ولكنّك تجد في إجاباته على أسئلة الصديقين الشاعرين عبّاس بيضون وعبده وازن، في حواراتهما الطويلة معه، التي تُرجمتْ إلى الفرنسية في كتاب حقّق أصداء واسعة في فرنسا، أقول تجد فيها معرفة مكتملة بدقائق اللّغة الشعريّة والموقف من التراث ومن الحداثة الغربيّة ومن العالَم والسياسة، سياسة القصيدة بخاصّة، ومن المعنى وصراعه الدائم مع غواية اللاّ معنى وإغراء الموقف العبثيّ بإزاء عبث التاريخ. وبايجاز أقول إنّني لا أوافق البعض القول إنّ محموداً بقي متناهَباً بين رغبته في إبداع شعر متحرّر أو شخصيّ واضطراره، بباعث من القضيّة التي هو مؤمن بها والتي تسكن كيانه وتؤسّس تاريخه الشخصيّ نفسه، أقول اضطراره إلى إنتاج كلام لا يغرّبه كثيراً عن ذائقة الجمهور. بل تكمن فرادة محمود درويش وعلوّ موهبته في سيره المضني والعنيد على الخيط الضئيل الرّابط بين شروط القصيدة الخالصة والوضوح الكليّ الذي يُطالَب بامتلاكه كلّ من يعنى بالشأن العامّ.

لقد أملى محمود على جمهوره أن يرقى إلى صفاء معيّن للقصيدة، وفي الأوان ذاته أجبر هواة الشعر الخالص على أن يستمعوا عبر شعره إلى عذابات المجموع. ولولا نجاحه في هذا التحدّي الصعب لما اتّبعه الجمهور ولا احترمه حتّى نقّاده من مناوئي «جماهيريّة» القصيدة. وأنا أحسب أنّ الصيّغة العادلة التي تشهد له بهذا النجاح هي هذه التي أطلقها الصديق الشاعر بول شاوول في نعيه للفقيد العزيز، نعي يحيّي فيه ما اجترحه محمود درويش من «لغة مركّبة» تتجلّى في «إنجازاته الأخيرة، الممتدّة على عقدين، والتي اتّسمت بقلق حيّ بالتجديد وبالخروج من العموميّ إلى الخصوصيّ، ومن الشعر كمجرّد سلاح للقضية، إلى الشعر كسلاح للشعر، من دون أن يفترق عن «قدَره» النضاليّ المقاوم. وهكذا تآخت عنده النبرتان، واستوت عنده اللغتان، واحدة تهجس بقلق الناس، وأخرى بقلقه الشعريّ، لكنْ على غير انفصال، وعلى غير تنافر، وعلى غير تضادّ».

ينبغي أن يدرك المرء أنّ ما يطلق عليه البعض هذه التسمية التجريديّة والاختزاليّة: «القضيّة»، كان يشكّل لدى محمود تجربة تأسيسيّة وجرحاً أصليّاً. فإذا كان وراء إبداع كلّ فنّان، على ما يرى مؤسّسو النقد الموضوعاتيّ (أو الثيميّ)، جرح بدئيّ يتمحور حوله مجموع تجربته الإبداعيّة وشبكات رموزه وصوَره، فإنّ جرح محمود، الشخصيّ والوطنيّ في آن واحد، بقي يعيده على الدّوام إلى تلك الليلة الليلاء التي اضطرّ هو فيها، قبل أن يبلغ سنّ العاشرة، إلى الهرب من قريته بصحبة ذويه أمام زحف الفصائل الغازية. شاء سوء حظّ الصبيّ أن يتيه في أثناء الهرب، بعدما فقد أثر ذويه وإخوته، فراح يتخبّط في الليل البهيم، حتّى انتبهت والدته إلى غيابه وعادت لتبحث عنه في الظلام على رغم تهديد العنف الزّاحف. مراراً عدة عمل محمود على تطويع أثر تلك الصّدمة، شعراً ونثراً، وإليها عاد في رائعته الأخيرة «لاعب النّرد»، التي نشرتها «القدس العربيّ» في الثالث من تموز (يوليو) المنصرم. كتبَ محمود، في استعادة لا تخلو، كالعادة، من السخرية المرّة التي تشكّل أحد أهمّ عناصر شعره: «نجوتُ مصادفةً: كنتُ أصغرَ من هدفٍ عسكريّ/ وأكبرَ من نحلةٍ تتنقّل بين زهور السّياج». ويضيف: «ومن حسن حظّيَ أنّ الذئاب اختفتْ من هناك/ مصادفةً، أو هروباً من الجيش...» في مثل هذه الرحلة «في قلب الظلام» حصلت ولادة مبكّرة لوعي جريح. حصلتْ في سنّ هي للآخرين سنّ لعب وطيش واكتشاف للأنا عبر ألعاب الطفولة العابثة.

شاعر «الكرمل»
طيلة ما يقرب من خمسة عشر عاماً من العمل المشترك في مجلة «الكرمل» التي كان هو مؤسّسها ورئيس تحريرها، لمستُ عند محمود شغفاً بالشعر والمعرفة ندر أن وجدتُهما لدى غيره. ولأنّه كان على سفر دائم، ولأنّي غير محبّ لطويل اللقاءات، فقد كانت لقاءاتي به محدودة، وتسير على إيقاع الإعداد لمحتويات المجلّة. كنتُ آتيه بترجمات وخلاصات لأعمال فكريّة وأدبيّة أعتقد الآن أنّها متوسّطة القيمة ولعلّي أقدر اليومَ أن أقوم بما هو أفضل منها. ولكنّه كان يفرح بها ويفرح خصوصاً بتنوّعها.

كان يدعو حقيبتي «حقيبة السّاحر»: مرّة آتيه بنصوص لرنيه شار، ومرّة بنصوص لدريدا، أو لدولوز، أو لجينيه، أو لغويتسولو، أو لباث... وكان قارئاً شديد النباهة لما ينشره في «الكرمل» ولما يصدر في المكتبة العربيّة من ترجمات. أطرح على هذا مثالين اثنين. في العام 1992 حلّت الذكرى المئوية الخامسة لغزو أميركا الجنوبيّة من الإسبان. أوحى لنا الصديق الروائيّ الاسبانيّ خوان غويتيسولو بضرورة تخصيص ملفّ فكريّ لهذا الحدث المروّع الذي ألقى ببصمته النهائيّة على التاريخ. فوضعتُ أنا قراءة مطوّلة لدلالات الغزو وأواليّاته انطلاقاً من نصوص أنطونان آرتو وأوكتافيو باث وجان - ماري غوستاف لوكليزيو وآخرين. ووضع الصديق الناقد السوريّ صبحي حديدي دراسة في مغزى الغزو استناداً إلى الدراسات ما بعد الاستعماريّة. وما هي إلاّ أسابيع وإذا بالشاعر الكبير يطلع علينا بقصيدته الكبرى «خطبة الهندي الأحمر ما قبل الأخيرة أمام الرّجل الأبيض»، التي ستتضمّنها مجموعته الشعريّة «أحد عشر كوكباً» الصادرة في العام نفسه.

استوعب الشاعر الدلالات الفلسفية والتاريخيّة للحدث ووضع قراءته الخاصّة لما يمكن أن يكونه حوار بين ضحيّة وجلاّدها. بصورة مبرمة وبلغة الشعر وحده كشفَ عن تناظرات وتلاقيات بين إبادة الهنود الحمر والمشاريع الساعية إلى محو الوجود الفلسطينيّ. قبل ذلك، في 1988 أو 1989، سلّمتُه ترجمة لقصائد مختارة لرنيه شار. في اليوم نفسه أعلن عن اندهاشه بشعره وعبّر عن ذلك في رسالة إلى الشاعر سميح القاسم سيضمّها كتاب رسائلهما المتبادلة. لقد استوقفه خصوصاً بيت لشار يحدّد فيه مهمّة الشاعر في «تحويل الأعداء القدماء إلى خصوم صُرَحاء». ردّد العبارة الشعريّة في أكثر من مناسبة. كان يحلم بخصومة صريحة أو أمينة طالما افتقدها لدى الإسرائيليّين، هو الذي طالما اشتكى من لبسهم المعهود ومن عنادهم في إفراغ كلّ تفاوض من فحواه الحقيقيّة. إستقالته من منظمة التحرير بعد اتفاقات أوسلو ما هي في اعتقادي إلاّ ترجمة عمليّة لإيمانه هذا بمقولة شار.

برحيل ابن «البروة» الفريد هذا، سيخيّم على نفوس محبّي الشعر والإنسانيّة رزء كبير لا عزاء له.(عن الحياة، 13 آب 2008).

1-10-2008