شوقي أبي شقرا
(لبنان)

رحل محمود درويش بهيكله الحيّ، أما هو الذي أعطى الثمين والباهر، فمن الشعراء الأقرب إلى نفسي، وإلى الذوق العام، وإلى جميع الذين ناضلوا واحتربوا من أجل قضية. وهنا يبدو درويش المغنّي الأصيل لرأس القضايا فلسطين. ولعلّه الوحيد الذي نجح بين أقرانه في أنه أجاد الغناء لبلاده، وفي أنه أيضاً تخطّى هذه الغنائية، وهي تارة مباشرة وفورية وتارة عاطفية وعذبة، لبلوغ مرتبة العمومية، بحيث يطلّ درويش إنسانياً، ويطلّ شاعراً في ذاته، بعيد الوقع والسعة، على صلة بكلّ القضايا الملتهبة، وعلى صلة بكلّ ما يضحّي المرء له وبكلّ ما يرتبط بهذه الخصوصية من سموّ وصولاً إلى الحق، إلى الأعلى فوق ما هو واقعي وضيّق ومنطوٍ على أبجدية فردية.

ودرويش لامع في مساره، يقول الخطاب وضدّه، يقول الوحي ويُطلقه من عقاله ليكون في صدد ما هو شمولي، إلى الحدّ الذي ما بعده حدّ، إذن فهو شاعر الأرض، مطلق أرض، وشاعر الوهج والظلمة وكلامه ينبع من هذه الينابيع، ولذلك غيابه خسارة للشعر العربي المعاصر، وللقضية الجلّى لأنه، في عمله الإبداعي، لسنوات مديدة من عمره يحسن فتنة الرقص التعبيري، وله موسيقاه وإيقاعه وله طريقته في أن يأخذ من الشأن الصغير ذريعةً ليكون شجرة تسير في متاهة الريح ولا ينكسر لها غصن من الأغصان. ولا تضيع أبداً عن الواحة المبتكرة والوافرة الظلال والأنهار.

ثمّ إن درويش، في قصائده، كان البلاغة الشجاعة والمقدامة إياها، والتي من فرط ليونتها وبأسها ورمزيّتها جذبت الجماهير العربية إليها وإلى الشاعر عينه بحيث طار له الصيت والشهرة، وبحيث فاز الشاعر وعاطفته الهادرة، بقلوب العرب، والأصدقاء والشعراء زملائه في المشرق وسواه من الأصقاع.

إنها بلاغة تمتاز بصدق كينونتها، وبكونها تنفذ إلى الذات الحزينة وإلى بقيّة النوافذ حتى تقتحم المغلقة منها، ودائماً تبرز مخالبها بغية الحقّ والعدالة وكـأنها نســر جائع.

وآخر مرّة كنّا معاً، في باريس قبل ثلاث، في مهرجان شعريّ دعا إليه السفراء العرب هناك، ووزارة الثقافة الفرنسية. وكان على سجيّته وعادته من الأنس والمودّة لا يتغيّر ولا يذوب في الإطار، وإنما هو زيتونة تمشي وتمنح الهواء الرطب لمن حوله. وكان سرّ الموعد وعلى حافّة البسمة، وكلّه في لياقة لا صقة به، وكان عليه أن يقرأ في أمسية مع بعض الشعراء الضيوف. وهنا في المكان المنبري، قرأ نصوصاً ثلاثة كأنها من الأمثال وكأنها صنف من الحكمة ومن اللون الإبداعي المحض. وكلّ نصّ له ترجمته إلى الفرنسية يقرأها صديقه السيّد صنبر. وهكذا همس درويش على الحضور بكيفيّة فنّية، بصورة ناعمة، طيّبة، وبمعانٍ هي المعاني الإنسانية تنصبّ في الدائرة التي تحتوي مجمل الخطوط والأزياح والطرائف.

وهنا أيضاً غنائية في جسد هذه النصوص، ولم تفارقه في شتّى إنتاجه كما قلت وإنما هي فلسطين أولاً وآخراً القصيدة والكيان وفي سبيلها كم تحلو الرسالة التي لا تنقضي ولا يمحو حروفها أحد.

"الغاوون"، العدد السابع، 1 أيلول 2008