خيري منصور
(الاردن)

الان وقد رفع سرادق العزاء، وانفض المدعوون والفضوليون، واضاء الشاعر غرفته الصغيرة كي يخلو الى نفسه لاحصاء المسافة التي استبدلها بالوصول، لأن الطريق الى ايثاكا أبهى من ايثاكا ذاتها، الان وقد عادت الكتابة الى موقعها تحتكم الى ما ينبغي الاحتكام اليه، وهو المكتوب عنه او المرسل اليه.

ما كتب عن محمود في الاسبوع الاول من سفره الذي كان هذه المرة بلا حقائب سوف يصلح ذات يوم كعيّنات من ثقافة سريعة الارتباك تلوذ بما ادخرت من خطابات الثناء والوداع لأن التنافس مراثوني ومحموم بين شاشات وصحف، كي يفوز الأرشق بحصته من نبأ الرحيل، لهذا أتذكر عبارة كان محمود درويش يرددها كثيرا، وهي أن الإبن الذي سبق إنباء أمه عن موت أبيه لا يستحق جائزة.. .. في مناسبات كهذه، ما دام لكل منا محموده الذي يغني له أو يبكي على فراقه.. ... فالشاعر في حالة درويش ليس منجزا من القصائد فقط، إنه يفيض عن حاصل جمع دواوينه وكتبه، لأن له حضورا آسرا احتشدت عدة قرائن وعوامل لجعله مشحونا بالفتنة والجاذبية وما ينشأ حولها من حسد وضغينة، لقد قال محمود ذات يوم أن أباه مات بضربة شمس، ولم يكن يعرف أنه سيموت بضربة قمر، وهو الذي كان يصف الأٌقمار بالبرودة والشحوب والغباء، ولكن أليس الموت غبيا إلى الحد الذي يصاب فيه بعمى البصيرة فلا يفرق بين ذبابة وحمامة وبين ناي وعصا؟ كان محمود يصمت عاما أو يصوم عن الشعر شهورا ثم يفاجئنا بقصيدة يقطر منها الرحيق ويسيل من أهدابها حرير النعاس الغزلاني لأنه كان يحب أن يكون مدهشا، لهذا لم يمت ميتة عمودية أو أفقية تتيح لنا أن نتأقلم مع غيابه وباختصار هو ليس ممن يموتون بالتقسيط لأنه لم يعش به، ولم ينل مكانته به أيضا، ونادرا ما أتاح لنا قراء وأصدقاء أن نتساءل عن جذر النار التي خطفت الأبصار بلهبها الأزرق، ما من شاعر قبله كان ماهرا في لعبة الخفاء والتجلي مثله، فهو هنا وليس هنا، وهناك وليس هناك، ولا تصلح معه أسماء الإشارة لإن الجهة التي ابتكرها هي الخامسة، سواء سماها جهة العدم أو جهة الله.. وكان يعترف بأنه محظوظ، لهذا أرسل برقية سريعة في إحدى قصائده يقول فيها : إن الله حظ النبي، وحين سمعت منه آخر القصائد التي نشرها قبيل الرحيل في أوائل هذا العام، وعبر الهاتف لم يكن متفائلا بأن عبارة 'الله حظ النبي' سوف تصل بكامل حمولتها! إن أصدقاء محمود وعاشقيه إنسانا وشاعرا لا يحصون، لكن أعداءه على ندرتهم يضاف إليهم ثالوث طالما أقلق الشاعر في حياته.. هذا الثالوث هو احتكار محمود واختزاله وأيقنته، بمعنى تحويله إلى أيقونة صماء.

احتكار الموتى في حياتنا العربية سياسيا وثقافيا تحول من مهنة إلى نمط إنتاج، ولم ينج منه أحد من الراحلين ذوي الشأن، فالتوابيت تسرق وهي محمولة على الأكتاف والسيرة يعاد إنتاجها كي يظفر كل طرف بحصته، وإذا كان الإغريق ابتكروا اسطورة بروكوست عن تعذيب الأحياء، فإن فقه الإحتكار يتطلب اسطورة أخرى تتعلق بتعذيب الموتى واعادة قتلهم.. وأنا أشفق على محمود كلما تخيلت أنه يصغى إلى ما يقال عنه في فضائيات تبحث عن علف كي تملأ الهواء والوقت.

لا شك أن هناك من سيدعون بأنهم الأقرب إلى محمود حتى من أضاف إلى هاتفه الأرضي خدمة تبين رقم من يتصل به كي يتقيهم ويتفادى التورط بالرد عليهم.

ستدعيه نساء أيضا كما حدث للشهيد غسان من قبل، وهذه أعراض جانبية لا بد منها لمن هم من طراز غسان ومحمود نترك للمشتغلين في علم النفس تحليلها.

العدو الثاني وهو قادم لا لحالة: الإختزال سواء من الناحية الجغرافية أو من ناحية أدب القضايا والهويات، فهو فلسطيني إلى الحد الذي لا يحتاج معه إلى جواز سفر أو شهادة ميلاد وموت.. بقدر ما هو عربي وانسان، فقد كسر محمود الشرنقة مبكرا، ولم يتوقف عند طور العذراء أو أي طور آخر، وكان منذ بواكيره مهجوسا بالحرية بمعناها الأوسع والأعمق من مفردات المعاجم الداجنة لهذا كان عابرا للغات والجنسيات والجغرافيا، لكن بتواضع ندر أن وجدناه لدى من أضافوا إلى سيقانهم سيقانا أخرى من خشب كي يستطيلوا، وعندما سألته عن السبب من وجهة نظره في إقبال القراء على أمسياته وأعماله كما حدث في باريس، أجابني بالحرف الواحد.. لأن الفرنسيين سئموا شعراءهم، وهي مجرد نزعة انسانية للبحث عن غير المألوف.

والعدو الثالث هو الأيقنة، وعزل الشاعر عن قصائده ومجمل منجزه الإبداعي، وكان محمود أول من تنبه إلى هذا عندما رفض مبكرا أن تتحول أشعاره إلى أبقار مقدسة، حين كتب عنه أحد المتحمسين لهذا الثالوث.. بدءا من الاحتكار حتى الأيقنة مرورا بالإختزال قائلا: ان نصوص محمود درويش عصية على التفكيك، علق محمود ساخرا، وهو يقول: أرجو أن لا يكون السبب في هذا العصيان هو الصدأ الذي يحول دون تفكيك شعري! ان ما أخشاه من الجنائز الكبرى سواء كانت لزعماء أو شعراء أو رموز وطنية هو ان الهدف منها تعميق حفرة القبر، ثم إدارة الظهر لكل شيء، بحيث يواصل الميت موته رغم ان قبره حافل بالعائدين وهو الذي يمشي في تابوته الطائر في جنازة مشيعيه.

ان الكتابة عن محمود في ذروة هذا الاحتشاد حول سريره المغمور بندف الياسمين يصعب معها فك الاشتباك بين الصديق والشاعر، وتتسلل التفصيل من القلب الى الدماغ، ومن قال ذات زنزانة بتقشق عاشق واقعي انه يحب الورد لكنه يحب الخبز اكثر، عاد بعد عقود ليعلن ان صدره ضاق بالورد، فأراد منه أقلّه! اما الموت الذي كان في الاعوام الاخيرة وفي نصوص محمود الانضج هو الهاجس اللحظي وليس اليومي فقط، فإنه موت آخر، وليس النهاية العضوية التي تصيب الاحياء بالهلع، فقد استطاع عبر مران طويل ان يدجّن الموت ويكسر هيبته ويحوّل بياضه من لون الكفن الى لون الياسمين او الثلج عندما يسقط على عاشقين يقتسمان قلبا واحدا ومظلة واحدة! قال لي قبل اسابيع من سفره ان ما يخفف من خوفه من الموت كونه في السابعة والستين، واضاف ان من يبلغ هذا العمر قد يفحصه الاطباء ويجدون جسده معافى، لكنه يعرف ان هناك مرضا مزمنا هو الزمن، وتوقف قلب محمود وهو في أقصى درجات الاقبال على الحياة بمعناها العميق والنشيدي الشامل، ولا بأس ان نتنافس الان على رواية الاخبار عن مرضه، وما قاله وما لم يقله قبيل الرحيل، فتلك سمة بشرية لا سبيل الى الفكاك منها حتى في مناسبة كهذه.. فالرجل كان يحزر بفراسة نادرة من يحبه ومن يخاف منه، ومن يطمح بقدر ولو ضئيل من الاضاءة اذا اقترب منه، ومناقبيته هنا.. هي في تجاوزه لما يعرف، فهو لم يشهر شهرته ذات يوم أمام نكرة حاول لدغه من عقب قدمه.

ان ارامل الشاعر عندما يغمض عينيه كثيرات ولسن من النساء، فهن غابات وتلال وأنهار، وسماوات تذود فيها العصافير عن حقها في يوم مشمس، وغالبا ما تنتصر على الطائرات.. الهذا مثلا أمسك ذئب عجوز يرتدي خوذة بورقة صغيرة هي قصيدة لشاعر كي ينذر جيش اسبارطة الجديدة بالخطر؟ أليس هذا ما فعله اسحق شامير عندما قرأ قصيدة عابرون لمحمود درويش أمام الكنيست؟ في ظهيرة وداعه خرجوا من لحمه وملحه وترابه وطردهم سكان أغانيه الى مستوطنات نائية، لا تعيش فيها غير الخنازير البرية والسلاحف العمياء...

أما هو، الفتى الذي رتق ثوب الابدية ولم يحب القمر لفضوله وشحوبه وبرودته وتلصصه على العشاق فمات بضربة ماكرة منه لا بضربة شمس...

لقد ناب محمود عنّا جميعا حتى في رثاء نفسه، ولم تكن كلمات مالك بن الرّيب التي علّقها كقنديل في مدخل حضرة الغياب الا شارة سوداء تخصّنا وشارة قرمزية تخصّه وحده.. لقد اختبأ محمود هذه المرة كالرّمان في التورية، وهو الصبيّ الذي شاكس التين الشوكي عندما انتدب نفسه حارسا للعذراء... حتى الطريق الى رام الله، وصفه محمود درويش برا قبل ان يقطع المسافة بين سريرين احدهما من خشب أبيض وآخر من العشب، عندما قال: في الطريق الى رام الله يتوثب القلب ككلب الصيد، وعليك ان تخلع حذاءك وساعتك وتفك حزامك وتنزع نظارتك وتدخل الى جهاز التفتيش... هذه المرة عاد محمود الى رام الله بكامل قصائده فلا حاجة به للحذاء او النظارة او الساعة او القلم.. لأن الأبدية سواء تجلّت في أنثى يقطر من أهدابها الرّحيق او حجر تحول الى حجل... هي من أعدّت قهوته في ظهيرة الاربعاء وهي التي ستعدّ له العشاء ما قبل الاخير في كل ما تبقى لها من أيام!!

القدس العربي- 23/08/2008