زليخة أبو ريشة

24/09/2008

لم أعد أعرف كيف أصرّف الدموع التي تتجمّع في مؤقيّ، كلما قرأت مقالة في محمود او في شعره.. ولا تلك التي اجتاحتني اجتياحاً وأنا أقرأ خبر قيام محترف 'رمال' بإطلاق طائرات ورقية تحمل صور محمود درويش وبعضاً من أشعاره في ذكرى رحيله الأربعين (كأنما هو رَحَلَ أربعين مرة... وعاد!) ومع انني لم أحضر هذا الحدث المتميز لأسباب صحية، فإنني عشت تلك الدقائق الشفافة التي لوّنت الهواء الطلق بحرّيته وسمعت من بيتي صوت الريح ومحمود وهو ينشد 'لاعب النرد' و'كأنني قد متُّ قبل الآن' و'من أنا لأخيب ظن العدم'.

ثم رأيت محموداً وهو يقف في منبلج الفجر مثل اعلى النخلات.. واقفا بقميصه الأزرق وسترته الكحلية ـ كما رأيته لآخر مرة في كوريا الجنوبية ـ ينظر بعينيه الجميلتين الى ما وراء.. مبتسماً كأنما هو وقت الشغف.. مرتبكاً قليلاً كما لو باغته الحب...

في عينيّ دائماً ابصره مثل قامة الرمح مشدوداً على قلق خفيّ وتوتر الخجل الذي يحاول ان يستره بقماشة رقيقة من تعال مفضوح. وكلما مضى هابطاً من عرزال عزلته، راحت أجنحته النورانية تطير به بعيداً في المعنى الذي لطالما بحث عنه، وبه كان حضوره الطاغي كأنه يسير على الماء... 'ما أخفّ مشيك على الأرض' قلت له يوما فضحك وتذكر المعري. أما أنا فتذكرت 'خفة الكائن التي لا تحتمل'.. وشبّهته في نفسي بالضوء الذي يبحث عن جُرم له، ولا يجد..

كان جميلاً. أجمل من ضحكة في فمٍ كامل الغواية. وأجمل من شمس اثر زمهرير. أجمل من نبعٍ في هاجرة. أجمل من حديث في الحبّ.. بل هو أجمل من الحب. لأنه وهو يسير في لغته يستحم كل يوم سبع مرات بماء السحاب حتى يليق بما تهديه من مفاتيحها الذهب. لأنه وهو يفتح ما استغلق من أسرارها ويفك شفراتها، يترك لنا الأبواب ـ أبواب اللغة ـ مشرعة حتى نرى من خلال وقته ما راح يستطيل من أخيلتها الفارهة تحت سقف سماء بكر.

لقد بكّر في الرحيل. وبكل المقاييس خذلنا. خذل الشعر. خذل اللغة. وذاك الأفق الأبعد الذي كان سيمضي اليه.

وعلى قدميه ذهب محتاراً إلى قدره، بعد أن وضع بين أيدينا وصيّته وآخر كلامه. . لتدور فلسطين باحثةً عن أبيها الأرضي.. ساحب ذيل المجرّات في معناها، والمخترق الظلمات بأصابعه الناحلة المضيئة.
انه محمود الولد ذو الغمازة الفاتنة، ومحمود الفتى بغرّته الطائشة، والتي كانت تمسّدها له الأمهات كلّ يوم حتى لا تُقلق وجهه الصبوح. وبينما هو يخوض في انهار مفاجئة ومحيطات، ويصعد مراقي شاقة بصحبة وجده المتقد وسير من أحبَّ منذ فجر العرب وفجر البشرية.. يكون تاريخ الشعر الانساني يستعد لتدوين سيرة عظيم من عظمائه.. هذا الذي كلما كبر في الحياة وفي الشعر ازداد تواضعاً تجاه نفسه وخجلاً من أن لا يكون قد ظلَّ مخلصاً لوحي المغايرة.. ووحي الاختلاف.. ووحي التنزه إلا عن الجمال.

كم كنت جميلاً..! مثل الطائرات الورق التي كتب عليها أطفال محترف الرمال أشعارك.. مثل 'لاعب النرد' التي حوّلها منتدى 'سراب' في رام الله إلى رقصة مجنّحة.. مثل صبايا الشام وشبابها مقابل قلعة دمشق يعلقن صورك على سور حديقة البيئة، ويسمعن المارة صوتك على أضواء شموع كثيرة.. في كل مساء بعد رحيلك.. مثل شعرك يقرأه سواك لأنه أحبّك. مثل شعرك تقرأه علينا.. لأنك تحبّنا. مثل بكاء نساء فلسطين والأردن والكويت وسورية ولبنان ومصر والجزائر وهن يمسحن دموعهن بقطع السحاب التي هبطت فجأة على أيديهن، وهن يقرأن الجدارية. مثل زهر اللوز الخفيف الهشّ تطيّره ريح فظّة.. هكذا انت جميع مثل كلّ ما طيّرت الأساطير من مخلوقات مجنحة، ورسمته على المعابد لكي لا تمحى.

اني ابكيك ـ اعذرني ـ وبكل ضعف سخيف وركاكة في التعبير. ففكرة موتك ثقيلة وعدوانية. اني أبكيك كما تبكي الأمهات صغارها. ابكيك كما تبكي أمةٌ من المجوس ناراً مقدّسة همدت. كما تبكي المانويات نور مصباح انكسر. كما لو ان كنيسة الحب قد انهارت فوق راهباتها المدّنفات.

ليس هو الموت وحده.. ليس هو الغياب وحده.. ليس هو انطواء صفحة من شغب القلب والروح.. فصفحتك لا تطوى.. كما لم تطوَ صفحة جلجامش ولا امرئ القيس ولا شقيقك التوأم: أحمد بن الحسين بن الحسن بن عبد الصمد الجعفيّ والملقّب بالمتنبي.. وليس هو ان الخيل والليل والبيداء تعرفكما.. وكذلك السيف والرمح والقرطاس والقلم.. ولا انك الذي ملأ الدنيا وشغل الناس فحسب.. ولا أننا سنموت بعد تذوّقنا الفقد العظيم... ولعله كل ذلك.. وإلى ذلك اننا 'ومن وجد الاحسان قيداً تقيّدا'.

ومع ذلك فإني لأحسد نفسي اني عشت على الكوكب نفسه الذي عشت عليه أنت.. وفي الزمان ذاته الذي شهد بزوغك واشتعالك. واني لأغبط نفسي اني عرفتك ـ ولو قليلاً.. قليلاً جداً.. في سهرة هنا، ومهرجان هناك وفي كل أمسية استطعت اليها بلوغاً. وأشهد العالمين اني احبك كما الشعر الذي من دونه لا أقدر ان اتنفس الحياة.

شاعرة من الاردن