(لماذا تكتب الشعر في زمن الأشعري«؟
إسماعيل والجنابي وخالد والمرعبي يجيبون)

اسكندر حبش
(لبنان)

(لوحة للفنان ادغار إيدن)غالبا ما نستعيد السؤال عينه. ربما لأن كل »عصر« (أو حقبة زمنية معينة) يعود ليضع أمامنا جملة من التفاصيل والمناخات التي تطرح الأسئلة البديهية الأولى، التي اعتقدنا أننا وجدنا عليها إجابات شافية. لكن غالبا ما نعود لنرى أنها تحتمل تأويلات أخرى، بمعنى أن السؤال بحد ذاته، يعود ليطرح جملة من المفاهيم الجديدة، (في الحقبة التي يعيش فيها)، التي تحتاج إلى إعادة تفكير بكل ما قيل.
ولأن الشعر يشكل جزءا حقيقيا من ثقافتنا، من هنا، غالبا ما نعود لنطرح عليه السؤال، لنقل سؤال الكتابة الشعرية وجدواها في هذه الأزمنة المتغيّرة. أمام هذه الفكرة كان السؤال التالي: »ماذا يعني لك بعد أن تكتب الشعر في هذا الزمن اللا شعري«؟ سؤال لا يحمل بالتأكيد أي رغبة في اعتبار أن الشعر لم يعد له أي ضرورة، على الأقل وجودية، بل هو سؤال لفهم هذا الانحياز الدائم الذي نكنه لهذا النوع من الكتابة الإبداعية.
عابد إسماعيل: حال الشعر منذ هوميروس
بداية يقول الشاعر السوري عابد إسماعيل إنه لا ينتظر »من القصيدة أن يكون لها وظيفة إنقاذية، مهما اسودّ الأفق، وحلك المشهد، وطغى القبح«. فهو يعتبر أنه »ليست غاية الشعر خلاص الكائن، بل تعميق شعوره بالفناء، وشحذ إحساسه باقتراب النهاية. الشعر ضربٌ من العبث، وجماله يكمن في هذا البذخ الهوائي الذي لا طائل منه«. أما عن الزمن الراهن فيقول عابد إسماعيل: »قد يكون الزّمنُ لا شعرياً بامتياز، ولكن أليس هذا هو حال الشعر منذ أيام هوميروس، الذي أرّخ شعرياً في (الإلياذة) لحرب ضروس أشعلت أسوار طروادة بالكنايات الحالكة؟ ألم يحكم أفلاطون على الشعراء بالنفي الأبدي لأنهم لا يخدمون، برأيه، الحقيقة، وتنبأ بمصيرهم التراجيدي كمنفيين أزليين يهيمون في كلّ وادٍ؟ أليس هذا هو حال الشعر منذ فجر الخليقة؟ كأنّ جوهر الشعر شبحي، لا يزهرُ إلاّ في العتمة، وعلى حوافّ الكارثة. لا يزهرُ إلاّ في الشّقوق، وبين تصدّعات الرّوح. إنه هذا السّفر الدائم في بهيم اللاّمعنى، من دون رغبة بالوصول أو الخلاص. قد يكون الزمنُ رديئاً بامتياز، هذا صحيح، لكنني أرى أن جدوى الشعر تكمن في حقيقة لا جدواه ذاتها«.
لكن على الرغم من حقيقة هذه اللاجدوى، نرى الشاعر يصل إلى الاستنتاج التالي، يقول: »دعنا، إذاً، نكتب من وحي صرير القلم على الورقة، ونثق بالبياض العجيب الذي يحضر بكلّ كثافته ورعبه لحظة البدء في الكتابة. دعنا نتأمّل اللحظة الرّاهنة، سوادها أو بياضها، فلا نرجو شيئاً بعدها. إنها جحيمنا وفردوسنا. لعنتنا وخلاصنا. ليس لدي بوصلة أتحرّكُ على هديها. ما يهمّني هو السّير باتجاه القصيدة، والإصغاء للصّمت بعد كلّ كارثةٍ أو زلزالٍ«.

هاتف الجنابي: أنقذني الشعر

بدوره، يشدد الشاعر العراقي المقيم في »وارسو« هاتف الجنابي على هذا الزمن اللاشعري، فهو يجد، بداية، التالي: »لو نظرنا إلى التاريخ لألفينا أنه لم يكن، خارج فسحة الشعائر والطقوس والحب والغناء ولحظات التأمل، شعريا حتى النهاية. ومع ذلك، كان الشعر حاضرا مثل طبل في حرب. صوته يخفت ثم يعلو وهكذا، حسب الظرف والحاجة. الشاعر كيان منفلت وعصيّ على كل ما هو خارج الفسحة المذكورة، حاضر بقوة داخلها«.
من هنا ينتقل الجنابي إلى طرح السؤال حول الكتابة نفسها، فيقول: »تبقى الكتابة، في أمضى حلقاتها، حاجة داخلية لملامسة العقل والمشاعر، الذات والعالم، البطانة الأخرى الكائنة في الجهة الأخرى. مثل توق وعرفان لا يخبوان«. ويضيف: »ثمة محرك داخلي يعتمل داخل الشاعر وطبيعة الشعر على السواء، لولاه لانطفأ وأصبح نسيا منسيا«.
عن تجربته الذاتية في الكتابة يرى هاتف الجنابي أنه قبل »إقامتي في الولايات المتحدة الأميركية في مطلع التسعينيات، كانت تراودني شكوك حول إمكان مواصلة الشعر حضوره في عالم الآلة والكومبيوتر، لكنني عدتُ إلى بولندا أقوى من ذي قبل. لاحظت بالملموس أن حلقات الشعراء وتجمعاتهم ولقاءاتهم وقراءاتهم وسفرهم ومجلات الشعر والأدب والجوائز والمنح والمسابقات، إن لم تزد هناك فلم تقلّ، حضور مثير للشعر في الوسط الجامعي في عموم أميركا. هذه التجربة ذكّرتني بما فعله الشعراء البولنديون في ثمانينيات القرن الماضي، أثناء تصاعد نشاطات حركة »التضامن«. كان المئات بل الآلاف يحتشدون ليستمعوا لميووش وهو يلقي قصائده هنا وهناك، وكانت أشعار الآخرين وفي مقدمتهم هربرت، توزع سرا لتنتشر مثل النار في الهشيم. وحينما تنظر إلى أصداء ما تفعله روحيا أشعار ونشاطات أستاذ (الزنّية) الشاعر الفيتنامي الكاهن (تيك ـ نهات ـ هان)، تزداد قناعتك بأن للشعر فضاءات ومستويات متعددة. حضور شعري هائل ذو طبيعة مغايرة لما هو في أميركا، سوى أن الحقل واحد رغم تنوع محاصيله وتعددها«.
ويختم الشاعر العراقي بالقــول: »شخصيا، وفي الظروف الراهنة، لا أبحث عن دور جمــاهيري مماثل للشعر، لكنني أمارس الشعر باعتباره دليلي ومعيني في نفق لا حـدود له، اسمه العالم. لقد أنقذني الشعر مــرات من براثن الزوال. ثمة نزعة لديّ تقع خارج نطاق السيطرة الذاتية تدعوني للتنفس عبر الشعر، لترطيب بلعوم الزمن اللا شعري«.

علاء خالد: وعي الصدمة

الزمن اللاشعري، يشدد عليه الشاعر المصري علاء خالد في بداية كلامه، يقول: »بالفعل هناك مفارقة بين الكتابة الشعرية والسياق اللاشعري الذي نعيش فيه. بالنسبة إلي شخصياً، لقد توقفت عن كتابة الشعر لمدة عشر سنوات، وهي المسافة بين ديوان »حياة مبيّتة« الذي صدر عام 1995 وديوان »كرسيان متقابلان« الذي صدر عام .2005 خلال هذه الفترة شعرت أني غير قادر على الإمساك بأي سياق شعري بداخلي، فربما التحولات الحادة التي كانت تحدث في مجتمعاتنا، كانت تتم بالانتقاص من الشعرية المتناثرة في الحياة. أعني كنت أشعر بضآلة وخوف داخليين أمام هذا الانزياح المرعب في توجه المجتمع، فكانت الأعماق الشخصية الموكول لها بإنتاج الفكرة الشعرية مصدومة بالقدر الذي يمنعها عن التأويل أو المجاز أو حتى السرد«.

ويرى خالد أنه عاد إلى الكتابة الشعرية بعد أن امتص وعي الصدمة إلى حد ما، »وأصبح لي حيّز أشغله داخل سياق المجتمع الجديد المتحول. ولكنّ هناك أفكارا وصياغات شعرية أصبحت خارجة عن حساباتي، وفقد شعري بعضاً من الغموض والتساؤلات الوجودية التي كانت تشكله من قبل. أعني أن الاستمرار في الكتابة في زمن غير شعري سيؤدي، في رأيي، إلى تحول في الشكل«.
أما عن المغزى أو المعنى من الاستمرار، فيقول الشاعر علاء خالد إنه لا يعرف، »سوى على مستواي الشخصي، أن ما لا يدرك كله لا يفقد كله، فبالتأكيد هذا النوع من التعبير مهم لي، حتى ولو لم يصل أو يعبر عن مستويات الإدراك العميقة بداخلي. وما أدراني أننا مكشوفون الآن أمام أعماقنا، أعتقد أننا نعيش عند مستوى من الوعي مختلف عما قبل، وأقل طموحا وعمقاً عما قبل. هناك تساؤلات كان يطرحها الشعر ولت وبدون رجعة«.

وعلى الرغم من ذلك، يختم خالد بالقول: »يظل الشعر أو الشعرية لهما مكانة، لا على المستوى الشخصي فقط، بل على مستوى الثقافة، فهذا النوع من التعبير الذي يعتبر طريقة نوعية في فهم الحياة وتلخصيها وضبطها عبر رموز وإشارات وصور، لن يختفي بسهولة لثقل رصيده التاريخي، وكذلك استئثاره بحفظ اللغة، هو والرواية، داخل سياق جمالي، متعارف إلى حد ما على شفرته، ليعبر بها للمستقبل. فاللغة لا تحفظ إلا داخل بناءات«.

باسم المرعبي

الشاعر العراقي المقيم في السويد باسم المرعبي يرى »كأنما السؤال يُضمر نوعاً من الاحتجاج وحتى الاستنكار وله ذلك، غير أن كتابة الشعر في زمن كل ما فيه ضد الشعر ضرب من المقاومة الطبيعية التي يُبديها الشاعر. ومن علامات الزمن اللاشعري انحسار الشغوفين به، حيث هذه واحدة من علاماته لا كلها، إذ ثمّة ما هو أدهى وأمرّ«!
هذا الانحسار يدفع الشاعر إلى التفكير بهذا »المأزق«، فيجد أنه »على الرغم من وعي الشاعر العميق بهذا المأزق، أي غياب القارئ، إلا أنه لا يبدو معنياً به على الإطلاق.. إذ لا خيار أمامه حتى لو لم يكن سواه على هذا الكوكب غير أن يستمر بالكتابة أو القول أو الغناء أو البكاء أو سمّه ما شئت. الشاعر لا يبحث عن مرايا لشخصه حين يكتب، أي آخرين يولونه الإعجاب والتصفيق والمديح الفج. وان كان لا بدّ من آخر فهو المتفاعل المنصت الذي يتشرّب النص بوعي وحكمة. الشاعر يدرك أن قدره الكتابة، وعكس ذلك الجنون أو الموت. هو لا يعنيه إن كان يكتب للريح أو السراب أو الظلال أو الحجر«.

بيد أن الشاعر يعود ليتساءل عن هذا الزمن اللاشعري، فيجد: »قد يكون زمننا هذا من أصعب الأزمنة بالنسبة إلى الشعر، لكن تاريخ الشعر هو على الدوام تاريخ العزلات والفردية والضجر والتعالي، هذا من طرف الشاعر، وقد قوبل كل ذلك بالصدود، الفطري، من طرف السواد الأعظم ممن يفكّون الحرف، لأن متطلبات قراءة الشعر ليست مطروحة على الطريق، إذ ثمة استعداد خفي ضمني لذلك بحوزة القارئ، إلا إذا أنشأنا مختبرات في مدارسنا للتدرّب على تذوّق الشعر و فهمه بل وتفهمه«.

أما، »شخصيا«، فيجد المرعبي أنه يؤمن »بهذا القارئ الخاص الذي يكاد يوازي الشاعر في فرديته وعزلاته وانسكانه بالشعر. وإذا ما كانت هناك جماهيرية ما فهي للشعارات وليس للشعر. فالشعر الجيّد الذي ينطوي على قبس من التأمل والشرود والعاطفة اللا مبتذلة والرؤية والرّويَة لا يصلح للجهر. الشعر العظيم يقارب السرّ في نفاسته ولا يصلح إلا للترتيل كما الصلاة. هل أقول إن الشعر بغنىً عن القارئ«؟!

ربما يكون الشعر بغنى عن القارئ، كما يقول المرعبي، وربما يكون القارئ بغنى عن الشعر مثلما نجد اليوم، إذ إنه منصرف إلى أشياء أخرى. في أي حال، قد لا تكون الكتابة إلا هذا السراب الذي نبحث عنه في صحراء الحياة. لكن متى لم تكن الكتابة سوى هذا السراب الكبير.

السفير- 2008