عباس يوسف
(البحرين)

منير الشعراني لم يَرِد في يوم من الأيام أن كان الخطاطون يفكرون في الخط غير أنه جزء من عبادة وأنه رسالة تهدف إلى نشر قيم الدين الإسلامي السمحة وأن ما يمشقون ما هو إلاّ خطاب بصري ربما وجد فيه الخطاطون مرافئ انقاد لأرواحهم بعدما - حرم عليهم الرسم - حسب بعض الآراء، فمضوا يبدعون فيه ويقدموا فيه دررا ما انفكت تبهر العالم بمستواها الجمالي والفني. لقد ترك الأولون إرثا نابضا متدفقا لم يزل الخطاطون من كل بقاع العالم ينهلون منه ويتعاطونه فنا قائما بحد ذاته تارة وفنا متقاطعا مع الفنون الأخرى تارة. والخطاط السوري منير الشعراني أحد هؤلاء الذين ما انفكوا يبحثون في جماليات الخط العربي الفنية عمليا ونظريا.

أما الفنان منير الشعراني فقد حمّل جامعة الدول العربية مسؤولية قيادة الجهود الهادفة إلى الارتقاء بالخط العربي قائلا: الجامعة العربية تنفق حاليا مبالغ طائلة على نشاطات ثقافية ليس لها أي أهمية.. وعليها ان تهتم أولا بهذا الفن العربي.
سعى الخطاطون على مدى العصور على تأكيد الخط العربي.. على أهميته الروحية
حوارات جادة تصب في حقول الخط العربي وسبل تفعيل الحوار بين أطراف العملية الإبداعية في فنون الخط وتطبيقاته وصلة فنون الخط بالتقنيات الطباعية الحاسوبية والمعمارية والرؤيا العامة لمستقبل الخط ضمن هذه الفورة بمقابل هذا الانحسار لحضوره العام أيضا إن جاز القول ناهيك عن انتشاره على المستوى الدولي.. بحواراته الموضوعية وبأسئلته العميقة التي تصب جلها في موضوع تطوير الخط العربي وإعادة الاعتبار إلى الخط الكوفي بشتى صنوفه وأشكاله. وفيما يلي نص اللقاء:

* كيف بدأت رحلة الخط العربي معك؟

- بالحبّ بدأت الرحلة، كان الخط غوايتي الأولى وحبي الأول.
كان ذلك في العاشرة من عمري، وكنت أميل للرسم والخط، بل كنت أرسم الخط رسماً، لكنني أحسست أن الخط أمر مختلف. ثمة دروس للرسم في المدرسة، أما للخط فلا، صرت أحاول اكتشاف أسراره بنفسي، وشجعني الأهل ومعلماتي، لكن هذا لم يكن كافياً ليروي ظمأى فقصدت النبع، قصدت الأستاذ بدوي الديراني كبير خطاطي الشام يدفعني الهوى وتملؤني الخشية من أن يرفض تعليم طفل مثلي. لكنه وافق بعد أن اختبر استعدادي. أعطاني دواة وقلماً، وكتب لي أول سطر في سجل الرحلة، علمني أن أمسك القلم بشكل صحيح لأنقل بخطي الكلمات التي كتبها لي وأكررها عشرات بل مئات المرات، وهو يصحح لي ولا ينقلني إلى سطر جديد إلا بعد أن أتقن السطر السابق، كان هذا هو المشوار الأول الذي انتهى بوفاة الأستاذ بعد خمس سنوات وكان قد سدد خطاي على الدرب الصحيح في رحلة ما تزال مستمرة.

* ما الأثر الذي تركه الأستاذ المرحوم بدوي الديراني على منير الشعراني؟

- لم يترك أثراً واحداً وحسب، بل ترك آثاراً بعضها وعاه الطفل الذي كنته، وبعضها احتجب في اللاوعي لأكتشفه مع تطور التجربة والمعرفة والوعي. ما وعاه الطفل هو أهمية الصبر والدأب والدقة والإتقان لمن يريد أن يكون خطاطاً مُجيداً، ثم التمكن من أسس الخط وقواعده وموازينه، وأن تخط بحب لا لتأدية واجب أو لإرضاء أحد بل لتشعر بالرضى أمام ذاتك أولاً. أما الآثار التي اكتشفتها مع تطور التجربة فهي الحرية وروح الإبداع، فلم أر له لوحة يحاكي بها الأسلاف، ثم ضرورة التجاوز فلقد اكتشفت أنه كان يضفي على الخطوط التقليدية نفحة من ذاته جعلت لخطه روحاً خاصة في كل الأنواع أثرت في خطوط الشاميين جميعاً من بعده وجعلته رأساً للمدرسة الشامية. أما الأثر الأكبر فهو ما كانت تنطوي عليه كلماته حينما كنت أعرض عليه تركيباً خطياً فيناقشه معي من خلال جماليات الحروف وعلاقاتها، وعلاقات السواد بالبياض، والتوازن، منتقداً ومشجعاً ثم يقول: ‘’ المستقبل أمامك فلا تتعجل. أتقن القواعد ثم افعل ما تراه ‘’ وها أنا اليوم أفعل

* لماذا الإصرار على الاشتغال (البحث) بالخط الكوفي؟

- لست مصراً على الإنشغال/ البحث بالخطوط الكوفية فحسب، أنا منشغل بكلّ المسكوت عنه في تراثنا، بل في التراث الإنساني كله. والمسكوت عنه لا يقتصر على حلقات التاريخ الديني والاجتماعي والسياسي، بل يمتد إلى كل الحلقات التي لولا ترابطها لما استقامت رافعة الحضارة لتنتشل الإنسانية من غاب الجهالة إلى سماء المعرفة. ثمت الكثير من المسكوت عنه في كل جوانب المعرفة، في العلم، والثقافة، وفي كل جوانب الإبداع ومنها الفن. وإلا لماذا يشكل عصر النهضة الأوروبية المنطلق الأساس لدراسة تاريخ الفن العام. أين فنون الشرق الأقصى والهند، لماذا ينظر إلى الفنون العربية الإسلامية على أنها فنون تقليدية وحسب على رغم كل آثارها التي تملأ متاحف العالم. لماذا يدرس الخط العربي من منظور الأتراك الذين تعاملوا معه بعد قرون من تطوّره.
من الثابت - أياً كانت الأسباب - أن السلطان العثماني جمّع في عاصمته الفنانين من كل الحواضر العربية والإسلامية التي خضعت لسلطانه. وسرعان ما سُيدّت الأساليب الفنية المنسجمة مع التصورات والذائقة العثمانية، بعدما أخضِعت نواحي الإمبراطورية لتوجهات العثمانيين الدينية والسياسية والاجتماعية والثقافية التي توّجت بسياسة التتريك.
أما في الخط العربي الذي استعاره العثمانيون لكتابة لغتهم التي كانت لغة منطوقة لا كتابة لها قبل ذلك فقد قاموا بقصره على أنواع معينة، قننوا مجالات استخدامها من خلال منظورهم، وأحدثوا في سبيل ذلك خطوطاً سهلة كالديواني لكتابات الدواوين والفرمانات، والرقعة للكتابات العادّية، وقصروا خط التعليق الذي طوروه إلى الخلف بأسلوب لا يرقى أبداً إلى أسلوب الفرس الذين ابتدعوه على كتابة الأشعار، كما قصروا الثلث والنسخ الذين استطاعوا تجويد أدائهما على الاستخدامات الدينية، بينما أغفلوا الخطوط الكوفية التي لم يكن لهم أي باع فيها.

وأقفلوا باب الاجتهاد بعد ذلك.

ودخلت الخطوط الكوفية برمتها دائرة المسكوت عنه لأكثر من خمسمائة سنة، بعد أن كانت منتشرة في كل البقاع التي امتدت إليها مظلة الحضارة العربية الإسلامية من الصين إلى الأندلس. ولم يلتفت إليها أحد إلا في العصر الحديث بعد التحرر من الحكم العثماني وبدء الاهتمام بالآثار بشكل علمي. واهتم البعض في هذا السياق بالخطوط الكوفية، وكان على رأس هؤلاء الفنان المصري يوسف أحمد الذي استطاع من خلال عمله في الآثار أن يستخرج أنواع مختلفة من الخطوط الكوفية من هوة النسيان. الأمر الذي أدى إلى إعادة الخطوط الكوفية إلى قائمة الخطوط العربية، لكن التعامل معها ظلّ في حدوده الدنيا، وظل الفهم التركي مسيطراً حتى يومنا هذا ولولا ذلك لما كان ثمة حاجة إلى مثل هذا السؤال. هل يمكن أن نسأل خطاطاً ما: لماذا الإصرار على الاشتغال بخط الثلث!.
أعتذر عن الإطالة، لكن ربما كانت هذه المقدمة ضرورية قبل الإجابة.
كلّ ما سبق دفعني لتتبع آثار ‘’ الخطوط الكوفية ‘’ في كل شيء وعلى المستويين التاريخي والجغرافي - الخطوط الكوفية اسم اصطلاحي لا يعني نسبة هذه الخطوط برمتها إلى الكوفة - ثم درستها جمالياً لأكتشف أن كثيراً من أنواعها يتمتع بقيم جمالية عالية تضعها في مصاف الفنون الجميلة في عالم اليوم بعد كل الرقي الذي وصل إليه الفن وعلم الجمال. اكتشفت أن من الممكن لي أن أزاوج بين الجماليات الخاصة للخط العربي وقيم التشكيل الحديث. ووجدت في الخطوط الكوفية آفاقاً واسعة تساعد على ذلك، ولا يعني هذا التقليل من شأن خطوط أخرى يمكن لها أن تحقق ذلك لو تخلصت من قوالبها التقليدية الجامدة وحُررت من بعض القيود في التركيب والأداء تم الخضوع لها منذ العصر العثماني.

* ألم يبدأ تطور الفنون الجميلة في أوروبا بكسر القيود التي كانت الكنيسة مصرة على إخضاع الفنون لها؟! ألم يئن لنا أن نكسر القفص الذهبي الذي وضع فيه الخط العربي منذ أقفل باب الاجتهاد لنخرج إلى الآفاق الرحبة للحرية والإبداع؟

- لقد آثرت أن أتعامل مع مسكوت عنه جمالياً مازال يتمتع براهنية جمالية وأطوره بدلاً من أن أكون ببغاء يجيد المحاكاة، تعاملت مع الثلث والتعليق والديواني بالرؤية نفسها التي تعاملت فيها مع الكوفي لكنني في الكوفي ألقيت الضوء على أنواع منه طواها النسيان فطورتها وأكملتها، وغلبت على أعمالي، حتى ظنها البعض أنها من ابتكاري بالكامل. من هذه الخطوط الكوفي النيسابوري والكوفي القيرواني، والكوفي المشرقي، وكوفي المصاحف، والكوفي المربع، كما درست الخط المغربي لأطوّر منه خطاً يصلح للوحة الفنية اعتماداً على بنيته الجمالية، ووضعت خلاصة تجربتي في خطوط ألفتها من خلال تعمقي في دراسة الخط العربي وبنيته الجمالية. وأعتقد أنه مازال هناك الكثير ليقال، مازال هناك الكثير ليُعمل.

* كيف تنظر إلى واقع الخط العربي في ظل التقدم التكنولوجي؟

- ربما كانت الإطالة في الجواب السابق مفيدة في تبيان أنني أتعامل مع الخط العربي من خلال وظيفته الجمالية الأرقى لا من خلال وظيفته الأدنى التي تقتصر على الكتابة ونقل المعرفة. لذا فانا أتساءل هل هذا السؤال وارد بالنسبة للفنون الأخرى؟
لقد أثيرت مسألة الخط العربي والكمبيوتر، قال البعض انه سيقضي على الخط! وقال آخرون أنه سيقطع رزق الخطاطين! وقال غيرهم انه سيؤدي إلى تسييد الخطوط القبيحة، إلى آخر ما هنالك! ألا ترى معي أن من السذاجة والجهل طرح الأمر على هذا النحو.
هل يصنع الكمبيوتر نفسه، إنه ليس أكثر من أداة تنفيذ راقية، يمكن لها التعامل مع كل البرامج التي تغذى بها، وهذا البرامج يصممها أناس، لوظيفة أو لأخرى، وليس من وظيفة الكمبيوتر الإبداع، فاستخداماته تنحصر في الجوانب التنفيذية والأدائية، لذا فإنه لا يمكن أن يؤثر على الفنان المبدع، بل على من يتعاملون مع الخط العربي كحرفة، ولهذا فإنه يمكن أن يؤثر على الخطاطين الضعاف الذين لا يتحلون بالقدرة على الإبداع، أما المبدعون من الخطاطين فربما ساعدهم هذا على تكريس وقت أكبر للتعامل مع الجانب الأرقى في الخط ولاستنهاض طاقاتهم وملكاتهم للإبداع في اللوحة الخطية أو في مجال تصميم الحروف لاستخدامات الكمبيوتر وهذا وحده الكفيل بمنع تسييد الخطوط القبيحة، لا يمكن الوقوف في وجه التطور، بل علينا أن نسهم في هذا التطور في سبيل التقدم والالتفات إلى ما هو أهم. والتاريخ القريب يعلمنا درساً: فلقد وقف كثيرون ضد الطباعة بحجج مشابهة لكن الزمن كان كفيلاً برد حججهم، ولم تقض المطبعة على الخط العربي، بل ساهمت في نشر المعرفة والثقافة على أوسع نطاق، بما في ذلك ما يتعلق بالخط العربي. وما على الخطاطين المبدعين إلا شحذ طاقاتهم الإبداعية للارتقاء باللوحة الخطية وبأشكال الحروف في برامج الكمبيوتر سواء بسواء.

قواعد الخط العربي ليست أكثر قدسية من الجسم البشري

تحدث الخطاط السوري منير الشعراني في الحلقة السابقة مع الوقت عن الكثير من النقاط حول، بدايات رحلته مع الخط العربي وعلاقاته بخطاط سوريا الكبير المرحوم بدوي الديراني وانشغاله بالمسكوت عنه في تراثنا، بل في التراث الإنساني والدور الذي لعبته الدولة العثمانية في استحداث بعض الخطوط كالديواني والرقعة وجودوا الثلث والنسخ وإغفال الخطوط الكوفية، وكيفية تعامله مع الخط من خلال وظيفته الجمالية الأرقى لا من خلال الوظيفة الأدنى المقتصرة على الكتابة ونقل المعرفة فقط أما. عن علاقته بالنص الصوفي وغياب النقد الفني المختص بالخط العربي ومنطلقاته في التعامل مع قواعد الخط وعن الكمبيوتر، سلبياته وإيجابياته وعلاقة الفن بالسياسة وعروضه بأوربا كان مدار اللقاء مع الشعراني في هذه الحلقة.

* غالبا ما تكون نصوص لوحاتك صوفية فما السرّ في ذلك؟

- ثمة مبالغة في القول أن غالبية نصوص لوحاتي صوفية، لكن ربما كان في أعمالي ما يوحي بذلك، ربما كان في أعمالي ‘’بُعدٌ صوفي’’ كما سماه الفنان الكبير حسين بيكار أو ‘’ نزعة صوفية ‘’ كما يرى الفنان حسن سليمان، لكن هذا ليس ناتجاً عن كوني أتعامل مع بعض المقتطفات لابن عربي أو النفري، بقدر ما هو ناتج عن اختياري لعبارات - حتى لو كانت من الشعر الحديث - يمكن قراءتها بمستويات مختلفة: خاصا وعاما، جليا وخفيا، الأمر الذي يحمّلها بعداً صوفياً، لكن ليس بالمعنى الغيبي المتعارف عليه في أدبيات الصوفيين، ولا بمعنى الدروشة، ولا بفهم أتباع موضة الصوفية الرائجة اليوم. إنني أختار العبارات التي تنطوي على بعد فلسفي جدلي عميق يلتقي مع رؤيتي، وعلى جوهر مَعنِيّ بالإنسان وحياته المادّية ليس بصيغ مسطحة وحيدة القراءة بل بمبطن شعري بعيد الغور. من هنا كان اختياري لعبارات من ابن عربي الذي أراه صوفياً جدلياً لا صوفياً غيبياً، ألا يتجلى هذا في عبارات مثل ‘’ الحركة حياة فلا سكون فلا موت ووجود فلا عدم ‘’، ‘’ كل فن لا يفيد علماً لا يعّول عليه ‘’، ‘’ المكان إذا لم يكن مكانة لا يعّول عليه ‘’، ‘’ الحكمة إذا لم تكن حاكمة لا يعّول عليها ‘’، ‘’ كل معرفة لا تتنوع لا يعّول عليها ‘’، ‘’ الميل مرض ‘’، ‘’ العارف صاحب تجريد ‘’، ‘’ إني مما يأمن القلب خائف ‘’ وغيرها، ولم أختر لغيره من الصوفيين إلا عبارات قليلة للنفري: ‘’الحرف يسري حيث القصد ‘’، ‘’معرفة لا جهل فيها لا تبدو، جهل لا معرفة فيه لا يبدو’’.
البعد الصوفي أو النزعة الصوفية، تكمن عندي في الإخلاص، في الحبّ والتوحّد مع المحبوب، والانشغال به قلباً وقالباً، ظاهراً وباطناً، والغوص في ظاهره للوصول إلى باطنه، إلى جوهره. ألا يستحق الفنّ أن يكون هذا المحبوب.

* ما السبب وراء عدم وجود نقد فني مختص بالخط العربي؟

- لا أستطيع القول أن النقد عندنا بخير في كل المجالات، ولو كان كذلك لكان عندنا نقد فني متخصص بالخط العربي أو بغيره. نحن نعيش منذ زمن طويل حالة من الكسل العقلي تعكس نفسها على أوجه حياتنا كلها، وكل ما نعيشه، يؤكد ذلك يوماً إثر يوم ونحن نمعن في كسلنا أكثر فأكثر، ولأننا بصدد النقد الفني فسأعتبره مثالاً عل ذلك. النقد الفني متخلف في بلادنا عن العطاء الإبداعي: ليس لدينا منظرون في الفن ونادرون هم النقاد المسلحون بالمعرفة والبحث الذين يمتلكون أدوات النقد في الفن عموماً، ولم تنشأ في بلداننا مدرسة أو حركة نقدية، لذا فإن معظم النقد في بلادنا نقد فقير، تابع، بلا خصوصيّة، نقد يتكئ على خلفية معرفية وثقافية وبصريّة مغايرة. نقد مستعار لا يكلف نفسه عناء البحث في الخصوصيات الفنية بعلاقتها بالمجتمع والبيئة والإنسان والتراث إلى آخر ما هنالك مما له تأثير على وجدان المتلقي وعقله وأعماق نفسه. وفي كثير من الأحيان نقرأ نصاً على أنه نقد فني فلا نفهم شيئاً مما يفترض أن صاحبه يريد أن يقوله، يستوي في هذا القارئ العادي والقارئ المثقف المختص. ونقرأ نصاً آخر لا نرى فيه إلا وصفاً وإنشاء وكتابة صحفية لا صلة لها بالنقد من قريب أو من بعيد. وفي الحالات النادرة التي نقرأ فيها نقداً نكتشف أن كاتبه فنان يتصدى للنقد لأنه لا يرى من يقوم بهذا الدور الضروري، فالناقد لا تقع عليه مهمة الوصل بين الفنان والمتلقي وحسب، بل عليه أيضاً وقبل ذلك أن يحاور الفنان في سبيل الارتقاء بفنه، وإذا كان هذا الحال بالنسبة لفنون يعترف بها الجميع على أنها فنون تشكيلية، فالحال بالنسبة للخط العربي أكثر تعقيداً، فعلى رغم أن منظرو علم الجمال والنقد الفني في العالم يعترفون بالخط العربي كواحد من الفنون الجميلة، إلا أن التعامل معه في بلداننا لا يتمّ على هذا الأساس، فهو مستبعد من الكليات الفنية منذ إنشائها كترجمة حرفية للكليات الفنية في الغرب، الأمر الذي لا يمكن أن يكون طبيعياً في بلداننا. وحين نجد قسماً خاصاً له في كلية فنية كما هو الحال في العراق والجزائر نرى أن التعامل معه يتم بطريقة تقليدية تنأى به عن الفنون الأخرى نظرياً وعملياً، ويتم تدريسه بعيداً عن النظريات الجمالية، وتاريخ الفن العام، وأسس التصميم والتكوين التي تنظم الفنون جميعاً، لا بل حتى عن تاريخه الجمالي وتطوره من خلال علاقته بالخامات المختلفة التي تعامل معها فنانوه على مدى تاريخه، ناهيك عن الإصرار على تدريسه على أساس المحاكاة للخطوط التي اعتمدها الأتراك. أما مدارس الخط العربي في بلداننا فهي لا تعدو كونها مدارس لتكريس الخط كحرفة، فهل يمكن والأمر كذلك أن يكون هناك بحث حقيقي عميق في تاريخه وبنيته وأسسه وخصائصه الجمالية وتطورها وعلاقتها بالأسس الجمالية الجامعة للفنون. هل يمكن ذلك والنقاد والفنانون لا يعرفون شيئاً عن كل ذلك، وكذلك السواد الأعظم من الخطاطين. خلاصة القول أن النقد المتخصص غير موجود بسبب الكسل وانعدام المعرفة، وغياب البحث والاهتمام والمنهجية.

* ألا تتوجس مما يسمى بالتطوير... على الخط العربي... أعني القاعدي أو التقليدي؟

* كما هي المواقف عند البعض؟

- لو كنت أخاف وأتوجس مما ذكرت لما أقدمت على تجربتي التي وإن لم تكن حروفية فهي خروج على سلفية وتقليدية وجمود العقل والأداة والمعطى الفني النهائي، بل هي استنهاض لروح التطوير الدائب التي صبغت فناني الخط العربي على مدى تاريخه الطويل والتي لم يكبح جماحها إلا العصر العثماني التي سيطرت عليه عقلية التحريم وأقفل فيه باب الاجتهاد في كل شيء بما في ذلك فن الخط. لكني أريد أن أميز هنا بين التطوير الواعي وبين الارتجالات التي يتصدى لها جاهلون بالخصوصيات الجمالية للخط العربي وحروفه، فتبدو أعمالهم شكلا من أشكال التلفيق الفني، يستثنى من ذلك الفنانون الذي يعملون بوعي للمزاوجة بين الجماليات الخاصة بالخط العربي والفنون الأخرى. يقول الفنان يوسف عبد لكي: ‘’منير الشعراني يقف خارج الاتجاه الحروفي في التجربة التشكيلية العربية، كما أنه يقف خارج كوكبة الخطاطين الذي يجوّدون الخطوط التقليدية ويكررونها على تقديم قطعة خط عربية جديدة، تستجيب للمتطلبات الجمالية الحديثة، ولا تقطع الصلة مع ارثنا الخطي، فهي تعتبر نفسها امتدادا عصريا لإضاءات الماضي.وما يقدم عليه الشعراني من تطوير واضح لكل عين فاحصة، وتجدر الإشارة إلى أنه لم ينظر إلى تراثنا ككيان مقدس لا يجوز المساس به، ولا ككيان كامل لا يمكن الإضافة إليه والحذف منه’’.

* فمن أي منطلق نتعامل مع الخط القاعدي (الكلاسيكي)؟ وبأي رؤية تنظر إليه؟

- سأقول هل قواعد الخط العربي أكثر قدسية من الجسم البشري؟ ألم يطور الفنان مود لياني في أجساده البشرية ؟ وعليه أيضا كيف نقبل ونبيح لأنفسنا دراسة وتشريح الجسد البشري بكل صفاته وجمالياته ونخشى مساس جسد الخط العربي الذي هو فعل الإنسان؟ ألا نتفق أنه ثمة كسل ما في عقولنا! الكثيرون متخوفون من هذه الفورة التكنولوجية، سيما الحاسوب على مسار الخط وبقائه واستمراريته.. كيف تنظر إلى هذا الأمر؟

تقع المخاوف اليوم على الحرفيين وليس على المبدعين ولربما كان ذلك في مصلحة الخط، لأن من يملكون الموهبة والإبداع سيجدون أنه من الأفضل لهم أن يتعاملوا مع مواهبهم وإبداعهم في الإنتاج وليس في إنتاج السوق، وربما وجه البعض مواهبه وإبداعه إلى تصميم حروف جديدة تأخذ بعين الاعتبار التقنيات الجديدة مع المحافظة على الجمالية الهيكلية للخط العربي.

* أقمت عدّة معارض في أوروبا، كيف ينظر الأوروبي إلى الخط العربي؟

- لا بدّ من الاعتراف أن المتلقي الأوروبي يمتلك عيناً مدرّبة، مثقفة فنياً، فالفنون تدرس في المدارس منذ المرحلة الابتدائية، ويتم تثقيف الأطفال فنياً بوسائل متعددة منها الرحلات المنظمة إلى المتاحف، يرافقهم فيها مشرفون متخصصون يستطيعون الإجابة على تساؤلاتهم، وينقلون إليهم المعرفة من خلال الحوار، بالإضافة إلى الأنشطة الأخرى وورشات العمل التي من شأنها رفع مستوى إدراكهم النظري والعملي للفن وماهيته، وأساليبه وتقنياته، ويجعلهم قادرين على ممارسة حرّية التلقي بما يتناسب مع ميولهم وتوجهاتهم، ناهيك عن دور الأسرة في ذلك. لذا فإن المتلقي الأوروبي يتعامل مع الخط العربي كمادّة بصرية، كعمل فني أولاً، كما يتعامل مع الفنون التشكيلية الأخرى، ويراه من خلال علاقاته الجمالية المجرّدة. من خلال التكوين واللون والانسجام، من خلال الكتلة والفراغ والخامة والملمس، يتلقاه كما يتلقى عملاً تجريدياً، ثم ينظر إلى ما ينطوي عليه من محتوى من خلال العبارة المترجمة، التي من شأنها أن تعزز أو تخفف ما رآه في العمل.
أما عن تجربتي الشخصية فأنا سعيد بما استطعت أن أحققه من نجاح في مخاطبة المتلقي الأوروبي للفن من خلال معارضي التي أقيمت بدعوات من جهات فنية متخصصة في أوروبا. وأستطيع القول أن الإقبال على معارضي كان كبيراً بشكل أكبر مما كانت تتوقعه الجهات المنظمة، خاصة وأن بعضاً من هذه المعارض كان في متاحف أو أماكن يدفع الزوّار فيها ثمناً لتذكرة الدخول. ولقد اكتشفت من خلال حوارتي مع كثير من الزوّار أنهم يميزون بصرياً بشكل جيد بين اللوحة الخطية التقليدية، وبين اللوحة الحديثة، وعلى مستوى الاقتناء ربما قارب عدد أعمالي التي اقتناها غربيون عدد أعمالي التي اقتناها عرب. وربما كان هذا شيئاً معبراً يساعد في الجواب.

* أخيرا هل من تعارض بين الفن والسياسة؟

- هذا مرهون بالمعنى المراد من معاني هذه الكلمة التي تشعبت معانيها حتى ضاع معناها الأصلي. المعنى الذي أفهمه لهذه الكلمة هو المعنى الأصل، المعنى اللغوي (سايس الناس سياسة : تولى رياستهم وقيادتهم وساس الأمور: دبرّها وقام بإصلاحها)، ولابد لمن يتولى رياسة الناس وقيادتهم من أن يدبر أمورهم ويقوم بإصلاحها، والمقصود بالناس المواطنون الذين من حقهم وحدهم انتخاب من يتولى رياستهم وقيادتهم، ومن حقهم أيضاً تقييم ممارسات من انتخبوهم ومدى تلاؤمها، مع مصالحهم وتطلعاتهم الوطنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ومعارضة كل ما من شأنه أن يتعارض مع إصلاح أمورهم، والفنانون بالضرورة ينطبق عليهم ما ينطبق على مجموع مواطنيهم ولهم كل حقوقهم وعليهم كل واجباتهم ومن حقهم بل من واجبهم أن يكونوا عناصر فاعلة في مجتمعاتهم وأن يعبروا عن آرائهم بالوسائل الكفيلة بإيصالها سواءً بالكلمة أو بالممارسة أو بالفن الذي يعتبر الحرّية من أهم شروطه. لذا فأنا لا أرى أي تعارض بين الفن والسياسة.

الوقت- البحرين- 13 يوليو 2006