(قصيدة النثر في التنظير الغربي الحديث)

صبحي حديدي
(سوريا/باريس)

تسعى هذه السلسلة إلى مناقشة أو عرض أو ترجمة عدد من الأعمال النقدية الغربية التي أسهمت في مناقشة إشكاليات العلاقات بين الشعر والنثر بصفة عامة، وقصيدة النثر بصفة خاصة، وذلك بغية توفير نماذج للسجال يمكن أن تخدم القارىء العربي في مستويين على الأقلّ: حسن استقبال قصيدة النثر العربية، وحسن قراءة النقد العربي الذي يتناولها. (ص.ح.)

حين يبدأ المرء من موسوعة أكاديمية، أو هي ليست من طراز الموسوعات الشعبية المبسطة في أقلّ تقدير، فإنّ تعريف قصيدة النثر ينطلق من الإقرار (بمسحة تذمّر لا تخفى) بأنّ هذا الشكل الشعري ليس ثورياً ومهجناً فحسب، بل إنّ إشكاليته جمالية وسياسية في آن معاً. وهكذا تذهب "موسوعة برنستون الجديدة للشعر والشعريات"(1)، مباشرة ومنذ الفقرة الأولى في التعريف، إلى سمتَيْن ـ مشكلتَيْن في تسمية قصيدة النثر: 1) اجتماع لفظتين متعارضتين دلالياً Oxymoronic، هما "قصيدة" و"نثر"، و2) قيام الشكل على تناقض بين جنسَين خطابيين (1).

الإتكاء على هذه الحصيلة هو الذي يتيح فتح قصيدة النثر على فضاء عريض من القدرة، في أنها شكل شعري يناسب نطاقاً واسعاً مدهشاً من حاجات الإدراك والتعبير، بدءاً من الوظيفة الثنائية (في المحتوى كما في الشكل) بين النثر والوزن، وانتهاءً بمرونة استخدام التفاصيل اليومية (أو "نثر الحياة اليومية" في التعبير الاكثر شيوعاً)، والسرد، أو حتى الحكاية ذات الحبكة. هذا ليس دون الإقرار بأنّ السمات الكبرى في قصيدة النثر هي تلك التي تضمن الوحدة حتى في الإيجاز Brevity، والنوع الشعري حتى دون تقطيع السطور على غرار الشعر الحرّ Free Verse، وحسن توظيف أنساق التكرار الإيقاعية والتصويرية، والتكثيف المتدرّج، والتراصّ Compactness، وما إلى ذلك.
وفي نقلة مفاجئة نحو التقريظ الإنطباعي لخصائص هذا الشكل الشعري، يمضي تعريف موسوعة برنستون (الذي كتبته ماري آن كوز Caws، أستاذة الأدب الإنكليزي والفرنسي والمقارن في جامعة نيويورك، وإحدى أبرز المساهمات والمساهمين في التنظير لقصيدة النثر الغربية الحديثة)، إلى القول: "ثمة حقل للرؤيا يتمّ تمثيله هنا، على سبيل المحاكاة أحياناً وبطريقة تصويرية غالباً، لا لشيء إلا لكي يُقطع الحقل بغتة، في مناسبة محددة؛ فتنكمش العاطفة تحت وطأة الحذف المفاجىء، فتنتهي بالغة العمق وشديدة الكثافة؛ وأمّا المزاج الوجداني المشحون [الرابسودي]، وما يسمّيه شارل  بودلير "وخزات اللاوعي"، فإنها في النماذج القصوى تمتزج مع العنصرَين الإستعاري والوجودي [الأونطولوجي].
ولهذا فإنّ قصيدة النثر تستهدف معرفة، أو العثور على، شيء لا يمكن بلوغه في ظلّ أعراف الوزن الأكثر تقييداً (حسب الفرنسي ميشيل بوجور)؛ وهي غالباً صيغة تجلّي الشكل المكتفي بذاته إرادياً، والمتّسم بالإيجاز قبل أيّ اعتبار آخر. وإنها عند بعض النقاد (هيرمين ريفاتير، مثلاً) تناصّية بالضرورة، في أنّ اعتمادها على نثر الحياة اليومية لا يمكن أن يتفادى الكثير من تقاطع الأحاسيس والأطوار والمواقف المشتركة؛ كما أنها عند البعض الآخر (جوناثان مونرو، أساساً) سياسية بالضرورة، تبعاً للجوانب السياسية ـ الإجتماعية التي لا يمكن إغفال مفاعيلها عند تقصّي سيرورات ولادة أيّ شكل أدبي جديد؛ وأخيراً، هي (عند كوز نفسها) ليست بالضرورة "شعرية" بالمعنى التقليدي الشائع، او ربما بأيّ معنى مكرّس للشعرية...
وهذه، في الواقع، نقلة متقدّمة تماماً بالقياس إلى تعريف سابق كانت الموسوعة ذاتها قد اعتمدته في طبعات أبكر، يقول إنّ قصيدة النثر "تأليف قادر على امتلاك أي، أو جميع، خصائص القصيدة الغنائية Lyric باستثناء أنه يدون على الصفحة كنثر دون أن يعتبر نثراً. وقصيدة النثر تختلف عن النثر الشعري في أنها موجزة ومتراصة، وعن الشعر المنثور في أنها لا تنطوي على وقفات في نهايات الأسطر، وعن المقطع النثري الموجز في احتوائها على إيقاع أكثر تصريحاً، وعلى مؤثرات صوتية وتصوير وكثافة في التعبير. ويمكن لها أن تحتوي على قافية داخلية وانسيابات موزونة. وطولها يتراوح غالباً بين نصف صفحة وثلاث أو أربع صفحات. وهو الطول المتوسط للقصيدة الغنائية".
ولأنّ النموذج الفرنسي من قصيدة النثر الأوروبية كان هو الرائد عملياً، قبل أن ينقلب إلى مثال قياس نقدي تطبيقي ونظري في آن معاً، يميل تعريف موسوعة برنستون إلى تأصيل الشكل حسب الجذور الأولى التالية:
ـ مجموعة ألوزيوس برنار "غاسبار الليل"، 1842، (أو "مرزبان الليل"، حسب اقتراح أدونيس)، رغم أنه كتب قصائد نثر قبلها، صدرت عن مناهضة عميقة لصرامة الفصل بين الأنواع الأدبية في النقد الفرنسي؛
ـ ترجمات التوراة، التي اتصفت بجرعة عالية من شَعْرَنة النثر، مترافقة مع القصائد الغنائية الكلاسيكية والشعبية؛
ـ النثر، المشعرَن بدوره، عند رومانتيكيين من أمثال الفرنسي شاتوبريان والإنكليزي وردزورث؛
ـ المزيج المتبادل من النثر والشعر الموزون عند الفرنسيَين موريس دو غيران الشاعر وسانت بوف الناقد، وكذلك الناقد الألماني لودفيغ تيك؛
ـ الدفاع الحارّ عن "مزيج الأنواع" عند فكتور هيغو، في مقدّمة "كرومويل"؛ والدفاع النظير الذي لا يقلّ حرارة عند الأديب الفرنسي الموسوعي باربي دوريفيلي، أواخر القرن التاسع عشر أيضاً.
لكنّ أشهر قصائد النثر الفرنسية تظلّ، بالطبع، مجموعة بودلير "قصائد نثر صغيرة"، أو "سأم باريس" في التسمية الثانية (ترجمة بشير السباعي، التي صدرت مؤخراً عن دار "آفاق" ودار "الجمل"، هي بين الأفضل)، وكانت كتابتها قد ابتدأت سنة 1855، ولم تُطبع حتى 1869، حيث يقرّ بودلير بأسبقية برتران و"غاسبار الليل" في تأسيس هذا النوع من الكتابة الشعرية. والطريف أنّ ماري آن كوز، كاتبة تعريف برنستون، ترى التالي في هذه القصائد: "إنها توفّر لنا لفائف وأرابيسكات شعرية مؤنثة، من حول قطب نثري مذكّر منتصب، بوصفه استعارة المزج الأولى المشحونة إيروتيكياً، في حين أنّ القصائد ذاتها حكائية وحميمة، إلى درجة المزج بين الذات والموضوع"!

"إستنارات" أرتور رامبو، التي بدأ في كتابتها سنة 1872 وحتى أربع سنوات لاحقة (ترجمة كاظم جهاد، الطبعة الثانية لأعمال رامبو صدرت مؤخراً عن دار الجمل، تظلّ الأفضل) تحتفي، على نحو فائق الكثافة، بانبثاق القصيدة من مادّة أقلّ حميمية، وجدّة ديناميكية في تلقائيتها المتعمدة. هنالك، إلى هذا، مجموعة قصائد ستيفان مالارميه "هيام على الوجه"، التي كُتبت بدءاً من 1864 وطُبعت 1897، باشتغالها الرفيع الشاقّ على تلاوين الإستعارة؛ ومجموعة لوتريامون "أغاني مالدورر"، التي صدر النشيد الأوّل منها سنة 1868 ثمّ طُبعت بعد رحيل الشاعر، حيث أبكر التباشير الشعرية بالسوريالية الآتية. وإذا عُدّ عمل بول كلوديل "معرفة الشرق"، 1900، بمثابة إسهام غير مباشر ربما، في تطوير قصيدة النثر الفرنسية، فإنّ من اللافت أن يكون عمل أندريه جيد "قوت الأرض"، 1897، النثري أساساً وإنْ تخلّله شعر من طراز خاصّ، قد أدّى وظيفة مماثلة. ولا تُطوى صفحات تطوّر قصيدة النثر الفرنسية دون ذكر "ابجدية" بول فاليري، 1912، التي كان شكلها بمثابة تجسيد نصّي مبكّر لتنظيرات فاليري اللاحقة حول الوظيفة المزدوجة للخطاب الأدبي: الرواح والمجيء بين عالمين.
وكان طبيعياً أن تتولى التيارات الحداثية الفرنسية، في أعقاب المدرستَين الرمزية وما بعد الرمزية، مناقشة إشكاليات قصيدة النثر بوصفها نوعياً مستقلاً في الكتابة الشعرية: "الشعراء التكعيبيون"، كما سارت تسميتهم، من امثال ماكس جاكوب وبيير ريفردي وبليز سندرار، أعطى كلّ منهم توصيفه الخاصّ ، فشدّد الأوّل على خاصية "الموقف"، والثاني على تذبذبها Irrésolution المتكتم على نحو غريب، والثالث توقف عند ما تولّده من إدراكات متلازمة. كانت تلك رطانة إصطلاحية، ونقدية، ثقيلة للغاية في تلك الأحقاب، عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، تلاقت سريعاً مع التنظيرات السوريالية التي قدّمها أمثال بول إيلوار وأندريه بروتون. وأمّا النتاجات الفرنسية اللاحقة في قصيدة النثر، فقد ظهرت أبرز نماذجها عند أسماء مثل رونيه شار وسان جون بيرس وفرنسيس بونج، ثمّ إيف بونفوا وميشيل ديغي وجاك دوبان.
تعريف موسوعة برنستون يغادر فرنسا، دون أن يغادر القارّة العجوز أوروبا: غيسنر في سويسرا، نوفاليس وهولدرلين وستيفان جورج وريلكه وكافكا وإرنست بلوخ في ألمانيا، هوفمانشتال وألتنبرغ وبولغار في النمسا، فيرهايرن في بلجيكا، دي كوينسي وأوسكار وايلد في إنكلترا، تورجنيف وخليبنيكوف وبعض شعراء المدرسة المستقبلية في روسيا؛ مارينيتي والمجموعة التكعيبية ـ المستقبلية في إيطاليا، بيكوير وخيمنيس وسيرنودا في إسبانيا، وج. ب. ياكوبسون في الدانمرك. وبالطبع، خارج القارّة الاوروبية، يشير التعريف إلى ثلاثة أسماء بارزة كبرى في أمريكا اللاتينية: بورخيس ونيرودا وباث، وفي أمريكا (ما بعد والت ويتمان، بالطبع) هنالك و. س. ميروين وجيمس رايت وروبرت بلاي ورسل إديسون وجون أشبري وجون هولاندر، وبعض "الشعراء الألسنيين" الذين أعقبوا جرترود شتاين، مثل و. ك. وليامز وشارلز برنشتاين. 

* * *

الشاعرة والتشكيلية الأمريكية المعاصرة سنثيا رايدر، في مقالة تعليمية ولكنها سجالية تماماً بعنوان "هل هناك حقاً شعر نثري؟ وما هي، إذاً، ’قواعد‘ كتابته"، تبدأ بتبسيط الإشكالية من خلال طرح الأسئلة التالية: يعرف أهل الشعر سلسلة قواعد عند كتابة قصيدة "هايكو" أو قصيدة "سونيت" أو تصميم تشكيل للقافية، ولكن أيّ قواعد تتوفر لهم إذا شاؤوا كتابة قصيدة نثر؟ وهل تتوفر هذه القواعد أصلاً؟ وهل استقرّت أم هي في حال دائمة من التطوير؟ ومن جانب آخر، هل يجوز لنا محاباة أيّ شاعر يزعم أنّ ما يكتبه هو قصيدة نثر؟ وكيف سنميّز هذا عن ذاك، بل كيف سنميّز قصيدة النثر هذه عن تلك، دون أن نغرق في سذاجة معلَنة؟
لديها إجابة أولى، طريفة ولكنها جادّة، تقوم على تحديد "اختبار" مبدئي لشاعر قصيدة النثر: هل جرّب أشكال كتابة شعرية أخرى، أم بدأ مباشرة من هذا الشكل وحده؟ وهل كانت تجاربه في تلك الأشكال ناجحة أم فاشلة؟ الأمر هنا يتجاوز مسألة المراس والدربة، لأنّ رايدر ـ دون أن تفصح عن هذا، في الواقع ـ تبحث عن مسألة جوهرية تخصّ فلسفة الإستقرار على شكل شعري دون آخر، هذا إذا توفّرت تلك الفلسفة أساساً، من جهة أولى؛ كما تخصّ سيرورة التجربة الشعرية، وهل سارت على نحو مخاضات معمّقة متصلة متكاملة، أم غابت عنها كلّ هذه المشاقّ فاختار الشاعر الحلّ الأسهل، من جانب ثانٍ؟
ولكنها تستدرك، وهي التشكيلية غير التقليدية، بالذهاب إلى مقارنة مع إشكالية المدرسة التجريدية، وكيف أنه لن تتوفّر في أيّ يوم إجابة شافية على قواعد اللوحة التجريدية، خصوصاً إذا ما جرى إخضاع شكل تلك اللوحة ومضمونها إلى مرجعيات سابقة أو عتيقة، مثل المدرسة الواقعية. وعلى النحو ذاته، في الشعر، هل يتوجب على الشاعر أن يعرف الاشكال الشعرية القديمة، ثمّ يكون قادراً على كتابة قصيدة ناجحة في هذه الأشكال، قبل اختيار شكل قصيدة النثر؟ وفي المقابل، هل يمكن للوحة فنّية رسمها فيل رُبطت فرشاة إلى خرطومه، أن تُقارَن على أيّ نحو مع لوحة تجريدية رسمها فنّان متمرّس لديه من المعرفة مثلما لديه من الأحلام والرغائب والآمال؟ وهل ينبغي أن نُصاب، حقاً، بصدمة بالغة إذا سمعنا مَن يقول بأنّ مقارنة كهذه ليست طريفة فحسب، بل مشروعة وضرورية؟
وأخيراً، وليس آخراً، كيف يمكن للنقد الأدبي أن يفلح في التوصّل إلى صياغات نظرية أو تطبيقية تنصف الشاعر والقصيدة، كما تشفي غليل القارىء الباحث عن سراج ينير دربه، المتعرّج الشائك بالضرورة، إلى هذا الطراز الإشكالي من الكتابة الشعرية؟ وهل في وسع أيّ نقد أدبي أن ينوب عن الشاعر في اقتراح "قواعد" من أيّ طراز لقصيدة النثر، إذا كان الشاعر نفسه قد تخلّى عن هذه المهمة المستحيلة؟ صحيح، كما تساجل رايدر، أن مطالبة الشاعر بإتقان القواعد الناجزة قبل خرقها والخروج عنها هي فذلكة صرفة، ولكن... كيف يمكن الدفاع عن قصيدة النثر نقدياً، إذاً، وأمام القارىء أوّلاً وليس الشاعر؟
وتختم رايدر بالقول إنها صارعت طويلاً لكي تقترح تعريفاً لقصيدة النثر، وقلّبت الرأي في الكثير من المعايير والسمات والتجارب والتنويعات، حتى أنها في مرّة أو اثنتين انساقت وراء الخلاصة التي تقول إنّ هذه القصيدة هي فنّ الشعراء الكسالى، لكي تنتهي ببساطة إلى القول: هذا فنّ مشروع، أياً كانت مقادير المراوغة أو الإبهام أو الحيرة التي تكتنف قراءته ودراسته. إنه ليس شبيهاً بنثر الخطاب المألوف، اليوميّ النفعي؛ وثمة سيولة تعبيرية، وأفكار ليست عشوائية التدفق أو الترابط، وصور جميلة، ومعنى وقصد...
وفي صفحة أخرى على الإنترنيت، خاصة بالشعر المنثور، نعثر على التعريف التالي: "هو الشعر المكتوب بالنثر، أي في شكل هجين يمزج بين الشعر والنثر. القصيدة تتحلى بكلّ العناصر الجوهرية للشعر التقليدي الموزون، من حيث الإيقاع والقافية والتكرار والتناغم الصوتي والسجع والتصوير. والصورة الفنية قد تكون مباغتة إلى درجة أنها قد تبدو ذات طبيعة سوريالية". وهذا، بالطبع، تعريف قاصر تماماً، ومغلوط إلى حدّ بعيد في مسألة الوزن والقافية والسجع، او حتى في توصيف التصوير السوريالي.
لكنّ الغرابة تزداد عندما يستعرض أصحابه تاريخ الشعر المنثور. صحيح إنه عندهم يبدأ من الكتابات العبرية القديمة، وطبعة الملك جيمس للتوراة، خصوصاً المزامير؛ ولكنهم في الواقع ينتقلون مباشرة إلى ألويزيوس برنار ومجموعته "غاسبار الليل"، ثمّ إلى قصائد بودلير النثرية. ولائحة شعراء قصيدة النثر، التي تعقب التعريف، هي لائحة تعريف برنستون بالحرف تقريباً، وأمّا في النماذج الشعرية فهنالك المزمور 93 (في الترجمة العربية: "الربّ قد مَلَك. لَبِس الجلال. لبس الربّ القدرة. ائتزر بها. أيضاً تثبتت المسكونة. لا تتزعزع. كرسيّك مثبتة منذ القدم. منذ الأزل أنت. رفعتِ الأنهار يا ربّ رفعتِ الأنهار صوتها. ترفع الأنهار عجيجها. من أصوات مياه كثيرة من غمار أمواج البحر الربُّ في العلى أقدَرُ. شهاداتك ثابتة جداً. ببيتك تليق القداسة يا ربّ إلى طول الأيام")؛ وقصيدة بودلير المعروفة "المرفأ".(3)
وفي موقع ثالث، أكثر جدّية من الموقع السالف، نعثر على التعريف التالي لقصيدة النثر هذه المرّة (وليس للشعر المنثور، وفي الأمر دلالة خاصة بالطبع): "نمط من الشعر يتسم بغياب التقطيع إلى سطور. ورغم أنّ قصيدة النثر تشبه مقطعاً نثرياً قصيراً، فإنّ ولاءها للشعر يمكن أن يُرى في استخدام الإيقاعات، والمجاز، والقافية، والقافية الداخلية، والتناغم الصوتي، والصورة". وبعد أن يتوقف التعريف عند أهمية تقطيع السطور أو غيابه في تعريف هوية شكل النصّ الشعري (وهذه، للإيضاح، إحدى المغلطات الكبرى التي اكتنفت كتابة قصيدة النثر العربية، منذ النماذج الأولى)، فيعود إلى هوميروس و" الإلياذة" و"الأودديسة"، يخلص التعريف إلى نتيجة غريبة بعض الشيء حول طول طول قصيدة النثر: "تتراوح عادة بين نصف صفحة وثلاث أو أربع صفحات، وأمّا القصائد الأطول فهي تُعدّ نثراً تجريبياً أو نثراً شعرياً"!
تاريخ قصيدة النثر عند أهل هذا التعريف لا يختلف جوهرياً عن تعريف موسوعة برنستون من حيث جذورها الفرنسية وجغرافية شعرائها (يضيف التعريف إدغار ألن بو، جيمس جويس، آمي لويل، شارلز سيميك، وروزماري ولدروب) وإنْ كان، للغرابة، يحتسب ت. س. إليوت في اللائحة، رغم أنه لم يكتب ـ على الأرجح ـ إلا قصيدة نثر واحدة، هي "هستيريا". والموقع يقترح كتابَيْن هامين معاصرين حول قصيدة النثر: "طُرُز الكون: أنطولوجيا قصيدة النثر"، تحرير ستوارت فريبرت ودافيد يونغ، ويضمّ مختارات واسعة تبدأ من ألويزيوس برتران ولا تنتهي عند إيتالو كالفينو؛ والكتاب الثاني هو "قصيدة النثر الأمريكية: الشكل الشعري وحدود النوع"، تأليف ميشيل ديلفيل، الذي يتوقف عند إنجازات أبرز شعراء هذه القصيدة بالقياس إلى التيارات الشعرية الأخرى المجاورة لها، بعد أن يسرد حكاية الأصول الأوروبية، ويخصّ ـ للغرابة، هنا أيضاً، كافكا وجويس إلى جانب بودلير وجاكوب).(4)

* * *

غنيّ عن القول إنّ البحث عن تعريف شبه مانع، شبه جامع، لقصيدة النثر غير متاح في الشرط الراهن لشكل هذه القصيدة، لكي لا نقول إنه غير ممكن في المدى المنظور. وباستثناء الأغراض الأكاديمية الصرفة، وبعض نزوعات التقعيد والنمذجة، أيّ جدوى من استخلاص أيّ تعريفات تخصّ الإبداع الإنساني، في مختلف انواعه واجناسه، ثمّ استطراداً في مختلف الأشكال والأساليب والمدارس في كلّ نوع إبداعي على حدة؟ 

الحلقة التالية: تزفيتان تودوروف والشعر بلا وزن

إشارات:

(1) Alex Preminger and T. V. Brogan (eds): The New Princeton Encyclopedia of Poetry and Poetics .Prniceton? New Jersey, 1993.
 (2) Cynthia J. Rider: "Is there really such a thing as "prose-poetry"?  If so, what are the "rules" for writing it?". http://ridercreations.com
(3) What is Prose Poetry? http://pw2.netcom.com/~pprater/prosepoetry.html
(4) What's a Prose poem? http://www.poetrypreviews.com/poets/prosepoem.html