حاوره: عبدالله المغلوث
(السعودية)

أحمد الملايتذكر أحمد أنه اصطدم بأبيه، بعد تلك الحادثة بسنوات قصيرة، عندما قاد حملة مع إخوته لإزالة بعض أشجار النخيل في بستانهم لبناء استراحة وسطها كجيرانهم. قوبلت حملتهم بالرفض الشديد كون والده كان يعتبر النخلة فردا من الأسرة، وكان يسألهم "هل رأيتم أحداً اقتلع ابنه من جذوره؟" لكن أحمد وإخوته لم يستسلموا حتى تحققت رغبتهم. يتذكر أحمد عندما بدأت الجرافة في اقتلاع أشجار النخيل، وقف والده أمام إحداها مستشيطا "لن أسمح لكم بإزالتها". وبرر والده ذلك بقوله "لوبتت تلك الشجرة في ظهري فلن أقتلعها أو أدعكم تقتلعونها"، إذ تمثل هذه الشجرة الكثير لوالده لأنه شهد لحظات غرسها ومخاضها بمعية جده.

***

من يتصفح الشاعر أحمد الملا فسيجزم بأنه خرج من رحم نخلة. عيناه البنيتان تمرتان وفمه نواة. وأطرافه أغصان يانعة.
نبت أحمد الملا في حي الكوت بالهفوف عام 1961 وسط غابة كتب. كان والده يعنفه بنظراته ولسانه عندما يدنو أو يقترب منها. برع في إخفائها عنه وإخوته الستة رغم ولعه الشديد بها. يقول أحمد "كان يخشى أن تفسدنا". الأشواك التي زرعها والده بينه وبين الكتب جعلته يزداد شهوة تجاهها، لكنه لم يستطع أن يلمس أيا منها إلا عندما بلغ 12 ربيعا. وذلك عندما طلب منه والده أن يجلب له عصاه من غرفته في العيد. سال لعابه في الغرفة بعد أن وجد كتابا يستلقي داخل كيس شفاف. مزق أحمد الكيس بارتجال كما يمزق الغزاة أسوار المدن، وصار يقلب صفحاته على عجل خشية أن يقبض عليه والده متلبسا بالجرم المشهود.
الغموض الذي وجده في الكتاب والرسوم التي تسبح فيه جعلته ينسى العالم برمته ويخفض تدريجيا من سرعة تصفحه. لم يجد أحمد نفسه إلا أسفل السرير يقرأ بدهشة فاغرا فاه غير مكترث بالعالم والكلمات الغليظة التي تنتظره في الخارج.
لم يدرك أحمد أن ما قرأه هو النسخة المترجمة لرواية (الفرسان الثلاثة) للفرنسي ذائع الصيت، إسكندر دوماس إلا بعد سنوات عديدة. وهي رواية ظهرت عام 1844، وتصور جانبا من الحياة التي كانت تعيشها فرنسا في عام 1625 في عهد الملك لويس الثالث عشر. فقد شهد ذلك العهد اضطرابات ومكائد ومنازعات ومصادمات. وزادت الرسوم الشيقة الدقيقة التي تجسد الأحداث وقتئذ الرواية فتنة وإثارة.

مُدن عنصرية

ساهمت تلك الرواية في بداية علاقة ملتبسة بين أحمد ووالده، وأحمد ومحيطه، حيث بات شغوفا بالقراءة الحرة والأفكار المتمردة.
يتذكر أحمد أنه اصطدم بأبيه، بعد تلك الحادثة بسنوات قصيرة، عندما قاد حملة مع إخوته لإزالة بعض أشجار النخيل في بستانهم لبناء استراحة وسطها كجيرانهم. قوبلت حملتهم بالرفض الشديد كون والده كان يعتبر النخلة فردا من الأسرة، وكان يسألهم "هل رأيتم أحداً اقتلع ابنه من جذوره؟" لكن أحمد وإخوته لم يستسلموا حتى تحققت رغبتهم. يتذكر أحمد عندما بدأت الجرافة في اقتلاع أشجار النخيل، وقف والده أمام إحداها مستشيطا "لن أسمح لكم بإزالتها". وبرر والده ذلك بقوله "لوبتت تلك الشجرة في ظهري فلن أقتلعها أو أدعكم تقتلعونها"، إذ تمثل هذه الشجرة الكثير لوالده لأنه شهد لحظات غرسها ومخاضها بمعية جده.
صار شكل الاستراحة "غرائبيا" بعد بنائها على حد قول أحمد، حيث تظهر نخلة وسطها تخترق سقف المجلس وتزاحم الضيوف بأغصانها الناحلة الطويلة ورائحتها.
اتسمت مراهقة أحمد بالبساطة، فقد ترعرع وسط "مجتمع متسامح"، يخلو من التمييز والعنصرية على حد تعبيره. يحك أحمد رأسه، ويتناول سيجارة جديدة وينفث الدخان عاليا "لم يكن هناك فرق بين الناس برغم انتماءاتهم المختلفة". يقارن السبعينيات بالوقت الراهن "أصبحت مدننا مقسمة إلى أحياء طبقا للانتماء المناطقي أو المذهبي".
ولا يغفل أحمد مرحلة مهمة في حياته تتمثل في التحاقه بفريق هجر لكرة القدم في الأحساء، أحد أندية الدرجة الأولى في المملكة، والذي مثله لفترة قصيرة قبل انتقاله للرياض لدواعي الدراسة.

سنوات خصبة

التحق أحمد بجامعة الرياض (الملك سعود حاليا)، وتخصص في علم الاجتماع. يتذكر من زملاء الدراسة في كلية الآداب التي انتسب لها، الكاتب والقاص سعد الدوسري، والصحفي والإعلامي سلطان البازعي، والكاتب الدكتور مبارك الخالدي، والفنان الراحل بكر الشدي. ولا ينسى عندما استعار منه الأخير في أولى مسرحياته في الجامعة فانلته التي تحمل شعار نادي الزمالك المصري، حيث كان يقوم بدور شاب مصري في المسرحية.
هطل شعرا أثناء المرحلة الجامعية، عندما كتب القصيدة التقليدية والتي حظيت بتشجيع زملائه ومن حوله. ورغم أن الشعر غمره خلال وجوده في الرياض إلا أنه ظل مأخوذا بالأحساء التي كانت تسكنه وتبدو على معالمه وأغصانه. يبوح في قصيدة خطها بسعفه "أغصانُنا الغضّةُ لمّا تزل خضراءَ يومَ تنادتْ إلى الماء".
بعد تخرجه عام 1983، عاد إلى مسقط رأسه مباشرة، انضم إلى أسرة جامعة الملك فيصل. وافق على وظيفة في المرتبة السادسة رغم أن مؤهله وقتئذ يمنحه وظيفة بالمرتبة السابعة وفق أنظمة ديوان الخدمة المدنية. وقع على ورقة بالموافقة على العمل بمرتبة أقل لعدم وجود وظيفة شاغرة في المرتبة التي يستحقها. يقول "كنت متحمسا للعمل في عمادة شؤون الطلاب وترجمة أحلامي. لم يكن لدي وقت أهدره في انتظار ما لا يجيء".
سرعان ما انطفأت حماسته في العمل بالأحساء، بعد أن ارتطم بقيود اجتماعية قوضت مواهبه واندفاعه، وحملته إلى فرع الجامعة بالدمام المجاورة، تبعد 180 كيلومترا عن الأحساء. وفي الدمام، حيث الرطوبة، ارتدى قصيدة النثر بعد أن استهوته مبكرا القصيدة التقليدية.
العام 1984 شهد زواجه الأول من ابنة عمه، الشيخ الراحل عبدالله الملا، أول جامعي في الأحساء والمنطقة الشرقية ومؤسس أول مكتبة تجارية في الأحساء.
زواجه الأول الذي لم يدم أكثر من 9 سنوات أثمر عن مالك (22 عاما)، ونورس (20 عاما)، ومحاولات شعرية وصحفية جادة.
تعاون مع صحيفة اليوم، التي تصدر من الدمام، وأشرف على صفحات ثقافية بمشاركة شاكر الشيخ، وحسن السبع، وعبدالرحمن السليمان، وسمير الفيل. ويعتبر الملحق الثقافي الذي كان يساهم فيه "أحد أهم الصفحات الثقافية التي أنجبتها المؤسسات الصحفية السعودية". لم يكدر صفو تلك السنوات الخوالي سوى انفصاله عن زوجته والجامعة.

شعر وصحيفة

يعزو طلاقه من جامعة الملك فيصل إلى عزله عن العمل مع الطلاب إثر توزيعه "كتب محمود درويش، وروايات جابريل ماركيز على طلاب الجامعة". يقول "كان التيار الديني مسيطراً على الحياة الاجتماعية".
قدم أحمد استقالته طواعية عام 1994 غير آسف على السنوات التي قضاها في الجامعة مؤمنا أن أكثر ما يعنيه هو أن يعمل في مؤسسة تشرع الأبواب ولا تغلقها.
ابتعاده عن العمل الحكومي ساهم في انكبابه على الشعر. أصدر مجموعته الشعرية الأولى (ظل يتقصف)، وأتبعها بـ(خفيف ومائل كنسيان).
في عام 1996 تزوج ثانية من ابنة رجل أعمال وإعلامي معروف. وربط الكثيرون بين عمله في صحيفة الرياضي التي التحق بها فيما بعد وبين زواجه. وتفاقمت تلك الأحاديث بعد أن تم إعفاء رئيس تحريرها السابق الدكتور مبارك الدوسري وتعيينه بديلا. يوضح بعد أن نفث الدخان مرتين، راسما جسدا مترهلا في السماء يحول بيني وبين رؤيته "من الطبيعي أن أحل محله كوني كنت مديرا لتحرير الصحيفة آنذاك".
ونفى صحة الأنباء التي تحدثت عن انقلاب قام به للإطاحة بمبارك بالتعاون مع الإعلامي وليد الفراج، الذي كان يعمل سكرتيرا للتحرير آنذاك، مشيرا إلى أنه بذل وزملاؤه في التحرير جهدا كبيرا في سبيل ردم الهوة بين مبارك ومجلس إدارة الرياضي مما يدحض تلك الأنباء على حد تعبيره، لكن "جرت الرياح بما لا تشتهي السفن" والكلام لأحمد.
وأكد الملا أنه ظل رافضا لأن يتولى رئاسة تحرير الرياضي لمدة سنة كاملة، حيث كان مكلفا، مما يعكس "عدم وجود نوايا سيئة". ولم يغلق أحمد الباب تماما أمام التكهنات التي تحدثت عن دور العلاقة الاجتماعية في وصوله لسدة رئاسة التحرير عندما قال "قد يكون القرب الاجتماعي له دور".
ولا يجد أحمد ضيرا في الإشارة إلى دور الفراج في إدارة الصحيفة عندما كان يتولى رئاسة تحريرها موضحا "لعب وليد دورا مهما في الصحيفة، هو صحفي متميز وجاد في عمله ومازال". وأشار أحمد إلى أن العمل الصحفي ليس له علاقة بالتخصص، فهو يعتقد أن الصحفي يحتاج إلى مهارات ومواهب خاصة بغض النظر عن خلفيته الأكاديمية أو الثقافية. ورغم أنه انفصل عام 2003 عن زوجته الثانية والرياضي إلا أنه ظل محتفظا بتقديره الكبير لها ولأبيها ويصفه بأنه "عميق واستثنائي وديموقراطي".
رزق أحمد من زوجته الثانية بمشعل (7 سنوات)، ويعيش حاليا في جدة مع أمه. بينما يعيش ولداه مالك ونورس في الدمام مع أمهما. وأكثر ما يؤرق أحمد حاليا هو التئام أبنائه كونهم في مدينتين بعيدتين "مما يحول دون اجتماعهم على نحو يسعدني".

المفاجأة

وفوجئ الوسط الإعلامي ثلاثا عندما شاهدوا صورة أحمد الملا في صحيفة اليوم قبل عامين. المرة الأولى لأنها برفقة نبأ زواجه، وهو الذي طلق الزواج بالثلاث كما كان يردد دائما بعد الزواج الثاني. والمرة الثانية لأنه كان مرتديا بذلة رسمية وربطة عنق حمراء، مما يشكل اختراقا للتقاليد السعودية. والثالثة لأنه اقترن بفتاة شيعية، وهو القادم من أسرة دينية سنية شهيرة في الأحساء.
يقول أحمد "لم يكن هدفي الاصطدام بالمجتمع، النشر تم بمحض الصدفة"، حيث يؤكد أحمد أن المحرر الذي نقل وصوّر الزواج، وهو الصحفي خالد المطيويع، لم يكن مدعوا لحضور الزواج بل كان قادما للفندق الذي استضاف الحفل لتغطية مناسبة أخرى. وعندما علم بنبأ زواج الملا في إحدى قاعات الفندق حرص أن يلتقط صورة له. يقول أحمد "الأمر لم يزعجني، ولكن يزعجني من يعتقد أنني تعمدت أن أدعو الصحيفة، وأذيع الخبر على رؤوس الأشهاد تحديا للمجتمع". يكمل: "أحترم المجتمع لكن لا ألبي كل طلباته". وعن لبسه البذلة يبرر عضو مجلس النادي الأدبي بالمنطقة الشرقية "لا توجد لدي رغبة لارتداء المشلح (البشت). واللباس شأن شخصي".
وأرجع إقامته لحفل زواجه في قاعة احتفالات عامة إلى رغبة زوجته ريم البيات، التي كانت تتطلع أن يقام لها حفل زواج، كونه زواجها الأول وهو "لن يقف حائلا بينها وبين حق مشروع لها". واعترف أحمد، وهو يبتسم، أن زواجه لم يكن "قرارا شعبيا"، حيث احتج عليه الكثير من أفراد عائلته.
ولا ينكر أحمد أنه عرض موضوع زواجه على ابنه مالك الذي يدرس في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن في الظهران، وابنته نورس التي تدرس في جامعة الأمير محمد بن فهد بالخبر قبل الإقدام فعليا على هذه الخطوة.
يقول بعد أن ارتخى جسده وترقرقت دمعة نافرة من عينيه "كان هدفي أن يعرفا قبل الجميع. لم يضايقني احتجاج نورس وزعلها. الاختلاف ظاهرة صحية، وعلينا أن نعتاد عليه خاصة مع أبنائنا".
هز أغصانه، وأطلق سراح ابتسامته المسجونة داخل قفص صدره، عندما سألته عن مدى خشية زوجته الجديدة من زواج رابع يزيحها عن طريقه. يزأر "لست مزواجاً". يتابع "المزواج من يتزوج من أجل الزواج. أنا لست كذلك".
يشير أحمد إلى أن زواجه الثالث جاء من غير تخطيط، فقد أعلن إضرابه عن الزواج بعد زواجه الثاني، لكن مشروعا ثقافيا جمعه مع زوجته الجديدة، وهي مصورة فوتوغرافية، هدم جدارا كان يحول بينه وبين الاقتران بامرأة من جديد.
يبوح "عندما التقيتها شعرت بقرب لا يتحقق في مجتمعنا إلا بالزواج. وأنا مقتنع به كشراكة حقيقية".
قبل أن أودعه سألته عن سر لحيته التي يغرق فيها وجهه؟ هل هو آخر البوهيميين أم مارسيل خليفة جديد نبت في الجزيرة؟ يجيب "الأمر لا يحتمل أي تفسيرات. إنه الكسل".

عن موقع "التنور"
29/03/2008م


إقرأ أيضاً:-