درويش الذي رحل لا يجرب الموت لمرة الأولى ولكنه هذه المرة لا يتراجع

جريدة الايام

ثقافة - جعفر العلوي:
أن تتعرف على درويش وهو يلاحق فنجان قهوته في صباحٍ موحش من صباحات بيروت الثمانينية الدامية. أن تتلبس أنفاسه تتسارع وهو يتنقل من طاولة لأخرى ومن جدار لآخر ليصل مطبخه ذاك. أن تسمع

شغفه وتشم ذوقه في الفجر الأول على أول ما تسمع وتشم منه. ذاك يعني أنك تعرفت درويش كما يجب، أو كما يحب.
ذاك أن درويش الذي يعرّض ذاكرته تلك للنسيان، لا يترك لنا فسحة لننساها هناك قبل أن يقول لنا كل أشياءه، ويدعنا - ولو تحت هدير القصف - نتجول خلفه ونسمعه. نقرؤه في فترة كان أشبه فيها بمختبر

تجريبي تتقاطع فيه كل الفنون، لنكتشف أن درويش، ومن خلال نصه هذا، صار يتقاطع مع زمنين وربما أكثر، ما يعطي نصوص »ذاكرة للنسيان« انتشاءً ساحراً وهي تكتب درويش، قبل أن يكتبها. وهي

تتدخل فيه لتغير شيئاً منه لاحقاً.
هل هي البداية؟ أبداً. فالشاعر الذي رحل السبت عن 67 عاماً، يمتلك بدايات شعرية متعددة ليست تلك أولها، ونهايات أكثر تعدداً، ليس الموت آخرها بالتأكيد. وهو كما أداته الشعرية التي يستمدها دائماً من

فقد الوطن، لم يملك يوماً إلا أن يكون قدَراً آخراً يرافق سيرة الستين عاماً من الاحتلال الإسرائيلي لأرضه. فيكتب دائماً كما تأخذه أداته إلى ناحية الوطن/القضية. وكأن درويش الذي أفاق ذات يوم وهو يحمل

اسم »لاجئ فلسطيني«، و لم يعرف شيئاً آخر في فترة مبكرة من عمره سوى الاختباء عن عيون الإسرائيليين في أرضه لأنه »متسلل«، كأنه يبني الآن من قصيدته وطناً جميلاً آخراً.
حين كانت رئيسة الحكومة في تلك الفترة جولدا مائير تقول علناً: »ليس هناك فلسطينيون«. وحين كان الكثيرون من أبناء الوطن العربي يشككون في كل من يحمل الجنسية الإسرائيلية من مواطني 1948،

سيبدأ درويش بقول الشعر كنوع من أشكال العناد الذي بدأ به، واتخذ شكله الممنهج فيما بعد، وسيبدأ الآخر في الوقت ذاته بتضييق الخناق على الشاعر، ولعله يستجلي أن شاعراً بحجم درويش كان يتحمل في

تلك الفترة مهام الشعر و مهاماً كبيرة أخرى بحجم »التقاط الضمير الجمعي للأمة واستشراف آفاق الانتصارات والانكسارات«، وهو الأمر الذي دفع به كثيراً للضغط بشروطه السياسية أحياناً ضد شروطه

الأدبية أو العكس، بدون أن ينسى الانتصار للغته وأسلوبه في الحالتين.
ينضم درويش إلى حركة »شعر المقاومة« بمعية شعراء مثل توفيق زياد و سميح القاسم وسالم جبران، قبل أن يكتشف العالم العربي هذا التيار في ظل هزائم لا تخفف من وطأتها إلا قصائد بحجم قصائد

درويش ورفاقه وهي تحاول مسح الجرح وإعادة الأمل/الحلم إلى عيون الشارع العربي. ورغم أن قصائده كانت جزءاً من تركيبة الشعر المقاوم الذي بدأ في تلك المرحلة بمحاولة إيجاد بدائل للهزيمة وفي

الوقت ذاته محاولة التغيّر ضمن الموضوعات ذاتها، إلاّ أنّ نتاج درويش الغزير ميزه عن أصدقائه »أصدر خمس مجموعات شعرية مابين 1960 و 1971«، بالإضافة إلى توظيفه لمواضيع إنسانية

وأسطورية في القصيدة، وارتقاء مفرداته الترميزية لمستوى جديد من الترميز، والمزج بين الأسطورة والشعر الملحمي في كتابته للقصيدة التي يبدو فيها عميقاً في اختياراته من الموضوع وصولاً للموسيقى

والإيقاع والقاموس اللغوي. وعبر هذا المزج بين الإنسان الشاعر والمقاوم، استطاع درويش أن يخلق له قاعدة جماهيرية شعبية بمحاذاة القاعدة المثقفة، وهي استراتيجية شعرية نضالية جعلت من أمسياته

ملاذاً للآلاف من الزاحفين للشعر والنضال.
بعد اعتقاله لثلاث مرات 1961،1965،1976 كانت بيروت الملاذ الأول لشاعريّة درويش، وفي حين ذهب إليها محملاً بشعره، استقبلته بأصوات الانفجارات التي كانت تمزق سمعه في شوارعها، ومع

تعاظم شهرته الأدبية كان درويش يحاول أن يبدأ من جديد وللمرة الثانية في تطوير أساليبه وأدواته وموضوعاته ليصل بعدها إلى ممازجة فريدة بين كونه شاعراً مسكوناً بأيديولوجيا فقد الوطن، وبين كونه

ممثلاً لضمير جمعي يدرك تأثير شعره على أفكاره وتوجهاته وتحركاته.
ورغم أن الضمير الجمعي هذا ظل عنيداً لفترة، إلا أن درويش استطاع أن يُفقد قارئه شهيّته القديمة للنص الحماسي و الخطاب الفخري فيه، وأن يطوع قارئه على تنوع اتجاهاته إلى نصه الجديد، واستطاع

عبر تصاعد ديناميكية التطور والتحديث في نصوصه - على مستوى الموضوع والمفردة - أن يخلق استيعاباً جديداً لها من قبل القارئ العربي باختلاف مراحل هذا التطور. في مناخات شعرية متعددة في

قصائد مثل »أوراق الزيتون« و »عاشق من فلسطين« التي يبدو فيها هذا التحول بوضوح، ومنها يبدأ الشاعر في خلق وتوليد صوره الغريبة الجديدة.
تصبح قصيدة درويش أكثر اختزالاً وكثافة في الثمانينات، بعد أن يلبسها لباس أنسنة الهزائم، ثم ما يلبث أن يعبر في صوره الشعرية اللاحقة عن »يأسه« بعد خروج الفلسطينيين من بيروت في العام 1928

لتأخذ قصائده بعدها طبيعة النهايات المفتوحة على الأمل اللامعروف.
إذاً، بدأ درويش في ظلال النص شاعراً لقضيته، لكنه تماهى معها إلى ما هو أبعد من حدودها، إنه القدر الذي أخذ الاثنين معاً، درويش والقصيدة يسيران في اتجاه الأسئلة التي يطرحانها، وبعد أن أخرجت

المقاومة الفلسطينية من لبنان كان درويش يشعر للمرة الأولى بضرورة إخراج الشعرية في كتاباته جنباً إلى جنب مع القضية، إخراجها من ثيمة الجاهز في النص الشعري وإخراج القضية إلى فضائها الكوني

والإنساني. ومن ذلك أنتج »مديح الظل العالي« التي أدان الإنسانية فيها.
من بيروت التي كتب فيها أبرز ما كتب في تجربته الشعرية، غادر مجبراً إلى باريس، ومن القاهرة وتونس كان أمل العودة يدفع درويش دائماً للمقاومة، غير أن اتفاقية أوسلو فتحت أمامه أفقاً مظلماً دفعه

لليأس أكثر من أي وقت مضى، فقدم استقالته من المجلس الوطني الفلسطيني. قال: »هذا الاتفاق ليس عادلاً؛ لأنه لا يوفر الحد الأدنى من إحساس الفلسطيني بامتلاك هويته الفلسطينية، ولا جغرافية هذه

الهوية، إنما يجعل الشعب الفلسطيني مطروحاً أمام مرحلة تجريب انتقالي. وقد أسفر الواقع والتجريب بعد ثلاث سنوات عن شيء أكثر مأساوية وأكثر سخرية، وهو أن نص أوسلو أفضل من الواقع الذي أنتجه

هذا النص«.
في يونيو 1994عاد درويش إلى فلسطين، وفي رام الله كان يقاوم بشعره مجدداً ليدخل بهذا الشعر مرحلة بدايات أخرى لا تختلف عن بقية البدايات، ولكنها هذه المرة أقرب منها لجهة الشارع العربي الذي بدأ

يتقرّب من شعرية درويش في دواوين شعرية لاحقة، وأصبح أكثر اعتياداً على شعريته الجديدة.
أمسية أقامها الشاعر العام الماضي في حيفا بعد 40 عاماً من الغياب، كان لابد لها أن تعيد ذاكرة جماهيره مجدداً إلى الثورية التي يستمدونها من شعره دائماً، وهم يعولون على أملهم من اللحظة الحميمية التي

ستجمعه بحيفا، لكن درويش كان هذه المرة هادئاً أكثر من أي وقت مضى. ولم يختلف الأمر كثيراً حين استمع جمهوره إليه في يوليو الماضي، في افتتاحه لمهرجان »وين ع رام الله«، حين قرأ محمود

مجموعة من قصائده الجديدة ومنها »سيناريو جاهز« و »لاعب النرد«.
درويش لا يجرب الموت للمرة الأولى، ولكنه اختبره من قبل وخرج منه كأبلغ من يمكن أن يصفه ليحتفي من خلاله بالحياة في جداريته، ولكن الشاعر الذي ترجل هذه المرة إلى الأبد لا ينوي أن يتراجع عن

موته ليكتب مجدداً، بعد أن قال لنا كل الذي لديه.

*********

رحيلٌ وحّد الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة

ينظم الفلسطينيون غدا الثلاثاء جنازة رسمية للشاعر الفلسطيني محمود درويش الذي توفي السبت عقب جراحة في القلب بمستشفى في ولاية تكساس الأمريكية عن 67 عاما .
وقالت وزيرة الثقافة الفلسطينية تهاني أبودقة إن الجنازة ستكون على الأرجح الأكبر منذ وفاة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات رئيس منظمة التحرير الفلسطينية عام 2004 وستقام في مدينة رام الله بالضفة

الغربية حيث مقر السلطة الفلسطينية.
وذكر مسؤول آخر أن السلطات تعتزم إقامة نصب تذكاري عند قبر درويش يخلد أعماله وتمثالاً له. وكان درويش جعل من مدينة رام الله مقرا له منذ عودته في التسعينات من المنفى.

وقد توحدت المؤسسات والشخصيات الفلسطينية، سواء التابعة لحكومة حماس المقالة في غزة او التابعة للسلطة والحكومة الفلسطينية في الضفة الغربية، في الإعراب عن الحزن على وفاة الشاعر الكبير

محمود درويش وتسابقت في تأبينه.
وعبر الفلسطينيون في الضفة الغربية وقطاع غزة عن شعورهم بالحزن والأسى والصدمة لوفاة درويش.

وتجمع عدد من الفلسطينين مساء أمس وسط مدينة رام الله واضاؤوا الشموع تعبيرا عن حزنهم لرحيل درويش كما حفلت عناوين الصفحات الأولى بالصحف الفلسطينية بالموضوعات والصور عن الشاعر

الكبير. وفي قطاع غزة الذي تسيطر عليه حركة حماس أشاد السكان والأصدقاء بالشاعر الراحل.
وفي حين اعلن الرئيس الفلسطيني محمود عباس السبت الحداد ثلاثة ايام على درويش، فتحت وزارة الثقافة الفلسطينية التابعة لحكومة اسماعيل هنية المقالة بيتا لتقبل التعازي بدرويش في قطاع غزة. واوقف

التلفزيون الفلسطيني التابع للسلطة في الضفة الغربية بث برامجه العادية واكتفى بتقديم برامج خاصة بالشاعر الكبير، كما ركز تلفزيون الاقصى التابع لحركة حماس في شريطه الاخباري على الحدث ونقل

نعيا خاصا لرئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل المقيم في دمشق.
وقال الرئيس الفلسطيني في خطاب مقتضب أذاعه التلفزيون »إن غياب شاعرنا الكبير محمود درويش عاشق فلسطين رائد المشروع الثقافي الفلسطيني الحديث والقائد الوطني اللامع والمعطاء سيترك فراغا

كبيرا في حياتنا الثقافية والسياسية والوطنية لن يملأه سوى اولئك المبدعين الذين تتلمذوا في مدرسته وتمثلوا أشعاره وكتاباته وافكاره وسيواصلون حمل رسالته الابداعية لهذا الجيل وللاجيال القادمة.
بدوره نعى الأمين العام للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين نايف حواتمة الشاعر الراحل فى بيان و طالب بادراج تراث درويش الأدبي والثقافي في المناهج الفلسطينية والعربية.
من جانبه قال الامين عام لاتحاد الكتاب الفلسطينيين، المتوكل طه في تصريح صحافي : »اعتقد ان العالم كله عرف فلسطين من خلال اسمين او رمزين، هما ياسر عرفات ومحمود درويش، وفلسطين الان

باتت بلا رموز ويتيمة مثلما هو الشعر اليوم يتيما مع رحيل شاعرنا درويش«.
وقال الكاتب الفلسطيني حسن الكاشف الذي عمل مع درويش في الثمانينات ان درويش يمثل الألم والتجربة الفلسطينية. وقال وزير الثقافة الفلسطيني السابق ابراهيم براش في مقال له أمس : »محمود درويش

ليس شاعر فلسطين ولا شاعر العرب فقط بل رسول مرسل من اله الشعر ليعبر عن الانسانية بكل ما فيها من معاني الجمال والحب والحزن والمعاناة والتضحية..
واقتبس احمد الطيبي العضو العربي في الكنيست الإسرائيلي وصديق درويش اسم قصيدته الاخيرة »لاعب النرد« عنوانا لمقال له أمس الاحد دعاه فيه الى النهوض وقال »انهض... فلسطين كلها والعرب

تحمل قلوبها اليك ..لتنهض ..حاصر حصارك واقهر مرضك وانهض وقم من نومك المؤقت وانهض«. ووجه رحيل درويش صدمة كبيرة لمحبيه وقال حافظ البرغوثي رئيس تحرير صحيفة الحياة الجديدة في

مقال له اليوم »يا ايها المحمود فينا من غيرك انت يرفعنا..

****

باريس: سيستمر صدى رسالته الداعية للتعايش وستمسع الرسالة في النهاية
العالم ينعى شاعر الجرح الفلسطيني محمود درويش

عواصم - وكالات :
نعى الامين العام للجامعة العربية عمرو موسى أمس الاحد »شاعر فلسطين والعرب الكبير محمود درويش«. وقال موسى في بيان »ببالغ الاسى والحزن تنعي جامعة الدول العربية الشاعر المبدع محمود

درويش والذي برحيله تفتقد فلسطين والعرب جميعا واحدا من ابرز اعلامها الشعرية والثقافية في العصر الحديث«.
وقال وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنر إن بلاده تشارك الفلسطينيين إعجابهم »بهذه الشخصية العظيمة التي يجسد شعرها الحنين والحرية ويتحد عنا جميعا.. محمود درويش كان يعرف كيف يعبر عن

ارتباط شعب بأكمله بأرضه والرغبة المطلقة في السلام. سيستمر صدى رسالته التي تدعو للتعايش في التردد وستسمع الرسالة في النهاية«.
ووجه الرئيس التونسي زين العابدين بن علي أمس برقية تعزية الى الرئيس الفلسطيني محمود عباس في وفاة الشاعر الراحل الذي وصفه بـ »ابن فلسطين البار وشاعرها الكبير«. كما نعت وزارة الثقافة

التونسية »نجما ابداعيا ارتبط اسمه بالقضية الفلسطينية العادلة«.
ووجهت الاحزاب والشخصيات اللبنانية بمختلف اتجاهاتها أمس برقيات التعزية ورسائل التأبين بمحمود درويش »عاشق بيروت«. واجرى رئيس الحكومة فؤاد السنيورة اتصالا هاتفيا برئيس السلطة

الفلسطينية محمود عباس معزيا برحيل الشاعر الكبير. كما وجه رئيس مجلس النواب نبيه بري برقية تعزية الى الرئيس الفلسطيني جاء فيها »بعد محمود درويش ستصبح يوميات الحزن الفلسطينية استثنائية

بالألم والمرارة والأمل« مضيفا »معا سنواصل الحلم الفلسطيني، ومعا سنفتح بوابات العيون على شمس فلسطين المضيئة على تلال الكرمل ويافا وجبل الزيتون ودائما القدس«.
وختم بري قائلا »الشعراء لا يموتون لنا الرحمة ولفلسطين العزة«.
كما نعى وزير الاعلام اللبناني طارق متري الشاعر الفلسطيني قائلا »كان يحلو له القول، إنه فلسطيني بالاختيار الحر، وأن له انتماء الى بيروت، بالاختيار أيضا، يبحث فيها عن طفولة جديدة ودور لا يغلق

عليه أو يضيق« مضيفا »سلام على محمود درويش فيما يوزع القمح الذي امتلأت به روحه، ويودع أرضنا وينثر فيها ملحا كثيرا«. ونعت الأمانة العامة لاتحاد الأدباء والكتاب في اليمن وفاة محمود

درويش معتبرة في بيان لها أن رحيل الشاعر الكبير محمود درويش هو رحيل مؤلم وحزين وخسارة فادحة للفكر والأدب والثقافة العربية والاسلامية ويمثل خسارة جسيمة للانسانية جمعاء0
ومن جانبه قال الشاعر المصري أحمد فؤاد نجم إن درويش: »ترجم الألم والحزن والجرح الفلسطيني بشكل ساحر.. أبكانا وأسعدنا وهزنا من الوجدان«. وأضاف »إلى جانب أنه شاعر الجرح الفلسطيني

الذي يوجع كل العرب وكل الشرفاء في العالم فهو شاعر فحل. هو متنبي هذا العصر«.
وقال الإعلامي اللبناني زاهي وهبي وهو شاعر وصديق لدرويش »لم تعد قضية فلسطين بشعر محمود درويش شبه أسطورة وإنما صارت حكاية ناس من لحم ودم ومشاعر«.
وقال الشاعر المصري البارز عبد الرحمن الأبنودي وهو صديق لدرويش إن الشاعر الراحل »استطاع أن يحول القضية الفلسطينية إلى أغاريد تتجاوزها وتتجاوز قضايانا العربية كلها«. وأضاف »مش قادر

أقول ربنا يعوضنا عنه لأنه ظاهرة نادرة التكرار«. وقال الشاعر مراد السوداني رئيس بيت الشعر الفلسطيني لرويترز »نسأله بحسرة يا محمود درويش لماذا تركت حصان الشعر وحيدا في هذا الزمن

الصعب الذي يحتاج فارسا للكلمة ينازل هذا النقيض بالكلمة والحربة«.

*****

شاعر الروح والوطن وأهم منبر ثقافي

القاهرة- دبا :
رحل الشاعر الفلسطيني محمود درويش الشاعر الذي يعتبره الكثيرون من نقاد الشعر من اهم شعراء العالم ومن اهم شعراء الشعر الحديث في العالم العربي. ويعتبره الفلسطينيون أنه أهم منبر ثقافي أسهم في

تشكيل الوجدان والوعي الثقافي مبكرا لدى أجيال كاملة من الشعب الفلسطيني ومن شباب العالم العربي والشاعر العربي الذي تهافت عليه محبو الشعر والمستمعون في العالم العربي بدون انقطاع.
وشكل مدرسة شعرية بقوة شعره دون أن يقصد بناء مثل هذه المدرسة التي صبغت عالما شعريا عربيا في الستينيات والسبعينيات بصبغتها وشكلت رافدا من اهم روافد الشعر العربي الحديث الذي أصبح

درويش علامته البارزه طوال اكثر من 40 عاما بدءا من ديوانه الشعري الاول »عصافير بلا اجنحة« عام 1960.
وانطلق بعدها دون توقف ليقدم في ديوانه »اوراق الزيتون« عام 1946 الذي اصبح في تلك الفترة إنجيلا فلسطينيا للمقاومة داخل فلسطين المحتلة عام 1948 خصوصا قصيدة »سجل انا عربي« التي

أعلن من خلالها درويش تحدي الأقلية العربية تحت الاحتلال لقمع الاحتلال ورفض تذويب الهوية العربية لـ 165 الف فلسطيني بقوا صامدين على أرضهم.
وكانت الفواصل الزمنية بين نشرة الديوان والذي يليه يحمل تطورا واندفاعات جديدة إبداعية وشعرية جديدة تدلل على تمكنه من أدائه ومن ارتباط حياته فيما بعد في هذا النوع الإبداعي في الفترة الاولى من

حياته داخل فلسطين.
فأي اطلاله على دواوينه الستة التي أصدرها خلال هذه المرحلة يمكن ملاحظة هذه التطورات والعلامات الفارقة فيما بين الدواوين والذي يليه، فإلى جانب الديوانين السابقين أصدر أربعة دواوين هي »عاشق

من فلسطين« عام 1966 و»آخر الليل« عام 1967 و»العصافير تموت في الجليل« عام 1970 و»حبيبتي تنهض من نومها« عام 1970.
وتجاوز في تجربته هذه رفاقه من الشعراء في الأراضي المحتلة الراحلين راشد حسين وتوفيق زياد ورفيق رحلته القريب من تجربته وعمره سميح القاسم خصوصا في دواوينه الشعرية اللاحقة التي صدرت

في المنفى وهي التي أعلنت عن موهبة شاعر يعتبر من اهم الشعراء على صعيد العالم وليس العالم العربي، خصوصا بعد ان ترجم شعره الى اكثر من 40 لغة عالمية وبدأ الحديث من قبل العديد من الاطراف

حول ترشيحه لجائزة نوبل للاداب.
وجاء خروجه الى الاتحاد السوفييتى السابق في عام 1927 وفيما بعد انتقاله إلى القاهرة وبيروت ليقدم موجة جديدة من الشعر والإبداع كانت خطواته الاولى في ديوان حيث بدأت رحلته في الخارج مع

اصداره ديوان »احبك او لا احبك« الذي جاء نقلة في شعر درويش اتجاه افاق ارحب عبر عنها في كثير من النصوص النثرية وفيما بعد الشعرية خلال توليه رئاسة تحرير مجلة »شؤون فلسطينية« الصادرة

عن مركز البحوث الفلسطيني.
واستمر درويش في تطوير شعره بعد ذلك بما ينسجم مع اتساع افقه الانساني على صعيد عالمي رغم عدم مغادرته المحلية الفلسطينية والعربية التي تفاقمت ازماتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية وتراجع

دورها التحرري بما عكس نفسه على شعره في الحفاظ على الامل للمستقبل.
واستطاع ان يعيد تقييم الاوضاع بعمقها الانساني بشكل كبير في نثريته »يوميات الحزن العادي« وصور مذبحة المخيم الفلسطيني »تل الزعتر« في ديوانه الشهير »احمد الزعتر«.
واعاد تقييم هزيمة منظمة التحرير في العاصمة اللبنانية بيروت عام 1982 في قصيدته »مديح الظل العالي«، وكانت قاعة جامعة دمشق اطلالتها الاولى وتحولت الى اغنية رائعة للموسيقار والمغني

اللبناني مرسيل خليفة الذي انطلق مبكرا في غناء شعر محمود درويش وهي اغاني لاقت صدى واسعا في العالم العربي بما في ذلك قصائد من دواوينه القديمة.
وكذلك بعد عودته الى فلسطين ورؤيته لاستنزاف الاراضي الفلسطينية واقامة المستوطنات فوقها والرفض الاسرائيلي الدائم لاقامة السلطة الفلسطنية قدم قصيدته »عابرون في كلام عابر« التي أثارت جدلا

واسعا على صعيد عربي واسرائيلي.
وانتهاء بديوانه الأخير »انت منذ الان غيرك« التي صدرت مطلع العام الجاري وانتقد فيها الاقتتال الفلسطيني الداخلي محملا حركة حماس التي عملت على شق الصف الفلسطيني منذ بداية الانتفاضة الاولى

عام 1987. الى جدليته الرائعة بين المصير الفردي والوطني في ديوانه »جدارية محمود درويش« التي حاور فيها الموت اثر أزمة صحية مر بها رابطا مصيره الشخصي بما يدور حوله وإن كان الاتجاه

الأكثر إلى الإمعان في محاورة أدبية شعرية رائعة للموت وتحديه انتصارا للحياة.
وصدر للشاعر أيضا عدد من الدواوين الشعرية والكتب النثرية بينها دواوين »مطر ناعم في خريف بعيد« و»يوميات جرح فلسطيني« و»حبيبتي تنهض من نومها« و»محاولة رقم 7« و»هي أغنية ...

هي أغنية« و»لا تعتذر عما فعلت« و»عرائس« و»العصافير تموت في الجليل« و»تلك صوتها وهذا انتحار العاشق«، »حصار لمدائح البحر« و»شيء عن الوطن« و»كزهر اللوز او ابعد« و»لماذا

تركت الحصان وحيدا؟« و»احد عشر كوكبا« و»اثر الفراشة«. والنص الادبي »في حضرة الغياب« ومجموعة من المقالات ذات العمق الادبي »وداعا ايها الحرب وداعا ايها السلم«.

الأيام
11- اغسطي 2008

يتبع